النص المفهرس
صفحات 81-100
يصابوا بأذى قليل ولا كثير بل خافوا في المستقبل وتخاذلوا ولذلك كان يلتمس العذر لسجادة والقواريري، دون غيرهما . قال المقريزي: وكان أبو عبد الله يقيم عذرهما ويقول: أليس قد حُبسا وقيّدا، قال الله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ قال أبو عبد الله: القيد كره والحبس كره والضرب كره، فأما إذا لم تنل بمكروه فلا عذر له (١). ولم يكن يُعذر أولئك الذين سارعوا في التقية ولما يُصِبهُم الأذى في هذه السبيل. روى ابن الجوزي باسناده عن أبي بكر المروذي يقول: جاء يحيى بن معين فدخل على أحمد بن حنبل وهو مريض، فسلّم فلم يَردّ عليه السلام، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحداً ممن أجاب حتى يلقى الله عز وجل، فما زال يحيى يعتذر ويقول: حديث عمار، وقال الله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: أَقِّ وقام، وقال: لا يقبل لنا عذراً، فخرجت بعده وهو جالس على الباب، فقال: أي شيء قال أحمد بعدي؟ قلت: قال: يحتج بحديث .. عمار، وحديث عمّار مررت وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم: تُريد أن نضربكم، فسمعت يحيى يقول: مر يا أحمد غفر الله لك، فما رأيت والله تحت أديم سماء الله، أفقد في دين الله منك (٢). وقد أجاب في المحنة خوفاً من الأذى والقتل على بن المديني رحمه الله أيضاً ولم يقتصر إلى حد الإجابة بل تقرب منهم وأراد إرضاء ابن أبي دؤاد بترك الرواية عن الإمام وكان يأمر الناس بالضرب على أحاديثه. (١) أنظر مفاتيح الفقه الحنبلي ٢٤٢:١. (٢) مناقب ابن الجوزي ٣٨٩. ٨١ قيل لابراهيم بن إسحاق الحربي: أكان علي بن المديني يُتَّهم بشيءٍ من الكذب، فقال: لا ، إنما كان حدث بحديث فزاد في خبره كلمة يُرضي بها ابن أبي دؤاد، وسُئل فقيل له: كان يتكلم على بن المديني في أحمد بن حنبل؟ فقال: لا، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثاً عن أحمد قال: اضرب علی ذا، لیرضي به ابن أبي دؤاد وكان قد سمع من أحمد وكان في كتابه سمعتُ أحمد، وقال أحمد وحدثنا أحمد (١) . ولذلك أدخله العقيلي في الضعفاء وقال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية (٢). وروى ابن الجوزي عن أبي بكر المروذي قال: دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق أبو عبد الله طبيخاً ولا دسماً وقال: كم تمتَّع أولئك، يعني ابن أبي خيثمة وابن المديني وعبد الأعلى، إني لأعجب من حرصهم على الدنيا، فكيف يطوفون على أبوابهم (٣). وقال ابن رجب في شرح العلل في ترجمة ابن المديني: أنه تقرب إلى ابن أبي دؤاد، حيث استماله بدنياه وصحبه وعظمه، فوقع بِسَبّب ذلك في أمور صعبة، حتى أنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث، ليُرضى بذلك ابن أبي دؤاد، فهجره الإِمام أحمد لذلك (٤). ولما كان موقف بعض العلماء كما ذُكر ورأى الإمام أنهم فرّطوا في أمانة الدعوة والقيام بجانب الحق ونصرته كان من الطبيعي أن ينبعث الغضب لله في نفسه. (١) تاريخ بغداد ٤٧٠:١١. (٢) ضعفاء العقيلي ل ٢٩٧. (٣) مناقب أحمد ٣٩٠. (٤) شرح علل الترمذي ص ١٨٧. ٨٢ ولنذكر مقالته حينما راجعه عمه على التقية: إذا أجاب العالم تقيةً والجاهل يجهل فمتى يظهر الحق. ولذلك ترك الرواية عمن أجاب في المحنة: قال العقيلي في الضعفاء: قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله. فسألت عبد الله، فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، و کان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذلك. وقد يقال: إن الذين اختاروا التقية لهم عذرهم وهو الإكراه وقد اختاروا أمراً مباحاً فلم هجرهم أحمد. ؟ ۔ فأجاب عن هذا الأمر ابن الجوزي فقال: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن القوم توعّدوا ولم يُضربوا، فأجابوا والتواعد ليس باكراه (وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يحيى بن معين). والثاني، أنه هجرهم على وجه التأديب. ليُعلم تعظيم القول الذي أجابوا عليه. فيكون ذلك حفظاً لهم من الزيغ. والثالث يُقال: إن معظم القوم لما أجابوا قبلوا الأموال، وتردّدوا إلى القوم، وتقرّبوا منهم، ففعلوا ما لا يجوز فلهذا استحقوا الذم والهجر(١). (١) مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٣٩٠. ٨٣ والحق أن هجر الإمام للمحيبين في المحنة لم يكن إلا تأديباً وتشنيعاً لفعلهم، ولم يكن تجريجاً في عدالتهم بحالٍ. وعلى هذا الأمر نفسه تحمل تركه الرواية عن علي بن المديني وضربه على أحاديثه . . ويبدو لي أن ترك الرواية عن ابن المديني كان مؤقتاً ثم روى عنه فيما بعد، وأوضح مثال لذلك نجد نصوصاً كثيرة عنه رواها الإمام في هذا الكتاب (العلل) كما نجد روايات كثيرة عته في المسند . فيمكن أن يكون ضربّ على أحاديثه ثم أجازها، فرواها عنه تلامذته. كما أننا نجد روايات كثيرة من زيارات عبد الله ورواياته في كتب أبيه وكتابه السنة عن ابن معين. ومعروف أن عبد الله لم يكن يكتب الحديث ولا يروي إلا عمن يرضى عنه أبوه ويأذن له في الأخذ عنه، ثم لا يتصور أن الإمام عفا عن الذين تسببوا له في الإيذاء تقليداً ثم يبقى غاضباً على من اختار التقية. نعم حيث إن غَضَبه كان لله وفي سبيل الله فلم يعف عن المبتدعة الذين جعلوا القول بخلق القرآن ديانة لهم ولسببه آذوه كل الإيذاء أمثال ابن أبي دؤاد رأس الفتنة ورجلها كما مضى ذكره. * - مرض الإمام أحمد ووفاته: بعد حياة حافلة بالعلم والجهاد مرض الإمام مرض موته ليلة الأربعاء. لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ٢٤١ وتوفى عاشر يوم مرضه يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول. ودفن بعد العصر، وصلى عليه جم غفير قدر بألف ألف نفس، رحمه الله ورفع درجاته مع النبيين والصديقين والشهداء. آمين. ٨٤ وصف كتاب العلل معرفة الرجال ويشمل تعيين اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى الإمام أحمد ووصف النسخة وذكر مكانها وناسخها وتعريفاً موجزاً عن مواد الكتاب. ١ - اسم الكتاب: نجد في ظهر الكتاب إسمه هكذا: كتاب العلل ومعرفة الرجال عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصّاف. عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل. عن أبيه . سماع عُبيد الله بن أحمد. ويبدو أن هذا هو اسم الكتاب الذي سمّي به الإمام أحمد أو ابنه عبد الله أو أبو علي بن الصّاف. وأتُّ من هؤلاء الثلاثة كان المسمّى للكتاب. فهذا الإسم هو المتعيّن فإن كان المسمى الإمام أحمد فهو واضح، وإن كان عبد الله بن أحمد فيترجح أنه بعد الجمع والترتيب يكون عرضه وقرأه على أبيه، وكذلك إن كان الذي سمّاه هو أبو علي بن الصوّاف فهو أيضاً لا بُدَّ وأن يكون قرأه على عبد الله بهذا الإسم وقرّره عبد الله. ٨٥ لأن ناسخ الكتاب وهو مُبيد الله بن أحمد نسخّه من أصل أبي علي فلا بدّ وأن يكون نسخه باسمه ثم سمعه من أبي عليّ. ولا نظن أن التسمية منه. لذا نرى أن المثبت على ظهر الكتاب هو اسم الكتاب لا غير. وإن الذين استفادوا من الكتاب قد اختصروا في ذكر اسمه في أغلب الأحيان فسموه العلل، وسمّاه بعضهم التاريخ لاشتماله على تاريخ الرواة مواليدهم وأحوالهم ووفياتهم على ما سُمِّيت به تواريخ البخاري الثلاثة. وتاريخ ابن أبي خيثمة و وغيرها. وإن كانت هذه الكتب مشتملة على بعض علل الحديث ولكن حيث إن الصِبْغَة الغالبة عليها هي بيان أحوال الرجال سُمِّيت باسم التاريخ. ٢ - توثيق نسبة الكتاب إلى الإمام أحمد: نجد كثيراً من العلماء المشتغلين قديماً وحديثاً بعلم الحديث أو الذين لهم عمل في ذكر المؤلفات في العلوم والفنون إذا ذكروا التصانيف في العلل والجرح والتعديل أو إذا ترجموا للإمام أحمد ذكروا كتاب العلل ناسبين للإِمام، وخاصةً برواية عبد الله إبنه هذا الذي بين أيدينا. ثم إن المواد التي نُقِلِت عن عبد الله بن أحمد عن أبيه من كتاب العلل في ثنايا كتب المتقدمين موافقة لما حواها هذا الكتاب كما يظهر للناظر في تخريجاتها . لذا لا تَشُكّ أن كتاب العلل هذا أصله من تأليفات الإمام أحمد لأن الأمر قد اشتهر بل وتواتر بحيث لا يترك مجالاً للشك. ولعل قائلاً يقول: إنه لم يكن كتاب مؤلف للإمام أحمد بهذا المعنى وإنما هي أسئلة وجهها عبد الله إلى أبيه فأجاب عليها أبوه فينبغي نسبة الكتاب إلى عبد الله . ٨٦ فنقول إن من حملة طرق انتشار التأليف في تلك الأيام أن التلميذ كان يكتب عن الشيخ وهو يُملي عليه، أو يسئلُه التلميذ في بعض الأحيان فيجيبه الشيخ من حفظه أو من كتابه فينتشر الكتاب من طريق التلميذ، وبهذه الطريقة وصلت إلينا أكثر كتب السلف. وبهذه الطريقة نفسها نقل عبد الله عن أبيه هذا الكتاب، ثم زاد فيه زيادات، وهذا لا يعني أنه لم يكن عند الإمام كتاب أو تأليف منه في هذا الموضوع. فالذي نتصوره أنه كان عنده كتاب في العلل ومعرفة الرجال بخط يده كالمسند وغيره فأملى بعضه على عبد الله وبعضه سأله عبد الله فأجابه بحفظه أو من كتابه في بعض الأحيان. وتدل عليه تلك الروايات الكثيرة التي يقول فيها عبد الله أملى عليّ أبي، ويقول في بعضها: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعها، فالتي لم يُملِ عليه والتي وجدها في كتاب أبيه ألحقها فيما بعد بالكتاب. وعلى كل حال يثبت لدينا وجود كتاب في موضوع العلل وأحوال الرجال من تأليفات الإمام أحمد أخذه عنه ابنه عبد الله قراءة وإملاء ووجادة وأدخل فيه زيادات عن شيوخه غير أبيه. ومن جملة من ذكروا كتاب العلل للإمام: ١ - فمن أقدمهم فيما اطلعت، العقيلي محمد بن عمر بن موسى بن حمّاد [ت ٣٢٢] في كتابه الضعفاء حيث قال: قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله [يعني ابن المديني] ثم قد ضرب على اسمه وكتب فوقه ((حدثنا رجل» ثم ضرب على الحديث كله، فسألت ٨٧ ٠ عبد الله (١)» .. كما استفاد هو منه من طريق عبد الله كثيراً. ٢ - وذكره ابن أبي حاتم عبد الرحمن [ت ٣٢٧] فقال في ترجمة عبد الله بن أحمد: (( .. وكتب إليَّ بمسائل أبيه وبعلل الحديث وكان صدوقاً ثقة (٢). ٣ - وذكره ابن المنادى أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد [٢٥٦- ٣٣٦] باسم التاريخ قال: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه لأنه سمع المُسند وهو ثلاثون ألفاً والتفسير ... وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ(٣) ... ٤ - وذكره ابن النديم محمد بن اسحاق [ت ٣٨٥] فقال: له من الكتب كتاب العلل، كتاب التفسير (٤) ... ٥ - وذكره البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي [ت ٤٥٨] فقال: ((رواه عبد الله بن أحمد في كتاب العلل عن أبي الربيع الزهراني ... وهذا اسناد صحيح (٥). ٦ - وذكره ابن أبي يعلى محمد بن الحسين أبو الحُسين الفراء. [٤٥١-٤٥٨] فقال: قرأت في كتاب أبي الحسين بن المنادى وذكر عبد الله وصالح [يعني ابني الإمام أحمد] فقال: كان صالح قليل الكتاب عن أبيه، فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد روى عن أبيه أكثر منه (١) الضعفاء ل ٢٩٧. (٢) الجرح والتعديل ٧:٢/٢. (٣) تاريخ بغداد ٩: ٣٧٥. (٤) الفهرست ٣٢٠ نشر دار المعرفة ببيروت. (٥) السنن الكبرى ٣٧:٨. ٨٨ لأنه سمع المسند .. وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ (١). ٧ - وذكره ابن الجوزي [ت ٥٩٦] أيضاً باسم التاريخ (٢). ٨ - وذكره ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن [ت ٦٤٣] في آداب طالب الحديث من كتابه علوم الحديث فقال: ((ومن كتب علل الحديث ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل وكتاب العلل عن الدارقطني (٣) . ٩ - وذكره شمس الدين الجزري [٧٥١-٨٣٣] باسم التاريخ والعلل (٥). ١٠ - وذكره ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني [٧٧٣-٨٥٢] في مواضع من كتبه تارة باسم العلل وتارة باسم التاريخ. قال في فتح الباري وقع في تاريخ أحمد بن حنبل (٤). وقال في التهذيب في ترجمة الصلت بن دينار؛ قال عبد الله بن أحمد في العلل : نهاني أبي أن أکتب حديثه (٥). وقال في ترجمة واصل بن عبد الرحمن أبي حُرّة؛ قال عبد الله بن أحمد في العلل حدثني يحيى بن معين (٦). (١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١٨٣:١. (٢) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ١٩١ . (٣) علوم الحديث ٢٢٧. (٥) المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد ص ٣٨ ترجمة عبد الله. (٤) فتح الباري ٢٧:١. (٥) تهذيب التهذيب ٤٣٤:٤. (٦) تهذيب التهذيب ١٠٥:١١. ٨٩ وقال في ترجمة أبي بكر بن أبي موسى الأشعري: قال عبد الله بن أحمد في العلل: قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى (١) ... وقال في التلخيص: قال أحمد في العلل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا همام (٢) ... ١١ - وذكره السخاوي شمس الدين محمد بن عبد الرحمن [ت ٩٠٢] عن بعض المتأخرين فقال: صنّف في التاريخ في المائة الثانية الليث بن سعد في الطبقات والثالثة أحمد أو الشيخان والنسائي (٣) ... ١٢ - وذكره الكتَّاني محمد بن جعفر بن ادريس [١٢٧٤-١٣٤٥] في الرسالة المستطرفة. كتاب العلل للبخاري ولمسلم ... ولأحمد بن حنبل ولعلي بن المديني (٤). وأما النقل عن الكتاب بإسناده فيوجد بكثرة في كتب الخطيب البغدادي تقييد العلم، وتاريخ بغداد والموضح لأوهام الجمع والتفريق والجامع وغيرها .. كما توجد نقول كثيرة جداً في الجرح والتعديل وعلل الحديث لابن أبي حاتم فيما كتب إليه عبد الله عن أبيه. وكذلك نجد نقولاً كثيرة في الإكمال لابن ماكولا عن الإمام أحمد وهذه النصوص والنقول موجودة في الكتاب. ونجد الإمام البخاري أيضاً ينقل في التاريخ الكبير كثيراً من كلام (١) تهذيب التهذيب ٤١:١٢. (٢) التلخيص الحبير ٢١٢:٣. (٣) الإعلان بالتويج ١٦١. (٤) الرسالة المستطرفة دار الكتب العلمية ببيروت الطبعة الثانية المصورة من الأولى. :٩٠ الإمام أحمد وخاصة في مواضع الإختلاف في الأسماء والكنى والوفيات كأنه يرجح كلامه على كلام الآخرين. وقد أشرت إلى مواضعها في التاريخ عند التخريج. وهذه النقول من البخاري من الممكن أن يكون تلقّاها من الإمام شفاها ومن الممكن أن يكون أخذها من كتاب العلل برواية عبد الله أو بروايات الآخرين. والله أعلم. وكذلك نجد ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي قد اعتمد اعتماداً كبيراً على أقوال الإمام أحمد من طريق عبد الله وغيره. وأما من حيث إسناد الكتاب: فينبغي أن نذكر هنا ما جاء في عنوان الجزء الأول وهو: ((الجزء الأول من كتاب العلل ومعرفة الرجال. عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله. رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصّاف عن أبي عبد الرحمن. عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أبي عبد الله . سماع عبيد الله بن أحمد. ثم صار لأبي الحسن علي بن الحسن بن أحمد المقري. وسمعه بقراءته على الشيخ أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس. عن أبي علي بن الصوّاف وذلك في المحرم من سنة ثنتي عشرة وأربعمائة . وسمع جميعه أيضاً محمد بن خير ان بن الحسين المزارع وعبد الواحد ... ٩١ أبي عبد الله بن أحمد البردي بقراءة أبي الحسن المقري في التاريخ ... ثم صار ملكاً بالشراء لمحمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي نفعه . الله به . وسمع هذا الجزء والذي بعده من الشيخ الجليل أبي غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء عن أبي طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي العشاري رحمه الله عن أبي الفتح بن أبي الفوارس ومحمد بن عبد الله بن بشران جميعاً عن أبي علي ابن الصّاف رحمه الله واياهم وعارض)) انتهى. وهذا اسناد صحيح رجاله معروفون ثقات . أما عبد الله بن الإمام أحمد فقد ولد في جمادى الآخرة من سنة ٢١٣، ونشأ على يدي أبيه يأخذ منه العلم والورع والزهد بخط وافر من الحفظ والذكاء. ثم أخذ عن أئمة العلم المعروفين في عصره وصار على مكانة كبيرة من علم الحديث حتى اعترف بفضله أبوه الإمام. قال أبو زرعة: قال لي أحمد بن حنبل: ابنى عبد الله محظوظ من علم الحديث أو من حفظه، لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ . وقال أيضاً: إن أبا عبد الرحمن قد وَعى علماً كثيراً (١). وقال أحمد بن المنادى: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه (١) تاريخ بغداد ٣٧٦:٩. ٩٢ : : وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكر عن اسلافهم الإقرار له بذلك حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة وزيادة السماع للحديث عن أبيه (١). وسئل الدارقطني عنه وعن حنبل بن إسحاق، فقال: ثقتان نبيلان (٢). وقال أبو بكر الخلال: كان عبد الله رجلاً صالحاً صادق اللهجة كثير الحياء (٣) . وقال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتاً فهماً (٤). وله مصنفات من أهمها كتاب السنة (٥) الذي سماه الشيخ الكوثري في مقالاته كتاب الزيغ، ونال من عبد الله ووصمه بالوثنية والتجسيم من أجله حيث نقل من كتاب السنة بعض النصوص التي تخالف عقيدته ثم قال : فهل ترك قائل هذه الكلمات شيئاً من الوثنية والتجسيم (٦) واتهمه بالكذب في تأنيبه فقال: ((وعبد الله بن أحمد صاحب كتاب السنة وما حواه كتابه هذا كاف (١) تاريخ بغداد ٣٧٥:٩-٠٣٧٦ (٢) التهذيب ١٤٣:٥. (٣) طبقات الحنابلة ١٨٣:١. تاريخ بغداد ٣٧٥:٩. (٤) طبع بتحقيق الأخ محمد سعيد القحطاني رسالة للدكتوراه. (٥) أنظر مقالاته ٤٠٢، ٤٠٧. (٦) ٩٣ في معرفة الرجل ومثله لا يُصدّق في أبي حنيفة وقد بُلي فيه الكذب»(١) وقد كفى المؤنة وقضى دينّ الأمة في الدفاع عن عبد الله وغيره من السلف وفي الرد على هذا الرجل. العلامة المحقق الكبير ذهبي العصر، الشيخ عبد الرحمن المعلمي. فلينظر كتابه التنكيل. وأما نحن فنقول عن عبد الله بن أحمد ما کان یجیب به عبد الله بن الزبير أهل الشام حينما كانوا يُعيِّرونه بابن ذات النطاقين. «أيها والله/ وتلك شكاة ظاهر عنك عارها)) (٢). فنحن نريد السنة ونحبها أعلى الله أعلامها ورفع منارها في كل زمان ومكان ولا نامت أعين المبتدعةِ. توفي عبد الله بن أحمد لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة ٢٩٠ ودفن في مقابر القطيعة (٣) ۔۔ وأما ابن الصّاف فهو محمد بن أحمد بن الحسن بن اسحاق بن ابراهيم ابن عبد الله أبو علي المعروف بابن الصوّاف، فولد سنة ٢٧٠ وسمع الحديث عن اسحاق بن ابراهيم الحربي وبشر بن موسى وعبد الله بن الإمام أحمد، في آخرین. روى عنه الدارقطني وأبو الحسن بن بشران ومحمد بن أبي الفوارس قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثل أبي علي ابن الصّف. وقال تلميذه ابن أبي الفوارس: كان ثقة ما دونا من أهل التخرّز ما رأيت مثله في التحرز. (١) نقلاً عن كتاب التنكيل ٢٨٤:١. (٢) أنظر صحيح البخاري ٩: ٥٣ الأطعمة. (٣) تاريخ بغداد ٣٧٩:٩. ٩٤ توفي أبو علي لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة (٣٥٩) (١). وأما الراوي عن أبي علي لكتاب العلل. فهو عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي، المعروف بـ ((جخجخ)) ولد سنة ٢٦٨، وسمع أبا القاسم البغوي وطبقته وأبا بكر ابن دريد ومن بعده. وحدث بشيء يسير، سمع منه أبو الحسن بن الفرات ومحمد بن أبي الفوارس وروي عن ابراهيم بن مخلد. قال الخطيب: كان ثقة صحيح الكتاب. توفي ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة (٢). وشاركه، في رواية الكتاب عن أبي علي على هذه النسخة كل من أبي الفتح بن أبي الفوارس، وابن بشران، كما هو مذكور في السماع. وروى عنهما أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العساري. وروى عنه أحمد بن الحسن البناء. وروى عنه محمد بن ناصر السلامي. نثبت فيما يلي تراجمهم أيضاً. * محمد بن أحمد بن فارس بن سهل، أبو الفتح بن أبي الفوارس قال الخطيب: ولد في سحر الأحد لثمان بقين من شوال سنة ثمان وثلاثين (١) تاريخ بغداد ٢٨٩:١، طبقات ابن أبي يعلى ١٦٤:١، المنتظم ٥٢:٧-٠٥٣ (٢) أنظر تاريخ بغداد ٣٥٨:١٠، المنتظم ٥:٧. ٩٥ وثلاثمائة. وسمع من أبي بكر محمد بن الحسن النقاش وأبي علي ابن الصواف. وسافر في طلب الحديث إلى البصرة وبلد فارس وخراسان وكتب .. الكثير وجمع، وكان ذا حفظ ومعرفة وأمانة وثقة مشهوراً بالصلاح. مات في يوم الأربعاء السادس عشر من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة (٤١٢) ودفن بمقبرة باب حرب (١). * وأما ابن بشران فهو أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ابن محمد بن بشر بن مهران أبو الحسين المعدل . قال ابن الجوزي كان صدوقاً، ثقة ثبتا حسن الأخلاق تام المروءة. توفي في شعبان سنة ٤١٥ (٢). * ومحمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو طالب الحربي، المعروف بابن العشاري. سمع علي بن عمر السكري وأبا حفص بن شاهين وأبا الحسن الدارقطني وخلقاً من هذه الطبقة. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقة، ديناً، صالحاً. مولده في المحرم من سنة ٣٦٦، ومات في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى من سنة ٤٥١ (٣). (١) تاريخ بغداد ٣٥٢:١ وانظر المنتظم ٥:٨، تذكرة الحفاظ ١٠٥٣:٣. المنتظم ١٨:٨. (٢) تاريخ بغداد ١٠٧:٣، المنتظم ٢١٤:٨. (٣) ٩٦ * وأما أحمد بن علي بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء أبو غالب فولد سنة ٤٤٥ وسمع أبا محمد الجوهري، وأبا الحُسين بن حسنون وأبا يعلى وخلقاً كثيراً وكان ثقة، مات سنة ٥٢٧ قاله ابن الجوزي (١). * ومحمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي، البغدادي أبو الفضل، ولد سنة ٤٦٧. قال أبو موسى المديني: هو مقدم أصحاب الحديث في وقته في بغداد. وقال السلفي: سمع ابن ناصر معناً كثيراً وهو شافعي أشعري ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع ومات عليه. وله جودة وإتقان وحسن معرفة وهو ثبت إمام. وقال ابن الجوزي: كان حافظاً ضابطاً متقناً ثقةً من أهل السنة لا مغمز فيه. وقال ابن النجّار: كان جيد النقل صحيح الضبط، كثير المحفوظ له يدٌ باسطة في معرفة النحو واللغة وكانت أصوله في غاية الصحة والإتقان. وكان ثقة، نبيلاً، حجة، حسن الطريقة متديناً، فقيراً متعففاً، نظيفاً، نزهاً، وقف كتبه على أصحاب الحديث. مات سنة ٥٥٠ ولم يعقب (٢). متى حصل تأليف كتاب العلل: عثرت عند العقيلي على نص يدل على أن أحمد رحمه الله ألف كتاب العلل قبل المحنة في فتنة خلق القرآن. (١) المنتظم ٣١:١٠. (٢) المنتظم ١٦٢:١٠، تذكرة الحفاظ ١٢٨٩:٤، وفيات الأعيان ٢٩٣:٤، البداية والنهاية ٠٢٣٣:١٢ ٩٧ قال العقيلي في ترجمة علي بن المديني : . قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على ١! وكتب فوقه، حدثنا رجل ثم ضرب على الحديث كله. فسألت عبد الله فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه ، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذلك(١). ففيه دليل واضح على أن تأليف العلل حصل قبل دخول الإمام في المحنة، لأنه كان في أيام المحنة محبوساً ومسجوناً لا يجد مجالاً لتأليف كتاب كبير كهذا، ثم إن الكتاب عبارة عن أسئلة موجهة من عبد الله إلى أبيه في أكثر الأحيان، وعبد الله لم يكن معه في السجن. ٣ - وصف النسخة: لم نعثر لكتاب العلل برواية عبد الله على نسخة كاملة غير هذه النسخة الفريدة التي بين أيدينا الآن. وقد ذكر له الجزء الثاني عشر من رواية مكرم البزاز وسيأتي وصفه. أما نسختنا هذه فهي من محفوظات مكتبة ((أيا صوفيا)» بتركيا مقيدة فيها برقم [٣٣٨٠] (٢) تشتمل على [١٨٠] ورقة حجم [٣٠ × ١٧ سم] مجزأة بثمانية أجزاء كل جزء يشتمل على ٢٤ ورقة وجه ((أ)) من كل جزء يشتمل على عنوان الكتاب، والسماعات، عدا الجزء الثامن فهو بخط دقيق غير خط الأجزاء السبعة الأولى. (١) الضعفاء للعقيلي ل ٢٩٨. (٢) تاريخ التراث العربي لسزكين ٢٠٤:٢. ٩٨ وعدد الأسطر في الأجزاء السبعة يتراوح بين [٢٨ و٣٣] سطراً في كل صفحة. وأما الجزء الثامن، فعدد الأسطر فيه يأتي ما بين [٥٠ و٦٠] سطراً في كل ورقة. والخط نسخي معتاد على طريقة الخطوط القديمة. وأما ناسخ الكتاب، فلم نجد نصا صريحاً في اسمه ولكن دلت بعض القرائن على أن الناسخ للأجزاء السبعة الأولى هو تُبيد الله بن أحمد المعروف بـ ((جَخْجخ)) سامع هذه النسخة ومالكها وقد مرت ترجمته. والقرينة على ذلك العبارةُ التي ثبتت على رأس الورقة [١٧٠ أ] من الجزء الثامن وهي: («هذا الجزء [ أي الجزء الثامن] بخط ابراهيم بن محمد بن يعقوب بن الحسن ابن المأمون، كان يسمع مع أبي الحسن بن فرات وتُبيد الله بن أحمد النحوي ((جخجخ»، الذي كانت هذه النسخة له، كتبه ابن ناصر». فعبارة ابن ناصر وهو الثقة الثبت تدل على أن المالك الأوّل للنسخة الكاملة هو عُبيد الله بن أحمد صاحبُ السماع من أبي علي بن الصواف. كما تدل على المطلوب العبارة التي ثبتت على رأس الورقة [٢٤ ب]: . («قرىء على أبي علي بن الصوّاف، يوم الإثنين لستٍ خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وأنا أنظر في الأصل)». وهذه العبارة بخط أصل النسخة لا فرق البتة. لذا نرى أن ناسخها هو عبيد الله بن أحمد، نسخها من أصل أبي علي ٩٩ ابن الصواف، وملكها، وكان يسمع ويعارض مع أبي علي بن الصواف ونسخته، كانت تکون في يده. وأما اتخاذ أصل ابن الصواف أصلاً لنسخته عند الاستنساخ فيدل عليه الهامش الذي وضعه تُبيد الله في ق [٢٦ ب] أول الجزء الثاني · بالعبارة التالية. «آخر جزء أبي علي بن الصواف الثاني، الأصل وبلغنا في السماع» وما جاء في ق ٦٢ ب هامش اليمين: كذا في أصل أبي علي وفي كتاب ابن خالد .... وأما الجزء الثامن فهو ليس بخط تعُبيد الله بل بخط قرينه ورفيقه، إبراهيم بن محمد بن يعقوب بن الحسن بن المأمون (الخليفة) كما أكّد لنا ابن ناصر السلامي. ولم نجد لابراهيم هذا ترجمة مستقلة منفصلة، إلا أن الخطيب البغدادي قال في ترجمة أبيه محمد بن يعقوب: ((وكان له ابنٌ يقال له: ابراهيم كتب الحديث الكثير، وذكر محمد ابن أبي الفوارس أن محمد بن يعقوب هذا توفي في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من المحرم سنة ٣٥٦ ومات ابنه إبراهيم بعده بأسبوع فجأة قال: وكان مولده في سنة خمس وثلاثمائة [٣٠٥] ولا أظنه حدّث (١). ويبدوأنه كتبها باتفاق مع تُبيد الله وبإحالة منه إليه في وقت قريب من كتابة الأجزاء السابقة. ويدل على ذلك أن ظهر الورقة [١٧٠ أ] التي فيها عنوان الجزء الثامن (١) تاريخ بغداد ٣٩٢:٣. ١٠٠