النص المفهرس

صفحات 21-40

(٢١)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
حجية السنة
لا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث مروي عن رسول الله عل ◌ّم على عقيدة
دينية أو حكم شرعي يتوقف على أمرين أساسيين:
أولهما: ثبوت أن السنة حجة وأصل من أصول التشريع.
ثانيهما: ثبوت ورود هذا الحديث بطريق من طرق الرواية المعتمدة.
ثم إن العلماء اختلفوا بالنسبة للأمر الثاني في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور
الحديث عن رسول الله ◌ِيَ الله اختلافاً كثيراً:
فمن الناس من أنكر العمل بكل ما يروى عن النبي عدّ لظلم لا من حيث صدورها
عنه، وأن ما صدر ليس بحجة؛ ولكن من حيث عدم ثبوت هذا الصدور من طريق
يصح الاعتماد عليها والاطمئنان إليها.
وهذا الفريق من الناس ذكره السيوطي في كتابه ((مفتاح الجنة في الاحتجاج
بالسنة))(١).
ومنهم من قال: إنما يثبت بالتواتر فقط، ورد جميع أخبار الآحاد.
وفريق ثالث: أثبته بكل منهما (التواتر والآحاد) وهذا الفريق اختلف في شروط خبر
الواحد اختلافاً كثيراً.
وأما الأمر الأول: وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله علَليم
فهل وقع فيه خلاف؟.
الذي لا شك فيه أن موجبات الخلاف اختلاف الملل والنحل وتفاوت العقول؛ فهذا
قد قصر عقله عن إدراك ما يقال وما يفعل، وهذا قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على
علم، وثالث قد مرق من الدين مروق السهم من الرمية، وبين هؤلاء وهؤلاء الغارقون
في ظلمات الجهل وعماية الفهم يشق النور طريقه مخترقاً ذلك الظلام الدامس؛ فسرعان
ما يبدده؛ بتفنيد هذه الآراء والتمييز بين المتعالمين والعلماء بحجج قاطعة وبراهين ساطعة،
يرتاح إليها المنصفون، وينزعج لتبيانها المبطلون.
(١) ص٣ من الكتاب المذكور، وانظر بحثنا عن حجية السنة في ((فتح العلام)) للشيخ زكريا
الأنصاري.

(٢٢)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
تجنب
فحجية السنة ليس المراد: منها أقوال النبي وأفعاله وتقريراته لذاتها؛ بل من حيث
صدورها ممن ثبتت رسالته وعصمته؛ فإذا قلنا: إنها ضرورة دينية أي: أنها أصبحت
معلومة الخاص والعام، العالم والجاهل، ولكل أفراد الأمة الإسلامية، لا ينكرها
منكر، ولا يشك فيها شاك حتى يطالبنا ببيان دليلها وأصلها، فلما لم نحتج إلى بيان
دليل لمنكر لها كصلاة الظهر مثلاً، وأنها أربع ركعات صارت بمنزلة القضايا الضرورية
حقيقة؛ ولذلك كان الحكم على منكرها أو الشاك فيها - بالردة؛ لما تقرر من أن الإيمان
هو التصديق القلبي في جميع ما علم مجيئه على يد النبي عزَّم بالضرورة.
وخلاصةُ القَوْلِ: أنَّ الأئمَّةَ قاطبةً مُجْمِعُون علَى اتِّخَاذ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قاعدةً
أساسيَّةٌ بَعْد كتابِ الله تعالَى، وأنَّه يجبُ العَمَل به في القَضَاء والإفْتَاءِ، ولو خالَفَ
مذاهبهم.
كان بعضهم يعتصِم بالحَدِيث حتَّى كاد يُقْصِرُ اجتهادَهُ علَيْهِ، وبعضُهم أسَّس مذْهَبَه
على ظاهِرِهِ، وأنْكَر ما عَدَاه، ولا غرابَةَ؛ فإنَّ الَعِينُ الذي لا يَنْضُب بَعْد كتَابِ الله، فِيه
يجد المجتهدُ مجالاً واسعًا لاسْتِنْباط الأحكامِ، وهو مفتاحُ القرآنِ، ومرقاةُ الوصُولِ إِلى
فَهْمِهِ علَى وجْهِهِ، فقدْ فصَّل ما أجْملَ، وأحْكَم ما تشابه، وكمَّل ما سكَت عنْهِ،، وإذا
كان الحديثُ بهذه المثابَةِ، فلا بأس أن نَسْرُد أقوال الأئِمَّةَ فيه، ونبيِّن مقدار تمسُّكهم به
في تشْرِيعهم؛ فها هو الإمامُ الشافعيُّ ◌ِثُه يقول: «إذا صحَّ الحديث فهُوَ مذْهبي، وإذا
وجَدتُّم في كتابي خلافَ سنَّةُ رسول الله فدعُوا قولي وقولوا بسْنَّةً رسول الله)) وقد سلَكَ
أصحابهُ هذا المَسْلك، فكانوا يُفْتُون بالحدِيثِ، بلْ كان بعْضُهم إذا رأى مسْأَلَةٌ تعارَضَ .
فيها الحديثُ ومذهبُ الشافعيِّ، أخذ بالحديثِ وأفْتَى به قائلاً: ((هكَذَا مذْهَبُ
الشَّافعيِّ».
:
وجاء في ((شرْح الهداية)) لابن الشحنة: ((إذا صحَّ الحديثُ، وكانَ مخالفاً للمَذْهَب،
عمل بالحديثِ، ويكون ذلك مذْهَبَ منْ صحَّ عنده». ثم قال: ((ولا يَخْرُج مقلِّده عن
كُونه حنّفِيًّا بالعمل به؛ لما رُوِيَ عن أبي حنيفة أنَّه قال: ((إذا صحَّ الحديث، فهو
مَذْهَبِي)». وقد حكى ذلك ابْنُ عَبْد الْبَرِّ عن أبي حنيفة وغيرِه من الأئمة)).
آراء بعض المستشرقين في السنة ونقدها
يرى جولد تسيهر أن أكثر الأحاديث النبوية موضوعة؛ لأنها نتيجة للتطور الإسلامي

(٢٣)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
السياسي والاجتماعي ، وأن الصحابة والتابعين لهم يد في وضع هذه الأحاديث.
كما يرى أن أصحاب المذاهب ينتحلون أحاديث لدعم مذهبهم؛ بل إن بعضهم عزز
آراءه العقدية والفقهية حتى في العبادات بأحاديث ظاهرة لا تشوبها أية شائبة.
كما يظن اختلاف وجهات نظر النقاد المسلمين والأجانب في التسليم بصحة
الأحاديث من عدمها.
وأخيراً يصور الكتب الستة الصحاح بأنها ضم لأنواع من الأحاديث التي كانت مبعثرة
رأي جَامِعُوها أنها صحيحة.
تلك هى النقاط الخمسة التي خرجت رجيعاً من الأمعاء السبعة التي يأكل فيها هذا
الكافر الحاقد وهي أتفه من أن أفندها أو أناقشها فإن مثل هذا الحاقد ومَنْ على شاكلته
خير من إجابته السكوت؛ لأن أصل فريتهم يتناول جانبين أساسيين:
أحدهما: أن النبي محمداً أحد المصلحين الذين كان لهم تأثير في مجتمعهم، وما
زالت يده الإصلاحية ممتدة على مر السنين والأيام، فكل ما أتى به من اختراعه
وابتكاره، لا وحیاً إليه من ربه.
والأمر الثاني: أن أصحابه كانوا من خيرة معاونيه على تدعيم وجهات نظره
واستكمال منهجه حتى مكن الله لهم في الأرض، وأن السيف كان أداتهم في تدعيم
آرائهم ومعتقداتهم ... تلك هي خلاصة ما يرونه في الإسلام ونبي الإسلام فيما يبدونه
من آراء؛ ولكن الحق أن هؤلاء إن لم يكونوا من اليهود فهم على كل حال من سلالة
القردة والخنازير؛ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْناءهُم وإنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَّ وهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾(١) وهذا هو باطنهم الذي لم يستطيعوا أن يجهروا به حتى لا يفلت زمام
السيطرة والجاه الزائف والسلطان الكاذب من بين أيديهم ...
ولعلك توافقني أيها القارئ الكريم بعد أن عرفت هذه الحقيقة الدامغة أن نسكت معاً
عن الخوض في قضية تقوم المناقشة فيها على المصادرة على آرائنا والكبر والمعاندة
والمجادلة والجواب الجدلي السفسطائي من جهتهم.
وقد تبع هؤلاء بعضُ المسلمين من أمثال أحمد أمين صاحب ((فجر الإسلام» الذي إن
(١) البقرة : ١٤٦.

(٢٤)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
صح التعبير قلت: هو ((غروب شمس الإسلام)) على يد هذا المؤلف البالغ الجرأة على الله
ورسوله، وغيره ممن يظن أنَّ لهم قدماً وباعاً في التجديد والتطوير والتنوير، وأقل
ما يقال في مثل هؤلاء:
الفسق أوله والكفر آخره
إن التطور في شيئين منحصر

(٢٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
مكانة السنة في القرن الثالث(١)
كان لظهور الاعتزال في القرن الثالث الهجري على يد واصل بن عطاء (ت ١٣١ هـ)
أثر كبير في نشأة الخلاف بين هذه الفرقة وأهل السنة، تناول كثيراً من الجوانب العقدية
التي قررت أصولاً هي أبعد ما تكون عن مذهب الحسن البصري وغيره من السلف،
وكانت أشهر قضايا هذه الفرقة المعتزلة القول بنسبة خلق أفعال العباد لأنفسهم لا لله؛
فوجب على الله إثابتهم أو عقابهم، خلافاً لما قاله أهل السنة: من أن الله خالق
الأفعال، وليس للخلق منها إلا الكسب أو الاكتساب، بناء على اختيارهم.
والثانية: تنزيه الله عن ثبوت صفات قائمة بذاته - في نظرهم - كالسمع والبصر
والحياة والقدرة والكلامَ خوفاً من تعدد القدماء ولم يعلموا أنها صفات قائمة بذاته تعالى
ليست هي عين ذاته ولا غيرها .. مما أدى إلى قولهم بخلق القرآن.
كان سلطان العقل هو القوة المسيطرة عليهم في كثير من العقائد والأحكام حتى
تَجرءُوا على الأحاديث النبوية بردها إذا لم يجدوا لها تأويلا تستسيغه عقولهم.
والحق أن ظهورهم على الساحة الإسلامية كان في وقت ظهرت فيه موجات من
الإلحاد، وبدا فيه اللسان الأعجمي بعد كثرة الفتوحات في الدولتين الأموية والعباسية
وظهور الشعوبية وثورة الموالي إلى غير ذلك؛ مما جعل الفكر الإسلامي يأخذ طريقاً يكاد
يحيد عن الجادة في ظل هذه الظروف الجديدة.
وجاء القرن الثالث ليتيح فرصة لهؤلاء المتكلمين على يد الخليفة المأمون (١٩٨ -
٢١٨) للدخول في معركة وحشية بينهم وبين المحدثين.
كان حب المأمون للعلم وذكاؤه الخارق سبباً في جمع العلماء على مائدة العلم، وإن
تنافرت أفكارهم وتعددت آراؤهم؛ حتى صار عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني
العباس.
كان يعقد مجالس المناظرة بين الطرفين المتخاصمين تجلت فيها المصادرة والمكابرة لا
(١) ونخص هذا القرن والذي يليه بالحديث؛ نظرا لانقراض عصر الصحابة والتابعين، وظهور
البدع وانتشار الكذب في حديث سيدنا رسول الله عنهم، وقيام علماء الحديث بالذب عن
المصدر الثاني للتشريع.

(٢٦ ) :
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
لإظهار الصواب وإلزام الخصم؛ ولكن لبيان الفضل؛ كما ظهرت المعاندة والمجادلة
والأجوبة الجدلية، وكان المأمون ينحاز إلى المعتزلة في بعض آرائهم؛ كالقول بخلق
القرآن .. تلك الفتنة التي أثارها مثلث الاعتزال، وهم: الجعد بن درهم وجهم بن
صفوان وبشر المريسي، وظن المأمون بذلك أن رأيه سيكون موضع استجابة من العلماء
والفقهاء؛ ولكن جاء الأمر على غير ما توقع: من رميه بالابتداع؛ حتى وصل الأمر من
بعض المغالين بتكفير من يرى أن القرآن مخلوق،، وتأول آيات ((الجعل)) في القرآن أنها
تفيد الخلق، وما علم تعدد معاني هذا اللفظ الذي قد يرد بمعنى: ((التسمية كذباً))؛ كقوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾(١) أي: سموه كذباً وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلائِكَةَ
أَلَّذِينَ هُمْ عبدُ الرُحمنِ إِنَثاً﴾ (٢) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لْيُسَمُونَ الْمَلائِكَةَ
تَسَّمِيَةَ الأُنثَى﴾(٣) وقد تأتي بمعنى ((أوجد)) وتتعدى إلى مفعول واحد، والفرق بينها وبين
الخلق أن الخلق فيه معنى التقدير، ويكون ذلك عن عدم سابق؛ حيث لا يتقدم سيب
محسوس ولا مادة؛ بخلاف الجعل بمعنى الإيجاد؛ قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ
السّمَوَاتِ والأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنّورُ﴾(٤) وإنما الظلمات والنور توجد بوجودها
وتعدم بعدمها .
وقد ترد بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير، فتتعدى إلى مفعولين، إما حساً
كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ فِرَاشَا﴾(٥) وإما عقلا كقوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ
الآلِهَةَ إِلَهاً وَأَحَداً﴾ (٦).
وقد تؤدي معنى الاعتقاد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لله شُرَكَآءَ الجنَّ﴾(٧).
وقد تفيد الحكم بالشيء على الشيء حقّاً كان أو باطلاً؛ فالحق كقوله: ﴿إنَّ رَادُوهُ
(١) الحجر: ٩١.
(٢) الزخرف: ١٩.
(٣) النجم: ٢٧ .
(٤) الأنعام: ١.
(٥) البقرة: ٢٢.
(٦) ص: ٥.
(١) الأنعام: ١٠٠

(٢٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرسَلِينَ﴾(١) والباطل كقوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث
وَالأنْعَامِ نصَياً﴾ (٢))(٣).
تبنى المأمون قضية القول بخلق القرآن وجند لها أخاه المعتصم الذي كان يطلب إلى
المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق، وقتل في هذه المحنة من العلماء من
قتل، وأُهين من أهل الحديث من أهين؛ لاسيما الإمام أحمد بن حنبل، وروج للعامّة
الفتنة الواثق بعد المعتصم، الذي كان يختبر الأئمة والمؤذنين في القول بخلق القرآن
ويظهر الغلظة لمن قال بغير هذا؛ بل وقتل في ذلك بعض رجال الحديث، وإذا أراد الله
بالأمير شراً جعل له وزير سوء؛ فكان عامل الواثق أحمد بن أبي دؤاد أحد رءوس
الاعتزال، الذي خذله أحد رجال الحديث، في مناظرة ألجمته عن التمادي في الباطل،
وأرجعت الواثق عن رأيه بعد اقتناعه بوجهة نظر شيخ المحدثين وقتذاك.
وكان نصر الله للمحدثين على يد المتوكل ابن المعتصم، الذي استقدم المحدثين،
وأجزل عطاياهم، وأطلق ألسنتهم؛ فتحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية؛ فاستراح الناس
لهذا الخليفة الذي أحيا السنة وأمات البدعة(٤).
ولكن أقطاب الاعتزال لم تهدأ نفوسهم فما زالوا يطلقون ألسنتهم بالسوء ويرمونهم
بالنقائص والعيوب، وظهرت الفرق على الساحة الإسلامية فأطل الخوارج برءوسهم
يتأولون الأحاديث التي ينتصرون بها لمذهبهم، ومن عجب أن زعماء الاستشراق ينقلون
هذه الخلافات المذهبية دون أن يمحصوها لأنهم يحققون بذلك غرضاً أدنا في نفوسهم؛
وهو الطعن على الإسلام ورجاله.
والحق أن رجال الحديث في قثم كانوا على طريقة السلف من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم يحتاطون لأمر دينهم، ويتشبسون في رواية السنة، ويقفون مع ظواهر النصوص
بمعنى: إقرار المحكم والوقوف عند المتشابه حتى لا يجرهم ذلك إلى تأويلات ربما تسرب
. (١) القصص: ٧.
(٢) الأنعام: ٢١٣.
(٣) انظر: مناع القطان/ مباحث في علوم القرآن: ٢١٣، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٩٨١ .
(٤) انظر البداية والنهاية: ٢٧٢/١٠ وما بعدها، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٠٤، تاريخ الأمم
الإسلامية للخضري ٢٧٩ .

(٢٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
إليها الفساد فيدخلون تحت قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلوُبِهِمُ زَيْغٌ فَتَبَعُونَ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ
أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾(١).
وقد وجد منهم في هذا العصر أئمة كبار وحفاظ عظام، عرفوا الأحاديث، وميزوا
بين الصحيح والسقيم، ونقدوا الرواة، ووقفوا على أحوالهم، ووضعوهم في أماكنهم
ومن هؤلاء: الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعلي بن
المديني وغيرهم.
والذي لا نستطيع أن ننكره أنه قد يجتمع على مائدة الكرام قوم لئام لم يدعوا إليها،
ولكنهم يجلسون متطفلين عليها؛ فيزاحمون أصحاب الدعوة، وقد يدعون أنهم أقارب
أصحاب الوليمة، وقد يبالغون في دعواهم فيقولون بأنهم أصحابها؛ ومن هؤلاء من
تطفلوا على مائدة المحدثين؛ فجلسوا عليها دون رواية أو دراية؛ فكانوا وصمة عار في
جبين المحدثين؛ كالقصاص الملفقين والمرتزقين المتكسبين، والجهلة بأحكام الشرع
والدين؛ فيبثون الغرائب والمناكير؛ فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً.
وإنما سقت لك أيها القارئ الكريم هذا المثل من أدعياء الحديث الذين ضاق بهم ذرعاً
أرباب هذا الفن الناذر حتى قال شعبة: ((كنت أفرح بهذه النخبة من الرجال فصرت اليوم
ليس شيء أبغض إلىّ من أن أرى واحداً منهم)) ويقول ابن عيينة، موجها كلامه
لهؤلاء: ((لو رآنا عمر وإياكم لأوجعنا ضرباً».
وقد ضربت لك مثلاً من المبطلين لتعرف المحقين ولتميز الخبيث من الطيب والغث
من السمين؛ ولتعلم أن أعداء الإسلام يريدون أن يقبحوا وجه الإسلام، ويشوهوا
صورته من خلال هذه الفئة الدخيلة على كل فن من فنون العلم، وكل شعبة من شعب
هذا الدين الذي اختاره الله لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة.
هذه عجالة فيما يقال عن أهل الحديث. أما المتكلمون الذين قدموا العقل على الشرع
حتى تطرفوا في تأويل النصوص متبعين ما تشابه منها - فقد أعرضوا عن كتب السنة
والتهموا كتب الفلسفة اليونانية، يعتبرون أرسطو وأفلاطون وسقراط مثلاً عليا لفكرهم؛
حتى جرهم ذلك إلى طعن بعض الصحابة منتهزين فرصة قربهم من الخلفاء، وأخذهم.
(١) آل عمران: ٧ .

(٢٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
بزمام الوزارة والقضاء، فانتقموا من جمهور الأمة عامة ومن أهل الحديث خاصة، ولا
يغرنك ما ترى من اجتماعهم في ظاهر صورتهم؛ فإن الباطل ظلمات متعددة، والحق
نور واحد لا يتعدد؛ كذلك تراهم مختلفين فيما بينهم: فيكفر بعضهم بعضاً، ويفسق أو
يبدع كل منهم من خالفه ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾(١) . وهكذا تراهم قد اكتالوا
بالكيل الذي كالوا به لغيرهم؛ فرد الله كيدهم في نحورهم، ولم تقم لهم قائمة من
ذلك الوقت إلى يومنا هذا؛ ففي مثل هؤلاء وهؤلاء من الفرق المارقة قال النبي معل ◌ّم
لابن عمر عشرين مرة: ((كلما خرج منهم قرن قطع» (٢) يكررها على مسمع من هذا
الصحابي الجليل.
وخلاصة القول في قضية خلق القرآن: أن ما بين دفتي المصحف مخلوق حيث:
الطباعة والكتابة والقراءة بألسنة الخلق، والألفاظ التي تتلى بأصواتهم، أما القرآن فهو
كلام الله، وكلام الله صفة، وصفته قديمة بقدمه - سبحانه - فكيف يخلق صفة من
صفاته وقد اتصف بها، ليست عين ذاته ولا هي غيره، تعالى الله عن ذلك كله علّوا
كبيراً، ولعلك أيها القارئ وقفت على رأي أهل السنة والجماعة فيما أوضحته لك
بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة؛ حتى لا يلتبس عليك الأمر أو يغرنك قول خصم
غرِّ، أرشدني الله وإياك.
((ردةٌ مقنَّعة))
لا يفوتنك أيها القارئ المنصف أن الدولة العباسية قامت على أكتاف الفرس: موطن
التشيع وظهور الملحدة وبروز الشعوبية وثورة الموالي، وكان من هؤلاء من تطاول على
رسول الله عزَّلم فحدث عنه ما لم يقل ولم يبال بقوله عز ◌َّلام: ((من كذب على متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار))(٣) ومما ساعد على فشو الزندقة في القرن الثالث شيوع الأبحاث
الفلسفية، وكثرة الجدل في المسائل الأساسية في الدين، وإسناد السلطة إلى الموالي من
الفرس الذين أظهروا مذاهبهم القديمة ومساندة من يتظاهر بها، وبدت تعاليم المجوسية
(١) الحشر: ١٤ .
(٢) أخرجه ابن ماجة في المقدمة: ١٢، حديث ١٧٤، وأحمد في المسند: ٨٤/٢.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٣/٣، كتاب الجنائز، باب: (ما يكره من النياحة على الميت)) ٢٩١؛
ومسلم: ١/ ١٠، المقدمة، باب: ((تغليظ الكذب على رسول الله ،ِنَّلام)) ٤/٤.

(٣٠)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
تطل برأسها، والمانوية والقول بالتجسيم على يد الكرامية الذين زعموا أن النبي عليهم
قال عن المجسم المبتدع الراحل من خراسان إلى الشام محمد بن کرام: ((يجئ في آخر
الزمان رجل يقال له: محمد بن كرام يحيي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى:
:بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة))(١).
تلك هي آثار التعصب للجنس في وضع الحديث، وأظن أنه لا يخفى عليك ما:
تلمحه من خلالها معاني من الإلحاد في الدين والدعوة إلى التحلل من قيود الشريعة
الإسلامية الغراء والتمرد على أحكام تلك الملة الحنيفية السمحاء.
والحق أن الخلفاء العباسيين قد قاوموا هذه الحركة المتمردة أو الردة المقنعة؛ فأخرسوا.
ألسنة دعاتها، ومنعوا تداول كتب الفلسفة على يد المعتضد الخليفة العباسي، الذي بويع
سنة ٢٧٩ هـ فأصدر أوامره بمنع القصاص والمنجمين من الجلوس في المساجد
والطرقات.
يقول ابن قتيبة رحمه الله: الحديث النبوي الشريف تدخله الشوائب، ويعتريه الفساد
من وجوه ثلاثة: الزنادقة، والقصاص أرباب المناكير والغرائب والأكاذيب، والأخبار.
الجاهلية القديمة. أهـ ملخصاً (٢).
(١) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ٢/ ٥٠، وابن عراق: ٢/ ٣٠، وعزاه للجوزقاني وابن
التجار والشوكاني في الفوائد: ٤٢٠.
(٢) انظر: الحديث والمحدثون: ٣٤٢.

(٣١)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
جهود العلماء في تدوين الحديث
قبل محنة القول بخلق القرآن
١ - أحاديث ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
٢- إفراد الأحاديث النبوية عن أقوال الصحابة وفتاوى التابعين بعد المحنة.
٣- جمع الطعون التي وجهها علماء الكلام إلى أهل الحديث سواء في الأشخاص أو
ألفاظ الأحاديث، والرد عليها بالإبطال وتنزيه أئمة الأحاديث عن هذه الطعون الزائفة،
وكان من هؤلاء ابن قتيبة الدينوري.
٤ - جمع الحديث على المسانيد:
يجمع المحدث في ترجمة كل صحابي ما رواه عن النبي عد ◌ّم من الأحاديث:
صحيحه وسقيمه، وإن اختلفت موضوعاتها. ولهم في ترتيب أسماء الصحابة طرق
مختلفة: فمنهم من يرتبها على القبائل فيقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب نسباً من
النبي ◌ِنَّثله، ومنهم من يرتبها على السابقة في الإسلام: فيقدم العشرة المبشرين بالجنة
ثم أهل بدر ثم الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح ثم من أسلم يوم الفتح
ثم أصغر الصحابة سنّا ثم النساء ومنهم من لم يراع شيئاً من ذلك.
وهذه الطريقة توقع المطلع على هذه المسانيد في حيرة حيث لا يستطيع الوقوف على
درجة الحديث فيستوي عنده الصحيح والضعيف.
وهذا الأمر وإن كان أغلبياً إلا أنه لا يمنع من أن بعضهم جمع ترتيب الأحاديث إلى
جانب أسماء الصحابة. الترتيب على أبواب الفقه؛ كما في المسند الكبير لـ ((بقي بن
مخلد)) والمسند الكبير لـ ((يعقوب بن شيبة))؛ فالأول رتب حديث كل صحابي على
أبواب الفقه ، والثاني ألف مسنده معللاً فجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة
فيه .
الطريقة الثالثة:
التصنيف على الأبواب؛ وهو التخريج على أحكام الفقه وتنويعه وجمع ما ورد في
كل حكم وكل نوع في باب بحيث يسهل التمييز بين ما يتعلق بالصلاة عما يتعلق
بالصيام، ومنهم من اقتصر في الأحاديث على الصحيح كالبخاري ومسلم وهما أصح

(٣٢)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
الكتب بعد كتاب الله، ومنهم من لم يقتصر على ذلك كأبي داود والترمذي والنسائي.
وكان رائد هذه الطريقة المثلى شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦
هـ).
ويعتبر القرن الثالث الهجري أجل عصور الحديث، وأسعدها بتدوين الحديث،
وتقريبه على طالبيه.
وما كاد ينتهي هذا القرن حتى وجدنا أن عمل العلماء أصبح قاصراً على الجمع
والترتيب أو التهذيب لكتب السابقين؛ كالجمع بين الصحيحين أو بين الكتب الستة أو
الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة كمصابيح السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ)، وجامع
المسانيد والألقاب لأبي الفرج ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) ومنتقى الأخبار لابن تيمية
الحراني (ت٦٥٢ هـ) والسنن الكبرى للبيهقي (ت٤٥٨هـ).
ومن علماء هذا القرن من اهتم بأطراف الحديث؛ كأطراف الصحيحين للحافظ
الدمشقي (ت٤٠٠هـ) وأطراف السنن الأربعة لابن عساكر (ت ٤٣٠هـ) وأطراف الكتب
الستة لمحمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) الذي لخصه الحافظ شمس الدين محمد ابن
علي بن الحسين الحسيني الدمشقي (ت٧٦٥هـ) ورتبه أحسن ترتيب.

(٣٣)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
السنة في القرن الرابع الهجري
كان للتدهور السياسي في مبدأ هذا القرن أثر بالغ في جعل الخلافة الإسلامية
دويلات متناثرة؛ فعبدالرحمن الناصر يلقب نفسه أمير المؤمنين بـ ((الأندلس)) (٣٢٥هـ)
والفاطميون يستقلون بشمال إفريقية، والدولة الإخشيدية بـ ((مصر))، ودولة بني حمدان
في الموصل وحلب والشام، والشيعة الزيدية بـ ((اليمن))، والدولة السامانية تسيطر على
المشرق وعلى بلاد ما وراء النهر، والدولة البويهية تسيطر على بغداد، ولم يكن لبني
العباس نصيب من هؤلاء إلا مجرد الاسم.
كانت الحياة السياسية مضطربة مائجة لكن هذه الأحداث التي غيرت خريطة الدولة
الإسلامية كانت خيراً وبركة على الحركة العلمية، التي انتشرت في كل مكان على يد
العلماء الذين أخذوا يرحلون من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر، ويتلقى بعضهم
عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ، وكان لهم نشاط علمي في نقد
الرجال وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث وتاريخ الرواة وعلوم
الحديث عامة، وبلغ التدوين في هذا العصر أشده؛ فظهر الحاكم أبو عبدالله النيسابوري
صاحب المستدرك، والدارقطني إمام عصره في الجرح والتعديل وحسن التأليف واتساع
الرواية، وابن حبان، وصحيح ابن خزيمة الذي قرظه العلماء بقولهم: ((صحيح ابن
خزيمة يكتب بماء الذهب» فإنه أصح ما صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين البخاري
ومسلم .
*

(٣٤)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
الجرح والتعديل
هذا هو ميزان الرجال، وهو ميزان توزن به معادنهم؛ فيتميز الذهب من النحاس
والفضة من الرصاص، وهذا الفن هو عماد السنة؛ إذ به يتميز الصحيح من السقيم وبه
ينكشف حال الضعفاء والكذابين من الراوة، وإقامة النكير عليهم صيانة للدين، وهو
أمر واجب على المسلمين. والحفاظ على الشريعة فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ
مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِقَةٌ لِيَفَقَّهُوا فِي الدِّين ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعِوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾(١) وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،، وقد دخل على النبي علَّم ثلاثة.
أحدهم أقبل عليه، والآخر استحيا منه،، والثالث أعرض عنه لعلَّام، فقال لمن حوله :.
(ألا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا الأَولُ فأقبلَ فأقبلَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّ الثَّاني فاسْتَحْيَا فاسْتُحْيَا
اللهُ مِنْه،ُ أَمَّا الثالثُ فأعرضَ فأعرضَ اللهُ عَنْهُ)). ومن هنا يتبين لك من أين أتى وجوب
الجرح والتعديل؛ لذا تكلم في هذا الفن خلائق لا يحصون منهم، صاحبنا في كتابه
((الكامل)) ابن عدي الجرجاني المتوفى سنة ٣٦٥هـ، وقل من جرح في القرن الأول؛ لأن
الصحابة كلهم عدول، ولا يكاد يوجد في هذا القرن من الضعفاء إلا القليل، أما القرن!
الثاني ففيه أوساط التابعين وخيارهم وضعف جماعة منهم من قبل تحملهم وضبطهم.
للحديث وكانوا يرسلون كثيراً ويرفعون الموقوف مما أوقعهم في أغلاط، وقد انْتُدب في
ذلك الزمان لنقد الرجال الحافظان يحيى بن سعيد القطان (١٨٩)، وعبدالرحمن بن
مهدي وكانا محل ثقة من الناس، فمن وثقاه صار موثوقًا عندهم، ومن جرحاه صار
مجروحًا. ومن اختلفا فيه - وهو قليل - رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم، ثم
ظهرت طبقة أخرى يرجع إليهم في هذا الفن منهم: يزيد بن هارون (٢٠٦) وأبو داود
الطيالسي (٢٠٤) وعبدالرازق بن همام (٢١١) وأبو عاصم النبيل بن مخلد (٢١٢)، ثم
صنفت الكتب في الجرح والتعديل والعلل بينت فيها أحوال الرجال وكان أقطاب الجرح
والتعديل آنئذ جماعة منهم: يحيى بن معين (٢٣٣) ومن طبقته أحمد بن حنبل (٢٤١)
وكاتب الواقدي محمد بن سعد وأبو خيثمة زهير بن حرب (٢٣٤) وأبو جعفر النبيل
(١) التوبة: ١٢٢.

(٣٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
وعلي بن المديني (٢٣٤) وابن نمير (٢٣٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف
المعروف (٢٣٥) وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل وقد وضعوا المؤلفات: فمنهم من
تكلم عن الضعفاء من الرواة، وآخرون اقتصروا على الثقات، وبعضهم جمع بين
النوعين،، وممن تفرد بالكتابة عن الثقات أبو حاتم بن حبان البستي الذي قال في صفة
العدل من الرجال: (العدل من لم يعرف منه الجرح؛ إذ الجرح ضد العدالة؛ فمن لم
يعرف بجرح فهو عدل). أ هـ. أما عن كتب الضعفاء فقد صنف فيها كثير من الحفاظ
كـ((كتاب الضعفاء» لإمام المحدثين أبي عبدالله البخاري، وكتاب الضعفاء والمتروكين
للنسائي،، وكتاب الضعفاء،، لصاحب كتاب الثقات أبي حاتم البستي، وكتاب الضعفاء
للدارقطني،، ومن الكتب الهامة في ذلك: الكتاب المسمى بـ((الكامل)) لأبي أحمد
عبدالله بن محمد بن عدي بن عبدالله ابن محمد بن المبارك الجرجاني الحافظ الكبير أحد
الجهابذة المرجوع إليهم في العلل والرجال ومعرفة الضعفاء المتوفى سنة (٣٦٥هـ) وهو
كتاب جامع، وسفر واف؛ حيث ذكر فيه المصنف كل من تكلم فيه، وإن كان من رجال
الصحيحين، وتفرد عن كتب الضعفاء بذكر حديث أو أكثر من الغرائب والمناكير عند
ترجمة كل راوٍ مسته يد الجرح أو، أشهر في وجهه سيف الذب عن عرض رسول
الله ◌ِّيه بكذب أو افتراء أو وضع أو نسيان من أحد المغفلين أو ممن اختلط بآخره.
ومن عجيب أنك ترى هذا السفر الجليل قد ألف في مقدار ستين جزءًا في اثني عشر
مجلدًا، ويعتبر هذا الكتاب أكمل كتب الجرح وعليه اعتماد العلماء، فرحمه الله تعالى
وجزاه عن رسول الله ◌ِدَّم خير ما جازى عالمًا من خواص علماء أمته.

(٣٦)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
جرح الضعفاء من النصيحة
قالَ عَّ السَّمِ: ((الدِّينُ النَّصيحَةُ)) قلنا: لمن يا رسول الله، قال: «لله ولكتابه ولعامة
المؤمنينَ وخاصتهِم))(١).
قلت: ومن الخاصة رواة الحديث؛ فجرحهم جائز؛ بل واجب بالاتفاق للضرورة
الداعية إليه صيانة للشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرمة؛ كما ثبت ذلك في
حديث الثلاثة الذين دخلوا على رسول الله عز له ؛ فقد تحدث رسول الله عن المعرض
الذي لم يكن حاضرًا بين القوم، ولم يكن ذلك غيبة منه حِقَّم ؛ بل هو تحذير من فعله
للسامعين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من الإعراض عن رسول الله عز لم ، الذي قد
يؤدي إلى الكفر - والعياذ بالله - بل إن النبي عزَ ◌ّم هو أول من جرح وعدل وسيدهم
على الإطلاق، ألا ترى إليه وهو يقول في رجل استأذن عليه يومًا: «ائذنوا له بئس أخو
العشيرة» .
وتسأله فاطمة بنت قيس عن رأيه في خطيبيها معاوية وأبي جهم، فيقول لها: ((أما
معاوية فصعلوك لا مال له، وأبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه))(٢).
أما تعديله عَلم فكقوله في عبدالله بن عمر: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم:
الليل)».
وقوله: ((نعم الرجل خريم الأسدي ... الحديث))(٣).
ثم هب أنك أمام بتر مغطى، ومن مشی علی غطائه وقع فيه فأردي قتيلاً، ثم أراد
مسلم أن يمشي على غطاء هذا البئر فهل تسكت فتكون آثمًا أم تحذره فتمكون ناصحًا
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب: ((بيان أن الدين النصيحة)): (٩٥ - ٥٥)، والنسائي في
السنن: ١٥٧/٧، وأحمد في المسند: ٢٩٧/٢، والدارمي في السنن: ٣١١/٢، وأبو عوانة:
٣٧/١، والطحاوي في مشكل الآثار: ١٨٨/٢، والحميدي: ٨٣٧، والخطيب في تاريخه : .
٢٠٧/١٤.
(٢) أخرجه مسلم: ١١١٤/٢ في كتاب الطلاق باب: ((المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها»: ٣٦/ ١٤٨٠.
(٣) أخرجه أبو داود: ٣٤٨/٤ - ٣٤٩، في كتاب اللباس باب: ((ما جاء في إسبال الإزار»:
(٤٠٨٩)، وأحمد: ٤ / ١٨٠.

(٣٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
أمينًا؛ وقد تركت لك الإجابة؛ لتختر أيها شئت، أيها الناصح لله ورسوله .
جمهور الأمة على أن الجرح المفسر مقدم على التعديل، ولو كان عدد الجارح أقل.
من المعدل، وهذا النوع من السلوك يأخذ به مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية
حين يقدم لأعضائه كتابًا من الكتب لطبعه ونشره؛ فتكتب عنه اللجنة تقريرًا، كلٌّ على
حدة، فإذا عدله الجميع وجرحه واحد رُفض الكتاب، وما أغرب أن تعيش سنة بيننا
كهذه ويغفل عنها الكثير ولا يعلمون عنها شيئًا. وقال البعض: إن زاد عدد المعدلين على
المجروحين قدم التعديل، وهذا القول وإن ضعف؛ لكنه المتجه حتى الآن. وقال السبكي
في قاعدته في الجرح والتعديل: لا تفهم هذه القاعدة على إطلاقها؛ فإننا لو أطلقنا
تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة؛ إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون،
وهلك فيه هالكون. أهـ (١) .
قلت: والأصل العدالة، والجرح طارئ، والعصمة محالة، إلا في نبي أو أمة
مجتمعة؛ لقوله عدَّم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))(٢) حتى لا يذهب غالب أحاديث
الشريعة، وإحسانك الظن بالراوى المستور أولى من تجريحه، والحكمة من تضعيف
بعض الأحاديث نوع من الرحمة بالأمة؛ إذ لو صحت كلها لوجب العمل بها، وهو
تكليف بما لا يطاق، والله لم يكلفنا ذلك، ثم إن الحديث الضعيف قد ورد عن النبى
عدّيم لكن بسند ضعيف، فالحديث يقوى نوره بصحة سنده، ويضعف نوره بضعف
سنده، والله أعلم.
(١) قاعدة في الجرح والتعديل: ١٤،١٣.
(٢) أخرجه الترمذي في أبواب الفتن باب: ((ما جاء في لزوم الجماعة»: ٤٦٦/٤، (٢١٦٧)،
قلت: وفي إسناده سليمان بن سفيان، وقد ضعفه الأكثرون، وقد رواه أيضًا الحاكم من حديث
خالد بن يزيد، وقال: ولو حفظه خالد لحكمنا بصحته. انظر مستدرك الحاكم: ١/ ١١٥، ورواه
ابن ماجة: ١٣٠٣/٢، (٣٩٥٠) من حديث الوليد بن مسلم وفيه معان بن رفاعة. وانظر
تخريجنا للحديث في تحقيقنا على كتاب ((نفائس الأصول في شرح المحصول)).

(٣٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
قواعد في ((الجرح والتعديل)).
كثير من عامة العلماء، والذين لا يستبطنون الأمور منهم إذا رأوا الجرح والتعديل
ظنوا أن العمل على الجرح، والصواب أن من ثبتت عدالته وإمامته، وكثر مادحوه، وقل
قادحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لا يلتفت
إلى تجريحه وعمل فيه بالعدالة، ولو فُتح هذا الباب على مصْرَاعيه لما سلم أحد من
الأئمة، فكم من إمام طعن عليه طاعنون، وهلك فيه هالكون(١) من إنك الحديث عنه.
انظر إلى ابن عبد البر في كتاب العلم تراه يعقد بابًا في حكم قول العلماء بعضهم
في بعض، وذكر فيه أحاديث مسندة مرفوعة وموقوفة ثم نقل من أقوال العلماء ما
يفيد: أنه لا تجوز شهادة القارئ على القارئ - يعني العلماء - لأنهم أشد الناس تحاسداً
وتباغضًا، ومن هؤلاء القائلين بذلك: سفيان الثوري ومالك بن دينار وعبدالله بن وهب
في مبسوطته. واستدل ابن عبدالبر بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام: منه ما
حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الإجتهاد، وانتهى إلى
كلام ابن معين في الشافعي حتى قال الإمام أحمد: من أين يعرف يحيى بن معين
الشافعيَّ؟! هو لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقوله الشافعي ، ومن جهل شيئًا
عاداه .
كما ذكر ابن عبد البر كلام ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد في مالك بن أنس، كما
تكلم فيه عبدالعزيز بن أبي سلمة، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، ومحمد بن إسحاق،
وابن أبي يحيى، وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه، فبرأه الله مما قالوا، وكان
عند الله وجيهاً .
ولا يقبل قول ابن معين في الشافعي، ولا النسائي في أحمد بن صالح (ت ٢٤٨هـ)
لأن هؤلاء أئمة مشهورون قصار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت
الدواعي على نقله.
(١) ابن السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل ص١٣ وما بعدها مكتبة الرشد/ الرياض: ط
١٩٨٤/٥.

(٣٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
ولكي يصح تطيبق القاعدة لابد من تفقد حال الجارح والمجروح: من اختلاف
عَفَديّ أو تعصب مذهبي حتى لا يحمل الجارحَ ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق؛
وكم من أئمة جَرَحُوا بناء على معتقدهم، وهم المخطئون، والمجروح مصيب.
يقول ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها
طائفتان من الناس: المحدثون والحكام (١) .
ومما يتفقد عند الجرح أيضًا: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ؛ ولا سيما
الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف أعراف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحًا
وفي بعضها ذماً؛ كما ينبغي أن يتفقد الجارح من حيث حاله في العلم بالأحكام
الشرعية؛ فرب جاهل ظن الحلال حرامًا فجرح به؛ كما يجب أن يتفقد الخلاف الواقع
بين كثير من الصوفية وأهل الحديث.
والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعًا؛ وكذا إن تساويا أو كان
الجارح أقل يطلب الترجيح(٢) . إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدمًا ونختم
هذه القاعدة بفائدتین عظیمتین:
إحداهما: أن قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسراً إنما هو أيضا في جرح من ثبتت
عدالته واستقرت، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له: ايت ببرهان على هذا، أو فيمن
لم يعرف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان، فيقال إذ ذاك للجارحين: فسرا ما
رميتماه به،، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه؛ لجريانه على الأصل
المقرر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير؛ إذ لا حاجة إلي طلبه.
والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد؛ بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال
شكاً: إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب
سقوط قول الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق؛ بل يكون بين بين، أما
(١) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص٣٣٤ تحقيق قحطان الدوري، مطبعة الإرشاد، بغداد: ١٩٨٢م.
(٢) ينظر: جمع الجوامع: ١٧٢/٢، بشرح الجلال المحلي وحاشية البناني.

(٤٠)
:
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
إذا انتفت الظنون، واندفعت التهم، وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة، مبرّءًا عن مظان
التهمة، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف، متروكًا بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه،
ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه - والحالة هذه - طلب لغيبة لا حاجة
إليها . .
وعلى سبيل المثال لا الحصر: نحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب
المدني: إنه ليس بشيء، وفي إبراهيم بن يزيد المدني: إنه ضعيف: وفي الحسين بن
الفرج الخياط: إنه كذاب يسرق الحديث، ونحو هذا - وإن لم يبين الجرح - لأنه إمام
مقدم في هذه الصناعة(١) .
ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام الدليل القاطع والبرهان
الساطع على أنه غير محق بالنسبة إليه.
ولا يفوتني قبل إنهاء هذه القاعدة أن أنبهك أيها القارئ والواعي والخبير بهذه
الصناعة أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وألاً تنظر إلى كلامهم بعضهم في
بعض؛ فإن قدرت على التأويل القائم على حسن الظن فدونك، وإلا فغض الطرف،
واضرب صفحًا عما شجر بينهم؛ فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك؛ فالقوم
أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم يفهم بعضها؛ فليس لي ولك إلا الترضي
عنهم، والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم
أجمعين .
(١) تاج الدين السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل. ص ٥٢.