النص المفهرس

صفحات 1-20

مَسَائِل الامامِ أحَمَد
:
كتاب
العِلَرَ مِعْرفُ الرَّجَال
للإِمَام
أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله
(١٦٤ - ٢٤١)
تحقیق وتخريج
الدكتور وَحيّ اللّه بن محمَد عَبَاس
المَجَلُ الأول
دار الخَاني
فرقد فريد الخاني
الرياض

حقوق الطبع محفوظة 0
٥ الطبعة الثانية ٥
١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م
دار الخَاني
فرقد فريد الخاني
الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم
وَبَعْد :
فهذا كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رحمه الله قد بذلت
جهديّ المستطاع في تحقيقه وتصحيحه وتخريجه وقدّمت له بمقدمة اشتملت
على مُوجَز يتعلق بمعرفة الرجال والجرح والتعديل، ثم ذكرت ما يتعلق
بالعِلَل، ثم ترجمتُ للإِمام أحمد ترجمةٌ مختصرة ثم ذكرت وصف الكتاب
والنسخةِ التي تمَ العمل عليها.
أدعو الله عز وجل أن يَتَقَبّله بقبول حسن. وأرجو من الإخوة أهل
العلم أن يتكرّموا بالتنبيه على خطأ اطلعوا عليه حتى يمكن تصحيحه فيما
بعد. ولهم أجرهم عند الله .
الزاهر، مكة المكرمة
٢٠ من صفر ١٤٠٧
الدكتور وَحمّ الله بن محمّد عَبَّاس

بِسِلَهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن
يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمدله وشر الأمور
محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
خلق الله. آدم عليه السلام، وخلق منها زوجه وبث منهما رجالاً كثيراً
ونساءاً، وَشرع لهم شرائع كلّفهم بها على لسان رسله من لدن آدم إلى خاتم
النبيين نبينا محمد عليه وعلى الأنبياء الصلاة والسلام.
أرسل الله رُسُلَه، يبلغون قومهم رسالات الله، يعيشون فيما بينهم
يفسرون لهم أوامر الله ونواهيه بأقوالهم وأفعالهم، يحفظها عنهم أقوامهم
ومتبعوهم ويعملون بها.
وهكذا جاءت رُسُل الله تترى. وما أرسل من رسول إلا بلسان قومه،
فَيضل من يشاء ويهتدي من يشاء.
وكان النبي من الأنبياء السابقين، يُبعث إلى قومه خاصةً وبُعث
نبينا﴿ إلى الناس عامة، فجعل الله رسالته ناسخة لجميع الرسالات فلا
٧

يسع أحداً من العالمين إلا اتباعه ومن يبتغ غير دينه ديناً فلن يقبل منه وهو
في الآخرة من الخاسرين.
﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
گلّ﴾(١).
﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا أو نذير﴾ (٢).
ولما كانت الأديان السابقة لم يُقَدّرِ الله لها الخلود، لم يتعهد بحفظها ولم
يُهيّء لها من يقوم برعايتها وصيانتها، فلم تسلم من التحريف حتى كتبهم
المقدسة المنزّلة إليهم. وذلك بشهادة القرآن العظيم.
﴿من الذين هادوا يجرّفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا
وعَصَينًا﴾(٣).
وندد بهم في قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم
يقولون هذا من عند الله، لِيَشْتروا به ثمناً قليلاً﴾ (٤).
وأما شريعتنا الحنيفية البيضاء فقد وعد الله وتعهّد بفضله ورحمته
بحفظها قال تعالى:
﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾(٥) .
وهيأ لها رجالاً ونساءاً في كل عصر ومضر وفي كل قرن وزمن لحفظها
من جميع نواحيها .
(١) سورة الفتح: ٢٨، سورة الصف: ٩.
(٢) سورة سبأ: ٢٨.
(٣) سورة النساء: ٤٦.
(٤) سورة البقرة: ٧٩.
(٥) سورة الحجر: ٩.
٨

هيأ لها رجالاً يقومون بحفظ كتابه عن ظهر قلب ويتلونه ويدارسونه،
ويحفظونه بين الدفّتين،
يحفظونه بدراسته وتقويم معانيه بالتفسير واستنباط الأحكام وجميع ما
يتعلق به. ثم تدبره والعمل بما فيه،
ولما كانت آيات القرآن الكريم مُجملة، أكرم الله نبيه محمداً داخل﴾ .
بتكليفه بيان ما فيها من الإجمال، وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح وتفصيل.
قال تعالى:
=
﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزَّل إليهم﴾(١)
وقال النبي ◌ِّ : ألا إني أوتيتُ الكتاب ومِتُله معه، ألا يُوشك رجل
شبعان، على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من
حلال، فأحِلّوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه ألا لا يحل لكم لحم
الحمار الأهلي ... (٢).
وأمر النبي ﴿ أَمَّته بتبليغ ما يعلمون منه إلى غيرهم فقال: بلغوا عني
ولو آية (٣).
وقال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٤).
وقال: تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي،
ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض (٥).
(١) سورة النحل: ٤٤.
(٢)
صحيح الجامع الصغير ٢: ٣٧٥.
(٣)
صحيح البخاري ٤٩٦:٦.
(٤)
صحيح البخاري ١٩٩:١.
(٥) صحيح الجامع الصغير ٣٩:٣.
٩

فبهذا ظهر أن الذكر الذي وعد الله بحفظه وصيانته، يشمل القرآن
الكريم وسنة نبيه # بجميع أنواعها.
بهذه المهمة المباركة بعث الله نبينا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد
في الله حق جهاده. دَحَر الأعداء مشركين وكفاراً منافقين ويهود فآمنت
له الجزيرة ومنهم من أسلم وتظاهر ولم يؤمن قلبه، كما قهر أخبث الأمم
أعدى أعداء الإسلام أبناء القردة والخنازير اليهود الذين لم يتركوا فرصة
إلا اهتبلوها بالكيد للإسلام والمسلمين، وولّت زعامتهم من المدينة بخبثها
ومكرها وحقدها وحطت رحالها في خيبر مجلوّة مطرودة مذومة مدحورة.
عاش الناس في ظل رحمة للعالمين إلى أن كمل الدين وتمت نعمة الله
على عباده في صورة كتابه وسنة نبيه * كلّما نابتهم نائبة رجعوا إليه أو
حدثت لهم حادثة فزعوا إليه عاشوا في توادُدٍ وتراحم كالجسد الواحد بين
مسلمين كأسنان المشط لا خلاف ولا شقاق وبين أعداء مكشوفين. وبين
منافقين كلما أوقدوا نار الفتنة أوحى الله نبيه ففضحهم وكشف عوارهم.
والغلبة لدين الله، الخير غالب واضح والشر قد اختفى وكاد أن لا يكون
وصدق النبي صل: خير الناس قرني ... (١) جاء نصر الله والفتح ودخل
الناس في دين الله أفواجاً، وخَيَّر الله نبيه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار
ما عند الله (٢) ومضى إلى الرفيق الأعلى راضياً مرضياً.
ولم يكد يَشْعُر الناس بانقطاع خبر السماء ودفن أفضل الخلق في ثرى
طَيْبة، حتى صلصلت في أسماعهم قعقعة سلاسل الفتن على صفوان المحن،
ووجد المنافقون واليهود الأخابث منفذاً ونفساً لحقدهم الدفين، وانجفل
معهم الناشئة الطامحة من ذوي الأطماع ممن لم تخالط بشاشة الإيمان
(١) صحيح البخاري ٢٥٩:٥ .
(٢) صحيح البخاري ٥٥٨:١
١٠

شغاف قلوبهم من الذين لم تكتحل أعينهم بنور الثبوّة. فأنكروا ركناً
عظيماً من أركان الإسلام الزكاة، فحدثت أول قاصمة الظهر فتنة
المرتدّين فقام بعبء الخلافة الراشدة أبو بكر الصدّيق، فقصم الفتنة بحزم
وعزم ماضيين، تَصِف هذه الحالة الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله
عنهما.
(قبض النبي # فارتدت العرب. واشرأب النفاق بالمدينة، فلو نزل
بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لها ضَهَا، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار
أبي بحظها وعنائها في الإسلام.
أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة.
قام لهذه الفتنة صديق هذه الأمة وأفضلها فرد كيد الشيطان في نحره
واستوت سفينة الإسلام على جودى السلامة والحمد لله رب العالمين وقضي
نحبه ولقي ربّه .
ثم قامت الخلافة العمرية الراشدة، خلافة المحدّث، الملهم للخير.
أعرف الناس بالناس فساسهم، بحكمة المؤمن البصير وقوة الإيمان القاهرة،
تعمل درته عملها. تصد الغاوين عن غيهم وفتح لشغل الناس بالجهاد
والدعوة إلى الله آفاقاً واسعة. فشغلهم بربهم عن أنفسهم، ودخل الناس في
دين الله أفواجاً بين طائع مؤمن وخائف منافق وكاره متربص، فائتمروا
بينهم وهيئوا له غراباً من غربان الكفر فنقره نقرة أو نقرتين فقتله وهو يُهيّأ
نفسه لصلاة الفجر، وفجعوا الاسلام في عبقرية.
وقامت خلافة ذي النورين حيي هذه الأمة وحليمها وأوصَلِهم لرحمه
وأتقاهم لربه كما قالت فيه عائشة رضي الله عنها. وكانت أيام خلافته
أنضر أيام الخلافة الراشدة رغداً أو أمناً شرّق فيها الجهاد وغَرَّب وأبخّرَ
١١

وأصحر وأنْجَد وأنهم. ودخل الإسلام في الوبر والمدر. ولكن الفتنة لم تَنم بلِ
حفرت لنفسها مدخلاً في حِصْن الإسلام باضت فيه وأفرختْ، تطير
أفراخها هنا وهناك وتبني أعشاشها في عواصم الإِسلام ومُدنها، يُغذّيها أشر.
خلق الله. اليهود السبائية فتقوّل المفسدون على ذي النورين أكاذيب
ونسجوا حوله الأ باطيل، جَرّ أهم على ذلك حِلْمه وكرم طبعه، فذبحوه في
بيته وهو يتلو كتاب الله كما تذبح الحملان. استشهد عثمان بن عفان
رضي الله عنه ورحمه في دار الرسول ومدينته وانتهكت حرمات الخلافة
بأبشع صورة، وقامت الفتنة كاسية عارية على قدم وساق ورفع رأسه
الإختلاف والشقاق. وعمِيّت المعالم على بعض الأفاضل من صحابة رسول
الله ◌ِ﴾. ولم تعُد وحدة المسلمين منذ وَدَعَتهم في ذلك اليوم الفاتن المفتون.
وفي هذا الجو الخانق المظلم يقوم بأمر الخلافة رَبِيبُ النبوة وبَطل
الجهاد ابنُ عَمّ رسول الله بِ﴿ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأي أمر
يقوم به هذا الخليفة الراشد؟ بايعه المسلمون وهم متفرقون فرقة تزداد
فجواتها كل يوم إذا سَدّ منها فجوة انفتحت أمامه فجوات. حمل ناس من
المسلمين السيف في وجهه وقاتّلَه جَمعٌ من الأفاضل لا ينكر هو فضلهم،
وتشقق المجتمع الإسلامي عن أقسى طوائف الفرق الخوارج الذين حاربوه
حرباً شعواء، وحاربه في الجانب الآخر إخوة له في الإسلام لم ينكر
إسلامهم ولكنه قال عنهم: هم اخوتنا بغوا علينا.
ونشأت فرقة أخرى من أولاد سبأ وأفراخه الشيعة الذين ادعوا حُبه
وغلوا فيه حتى ألَّهوه، أظهروا الحب لآل بيت رسول الله مخالفة وأشاعوا في
الناس أنهم مظلومون ظلمهم الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان،
فجعلوا ديدنَهُم سب الصحابة وتكفيرهم.
وتآمر أعداء الإسلام فاستشهد علي رضي الله عنه بيدٍ آثمةٍ بعدما قضى
١٢

ليله ونهاره في إخماد الفتن ولم يجد طمأنينة حتى لقي ربه، وصدقت عائشة
أم المؤمنين رضي الله عنها حينما وَصَلها استشهاد علي كرم الله وجهه
فتمثلت بهذا الشعر:
فالقت عصاها واستقرت بها النوى كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر (١)
وتجتمع الخلافة بعد تنازل الحسن بن علي، على معاوية رضي الله عنهما
والفرقة خفّت وطأتها فساسهم بحلم وأناة وحكمة وصبر، وكان الأمر فيه
شيء من الهدوء والسكينة ولا يمضي يوم إلا وبعده شر منه.
والفتنة وإن كانت تقلق داخل المجتمع الاسلامي إلا أن خارجه بقي
مرهوب الجانب ببركة الصالحين من عامة المسلمين وبصلاحهم فالخير كان
هو المتحكم في سلوكهم وتعلقهم بالله عز وجل وقيامهم بالدعوة إلى الله.
كيف لا وهم صحابة رسول الله الذين رباهم الرسول مَل# بسلوكه ومنهجه
لم ينسوا واجباتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم تسلّم الأمر
التابعون لأصحاب رسول الله﴿ الذين تربوا في أحضان الصحابة وتلقّوا
الهُدى وهدي رسول الله مثل منهم وقاموا بنشره بين الناس، فكانت روح
الإسلام يقظة متبصرة، وكان المجتمع الإسلامي مرهوباً في نظر الأعداء
الموتورين خارجاً وداخلاً. وظلت جنود الإسلام في ظل هذه الفتن
الداخلية تغزو وتفتح قلوب العباد وبلادهم وتنشر الدعوة إلى الله. وتعلم
الناس الكتاب والحكمة وتمضي سفينة الإسلام تمخر عباب الفتن الداخلية
مع الجهاد في سبيل الله وتتوسع رقعة البلاد الإسلامية حتى تصل إلى قلب
افريقيا وأبواب أوربا والصين ويدخل في دين الله ناس مخلصون طائعون،
وناس اتفقت أهواءهم مع هوى السبائية في كل زمن فيتصلون بزمرتهم.
سنة الله في الذين خلوا من قبل.
(١) طبقات ابن سعد ٤٠:٣.
١٣

فلما نشأت الفرق واختلفت الأهواء فشا الكذب في بعض الطوائف
على رسول الله # لأن كل واحد يعرف جيداً أن قول النبي بمثل أغلى
شيء عند المسلمين فابتدأ وضع الأحاديث لتقوية الأهواء والآراء. كما بدأ
التحريف والتأويل الجاثر لبعض الآيات من كتاب الله.
فقام المسلمون بحفظ هذين الأصلين بجميع الوسائل والإمكانيات يشهد
التاريخ الصادق أن المسلمين عرفوا قدر هذين الأصلين كتاب الله وسنة
رسوله وأنهما سبب سعادة كل مسلم وموضع هداية كل مؤمن ومعلوم من
فطرة الإنسان أن المتاع الغالي والثمين يبالغ في حفظه وصيانته بكل
مستطاع. وكلما زاد غلاء ازادت العناية في حفظه.
فقاموا بحفظ كتاب الله في الصدور ثم في المصاحف ما بين الدفتين.
كما قاموا بحفظ سنة رسول الله عن ظهر قلب ثم بتدوينه في
الدواوين ثم التحقق والتثبت فيها. روى مسلم في مقدمة صحيحه ١٥ عن
ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا
سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل
البدع فلا يؤخذ حديثهم. واستنبطوا بتوفيق الله لخدمتهما علوماً ما عرفت
البشرية في تاريخها الطويل عشر معشار ما عند المسلمين، فانظر إلى تلك
العلوم الكثيرة من التجويد والتفسير وأصولهما والنحو والصرف، والبلاغة ثم
مصطلح السنة وفي كل فن فنون وأفنان، كلها لخدمة هذين الأصلين
الکریمین.
نعم من معجزة هذا الدين الخالد أنّ الله خلق له خلقاً كانوا زبدة
البشرية وخلاصتها وهم أصحاب محمد ** الذين قاموا بنصرة نبيهم
وتعزيره وتوقيره والفداء بأرواحهم وأموالهم على إشارة طرفه المبارك. لا
يوجد لهم مثيل في أمة من الأمم.
١٤

فقد حكى لنا كتاب الله عن اليهود حينما قالوا لنبيهم موسى: إذهب
أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.
وتحكي لنا السيرة الصحيحة أن أصحاب النبي م# قال قائلهم: يا
رسول الله: والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو
أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا (١) ...
قاموا بحفظ هذا الدين عن نبيهم ونقلوه إلى من بعدهم بعدالة تامّة
وأمانة كاملة.
وليس بخاف على الملم بتاريخ المسلمين الجُهدُ الذي قام به أصحاب
النبي # لجمع القرآن الكريم في مُصحف مجمع عليه، فبذلك فرغ من جمع
القرآن الكريم وتدوينه في عهد أفضل هذه الأمة نؤمن بأنه موجود بين
أيدينا غَضّاً طرياً كما أنزل الله على رسوله محمد 48* يحفظه في الصدور
صغار هذه الأمة وكبارها من غير أن يأتيه التحريف والتصحيف.
وأما السنة النبوية وإن كانت مدونة كثير منها في زمن الصحابة ولكن
كان أكثر اعتمادها على الحفظ ولم تكن مدونة تدويناً كاملاً كالقرآن
الكريم. فتبدأ مهمة التابعين ومن بعدهم فيقومون بجهود خارقة للعادات
لجمع أحاديث نبيهم وضربوا في هذا المضمار أمثالاً رائعة تدل على
إعجاز هذا الدين الحنيف.
((آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الديار والأوطان في طلب
السنن في الأمصار وجمعها بالوجل والأسفار والدوران في جميع الأقطار،
حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد، الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة
الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يدخل مضل في السنن شيئاً يضل به، وإن
(١) صحيح مسلم ١٤٠٤:٣، ومسند أحمد ٢١٩:٣، ٢٢٠.
١٥

فعل، فهُم الذابُّون عن رسول الله* ذلك الكذب، والقائمون بنصرة
الدين (١).
وإن رحلة المحدثين لطلب السنن والآثار كان مصداقاً لقوله تعالى:
﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾(٢).
فأصحاب رسول الله # کان الواحد منهم یُسافر لطلب حديثٍ واحدٍ
أو لمجرد التثبّت مسافةً شاسعة يتحمل في هذه السبيل كل مشقة.
قال عبد الله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي مَ رَحْل إلى
فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يَمُدُّ لناقٍ له، فقال: مرحباً،
قال: أما إني لم آتِك زائراً، ولكن سمعتُ أنا وأنت حديثاً من رسول
الله ﴾، رجوتُ أن يكون عندك مِنْه عِلم، قال: ما هو؟ قال: كذا
وكذا ...
ويروي لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قصة رحلته فيقول:
بَلغني حديث عن رسول الله ◌ِ له لم أسمعه فابتعتُ بعيراً فَشَدَدْت عليه
رَحْلي، وسِرْتُ شهراً، حتى قدِمت الشامَ. فأتيتُ عبد الله بن أنيسٍ.
فقلتُ للبوّاب، قُلْ له: جابرٌ على الباب، قال: فأتاه، فقال له: جابر بن
عبد الله، فأتاني فقال لي، فقلت له: نعم، فرجع، فأخبره. فقام يطاطِىء
ثوبه، حتى لَقِيَني فاعتنقني واعتنقته، فقُلْتُ:
حديثٌ بلغني عنك سمِعتَ من رسول الله له في القصاص لم أسمعه
فخشيتُ أن تموت أو أموتَ، قبل أن أسْمَعه، فقال: سمعتُ رسول
الله ﴾ ... فذكره.
(١) من كتاب المجروحين: ٢٧:١.
(٢) سورة التوبة: ١٢٢.
١٦

وعن وهب بن عبد الله المعافري قال:
قدم رجل من أصحاب النبي ﴿ من الأنصار على مَسْلَمة بن مَخْلد،
فألفاه نائماً. فقال: أيقِظُوه، قالوا بل: نتركه حتى يستيقظ، قال: لَستُ
فاعِلاً، فَأَيقظوا مسلّمة له، فرحب به، وقال: انزل. قال: لا حتى ترسل
إلى عُقبة بن عامر لحاجةٍ لي إليه، فأرسل إلى عُقبة، فأتاه، فقال: هل
سمعتّ من رسول الله بخله يقول: من وَجَد مسلماً على عورة فَسَتَّره، فكأنما
أحيا موءودة من قبرها؟
فقال عقبة: قد سمعت من رسول الله مل﴾ يقول: ذلك (١).
وتبعهم التابعون لهم بإحسان، فارتحلوا وجمعوا السُّنن من الأقطار
والأمصار ثم من تَّبِعَهم بإِحسان إلى أن تَمَّ تدوين السنة في الدواوين التي
نراها تزخر بها مكتبات العالم.
ولم يكتفوا بالجمع فقط بل استعملوا كل وسيلة لتنقيتها من الشوائب
والأكدار، ووضعوا لها قواعد هي أرقى ما عرفت الدنيا وأفضل ما وصلت
إليه الطاقة البشرية لتحقيق الأخبار والتثبّت فيها فانظر كتب مصطلح
الحديث وما فيها من أنواع علوم الحديث ترى ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت مثله قبل الإسلام.
وما من شكٍ أن القرآن الكريم هو أوّل من أرشد إلى التحقيق والتّثبّت
في الأخبار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن
تُصِيبُوا قوماً بجهالة ﴾ (٢).
وإلى تدوين السير والتراجم الصحيحة، المفيدة، المعتبرة، فقد ذكر لنا
(١) أنظر سيرة البخاري للعلامة عبد السلام المباركفوري ص ١٢ -١٤.
(٢) سورة الحجرات: ٦.
١٧

:
القرآن الكريم تراجم أعلام كثيرين ومواضع العبرة فيها صافية، خالصةً
من التناقض والمحالات، وانظر بجانبه الأساطير والقِصّص الباطلة في كتب
من قبلنا .
ويعلِّمنا القرآن أيضاً، أنه لا يكفي تدوين السير والتزام الصدق فيه:
فقط ، بل ينبغي توجيه النقد الصادق أيضاً للإعتبار والموعظة. وانظر أمثلة
ذلك في قصة آدم ونوح ويونس عليهم السلام.
ومن هذا المنطلق القرآني الكريم، توجّة أهلُ الحديث رحمة الله عليهم
فبذلوا قُصارى جُهودهم وسّعَوا حتى جمعُوا سيرة الرسول بحثهُ وسُنَّتِهِ قولاً.
وفعلاً وتقريراً بأسانيدها. ولولا ذلك الجُهد العظيم من هذه الطائفة.
المباركة لحُرمنا معرفة أحوال نبينا وعليه، ولتعذّر علينا الإمتثال بقوله تعالى:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾(١).
ولم تَقِقُ جهودهم على هذه الحدود بل دَوّنوا تراجم صحيحةً صادقةً
للخلفاء الراشدين أيضاً عملاً بقوله بمعر في حديث العرباض بن سارية
(( ... فعليكم بما عَرَفتم من سُنّي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديّين عضوا.
عليها بالنواجذ (٢).
وخطوا خطواتٍ فجمعوا تراجمَ غيرهم من الصحابة، وكيف يُھمِلون
تراجم أصحاب نبيهم وقد زكّاهم الله وأثنى عليهم، وإن في حياتهم لنا
خبراً وعِبراً. فالكتب المؤلفة الخاصة بهم تدل على الجهود المبذولة في هذا
الجانب .
ولما كان الخبر - أي خبر كان - لا يُوثَق به ولا يكون مقبولاً إلا إذا
(١) سورة الأحزاب: ٢١.
"(٢) أنظر صحيح الجامع الصغير ١٣٢:٤.
١٨

كان المخبر ثقة حافظاً، عدلاً، فكيف يُقبل الخبر عن النبي م # من كل
أحد بدون أن نعرف صدقه من كذبه وصوابه من وهمه وخطأه.
لذلك فاستنبطوا كلمة الإسناد باصطلاحهم الخاص واستنبطوا لّه
علماً خاصاً يُعرف بعلم النقد والجرح والتعديل. وترجموا للتابعين ولِمّن
بعدهم، وقيّدوا أحوالهم حتى يُعرف الضعيف من الحافظ والثقة من
الكاذب ممن تقبل أخبارهم ومِمَن ترد أحاديثهم فإِذا رأيت كتب التراجم
والتواريخ والطبقات ثَمَّ رأيت آلافاً من التراجم بجميع ما وصلوا إليه من
مولد الراوي ونشأته إلى مَماته، كيف كان مدخله ومخرجه، كيف كان
في سلوكه ودينه وعقيدته ومعاملاته مع الآخرين، من شيوخه الذين تتلمذ
عليهم وهل سَمِع أحاديثه أم بعضها مَن هم التلاميذ الذين تلقّوا عنه ومن
تلاميذه الثقات عنه ومن تضعّف رواياتهم عنه. کم عدد مرویاته کم فيها
صحيح وكم فيها ضعيف. هل بقي في حفظه وعدالته على ما كان في
شبابه وصحته أم اختلط بآخرته بعد ما كبر وشاخ أو بعد ما أصيب بعاهة
أو حادث في نفسه، أو في كُتبه، وهل حدّث حالَ اختلاطه أم لا؟ فإِن
حدّث فَمن الذين أخذوا عنه قبل الإختلاط، ومن الذين أخذوا عنه بعد
الإختلاط، ومَن الذين أخذوا قبلَ الإختلاط وبعده أيضاً فهل مُيّزت
أحاديثهم أم لا؟؟؟؟ إلى غير ذلك من صفات تتعلّق بالراوي، هذا ما
عُرف بعلم معرفة الرجال أو علم الجرح والتعديل.
حتى انبهر بهذه العلوم أعداء الإسلام ونطق بعضهم بالثناء عليها وعليهم
اعترافاً بالفضل، والفضل ما شهدت به الأعداء.
قال الدكتور سبرنجر في مقدمة كتاب الإصابة:
«يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال كما شاءوا. فلم توجد أمّة
١٩

في الماضي ولا في الحاضر دوّنت تراجم وسير العلماء خلال اثني عشر قرناً
كما فعل المسلمون. فبإمكاننا، الحصول على تراجم خمسمائة عالمٍ من
المشهورين من كتبهم. اهـ (١).
ولم يقتصر أهل الحديث على جمع التراجم بل بحثوا بحثاً دقيقاً في
مرويّاتهم حتى روايات الثقات المعروفين منهم ولم يعتمدوا على كونهم
ثقات ولم يعفوهم من البحث والنقد. فإن الثقة قد يهم ويُخطى، فطرة الله
التي فطر الناس عليها. فبحثوا في رواياتهم التي وهموا أو أخطأوا فيها، هذا
ما عرف بعلم علل الحديث.
وهل يُمكن يا صاح أن تكون طرق للبحث والنقد والتثبت والتفتيش
للأخبار الماضيةَ أحسنُ مما عند المحدثين كلاً.
اولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتْنا يا جرير المحافل.
وبجانب ذلك استنبطوا الأحكام من غير قياس جائر ولا التقيّد.
بالظاهر. وكتبوا فيها الجوامع والسُنن والكتب الموضوعية كما حموا حِمَّى
العقيدة من جميع جوانبها ما سَمِعوا هيعة إلا طاروا لها خفافاً وثقالاً، وما
رأوا ثغرة إلا رابطوا فيها، فحفظوا هذا الدين من زيغ الزائغين وتحريف
الغالين وانتحال المبطلين وضلال المشبهين والمعطّلين والمكيفين والمؤولين.
وإنه لَيَحْزننا بعد هذا أن يقوم بعض الحاقدين على السلف أو السلفية،
فيرميهم بعدم الفهم للنصوص ويستخفّهم فيسميهم ((النقلة)) الذين لا
يفقهون .
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
(١) نقلاً عن كتاب سيرة البخاري للعلامة عبد السلام المباركفوري طبعة الجامعة السلفية
بالهند .
٢٠