النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الْمُقَدِّمَةُ
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
البَرَاء، عن بِلَال، عن النبي ◌َِّ))، ولم نَجِدِ الحديثَ على هذه الصِّفَةِ
التي ذَكَرَهَا ابنُ أبي حاتم، ولكنْ وَجَدْنَا الأئمَّةَ أخرجوه مِنْ طريقِ
زائدةَ، عن الأعمشِ، عن الحَكَم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن
البَرَاء، عن بِلَال، عن النبيِّ ◌ََّ، به هكذا، بزيادةِ الحَكَم، وهو ابن
عُتَيْبة.
٩) جَمَعْنَا في كلِّ مسألةٍ ما وَقَفْنَا عليه مِنْ أقوالِ الأئمَّةِ الآخَرِينَ
في إعلالِ الحديثِ أو تصحيحِهِ، سواءٌ وافَقَ أو خالَفَ رأيَ أبي حاتمٍ
أو أبي زُرْعة أو غيرِهِمَا ممَّن تكلّم على عِلَّةِ الحديثِ المذكورِ في
المسألة، حتَّى يكونَ القارئُ على درايةٍ بما قيل في الحديثِ، وربَّما
أَهْمَلْنَا أقوالَ بعضِ الأئمَّة إذا كَثُرَ كلامُهُمْ في الحديثِ الواحد، وربَّما
فاتَنَا شيءٌ مِنْ أقوالهم سَهْوًا، أو لأننا لم نَقِفْ عليه. وكان حِرْصُنَا
على أقوالِ جَهَابذةِ أهلِ الحديث الذين يُعْتَنَى بِجَمْعِ أقوالهم؛ كيحيى
القَطَّانِ، وعبدالرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، والإمامِ أحمد، وعليٍّ بن المَدِينِيِّ،
ويحيى بنِ مَعِين، والبُخَاريِّ، ومُسْلِمٍ، والنَّسَائِيِّ، والدَّارَقُطْنِيِّ،
ونحوهم.
أما المتساهِلُونَ الذين ساروا على طريقةِ علماءِ الأصولِ في النَّظَرِ
إلى عِلَلِ الأحاديثِ؛ كابن حِبَّان، والحاكم في "المستدرك"، وكثيرٍ
ممَّن جاء بعد ابنِ الصَّلَاحِ والنَّوَوِيِّ وتأثَّروا بهما، فلم نَحْرِصْ على
جَمْعِ أقوالهم.

٣٤٢
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ
الْمُقَدِّمَةُ
١٠) مَيَّزْنَا الأعلامَ الذين قد يَلْتَبِسون بغيرهم؛ بِسَبَبِ عدمِ نِسْبتهم،
أو لكونهم ذُكِرُوا بِكُنَاهُمْ، أو بألقابِهِمْ، أو غير ذلك.
١١) فَسَّرْنَا الألفاظَ الغريبة؛ بِالرُّجُوعِ إلى كُتُبِ اللغةِ وغريبٍ
الحديثِ وشروحٍ كُتُبِ السُّنَّة.
١٢) خَرَّجْنَا الأبياتَ الشِّعْرِيَّةَ مِنْ مَظَانِّها، وَنَسَبْناها إلى بُحُورها
الشِّعْرِيَّةِ وقائليها.
١٣) وَجَدْنَا في الكتابِ كثيرًا من العباراتِ التي جاءتْ على
خلافِ المشهورِ من قواعدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ؛ مما يتوهّمُهُ المتوهِّمُ لَحْنًا
وخَطَأَ - وقد وقَعَ ذلك في مُتُونِ الأحاديثِ والآثارِ، وفي كَلَامِ
المُصَنِّفِ وغيرِهِ - فأثبَتْنَاهُ في صُلْبِ الكتابِ ولم نُغَيِّرْ منه شَيْئًا؛ مُتَّبِعِينَ
في ذلك مَنْهَج أَهْلِ العلم المحقّقين في القديم والحديثِ، والَّذِي
سيأتي تحريرُ الكلام فيه في آخِرِ التنبيهات(١).
وقد اجتَهَدْنَا في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِنْ ذلك وتخريجِهِ على وَجْهٍ أو
أكثرَ من العربيَّة، مُقْتَفِينَ في هذه التوجيهاتِ والتخريجاتِ صَنِيعَ أَهْلِ
العلم المحقّقين من المتقدِّمِينَ والمتأخِّرِينَ، بل والمُعَاصِرِينَ (٢).
(١) انظر التنبيه الثامن (ص ٣٥٥-٣٦٥).
(٢) وممَّن ارتضَى هذا المنهجَ، وطبَّقْه في كتبِ الحديثِ النبويِّ والآثار، واعتَمَدَ هذه
الوجوهَ والتَّخْريجاتِ المختلفةَ في العربيَّة: أبو البقاءِ العُكْبَرِيُّ (ت ٦١٦هـ) في كتابه
"إعرابِ الحديث النبوي" الذي وضعه على " جامع المسانيد" لابن الجَوْزي، وابنُ
مالك (ت ٦٧٢ هـ) في كتابه "شواهدِ التوضيحِ والتَّصحِيح، لِمُشْكِلَاتِ الجامعِ =

٣٤٣
الْمُقَدِّمَةُ
◌ُظَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
= الصحيح " الذي وضعه على "صحيح البخاري"، والسُّيُوطيُّ (ت ٩١١هـ) في
كتابه "عُقُود الزَّبَرْجَد، في إعرابِ الحديث النبوي" الذي وضعه على "مسند الإمام
أحمد"، وكذلك شُرَّاحُ الحديثِ في مصنَّفاتهم، وسار على ذلك أيضًا أهلُ التحقيقِ
والتدقيقِ في العصر الحاضر، ومنهم العلَّامةُ الشيخ أحمد بن محمَّد شاكر في تحقيقه
لكتاب "الرِّسَالة" للإمام الشافعي، و"جامع الترمذي"، وغيره.
ومثلُ هذه التَّخَارِيجِ والوجوه تجدها مبثوثةً في كثيرٍ من كتب أهل العلم المختلفة،
سواءٌ في نصوص الأحاديث النبوية أو غيرها، ومنها:
كتبُ إعرابِ القرآنِ وقراءاتِهِ؛ كـ "إعراب القرآن" لأبي جعفر النَّخَّاس (٣٣٨هـ)،
و "الحُجَّةِ للقُرَّاء السبعة " لأبي عليَّ الفارسيِّ (٣٧٧هـ)، و "الْمُحْتَسَبِ في تبيينِ وجوهٍ
شَوَاذٌ القراءات، والإيضاحِ عنها " لتلميذه أبي الفتحِ ابنِ جِنِّيْ (٣٩٢هـ)، و"كَشْفِ
المُشْكِلَاتِ، وإيضاح المُعْضِلات" لجامع العلوم الباقولي (٥٤٣هـ)، و "التبيان، في
غريب إعراب القرآنَ" لأبي البركاتِ بن الأنباريِّ (٥٧٧هـ)، و "التبيان، في إعراب
القرآن "، و "إعرابِ القراءاتِ الشواذِّ" كلاهما للعكبري (٦١٦هـ).
وكتبُ تفسيرِ القرآن؛ كـ" جامع البيان" لابن جرير الطبري (٣١٠هـ)، و "الكَشَّاف"
للزَّمَخْشَري (٥٣٨هـ)، و"المحرَّر الوجيز" لابن عطيّة (٥٤٦هـ)، و"التفسير الكبير"
للرازي (٦٠٤هـ)، و "الجامع لأحكام القرآن " لِلْقُرْطُبِيِّ (٦٧١هـ)، و "البحر المحيط "
لأبي حَيَّان (٧٤٥هـ)، والدُّرِّ المَصُون" للسَّمِين الحَلَبي (٧٥٦هـ)، و "اللََّاب، في
علوم الكتاب" لابن عادل الحنبلي (٨٨٠هـ)، و "فتح القدير" للشَّؤْكَاني (١٢٥٠هـ)،
و "ُرُوحِ المَعَانِي" للألُوسِيِّ (١٢٧٠هـ)، و "أضواء البَيَان" لِلشِّنْقِيطِيِّ (١٣٩٣هـ).
وكتبُ أَعاريبِ الحديثِ؛ ككتبِ العكبريِّ، وابنِ مالكٍ، والسيوطيِّ المذكورةِ آنفًا.
وكتبُ شروحِ الحديثِ؛ كـ "الْمُعْلِم، بفوائدٍ مُسْلِم" للمازري (٥٣٦هـ)، و"إكمال
الْمُعْلِم، بفوائدٍ صحيحٍ مسلم" للقاضي عِيَاض (٥٤٤هـ)، و "الْمُفْهِم، لِمَا أَشْكَلَ
مِنْ تلخيصٍ كتاب مسَلم" لأبي العَبَّاس القُرْطُبي (٦٥٦هـ)، و "الْمِنْهَاجِ، شرح
صحيح مسلمٍ بنِ الحَجَّاجِ " للإمام النَّوَوي (٦٧٦هـ)، و "شرح سنن ابن ماجه"
المسمَّى: بـ ◌َ الإعلام، بِسُنَّتِهِ عليه الصلاةُ والسلام " لِمُغَلْطَاي (٧٦٢هـ)، و"طَرْحٍ
التَّتْرِيب، في شَرْحِ التَّقْرِيب" للعراقي (٨٠٦هـ)، و"فتح الباري، بشرح صحيح
البخاري" لابن حَجَرِ العَسْقَلَاني (٨٥٢هـ)، و "عُمْدَة القاري، في شرح =

٣٤٤
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
الْمُقَدِّمَةُ
وقد كان مَنْهَجُنَا في التعليقِ على هذه المُشْكِلَاتِ على النحو التالي:
(أ) وَضَعْنَا فروقَ النُّسْخَتَيْنِ (ش)، و(ك) في الحاشية، ولم نُعَلِّقْ
غالبًا على ما خالفَ الجَادَّةَ فيهما؛ لأنَّ أُولَاهُمَا منسوخةٌ عن (أ)،
وثَانِيَتَهُمَا عن (ت)، كما تقدَّم بيانُهُ فِي وَصْفِ النسخ.
(ب) إذا اختَلَفَتِ النُّسَخُ (أ) و(ت) و(ف)، اختَرْنَا منها ما وافَقَ
المَشْهُورَ مِنَ القواعدِ وأَثْبَتْنَاهُ في مَتْنِ الكتاب، وما في بقيَّةِ النُّسَخِ
جعلناه في الحاشيةِ - مع النسختين (ش)، و(ك) - معَ ذِكْرِ ما وقفنا
عليه في مصادر التخريج ممَّا وافَقَ ما في النُّسَخِ أو خالفَهُ، لكنَّا لم
نُعَلِّقْ - مِنْ جهةِ العربيَّةِ - على ما أثبتناه في الحاشية مخالفًا للجادّة،
= البخاري" للعَيْني (٨٥٥هـ)، و "تنوير الحَوَالك، شرح موطأ مالك"،
و "التوشيح، شرح الجامع الصحيح (صحيح البخاري)"، و"الدِّيبَاج، في شرح
صحيح مسلم بن الحَجَّاجِ"، و"شرح سنن النَّسَائِي" وهي للسُّيُوطي (٩١١هـ)،
و "إرشاد الساري، لشرح صحيح البخاري" للقَسْطَلَّاني (٩٢٣هـ)، و "فيض القدير،
بشرح الجامع الصغير " لِلْمُنَاوي (١٠٣١هـ)، و "شرح موطأ مالك" لِلزُّرْقَاني
(١١٢٢هـ)، و "عون المعبود، شرح سنن أبي داود" لأبي الطَّيِّبِ العظيم آبادي
(١٣٢٩ هـ)، و"تُحْفَة الأَخْوَذي، بشرح الترمذي " لِلْمُبَارَكْفُورِي (١٣٥٣هـ).
وكتبُ شروحِ الأشعار ودواوينِ الشعراء؛ كـ"شرح القصائد السَّبْعِ الطَّوَالِ
الجاهليَّات" لأبي بكر الأنباري (٣٢٨هـ)، و "كتاب الشعر" لأبي علي الفارسي
(٣٧٧هـ)، و "شرح ديوان المتنبي" لأبي العلاء المَعَرِّي (٤٤٩هـ)، و"شرح حماسة
أبي تَمَّام " للأَعْلَمِ الشَّنْتَمَرِيِّ (٤٧٦هـ)، و "شرح اختيارات المفضَّل" للخطيب
التِّبْرِيزِيِّ (٥٠٢هـ)، و "الأمالي" لابن الشَّجَري (٥٤٢هـ)، و"التبيان، في شرح
الديوان" لابن عَدْلان النَّحْوي (٦٦٥هـ)، وهو المنسوبُ للعُكْبَري (٦١٦هـ)، وهو
شرحٌ لديوان المتنبِّي، و"حاشية على شرح بانت سعاد لابن هشام" لعبد القادر
البغدادي (١٠٩٣ هـ)، وغير ذلك كثير.

٣٤٥
الْمُقَدِّمَةُ
خُظَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
إلا في القليلِ النادر ؛ إذا دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك.
(ج) إذا اتَّفَقَتِ النُّسَخُ على خلافِ الجادَّةِ المشهورةِ، أثبتنا ما وقَعَ
فيها في مَتْنِ الكتابِ، وعلَّقنا عليهِ بِذِكْرِ ما تَيَسَّرَ لنا ذِكْرُهُ من رِوَايَاتِهِ
الواردةِ في مَصَادرِ التَّخْرِيجِ وفاقًا وخلافًا، مع توجيهِ ما في النَّسَخِ مِنْ
جهةِ العربيةِ مما ذكَرَهُ العلماءُ في الكُتُبِ المذكورةِ آنِفًا وغَيْرِهَا؛ خاصَّةً
كُتُبَ إعرابِ الحديثِ وشُرُوحِهِ، وكُتُبَ أَعَاريبِ القرآن، وتَوْجِيهِ القراءاتِ
المتواترةِ والشاذَّةِ؛ وإلّا اجتهَدْنَا في تخريجِهِ وتوجيهِهِ بالرجوعِ إلى آراء
النَّحْوِيِّينَ الكُوفيِّين وغيرِهِمْ مِمَّنْ خرَجَ على قواعدِ مدرسةِ البَصْرَةِ التي
هَيْمَنَتْ على النَّحْوِ العربيِّ طَوَالَ العصورِ السابقةِ إلى يومنا هذا، وصارتْ
آراؤُهَا هي المعتمَدَةَ دون غيرها، وإنْ خالفَتْ هذه الآراءُ الدليلَ في غيرِ
ما قليلٍ(١)، وقد اعتبَرْنَا في ذلك كلَّ ما وافقَ وجهًا ذكَرَهُ إمامٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ
أَئِمَّةِ العربيَّةِ، وإنْ كان غيرُهُ أَقْوَى منه ؛ وهذا ما أشار إليه ابنُ چِنِّيْ في
كتابِهِ ((الْمُحْتَسَبٍ في تَبْنِينِ وُجُوهِ شَوَاذٌ القراءاتِ، والإيضاحِ عنها)) (١/
٢٣٦) - وهو مِنْ آخِرِ ما ألَّف - فقال: ((ليس يَنْبَغِي أَنْ يُظْلَقَ على شَيْءٍ له
وجهٌ من العربيَّةِ قائمٌ - وإنْ كان غيرُهُ أَقْوَى منه -: أنَّه غَلَطٌ)). اهـ
(١) قال أبو حيان في "البحر المحيط " (١٦٧/٣ أول سورة النساء): ((ولَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ
بقولِ نُحَاةِ البَصْرةِ ولا غَيْرِهِمْ مِمَّنْ خالفهم؛ فَكَمْ حُكْمٍ ثَبَتَ بنقلِ الكوفيِين مِنْ كلام
العَرَبِ لَمْ يَنْقُلْهُ البَصْرِيُّونَ !! وكَمْ حُكْمٍ ثَبَتَ بنَقْلِ البَّصْرِيِّين لم يَنْقُلْهُ الكوفيُّون !!
وإنما يَعْرِفُ ذلك مَنْ له استبحارٌ في عِلْمَ العربيَّةِ لاَ أصحابُ الكنانيش، المشتغِلُونَ
بضروبٍ مِنَ العلوم، الآخِذُونَ عن الصُّحَّفِ دون الشيوخ)). اهـ. وانظر التعليق على
المسألةَ رقم (١٦١٩).

٣٤٦
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ
الْمُقَدِّمَةُ
وهذا الذي أبان عنه ابنُ جِنِّيْ، وهو : تصويبُ ما كان له وَجْهٌ مِنَ
العربيَّةِ قائمٌ، ولو في لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ: هو المنهجُ الْمَرْضِيُّ؛ فقد
جَرَى عليه عَمَلُ المحفِّقين مِنَ العلماءِ قديمًا وحديثًا، وطبَّقوه في
كُتُبِهِمْ، على اختلافِ الفُنُونِ والعلوم، كما تقدَّم بيانُهُ قريبًا.
على أنَّ تحقيقَ هذا المَظْلَبِ والاضطلاعَ به في هذا الكتابِ: قد
أخَذَ منَّا وقتًا وجهدًا كبيرَيْنٍ؛ لكثرةِ ما فيه مِنَ القضايا اللغويةِ والنحويةِ
التي خالفتِ الجَادَّةَ وما اشتهَرَ من القواعدِ(١)، وليس الْمُخْبَرُ
(١) وأكثرُ ما وقَعَ في كتابنا هذا مِنْ تلك القضايا: هو مِنَ المسائلِ اللغويَّةِ المختلَفِ فيها
بين أئمَّةِ العربيَّة ومدارِسِهَا؛ ولهذا فقد احتجَجْنَا لِمَا ذَكَّرْنَاهُ مِنْ هذه الوجوهِ
والتخاريجِ: بنصوصٍ من القرآنِ وقراءاتِهِ، والحديثِ وما يَكونُ حُجَّةً مِنْ رواياتِهِ،
ومِنْ كَلامَ العَرَبِ الْمُحْتَجِّ بهم نَثْرًا وشِعْرًا، وهذه هي الحُجَجُ السمعيَّةُ عند النحاةِ
واللُّغَوِيِينَ، والسَّمَاعُ أَقْوَى الحُجَجِ عندهم، وقد عَزَوْنَا الآياتِ إلى مواضعها من
المُصْحَفِ الشريف، واجتهدْنَا فيَ نِسْبَةِ القراءاتِ إلى أشهَرٍ وأَتْقَنِ مَنْ قِرَأَ بها،
والأحاديثِ إلى أوثقِ مَنْ أخرجَهَا، وأما كلامُ العربِ نَثْرُهُ وشِعْرُهُ: فقد بذلْنَا وُسْعَنَا
في معرفةٍ قائليه، ومع هذا فقد فاتنا نسبةُ بعضِهِ؛ وإنما تَحَرَّيْنَا ذلك لِمَا عُرِفَ مِنْ
علم أصول النحو: أنَّه لا يَجُوزُ الاحتجاجُ بشِعْرٍ أوْ نَثْرٍ لا يُعْرَفُ قائلُهُ، وإنْ كان
التحقيقُ: أنَّ في ذلك تفصيلًا، وأنَّ مَدَارَ القَبُولِ والرَّدِّ في شواهدِ العربيَّة: على
مَخَارِجٍ رِوَايَتِهَا، وَصِدْقِ رُوَاتِهَا، والثقةِ بهم. انظر: "الخصائص" لابن جِنِّيْ (٣)
٣٠٩ - ٣١٣/ باب في صِدْقِ النَّقَلَة، وثِقَةِ الرُّوَاةِ والحَمَلَة)، و"الإصباح، في شرح
الاقتراح" للدكتور محمود فَجَّال (ص١٢٣-١٢٧)، و"فيضَ نَشْرِ الانشراح، مِنْ
رَوْضٍ طَيِّ الاقتراح" لابن الطَّيِّب الفاسي (ص١٢٣-١٢٧، ت: الدكتور محمود
فَجَّال)، وغيرَهَا من كتبٍ هذا الفن. وانظر بحثًا بعنوان ((من كلام العرب: قولُهُمْ:
أمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ)) للدكتور محمد أحمد الدالي، ضمن مَجَلَّةِ مجمع اللغة
العربية بدمشق. المجلد ٦٩، ج٣، ص٨٠٩ - ٨١١.
=

٣٤٧
الْمُقَدِّمَةُ
خُقطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
كالْمُعَايِنِ، وإِنَّنَا لَنُنْشِدُ مع الشاعر قولَهُ [من البسيط]:
يا ابنَ الكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعًا؟!
فمنِ اَطَّلَعَ على ما قُمْنَا به في هذا الكِتَابِ، عَرَفَ حَقِيقَةَ ما
أَخْبَرْنَاهُ به، وأرشَدْنَاهُ إليه، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَاب، وهو الهادي إلى
سَوَاءِ السَّبِيل.
١٤) رَقَّمْنَا مَسَائلَ الكتابِ ترقيمًا تَسَلْسُلِيًّا يَتَّفِقُ مع ترقيمِ الطبعةِ
الأُولَى التي أَخْرَجَهَا الأستاذ مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب ◌َُّهُ؛ لِيَتَمَكَّنَ
الباحثُ مِنَ الاستفادةِ من طَبْعَتِنَا هذه، مع الجُهُودِ التي خرَجَتْ بناءً
على الطبعةِ السابقة، كالبرامجِ الحَاسُوبية، وغيرها. وواجهَتْنَا بعضُ
الصعوباتِ في ذلك، ومنها المسائلُ الساقطةُ مِنْ طبعةِ مُحِبِّ الدين
الخطيب، والمواضعُ التي دُمِجَتْ فيها مسألةٌ بأُخْرَى، فرأينا تفريعَهَا
مِنَ المسألةِ التي قبلها؛ بإعطائِهَا الرَّقْمَ نَفْسَهُ، مع تَمْيِيزِهَا بِحَرْفٍ
أَبْجَدِيِّ يَدُلُّ عليها؛ هكذا : (٥٥٤)، ثم (٥٥٤/أ)، ثم (٥٥٤]
ب)، ،، وهَلُمَّ جَرًّا.
هذا؛ وقد كُنَّا أَطَلْنَا في تخريج هذه المواضعِ من الكتابِ على هذا المَنْهَجِ، مُحْتَجِّينَ
بما وقَفْنَا عليه مِنْ شواهدَ قرآنَيَّةٍ وحَدِيثِيَّةٍ، وَمِنْ كلامِ العربِ نَثْرِهِ وشِعْرِهِ،َ لكنَّا رَأَيْنَا
أنَّ حَوَاشِيَ الكتابِ قد أُتْقِلَتْ بهذه التخريجاتِ؛ فاختصَرْناها تخفيفًا على القارئ،
ونظرًا لطبيعةِ هذا الكتابِ، فهو كتابٌ مختصُّ بِعِلَلِ الأحاديث، واكتفَيْنَا بِبَعْضِ تلك
الشواهد مما فيه الحُجَّةُ والبيان، مع سَرْدِ المصادر المختلفة لهذه الوجوه
والتخريجات والشواهد؛ لِيَرْجِعَ إليها ويَسْتَزِيدَ منها مَنْ شاء.

٣٤٨
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
الْمُقَدِّمَةُ
١٥) قدَّمنا للكتاب بمقدِّمةٍ بَيَّنًا فيها أهميَّةَ عِلْم عِلَلِ الحديثِ،
والمصنَّفاتِ فيه، وتعريفَ العِلَّةِ في اللغةِ والاصطلاحِ، وذَكَرْنَا أسبابَ
وقوع العِلَّةِ في الحديثِ، وتَرْجَمْنَا فيها للمصنِّفِ تَرْجَمَةً مطوَّلةً،
وتَرْجَمْنَا لأبيه وأبي زُرْعَةَ بترجمةٍ مُوجَزةٍ لكلٍّ منهما، وعَرَّفْنَا بالكتاب،
وذكَّرْنَا رواياتِهِ، وتَرْجَمْنَا لرواتِهِ، وَوَصَفْنَا فيها النُّسَخَ الخَطِيَّةَ له،
وحقَّقنا صِحَّةَ اسمِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مُصَنِّفِهِ، إضافةً إلى خُطَّةِ العَمَلِ هذه
وما صاحَبَهَا من تنبيهات، وَوَضَعْنَا في نهايتها نماذجَ من النُّسَخِ الخَطََّّةِ
المعتمدة للكتاب.
١٦) صَنَعْنَا فهارسَ عِلْمِيَّةً مفصّلةً تُعِينُ الباحثَ على الوقوفِ على
بُغْيته مِنْ مسائلِ الكتابِ وفوائده، وجَعَلْنَا الإحالاتِ فيها جميعًا على
أرقام المسائلِ دون الصفحات، وهي :
١ - فِهْرِسُ الآياتِ القرآنِيَّة.
٢ - فِهْرِسُ الأحاديثِ النَّبَوِيَّة.
٣ - فِهْرِسُ الآثارِ.
٤ - فِهْرِسُ المَسَانیدِ.
٥ - فِهْرِسُ ألفاظِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ نادرةِ الاِستعمالِ.
٦ - فِهْرِسُ الأعلامِ.
٧ - فِهْرِسُ الأماكنِ والبِقَاعِ.

٣٤٩
الْمُقَدِّمَةُ
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
٨ - فِهْرِسُ القبائلِ والأَمَم والجَمَاعَاتِ.
٩ - فِهْرِسُ الوقائعِ.
١٠ - فِهْرِسُ غَرِيبِ اللُّغَةِ.
١١ - فِهْرِسُ مَسَائِلِ العَرَبِيَّةِ.
١٢ - فِهْرِسُ الأشعارِ وأنصافِ الأبياتِ.
١٣ - فِهْرِسُ الأرجازِ.
١٤ - فِهْرِسُ الكُتُبِ الوَارِدَةِ فِي الكِتَابِ.
١٥ - فِهْرِسُ مَرَاجعِ التحقيقِ المطبوعة.
١٦ - فِهْرِسُ مَرَاجعِ التحقيقِ المخطوطة.
١٧ - فِهْرِسُ الموضوعاتِ.
١٨ - فِهْرِسُ الفَهَارِسِ.

٣٥٠
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
تَنْبِهَاتٌ
الأَوَّلُ: يَظْهَرُ لنا أنَّ ابنَ أبي حاتمِ جَمَعَ كثيرًا من مادَّةِ الكتابِ في
حَيَاةِ أبيه وأبي زُرْعة، لكنَّه لم يصنِّفْ كتابَهُ هذا إلَّا بَعْدَ وفاةٍ أبيه؛
يُشْعِرُ بذلك قولُهُ في المسألة رَقْم (١٠٨): ((وحِفْظِي عن أبي تَذَُّ))،
ولو كان أبوه حَيَّا لَسَأَلَهُ، وَلَمَا احتاجَ إلى الاعتمادِ على حِفْظه،
وصِيغَةُ الترجُّم قرينةٌ قويَّةٌ في هذه المسألةِ وفي مَسَائِلَ أُخْرَى؛
كالمسألتَيْنِ رَقْم: (١٢٤ و١٨٧٥)، وفي المسألة رَقْم (١٩٣٦) في
حديثٍ من رواية أبي سَعِيدٍ مولى الجَرَادِيِّينَ بَيَّن أبو حاتمٍ أنَّ أبا سعيد
هذا هو الحَسَنُ بن دِينَارٍ، ثم قال ابن أبي حاتم: «فذكَرْتُ هذا
الحديثَ لابن جُنَيْدِ الحافظِ، فقال : كان إسحاقُ بْنُ أبي كاملٍ
البَاوَرْدِيُّ ببغدادَ، يَسْأَلُ عن هذا الحديث، وكنا نَرَى أنه غريبٌ؛ فقد
أفسَدَ علينا أبو حاتم كَُّ لَمَّا بَيَّن أنه الحَسَنُ بن دِينَارٍ!)).
ولعلَّ مِنْ أقوى الدلائلِ على هذا : ما جاء في المسألةِ رَقْم
(١٠٠٤) في حديثٍ رواه سَلْمُ بنُ مَيْمُونِ الخَوَّاصُ، فقال ابنُ أبي
حاتم: فَسَمِعْتُ محمَّدَ بن عَوْف يقول: ((غَلِطَ سَلْمُ بنُ مَيْمُونٍ في
هذا الحديثِ)). ولم يُبَيِّنْ أكثَرَ مِنْ هذا، ولم يُبَيِّنِ الصحيحَ ما هو،
ولم يَتَّفِقْ لي سؤالُ أبي عَنْ ذلك !! فسأَلْتُ عليَّ بنَ الحُسَيْنِ بنِ
الجُنَيْد - حافِظَ حديثِ الزُّهْرِيِّ - وذكَرْتُ له هذا الحديثَ ؟ فقال :
((الصحيحُ: الزُّهْرِيُّ، عن ابنِ كَعْبٍ بنِ مالك، عن عَمِّه، عن النبي
الآ)». اهـ

٣٥١
الْمُقَدِّمَةُ
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
فلو كان أبوه حَيًّا لسأله، ولَمَا احتاجَ إلى سؤالِ محمَّدِ بنِ عَوْفٍ،
وعليّ بنِ الجُنَيْد.
وهذا على سَبِيلِ الظَّنِّ الغالب، وإلا فَيَحْتمِلُ أن يكونَ صنَّفَ
أَصْلَ الكتابِ في حَيَاةِ أَبِيهِ وأبي زُرْعة، ثم أضافَ هذه المسائلَ
المُشَارَ إليها وغيرَها بعد وَفَاةِ أبيه، والله أعلم.
الثَّاني: وقَعَ في الكتابِ كَثِيرٌ من المسائلِ المُكَرَّرةِ، وهي أنواعٌ :
أ) فمنها مسائلُ يكونُ السؤالُ فيها مُوَجَّهًا إلى أبيه مَرَّةً، وإلى أبي
زُرْعَةَ مَرَّةً أخرى؛ فهاتان مسألتان مُخْتَلِفتان؛ لأنَّ الجوابَ صدَرَ من
إمامَيْنٍ، وإنْ كان في حديثٍ واحد؛ كما في المسألتين رقم (١١١٢
و ١١٢٣).
ب) ومنها مسائلُ جاءتْ في بابَيْنِ مختلفَيْنِ؛ فالتكرارُ هنا بِسَبَبٍ
مناسبةِ المسألةِ للبابِ الذي وَرَدَتْ فيه؛ كما في المسألة رقم (١٠٦٧)
في كتاب الجنائز، وهي تتعلَّقُ بِفَضْلِ الصبر على المُصِيبَةِ، فقد أعادها
في كتابِ الزُّهْدِ برقم (١٨٧٠ و١٨٩٢).
ج) ومنها مسائلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ أو أبوابٍ متفرِّقةٍ،
والسؤالُ موجَّةٌ فيها إلى أبيه مثلاً، أو أبي زُرْعة، لكنِ اختَلَفَ
ترجيحُهُ؛ كما في المسائلِ رَقْم (٧٨٨ و٨٥١ و٨٦٩)؛ فهذا ليس
تكرارًا كما هو ظاهر.
د) ومنها مَسَائِلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ، والسؤالُ موجَّهُ

٣٥٢
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
فيها إلى أبيه مثلاً، أو أبي زُرْعة، لكنْ يوجدُ في سؤالٍ زيادةٌ عمَّا في
السؤالِ الآخَرِ مِنْ غيرِ اختلافٍ في الترجيح، فالظاهرُ في هذه الحالِ
أنَّ السؤالَ وُجِّهَ إلى ذلك الإمام أكثَرَ من مَرَّةٍ، فأجابَ في كُلِّ مَرَّة
بجوابٍ؛ كما في المسألتين رَقْم (١٢٩٤ و١٣٠٧)، و(٧٩١ و٨٠٩).
هـ) ومنها مسائلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ، والسؤالُ موجّهٌ
فيها إلى إمام واحدٍ، مِنْ غَيْرِ اختلافٍ بين المسألتَيْنِ؛ كما في
المسألتَيْنِ رَقْم (١٢٩٥ و١٣٠٨)، فهذا ذهولٌ مِنِ ابنِ أبي حاتم في
تكرارِهِ لها - فيما يظهر - والله أعلم.
الثَّالِثُ: مُعْظَمُ مَادَّةِ هذا الكتابِ سؤالاتٌ وَجَّهَهَا ابنُ أبي حاتم
إلى أبيه وأبي زُرْعة، أو إلى أحدهما، وأَكْثَرُهَا أسئلةٌ لأبيه، وهناك
سؤالاتٌ موجّهةٌ منه إلى شيخَيْنِ آخرَيْنِ له، وهما :
أ) عليُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ الجُنَيْد، وهي ذوات الأرقام: (٢٥٣
و ٤٣١ و٥٥٤/ أ و٥٥٤/ ب و٧٦٤ و٨٧٤ و٨٩١ و١٠٠٤ و١٥٢٧
و ١٧٨٥ و١٧٨٦ و١٨٣٤ و١٨٥٨ و٢٥٤٣ و ٢٨٠٨).
ب) محمَّدُ بنُ عَوْفِ الحِمْصيُّ، وهما مسألتان فقط؛ رَقْم (١٧٥
و ١٠٠٤).
وربَّما ورَدَ في بعضِ المسائلِ ذِكْرٌ لِقَوْلِ بعضِ الأئمَّةِ المتقدِّمين؛
كَشُعْبَةَ في المسائلِ رَقْم (١١٥ و٢٤٨ و٣٠٦ و١٥٦٣)، ويحيى القطّانِ
في المسائلِ رَقْم (٦٠٥ و٧٩٩ و٢٢٢١ و٢٧٣١)، وأبي الوَلِيدِ

٣٥٣
الْمُقَدِّمَةُ
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الطَّيَالِسِيِّ في المسألة رَقْم (٣٢٢)، ويحيى بنِ مَعِينٍ في المسائل رَقْم
(١٢٥ و٢١١ و٢٩٣ و٣٧٨ و٥٥٤/ أ و٥٨١ و١١٣١ و١٣١٢ و١٣٧٣
و١٨٧٩ و٢١١٧ و٢٤٤٩ و٢٥٦٤ و٢٦٦١)، والإمام أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ
في المسائل رقم (٧٣٢ و٨٣٢ و٨٧٢ و١٢٢٤ و ١٤٣٨ و١٥٥١
و ٢١٨٥ و٢٢٠٣ و٢٣٠٣ و٢٣٧١ و٢٨٢٩).
وورَدَ في المسألةِ رقم (٢٢٥٦) روايةٌ مِنِ ابنِ أبي حاتم عن أبي
الفَضْلِ أحمَدَ بنِ سَلَمة في سؤالٍ سأله أبا زُرْعة، ثم مسلمَ بنَ الحَجَّاجِ
الذي كشَفَ عَنْ عِلَّتِهِ.
الرَّابِعُ: ذكَرَ ابنُ أبي حاتمٍ في بعضِ المسائلِ بعضَ الكُتُبِ التي
اعتمَدَ عليها في بيان العِلَّةِ، وقد وضَعْنَا لها فِهْرِسًا بعنوانِ "فِهْرِسُ
مَوَارِدِ المصنِّف"، ولكنْ واجهَتْنَا بعضُ الإشكالات في ذلك، ومِنْ
أهمِّها: أنَّ ذِكْرَ هذه الكُتُبِ لا يعني بالضرورةِ أنَّها مصنَّفاتٌ
لأصحابها؛ لاحتمالٍ أن تكونَ أصولَهُمُ التي دوَّنوا فيها أحاديثَهُمْ عن
شيوخهم حالَ الطَّلَبِ؛ كقولِ أبي حاتم في المسألة رقم (٢٥٧٩):
((هذا الحديثُ لَيْسَ هو في كتابٍ أبي صالح عن اللَّيْث))، لكنَّ هذا لا
يَمْنَعُ أن يكونَ مَوْرِدًا للمصنّف.
ومِنْ ذلك: قولُهُ في المسألة رقم (٢٠٨): ((وكان في كتابٍ أبي
زُرْعة))، وفي المسألة رقم (١٠٤): ((وقد كان أبو زُرْعة أخرَجَ هذا
الحديثَ في كِتَابِ "المُخْتَصَر"، وفي المسألة رقم (٢٣٧٠):

٣٥٤
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
((وسمعتُ أبا زُرْعة وانتهى إلى حديثٍ في "فَوَائِدِهِ"))؛ فهل هي أسماءٌ
لكتابٍ واحدٍ، أو أكثَرَ؟!
ومِنْ ذلك: قولُهُ في المسألة رقم (١١٩٩): ((وسمعتُ أبا زُرْعَةً
وحدَّثَنَا بهذا البابِ في "كتابِ النِّكَاح"، وفي المسألة رقم (١٤٣٤):
((قال أبو زرعة: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ، ولم يَقْرَأُ علينا في "كتابٍ
الشُّفْعَة"، وضَرَبْنَا عليه))، وفي المسألة رقم (١٥٠٥): ((قرأ علينا أبو
زُرْعة كتابَ الأطعمة))، ونحوُهُ في المسألة رقم (١٥٤٦)، وقولُهُ في
المسألة رقم (١٦٤٠): ((وانتَهَى أبو زُرْعة فيما كان يَقْرَأُ مِنْ كتابٍ
الفَرَائض))، ونحوُهُ في المسألة رقم (١٦٤٦)، وقولُهُ في المسألة رقم
(٢٥٣٣): ((وكان حَذَّثهم قديمًا في "كتابِ الآداب"))؛ فَهَلْ هذه أسماءُ
مصنَّاتٍ مستقلّة، أو أبوابٌ مِنْ أحدِ كُتُبٍ أبي زُرْعة؟!
الخَامِسُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ عَزْوُ بعضِ الأقوالِ أو الأحاديثِ
إلى العِلَلِ لابنِ أبي حاتم، ولا تُوجَدُ في النُّسَخ التي بين أيدينا، ولا
نَظُنُّ هذا دليلاً على نَقْصٍ في الكتاب، ولكنْ مَرَدُّهُ إلى خطأ في العَزْوِ
- والله أعلم - كما حصَلَ من الزَّرْكَشِيِّ كَفُ؛ فإنه قال في "النُّكَتِ
على مقدِّمة ابنِ الصَّلَاحِ" (٤٥٣/١): ((وقال ابنُ أبي حاتم في "كتاب
العِلَلِ " : قال أحمدُ بنُ حَنْبَل: ما أراه سَمِعَ مِنْ عبدِالرحمنِ بِنِ
أَزْهَرَ، إنما يقولُ الزُّهْري: كان عبدُالرحمنِ بنُ أَزْهَرَ يحدِّثُ، فيقولُ
مَعْمَرٌ وأسامةُ : سمعتُ عبدالرحمنِ بنَ أَزْهَرَ، ولم يَصْنَعَا عندي شيئًا،
وقد أدخَلَ بينه وبينه طلحةَ بنَ عبدِاللهِ بنِ عَوْف)).

٣٥٥
الْمُقَدِّمَةُ
خُظَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنِْهَاتٌ)
وهذا النَّصُّ إنما هو في "المَرَاسِيل " لابنِ أبي حاتم (ص١٩٠
رقم ٧٠٠)، ولم نَجِدْهُ في "العلل".
السَّادِسُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ عَزْوُ بَعْضِ الأقوالِ لأبي حاتم في
"كتاب العلل"؛ كما في "توضيح المُشْتَبِهِ" لابن ناصر الدين (١/
٢٢٥) حين قال: ((رواه أبو حاتم الرازيُّ في "العِلَلِّ " عن يحيى بنِ
ئے
إسماعيلَ بنِ عبدالله بنِ حَبِيبٍ بنِ أبي ثابت؛ حدَّثنا فِرْدَوْس، فذكره)).
وهذا النَّصُّ ليس في "العِلَلِ" لعبدالرحمن بن أبي حاتم، لكنْ
وجدنا ابن ناصر الدِّينِ ينقل عن كتاب "العلل" لأبي حاتم الرازي،
برواية محمَّد بن إبراهيم الكَثَّاني عنه؛ كما صرَّح به في بعضِ المواضِعِ
من كتابه "توضيح المشتبه"، منها : (٢٨٥/٥)، و(١٧٤/٧).
السَّابِعُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ بعضُ الأقوالِ في عِلَلِ الأحاديثِ
يَرْويها ابنُ أبي حاتم، عن أبيه؛ كما في "تفسيرِ ابنِ كَثِير" (١٨٥/٢)
حين قال : ((قال ابنُ أبي حاتم : قال أبي : هذا حديثٌ خطأ؛
والصحيحُ : عن عائشة، موقوف)).
وهذا النقلُ ليس من "العِلَلِ " لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتم، ولكنْ
مِنْ كتابه الآخَرِ : "تَفْسِير القرآن" (٤٧٦١)، ففيه ذكرٌ لبعضٍ أقوالِ
أبيه في العِلَلِ.
الثَّامِنُ: أثبتنا النَّصَّ كما وَرَدَ في النُّسَخِ وإِنْ خالَفَ المشهورَ مِنْ
قواعدِ النَّحْوِ واللغة، وعلَّقنا على ذلك بِذِكْرٍ وجوهٍ له تُصَحِّحُهُ مِنْ

٣٥٦
خُظَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
مذاهبِ النحاةِ واللغويِّين وغَيْرِهِمْ (١):
وقد اختلَفَ أهلُ العِلْم، رحمهم الله، تُجَاهَ هذه القَضِيَّةِ - وهي
إصلاحُ اللَّحْنِ والتصحيف، والأَخْطاءِ النَّحْوِيَّةِ واللَّغَوِيَّة، في النُّسَخِ
الخَطِيَّة - وكان اختلافُهُمْ في جهتین:
الجهةُ الأُولى : إصلاحُ الخَطَأِ في النُّطْقِ والرِّوَاية، وذَكَرُوا فيه
طُرُقًا أربعةً :
الأُولى: طريقةُ مَنْ يَرَىْ أَنَّه يَرْوِهِ على الخَطَأِ واللَّحْنِ كما سَمِعَهُ؛
وذَهَبَ إلى ذلك: نافعٌ مولى ابنِ عُمَرَ، ومحمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وأبو
الضُّحَى، وأبو مَعْمَرٍ عبدُاللهِ بنُ سَخْبَرة، وأبو عُبَيْدِ القاسمُ بنُ سَلَام،
قال ابنُ الصَّلَاحِ في كتابه "علوم الحديث" (ص٢١٨): ((وهذا غُلُّوٌّ
في مذهبِ اتِّبَاعِ اللفظِ، والمَنْعِ مِنَ الروايةِ بالمعنى)).
والثانية : طريقةُ مَنْ يَرَىْ تغييرَهُ وإصلاحَهُ وروايتَهُ على الصَّوَابِ؛
وقد ذهَبَ إلى ذلك: ابنُ المُبَارَك، والأَوْزاعيُّ، والشَّعْبيُّ، والقاسمُ
ابنُ محمَّد، وعَطَاءٌ، وهَمَّامٌ، والنَّصْرُ بن شُمَيْل ؛ قال ابن الصَّلَاح في
الموضعِ السابقِ مِنْ كتابِهِ المذكور : ((وهو مذهبُ المحصِّلين والعُلَماءِ
من المحدِّثين، والقَوْلُ به في اللَّحْنِ الذي لا يَخْتَلِفُ به المَعْنَى وأمثالِهِ
لازمٌ على مَذْهَبٍ تَجْوِيزِ روايةِ الحديثِ بالمعنی)».
(١) وقد تقدَّم بيانُ ذلك ومَنْهَجِنَا فيه (ص٣٤٢ - ٣٤٧).
٠

٣٥٧
الْمُقَدِّمَةُ
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
والثالثة: طريقةُ التوقُّفِ، وهي تَرْكُ رِوَايَةِ الخَطَّأِ والصَّوَابِ
جميعًا؛ حكى ذلك ابنُ دَقِيقِ العِيدِ في ((الاقتراح)) (ص٢٩٤-٢٩٥)
عن شَيْخه عِزِّ الدينِ ابنِ عبدِالسَّلَامِ، قال : سمعتُ أبا محمَّد
ابنَ عبدِالسَّلَام - وكان أحدَ سَلَاطينِ العُلَماء - كان يَرَىُ في هذه
المسألةِ ما لم أَرَهُ لأحدٍ : أنَّ هذا اللفظَ المُخْتَلَّ لا يُرْوَى على
الصَّوَابِ، ولا على الخَطَأ ؛ أمَّا على الصواب: فإنه لم يُسْمَعْ مِنَ
الشيخ كذلك، وأمَّا على الخَطَإ: فلأنَّهِ وَيهِ لم يَقُلْهُ كذلك. اهـ قال
الزَّرْكَشِيُّ في ((النُّكَتِ على ابن الصَّلَاحِ)) (٦٢٢/٣ -٦٢٣): ((وهذا نظيرُ
قولِ أصحابِنَا [يعني: الشافعيَّةَ] فيما لو وكَّله ببيع فاسدٍ : أنَّه لا يستفيدُ
الفاسد؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَأْذَنْ فيه، ولا الصحيح ؛ لأنَّ المالكَ لم يَأْذَنْ
فیہ)). اهـ
وهذا القولُ غريبٌ.
والرابعة : طريقةُ التفصيلِ بَيْنَ ما له وَجْهٌ سائغٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ؛
فلا يُغَيَّرُ، وما لَيْسَ له وَجْهٌ؛ فيغيَّرُ؛ حَكَى ذلك القَابِسِيُّ في
((المُلَخَّصِ)) - كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي
(٦٢٢/٣) - قال القابِسِيُّ: ((وأمَّا اللَّحْنُ في الحديثِ فشديدٌ، وقد
سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ محمَّدَ بنَ هاشمِ البَصْرِيَّ - وكان مِنْ عُلَمَاءِ الناسِ
وخِيَارِهِمْ رحمه الله تعالى - يقولُ: سُئِلَ أبو عِمْران - يعني النَّسَوِيَّ
- عن اللَّحْنِ يُوجَدُ في الحديثِ؟ فقال: إنْ كان شيئًا تقولُهُ العَرَبُ -
وإنْ كان في غَيْرِ لغةٍ قُرَيْش - فلا يُغَيَّرُ؛ لأنَّ النبيَّ وَِّ كان يُكَلِّمُ

٣٥٨
خُظَّةُ العَمَلِ فِي الْكِتَابِ (تَنْبِهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
الناسَ بلسانهم، وإنْ كان مِمَّا لا يُوجَدُ في كلام العَرَبِ فَرَسُولُ اللهِ
﴿ِ﴿ لا يَلْحَنُ». اهـ.
واختاره ابنُ حَزْمٍ في ((كتابِ الإحكامِ)) (٢١٦/٢)، قال: ((وأمَّا
اللَّحْنُ في الحديثِ : فإنْ كان شَيْئًا له وَجْهٌ في لغةٍ بَعْضِ العَرَبِ،
فَلْيَرْوِهِ كما سَمِعَهُ، ولا يُبَدِّلْهُ، ولا يَرُدَّهُ إلى أَفْصَحَ منه، ولا إلى غَيْرِهِ،
وإنْ كان شيئًا لا وَجْهَ له في لغةِ العَرَبِ البَتَّةَ، فَحَرَامٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ
أنْ يحدِّثَ باللَّحْنِ عن النبيِّ، فإِنْ فَعَلَ فهو كاذبٌ مُسْتحِقٌّ للنارِ في
الآخِرَةِ؛ لأنَّا قد أيقنَّا أنَّه ◌ِلَّها لم يَلْحَنْ قَظُ؛ كتيقُّنِنَا أنَّ السماءَ
مُحِيطَةٌ بالأرضِ، وأنَّ الشمسَ تطلُعُ من المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في
الْمَغْرِبِ ؛ فَمَنْ نَقَلَ عن النبيِّ نَّهِ اللَّحْنَ، فقد نَقَلَ عنه الكَذِبَ بيقين،
وفَرْضٌ عليه أنْ يُصْلِحَهُ، ويَبْشُرَهُ مِنْ كتابه، ويَكْتُبَهُ مُعْرَبًا، ولا يحدِّثَ
به إلا مُعْرَبًا، ولا يَلْتَفِتَ إلى ما وُجِدَ في كِتَابِهِ من لَحْنٍ، ولا إلى ما
حَدَّثَ شيوخُهُ ملحونًا ... )). اهـ
واختار هذا المذهبَ أيضًا : ابنُ فارسٍ في كتابٍ ((مآخذ العِلْم)) -
كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٦٢٣/٣) - لكنَّه
اشتَرَطَ في تغييرِهِ وروايتِهِ على الصوابِ : العِلْمَ بالعربيَّة، وجَعَلَ هذا
مما يَحْتَاجُ إلى تَرَوِّ وبَحْثٍ شديدٍ ؛ فإنَّ اللغةَ واسعةٌ، واختار الجوازَ،
وقال: وأما قولُهُ وَّهِ: ((نَضَّرَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كما
سَمِعَ))؛ فالمرادُ : كما سَمِعَ مِنْ صِحَّةِ المعنَى واستقامتِهِ مِنْ غیرِ زیادةٍ
ولا نقصانٍ يُغَيِّرَانِ المعنى، فأمَّا أنْ يَسْمَعَ اللَّحْنَ فيؤدِّيَهُ فلا. وبَعْدُ

٣٥٩
الْمُقَدِّمَةُ
خُظَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَشْبِهَاتٌ)
فمعلومٌ أَنَّ النبيَّ ◌ََّ كان لا يَلْحَنُ؛ فينبغي أنْ تُؤَدَّى مقالتُّهُ عنه في
صِحَّةٍ کما سُمِعَ منه)). اهـ.
واختاره أيضًا ابنُ المنيِّر - كما في "فتح المغيث" للسخاوي (٢/
٢٦٧)، و "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٦٢٣/٣) -
واحتجَّ على الجَوَازِ بقولِهِ نَّهَ: ((فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
الجهةُ الثانيةُ : اختلافُهُمْ في إصلاحِ الخَطَأِ في أصلِ النُّسْخَةِ
والكتابٍ، وللعلماءِ في ذلك قديمًا وحديثًا مَسْلَكان:
الأوَّل : مَسْلَكُ مَنْ يَرَىُ إصلاحَهُ في الكتابِ، وتَغْبِيرَ ما وقَعَ في
أُصُولِهِ، وربَّما أَشَارُوا إلى ما في الأَصْلِ المَنْسُوخِ عنه، وربَّما لم
يُشِيرُوا، وقد ينبِّهون على سَبَبٍ تَغْبِيرهم، وكثيرًا ما يُغْفِلون التنبيه،
ومِنْ هؤلاءِ الإِمامُ أبو الوَلِيدِ الوَقَّشِيُّ كما سيأتي في كلامِ القاضي
عِیَاضٍ.
وعلى هذا المذهب : عَمَلُ كثيرٍ مِنْ نَاشِرِي الكُتُبِ (مِمَّنْ تَسَمَّوْا بـ
((المحقّقين))) في هذا الزمان، وسيأتي في كلام القاضي عِيَاضٍ وابنٍ
الصَّلَاحِ وغيرِهِمَا ما في هذا المَسْلَكِ مِنْ مفاسدَ خطيرةٍ، وشرورٍ
مستطيرةٍ، على العِلْمِ والتراثِ، والله المستعان !!
والثاني - وهو مذهبُ المحقّقين مِنْ أهلِ العلم قديمًا وحديثًا - :
أنَّ الصحيحَ : إثباتُ النَّصِّ كما وَصَلَ إلينا في أُصُولِهِ ونُسَخِهِ الخَطِيَّةِ،
مع تَبْبِينِ الصَّوَابِ في الحاشية، ووَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ العربيَّةِ أو التَّقْلِ؛ إنْ

٣٦٠
خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ (تَنِْيهَاتٌ)
الْمُقَدِّمَةُ
أمكنَ ذلك؛ وهذا ما سِرْنَا عليه في هذا الكتابٍ.
وفي تصويبٍ هذا المنهج في (تحقيقِ النصوصِ)) يقول ابنُ الصَّلَاحِ
كَّفُ في كتابه «علوم الحديث)) (ص ٢٢٩ -٢٣٠): ((وأمَّا إصلاحُ ذلك
وتَغْبِيرُهُ في كتابِهِ وأَصْلِهِ : فالصوابُ تَرْكُهُ وتقريرُ ما وقَعَ في الأَصْلِ
على ما هُوَ عليه، مع التَّضْبِيبِ عليه، وبيانِ الصوابِ خارجًا في
الحاشية ؛ فإنَّ ذلك أَجْمَعُ للمَصْلَحَةِ، وأَنْفَى لِلْمَفْسَدةِ، وقد رُوِّينَا أنَّ
بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِيَ في المنام وكأنَّه قد مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ أو لسانِهِ
شَيْءٌ، فقيل له في ذلك؟ فقال: لَفْظَةٌ مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ وَّ
غَيَّرْتُهَا برأيي، ففُعِلَ بي هذا. وكثيرًا ما نَرَى ما يَتَوَهَّمُهُ كثيرٌ من أهلِ
العلم خَطَأَ - وربَّما غَيَّرُوهُ - صوابًا ذا وَجْهٍ صحيحٍ، وإِنْ خَفِيَ
واسْتُغْرِبَ !! لا سيَّما فيما يَعُدُّونَهُ خَطَأَ مِنْ جهةِ العربيةِ؛ وذلك لِكَثْرةٍ
لُغَاتِ العربِ وتَشَعُّبِهَا، ورُوِّنَا عن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، قال :
كان إذا مَرَّ بأبي لَحْنٌ فاحشٌ غَيَّرَهُ، وإذا كان لَحْنَا سهلاً تَرَكَهُ، وقال :
كذا قال الشيخُ !! )).
وقد علَّق الزَّرْكَشِيُّ على ما ذكره ابنُ الصَّلَاحِ، فقال في ((النُّكَتِ))
(٦٢٣/٣-٦٢٤): ((ما ذكره المصنِّفُ أنه الصوابُ، حكاه ابنُ فارسٍ
عن شيخه أبي الحَسَنِ عليٍّ بنِ إبراهيمَ القَطَّانِ، قال: فكان يَكْتُبُ
الحديثَ على ما سَمِعَهُ لَحْنَا، ويكتُبُ على حاشيةِ كتابِهِ : ((كذا قال -
يعني الذي حدَّثه - والصوابُ كذا))، قال ابنُ فارسٍ : وهذا أَحْسَنُ ما
سَمِعْتُ في هذا البابِ، وقال أبو حَفْصِ الْمَيَّانِشِيُّ في ((إيضاحِ ما لا