النص المفهرس

صفحات 1-20

الْكَامِلُ
في ضُعِفَاءِ الرَّجَال
بِتأليف
الإمَام الْحَافِظِ أَبَي أَحَدٌ عَبد الله بن عُدِّ الجَرَجَانِي
المتوفىسنة٣٦٥هـ
تحقيق وتعليق
الشيخ عادل أحمد عبدالموجود الشيخ علي محمّد معوض
شارك في تحقيق
الأستاذ الدكتور عَبد الفتّاح أبوشَّة
جامعة الأزهر
الجزء الأول
منشورات
محمد عَمِي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

◌َلْهِالرَّنِ الرَّحْ
بشـ
مقدمة التحقيق
.
إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده .
لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنتُم مُسلِمُون﴾ [ آل عمران:
١٠٢}.
﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نفسٍ وَاحدةٍ وخَلقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا ونساءً واتَّقُوا الله الذِي تَسَاءَلُون بِهِ وَالأَرِحَّمَ إِنَّاللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾.
[النساء: ١}.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِين ءامَنُوا اتَّقُوا الله وقُولُوا قَولاً سَدِيدًا يُصلِحْ لَكُمْ أَعَمَالَكُمْ ويغفِر لَكُمْ
ذُنُوبِكُم ومَن يُطْعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزًاً عَظِيمًا﴾. [الأحزاب: ٧٠ - ٧١}.
أما بعد
فقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم وختم به رسالته التي هدى بها العباد على
يد رسوله الكريم محمد عزَّم وأتم به النعمةَ؛ فاختار لهم الإسلام دينا فجمع مصالح
العباد ودفع الشر والفساد، ولقد تضمن قرآنه الكريم ما في الكتب الأولى من الزبور
والإنجيل وما في صحف إبراهيم؛ فأوحى الله - عزَّ وجلَّ - إلى نبيه عرّ لام آيات الكتاب
وأمره بالدعوة إلى الإيمان وذلك ما جاءت به الأنبياء، ففرض الله - عزَّ وجلَّ - على
النبي عِدَّ الإيمان بجميع رسله الكرام وما دعوا إليه من الإيمان بالله - عزَّ وجلَّ.
وظل القرآن ينزل على قلب النبي عِ لم فكان يَعْجل بالقراءة حين يوحى إليه فنهاه
المولى - سبحانه وتعالى - عن التعجل ووعد بأنه سيقرؤه فقال - عزَّ شأنه: ﴿ولا تَعْجَلْ
بالقُرآن مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤}.
وتوالى عليه نزول القرآن فنزل قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن

(٤)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
رَبِّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رَسَالتَهُ ﴾ [المائدة: ٦٧} ثم أمره - سبحانه وتعالى - بالبيان
للأمة فقال جل شأنه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلّهمْ﴾ [النحل: ٤٤}.
ووعد الله - سبحانه وتعالى - نبيه ،مزّم بحفظ قرآنه فقال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. بخلاف الأمم السابقة استحفظوا على كتب الله
فضيعوها ووعد الله رسوله الكريم بالبيان كما وعده بالقراءة فقال جلَّ ذكره: ﴿لا تُحَرِّكْ
به لسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرأْنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
﴿القيامة: ١٦-١٩ ). فكانت المعاني من الله عزَّ وجلَّ، فعبّر ◌ِّم عن تلك المعاني بلفظ
من عنده فكانت السنة الشريفة فقال جل ذكره: ﴿وما ينطقُ عنِ الهوى إنْ هو إلا وحيٌ
يوحى﴾ [النجم: ٣}. وبعد هذا الإجمال نجول جولة سريعة حول الرواية والرواة.
:

(٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
جولة بين الرواية والرواة
لا سبيل إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله وسنة رسوله إلا من جهة النقل بعد
الحفظ، فإنهما الطريقان الأمثلان للحفاظ على التراث وهو ما يسمى بـ ((الصدور
والسطور))؛ ولذا وجب أن نميز بين عدول النقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والتثبت
والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث
الكاذبة، ليعرف أهلُ الصدق من أهل النفاق، وليميز الله الخبيث من الطيب، فينكشف
حال أهل الكذب والغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط
حديث من وجب أن يسقط حديثه ولا يعبأ به، ولا يعول عليه، ويكتب حديث من
وجب کتابة حديثه منهم.
وطبقات الرواة یمرون بمراحل ثلاث:
الصحابة (١): أولئك الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وفقهوا
دين الله وعرفوا أوامره ونواهيه فنصروه، وأقاموا مبانيه، وحافظوا على مراميه ومعانيه،
سماهم الله عدولاً كما قال: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ (٢).
التابعون(٣): خلفوا بعد الصحابة، وحفظوا عنهم، ونهلوا من دقيق أفهامهم، ونشروا
ما تلقوه منهم من الأحكام والسنة والآثار، وذكرهم الله في محكم التنزيل فقال:
﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾(٤).
(١) المحققون من أهل الحديث كالبخاري وأحمد بن حنبل على أن الصحابي هو ((من لقى النبي
طَّله وهو مميز، مؤمنًا به، ومات على الإسلام، طالت مجالسته له أو قصرت، روى عنه أو
لم يرو، غزا معه أو لم يغز)). وانظر بحثنا في مقدمة ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
(٢) البقرة: ١٤٣.
(٣) قال الخطيب: التابعي من صحب صحابيًا، ولا يكتفي فيه بمجرد اللقى، بخلاف الصحابي مع
النبي ◌ِّي .. ولذلك ذكر مسلم وابن حبان (الأعمش)) في طبقة التابعين لأن له لقيا وحفظًا،
رأى أنس بن مالك، وإن لم يصح له سماع المسند عنه ... )) وانظر بحثنا في مقدمة «الإصابة».
(٤) التوبة: ١٠٠.

(٦)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
أتباع التابعين:
وهم الخلف الأخيار، وأعلام الأقطار والأمصار، وأعلم الناس بالحلال والحرام.
سكت الصحابة عن تأويل المتشابه فسلموا، وتأوله هؤلاء لحمايته من زيغ الزائغين
وانتحال المبطلين، والأوْلى ما سلكه السلف(١)! وأنجبت المدرسة المحمدية على مر الأزمان
والعصور تلاميذ ذكرهم الله بعد تلاميذه المقربين وأتباعهم المخلصين فقال: ﴿والذين
جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في
قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا إنك رءوف رحيم ﴾(٢).
أما المصنفون في علم الحديث فقد رتبوا الرواة من حيث القبول والرد إلى مراتب خمسة:
الطبقة الأولى:
فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن والجهبذ الناقد للحديث فهذا لا يختلف فيه أو
عليه، يعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بأحاديثه وكلامه في الرجال.
الطبقة الثانية:
العدل في نفسه، الشبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ
لحديثه، المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.
الطبقة الثالثة:
الصدوق الورع الثبت الذي يَهِمُ أحياناً، وقد قبله الجهابذة النقاد، وهذا يحتج
(٣)
بحديثه .
:
(١) أقول وبالله التوفيق: وإنما يجب أن يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: ((مالك،
والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه
وغيرهم؛ وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل .. )).
( انظرٍ تعليقا على ((تفيسر الوسيط)) للواحدي النيسابوري تفسير سورة ((الأعراف)) ((آية ٥٥)
٣٧٥/٢.
(٢) الحشر: ١٠.
(٣) الأجوبة الفاضلة/ ٦٤ بتحقيق عبدالفتاح أبو غدة.

(٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
الطبقة الرابعة:
الصدوق الورع المغفل (كثير النسيان) الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو،
فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحرام
والحلال.
الطبقة الخامسة:
والخامس بعد هؤلاء من ألصق نفسه بهم وليس منهم وليس من أهل الصدق
والأمانة، ظهر للنقاد والعلماء بالرجال أولى المعرفة منهم بالكذب، سماه الله بالزنيم
(والزئمة قطعة بارزة في الجسم وليست منه) فهو ﴿مناع للخير معتد أثيم﴾ (١). فإن
الروايات التي يذكرها هؤلاء المندسون من الزنادقة والملاحدة لم يذكروا سندها ولا
أسندوها إلى أحد من المخرجين، وقبول الحديث الذي لا سند له ليس من شأن أولى
الألباب وأرباب العقول وذوي الحجا؛ لذلك كان لابد من تحقيق أحوال الوسائط
وتشخيصهم وكشف عدالتهم ليكتسب الحديث صفة القبول أو الرد وبدون ذلك
فالاستناد به والتعويل عليه لا يليق بمن له أدنى خبرة بهذا الفن.
وخلاصة المرام في تحقيق المقام: أن الأمور الدينية بأسرها محتاجة إلى بروز سندها،
واتصالها إلى منبعها أو تصريح من يُعتمد عليه بها، ولا يستثنى من ذلك شيء منها.
غاية الأمر أن منها ما يشدد ويحتاط في طريق ثبوتها، ومنها ما يتساهل أدنى تساهل في
طريقها.
(١) القلم: ١٢.

(٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
تعريفات وتقريرات
علم الحديث علم جليل وفريد، اختص الله - سبحانه - به الأمة الإسلامية من أجل
تثبيت دينها وصيانته من الانحراف والضياع.
فالحديث أقوال الرسول عد وهم وتقريراته والسنة أفعال الرسول وصفاته زيادة على
أقواله وتقريراته .
والمتواتر من الحديث: ما بلغ رواته كثرة بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب.
والآحاد: خبر الواحد لا ينطبق عليه حد التواتر، فإن رواه اثنان عن اثنين فهو مشهور،
وإن ثلاثة أو أربعة عن مثلهم إلى آخرين فهو مستفيض، والمتواتر يفيد العلم القطعي،
وخبر الواحد الصحيح يفيد الظن الغالب، فإن تلقاه المسلمون وأهل الحديث بالقبول
فهو العلم اليقيني، ويجزم بأنه صدق، ويجب العمل به كالمتواتر سواء في العقائد أو
العبادات أو المعاملات، وإنكاره إثم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حسبتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا
تسليماً ﴾ (٢)؛ ولقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
(٣)
عذاب اليم ﴾().
والحديث القدسي: ما أضيف إلى رسول الله ڭھم وأسنده إلى ربه سبحانه.
والفرق بين القرآن والحديث القدسي: أن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله
بوحي جلي، والحديث القدسي ما كان لفظه من عند الرسول عن القيم ومعناه من عند الله
بالإلهام أو المنام().
والحديث النبوي إما مرفوع أو موقوف، وكلاهما إما صحيح أو حسن أو ضعيف أو
موضوع.
(١) وسنسرد ألفاظًا تخص هذا الفن في مكان لاحق.
(٢) النساء: ٦٥.
(٣) النور: ٦٣.
(٤) وهناك فروق أخرى كثيرة، وليس هذا موضعها.

(٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
فالصحيح (١) ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا
يكون شأذا ولا معللاً .
والحسن": كالصحيح إلا أن بعض رواته حفظُهُ أقل من حفظ راوي الحديث
الصحيح.
والحسن ينقسم قسمين:
حسن لذاته، وحسن لغيره.
فالحسن لذاته: ما انطبق عليه التعريف المتقدم. والحسن لغيره: ما ورد من طريقين
فأكثر لا يخلو واحد منها من ضعف إلا أنها بمجموعها ترقى بالحديث إلى درجة الحسن
لغيره بشرط أن يكون الضعف غير شديد.
أما الضعيف" : فهو ما قصر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته ضعفاً بحسب بعده
من شروط الصحة .
وليس للضعيف مرتبة واحدة بل هو قسمان:
قسم ينجبر بتعدد الطرق، وقسم لا ينجبر بهذا التعدد.
فالذي ينجير بتعدد الطرق يكون ناشئاً عن سوء حفظ رواته لا من تهمة فيهم.
أما الضعيف الذي لا ينجبر ضعفه فهو ما كان بعض رواته متهمًا بالكذب أو الفسق،
وقد یرتقي بمجموعه عن کونه منکراً أو لا أصل له.
والضعيف أقسام:
مرسل، ومقطوع، ومنقطع، ومعضل، ومعلق، ومدلس، وغريب، وشاذ،
(١) انظر قواعد التحديث: ٧٩.
(٢) ينظر: مقدمة ابن الصلاح ص١٠٣، واختصار علوم الحديث ص٣٧، وشرح التبصرة
والتذكرة: ٨٤/١، وتقريب النواوي: ١٥٣/١ - ١٥٤، وتوجيه النظر ص ١٤٥ .
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص١١٧، واختصار علوم الحديث ص ٤٤، تدريب الراوي: ١٧٩/١، وفتح
المغيث: ١/ ٩٣.

(١٠)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق.
ومضطرب، وموضوع، ومعلل، ومدرج، وغير ذلك.
فالمرسل(١): ما رفعه التابعي إلى النبي مسقطاً الصحابي.
والمقطوع(١: ما جاء عن تابعي من قوله أو فعله موقوفاً.
والمنقطع (١: ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي وكذا بعده من مكان بحيث لا
يزيد الساقط عن راوٍ واحد.
المعضل(٤): ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر بشرط التوالي.
المعلق: ما حذف من أول إسناده لاوسطه.
المدلس
ثلاثة أقسام:
:
الأول: أن يسقط شيخه، ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه، فيسند عنه ذلك بلفظ
لا يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم؛ كأن يقول: عن فلان أو قال فلان.
الثاني: تدليس التسوية؛ بأن يسقط ضعيفاً بين ثقتين فيستوي الإسناد ويصير كله
ثقات. وذلك شر التدلیس وکان بقية بن الوليد من أفعل الناس له.
والثالث: تدليس الشيوخ؛ بأن يسمى شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو
ينسبه أو يصفه بما لم يشتهر به، وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً ألا يقبل منه
إلا ما صرح فيه بالتحديث(٥).
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة: ١٤٤/١، وتقريب النواوي: ١٩٥/١،
وفتح المغيث: ١٢٨/١، والخلاصة ص ٦٥، وتنقيح الأنظار وشرحه توضيح الأفكار: ٢٨٣/١.
(٢) تقريب النواوي ومعه التدريب ١٩٤/١، وفتح المغيث للسخاوي: ١٠٥/١، واختصار علوم
الحديث ص٤٦، وتنقيح الأنظار ومعه توضيح الأفكار: ٢٦٥/١.
(٣) الكفاية ص ٢٥٨، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٤٤، وفتح المغيث للسخاوي: ١٤٩/١، ومعرفة
علوم الحديث ص٢٧، وتوضيح الأفكار: ٣٢٣/١.
(٤) فتح المغيث للسخاوي: ١٥١/١، تدريب الراوي: ٢١١/١، والاقتراح لابن دقيق العيد
ص١٩٢.
(٥) وانظر الحديث ((عن المدلس)) في محاسن الاصطلاح ص١٦٧، والتقييد والإيضاح ص ٩٥، =

(١١)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
الغريب ": ما انفرد راوٍ بروايته أو برواية زيادة فيه عمن يجمع حديثه وينقسم إلى:
غريب صحيح: كالأفراد المخرَّجة في الصحيحين.
وغريب ضعيف: وهو الغالب على الغرائب.
وغريب حسن: وفي جامع الترمذي منه الكثير.
الشاذُ: ما خالف الراوي الثقة فيه من هو أوثق منه بزيادة أو نقص، والشذوذ
يكون في السند، ويكون في المتن.
المنکر (٣): الذي لا يعرف متنه من غير جهة راویه، فلا تابع له ولا شاهد.
المضطرب": ما روي من أوجه مختلفة متدافعة على التساوي في الاختلاف من راو
واحد .
الموضوع : هو الذي في إسناده راو واحد أو أكثر ثبت عليه أنه يكذب على
رسول الله عَّللم ويسمى المختلق، وتحرم روايته مع العلم به إلا مبيّناً.
المعلل: هو حديث ظاهره الصحة، ولكن تدخله علة، وهي عبارة عن سبب غامض
خفي قادح مع أن الظاهر السلامة منه.
والخلاصة ص٧٤، وفتح الباقي ١٧٩/١، وتدريب الراوي: ٢٢٣/١، وفتح المغيث
=
للسخاوي: ٠١٦٣/١
(١) التقييد والإيضاح ص ٢٧٣، وتدريب الراوي: ٢/ ١٨٠، واختصار علوم الحديث ص ١٦٦،
والخلاصة ص ٥١، ونزهة النظر ص٢٧ .
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١١٩، والتقييد والإيضاح ص ١٠٠، وفتح المغيث للسخاوي:
١٨٥/١، وتدريب الراوي: ٢٣٢/١، وتوضيح الأفكار: ٣٧٧/١.
(٣) اختصار علوم الحديث ص ٥٨، وشرح التبصرة والتذكرة: ١٩٧/١، وفتح المغيث للسخاوي:
١/ ١٩٠، وتدريب الراوي: ٢٣٨/١، وتوضيح الأفكار: ٣/٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة: ١/ ٢٤٠، واختصار علوم الحديث والباعث الحثيث ص٧٢، وفتح
المغيث للسخاوي: ٢٢١/١، وتوضيح الأفكار: ٣٤/٢.
(٥) التقييد والإيضاح ص ١٣٠، وفتح المغيث للسخاوي: ٢٣٤/١، وتدريب الراوي: ٢٧٤/١،
ومقدمة ابن الصلاح ص٢١٢ .

(١٢)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
المدرج: هو ما يدخله الراوي على الأصل المروي متصلاً به، سواء كان الاتصال
بآخر المروي، أو بأوله، أو في أثنائه، دون فصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم:
يعرف الحال، فيتوهم أن الجميع من ذلك الأصل المروي.

(١٣)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
وها هنا مسألة هامة تعرض لها أصحاب هذا الفن، وطال فيها نزاعهم ألا وهي:
((قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال»
قال الحافظ العراقي في ((شرح ألفية الحديث))(١):
1
أما غير الموضوع فجوزوا التساهل في إسناده، وروايته من غير بيان ضعفه إذا كان
في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل
الأعمال ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما أو في
العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز في حقه وما يستحيل عليه ونحو ذلك - فلم يروا
التساهل في ذلك، وممن نص على ذلك من الأئمة: عبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن
حنبل، وعبدالله بن المبارك وغيرهم. انتهى.
وقال النووي في (التقريب)) قريبًا من ذلك.
وذكر له شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب
ومن فحش غلطه.
والثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
والثالث: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وقيل: لا يجوز العمل
به مطلقاً (٢)، وقيل: يعمل به مطلقاً (٣). أهـ.
قال ابن حجر الهيتمي : قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في
فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أُعطي حقه من العمل به،
وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير وقد احتج
(١) ٢/ ٢٩١ ط فاس.
(٢) وممن ذهب إلى هذا المذهب القاضي أبو بكر بن العربي المالكي.
(٣) نقله السخاوي في ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع)) ص ١٩٥.
(٤) (الفتح المبين في شرح الأربعين: ٣٢.

(١٤)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
بعضهم بالحديث الضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره کأحمد بن حنبل، وتبعه أبو
داود، وقدماه على الرأي والقياس، ويقال عند أبي حنيفة أيضا ذلك، وإن الشافعي
يحتج بالحديث المرسل إذا لم يجد غيره؛ وكذلك إذا تلقت الأمة الحديث الضعيف
بالقبول يعمل به على الصحيح وجوباً حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع
به؛ ولهذا قال الشافعي في حديث ((لا وصية لوارث)) (١): إنه لا يثبته أهل الحديث،
ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية (١).
(١) أخرجه أبو داود في السنن: ٣/ ٢٩٠، ٢٩١، في كتاب الوصايا: باب: ((ما جاء في الوصية
للوارث)»: ٢٨٧٠، وأخرجه الترمذي في السنن: (٤٣٢/٤)، كتاب الوصايا: باب ما جاء لا
وصية لوارث))، (٢١٢٠)، وأخرجه ابن ماجة في السنن: ٩٠٥/٢ كتاب الوصايا: ((باب لا
وصية لوارث))(٢٧١٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ١٥٩/٨، ١٦٠، (٧٦١٥)،
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٢٦٤/٦ كتاب الوصايا: باب ((نسخ الوصية للوالدين»،
وأخرجه أبو داود الطيالسي في المسند ص١٥٤، وأخرجه عبدالرزاق في المصنف: ٤٨/٩،
٤٩، كتاب الولاء: باب ((تولي غير مواليه)) (١٦٣٠٦)، وأخرجه أحمد في المسند: ٢٦٧/٥،
وأخرجه سعيد بن منصور في سننه: ٤٢٨.
(٢) قال الإمام اللكنوي بعد حكاية الخلاف المذكور: هذه العبارات ونحوها الواقعة في كتب الثقات
تشهد بتفرقهم في ذلك: فمنهم من منع العمل بالضعيف مطلقًا، وهو مذهب ضعيف؛ ومنهم
من جوزه مطلقًا، وهو توسع سخيف؛ ومنهم من فصل وقيد، وهو المسلك المسدد، من
(الأجوبة الفاضلة)) ص٥٣ . !

(١٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
العناية بالرواية والحفظ لحديث رسول الله عد ديلم
يقول خالد بن يزيد فيما رواه البيهقي: حرمة أحاديث رسول الله عدّيم كحرمة
كتاب الله، وكان أبو سعيد الخدري يقول: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.
قال السيوطي في ((مفتاح الجنة)) وهذا كما قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة
النافلة؛ لأن قراءة القرآن نافلة، وحفظ الحديث فرض كفاية.
وقال ابن المبارك في حديث ((لا تزال طائفة من أمتي على أمر الله ... )) الحديث(١):
هم عندي أصحاب الحديث.
وقد صدق هؤلاء فيما قالوه: إن أصحاب الحديث خير الناس، وكيف لا يكونون
كذلك، وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة،
واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم (أي: طيبهم الذي يتطيبون به) المداد، ونومهم
السهاد، يصطلون الضياء، ويتوسدون الحصى، الشدة عندهم - مع علو الإسناد - رخاء،
أولئك هم العلماء الحكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.
الرحلة في طلب الحديث
يعتبر الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للإسلام؛ لذلك أعطاه العلماء غاية
اهتمامهم وبذلوا من أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم حتى رحلوا المسافات
البعيدة على بعد الشقة، وعظم المشقة؛ طلباً للحديث، وبحثاً عن أسانيده؛ بل عن إسناد
الحديث الواحد امتثالاً لأمر الله تعالى وتحقيقاً لما حث عليه رسول الله عز ◌ّلام في كتاب
الله وسنة نبيه .
فمن الكتاب قوله تعالى : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
(١) أخرجه: البخاري: ١٩٧/١، كتاب العلم، باب: ((من يرد به الله خيرا)) صـ٧١، وفي
٦/ ٢٥٠، كتاب الخمس، باب: ((قول الله: ﴿فأن لله خمسه﴾ ٣١١٦، وفي ٣٠٦/١٣، كتاب
الاعتصام، باب: ((قول النبي ◌ِ ◌ّ): ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق .. ))
(٧٣١٢)، ومسلم : ٧١٨/٢ - ٧١٩، كتاب الزكاة، باب: ((النهي عن المسألة) ١٠٣٧/٩٨.

(١٦)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾(١).
ومن الحديث قوله ◌ِدَّم: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً
إلى الجنة)) (٢).
وقبل أن أبين أهداف الرحلة عند المحدثين يجدر بي أن أقف عند قوله بعد للم: ((لا
تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا»
ووجه الاستدلال: أن هذه المساجد الثلاثة مساوية لسائر المساجد في المسجدية، فما ميزها
عن سائر المساجد بشد الرحال إليها، وطلب زيارتها للعبادة فيها إلا أنها مباني النبيِّين
ومعاهدهم، وأمكنة غالب عبادتهم وإرشاداتهم - عليهم الصلاة والسلام - فإذا طلبت
زيارتها بهذا الحديث، كانت زيارة أصحابها أولى(٣) بالطلب وأحق بشد الرحال إليها،.
وهذا الاستدلال من قبيل الاستدلال بمفهوم الموافقة، الذي هو أولى كما يقول :
الأصوليون، وذلك أمر واضح لمن نور الله بصيرته، ومن فهم من هذا الحديث منع شد
الرحال لزيارة المصطفى عزّيّلم أو زيارة القبور - فقد وهم وما فهم ويدخل تحت «شد
الرحال)» طلب العلم والرحلة لطلب الحديث للتأكد من صحة متنه أو لعلو إسناده أو:
لمكانته، ويدخل تحت هذا المعنى الهجرة لهذه الأسباب لقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من
بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾(٤)؛ كما أن
الاستثناء المفرغ كما في هذا الحديث يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه
القريب أو البعيد والقريب أولى بالتقدير، فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى أي
مكان، والزيارة أو الرحلة في طلب العلم لا تدخل في واحد منهما حتى يتوجه النفي
(١) التوبة : ١٢٢ .
(٢) من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم: ٢٠٧٤/٤، في كتاب الذكر والدعاء، باب: (( فضل
الاجتماع على تلاوة القرآن)» حديث: ٢٦٩٩/٣٨، وابن ماجة: ٨٢/١، باب: ((فضل العلماء
والحث على طلب العلم»، حديث: ٢٢٥.
(٣) الزيارة الشرعية المنصوص عليها في الكتب الصحيحة - معاذ الله ! - أن نبيح الطواف بالقبور
والتبرك بها وشد الرحال إليها تعبدًا.
(٤) النساء: ٠١٠٠

(١٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
إليها. قال الحافظ العراقي: من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم المساجد
فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة أي لكونها أبنية
الأنبياء، وأما قصد غير المساجد - من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان
والتجارة والتنزه ونحو ذلك - فليس داخلاً فيه، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية
أحمد، ولفظه: ((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد
الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا))(١).
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد
الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها،
بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات، إذا فهمت ذلك،
تجلت لك أهداف الرحلة عند المحدثين واتضحت لك فيما يلي:
١- تحصيل الحديث: وذلك من أهم أسباب الرحلة خصوصاً في العهود الأولى
للإسلام، ومنه جاءت رحلات الصحابة والتابعين وتفرقهم في الأمصار.
وقد كان الخلفاء ﴾ يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين: كابن مسعود في العراق
وأبي الدرداء في الشام ثم انتشر علم الصحابة في التابعين، وتفرق بينهم فاحتاج العلماء
إلى تحصيله من صدور حملته مباشرة استكمالاً: لعلم السنة النبوية؛ فضربوا المثل العليا
حتى رحلوا في طلب الحديث الواحد.
٢- التثبت من الحديث: وهو مقصد الصحابة ظه في رحلاتهم والتابعين، وقد يكون
عند المحدث أحاديث يرويها فإذا رحل سمع أحاديثه بأسانيد تلتقي مع إسناده وتتفق مع
رواياته أو معناها فيطمئن المحدث، ويتقوى الحديث عنده - إن كان فيه ضعف - بتعدد
الطرق أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحاً، أو يسقط حديثاً كان يظنه قبل رحلته
صحيحا.
٣- طلب العلو في السند: ومعنى العلو قلة الوسائط في سند الحديث مع اتصال
(١) من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد في المسند: ٦٤/١، وانظر كلام الشيخ الألباني
على الحديث في إرواء الغليل: ٢٣٠/٣.

(١٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
السند، وكيفية حصول العلو بأن يسمع المحدث حديثاً من راو عن شيخ موجود فيذهب
المحدث إلى الشيخ ويسمعه منه مشافهة فيقل بذلك عدد وسائط النقل في السند (١).
٤- البحث عن أحوال الرواة: معرفة أداء الراوي للحديث هو المقصد الأسمى الذي
عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد؛ فكان لابد
من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز المقبول من المردود.
٥- مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها: وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر،
وتقصي الأسانيد والروايات، وذلك لا يتم إلا بالمجالسة والمدارسة، ولقاء أساتذة هذا
الفن وأساطينه.
قال الخطيب البغدادي: ولو كان المتصل والمرسل واحداً لما ارتحل كتبة الحديث، ولما
تكلفوا مشقة الأسفار، وشد الرحال إلى ما بُعد من الأمصار والأقطار؛ للقاء العلماء
والسماع منهم.
من فوائد الترحال والتنقل إلى البلدان والأقطار
يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد
کمال في التعلم (٣).
:
ولعل في هذه العبارة الموجزة ما يفيد أن الرحلة تزيد في المعارف، ومنها تكتسب
الأخلاق، وتنتحل المذاهب والآراء إما علماً وتعليماً، وإما محاكاة وتلقينا، ولعل أقوى
مثال في ذلك ما وافانا به الإمام الشافعي في رحلته من العراق إلى مصر من مذهب
جديد يختلف في مسائل جوهرية كثيرة عن مذهبه القديم؛ فالرحلة لابد منها في طلب
العلم لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ، وتكوين الشخصية العلمية المستقلة التي
يمكن أن تجدّد وتبتكر في إطار الهدف المنشود، والغرض المقصود.
كما أن من أسمى غايات الرحلة نشر العلم؛ فليس الغرض منها الاستفادة من الغير
:
(١) انظر الرحلة في طلب الحديث بتحقيق نور الدين عتر ص ١٢ وما بعدها.
(٢) مقدمة ابن خلدون ص ٦٣٢ .

(١٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
فحسب، وإنما إفادة الغير أيضاً فيعلم من يلقاهم مما أفاض الله عليه من الفن الذي
تخصص فيه فتعظم مكانته بينهم، ويكثر الانتفاع بحكمته؛ بل إن أحدهم ليستصغر البلد
الذي ينزل فيه على علمه فيرحل إلى بلد يسعه علمه الغزير كما فعل العز بن عبدالسلام
فرحل من ((الشام)) إلى ((مصر)).
وقد تكون الرحلة للالتقاء بأحد الصالحين الذين ذاع صيتهم، وانتشر في الآفاق،
كرحيل موسى إلى الخضر، ولا يفوتنا في هذا المقام مالك بن أنس إمام دار الهجرة التي
كانت تضرب إليه أكباد الإبل بـ((المدينة المنورة)) للتلمذة على يديه، وعلى رأسهم الشافعي
بن إدريس المطلبي ابن عم رسول الله عَ القيم .
كما أن من فوائد الرحلة كسب صداقات جديدة قائمة على تبادل الخبرات والثقافات
كالتقاء الشافعي بابن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة بـ ((العراق)).
ومن آداب الترحال تزود المرتحل من علماء بلده قبل أن يخرج إلى بلد غير بلده، فإذا
فرغ من التلقي من علماء بلده سلك السبيل إلى غيرهم في الآفاق.
كما أن من آدابها اختيار الأماكن، واستشارة علماء بلده في هذه الأماكن قبل الرحيل
إليها، والتعرف على الفضلاء من علمائها.
وألا يكون عاصياً بالسفر(١) إلى هذه البلاد فإن ذلك مما يحرم عليه الرخص التي
أباح الله له: من قصر الصلاة وجمعها والفطر بدلا من الصوم وغير ذلك.
(١) لأن الرخص لا تناط بالمعاصي. هذا عند الشافعية، بل يرى الأحناف ومن وافقهم إباحة
الترخص له، ولكن عند الشافعية نقول للعاصي: تب وارجع إلى ربك ثم ترخص.

(٢٠) .
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
مرتبة السنة من الكتاب
الذي لا يختلف عليه اثنان أن الكتاب يتميز عن السنة لفظاً وإعجازاً وتعبداً بالتلاوة،
لكنها تساويه من حيث: الحجية والاستدلال بأنها تبيان الكتاب؛ فلا تتأخر عنه في هذا
المقام. وكيف لا، وهي وحي مثله؛ لأنها قد نزلت على من لا ينطق عن الهوى عن م
وهي المعنية بقوله عزّسلم: ((أوتيت القرآن ومثله معه ... )) يعدد ((ومثله معه)) مرات
عديدة .
إن إهدار حجية السنة إهدار للآيات التي نصت على حجيتها ﴿وما ءاتاكم الرسول
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧}.
وخلاصة القول في ذلك: أن كلّ منهما معضد للآخر، مساوٍ له في أنه وحي من
عند الله، وفي قوة الاحتجاج به قال عزّلهم: ((تركتُ فِيكُم ما إِنْ تَمَسكتم به لن تضلوا
بعدي: كتابَ الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يَرِدا على الحوض)) والله أعلم (١).
(١) انظر بحثنا عن هذه المسألة في كلامنا على ((فتح العلام)) للشيخ زكريا الأنصاري ..
والحديث أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب: ٦، والحاكم في المستدرك: ٩١/١، من حديث
العرباض بن سارية.