النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ يزالا حتَّى أَذَّن المؤذِّنُ أذانَ الصُّبْح)»(١). وقال عليُّ بنُ الحَسَن بن شَقِيق: ((كنتُ مع عبدالله بن المبارك في المَسْجِدِ في ليلةٍ شَتَوِيَّةٍ باردةٍ، فقمنا لِنَخْرُجَ، فلمَّا كان عند باب المسجد ذاکرني بحديثٍ، و ذاكَرْتُهُ بحدیث، فما زال يُذَاكِرني وأذاكِرُهُ، حتى جاء المؤذِّن، فأذَّن لصلاةِ الصبح))(٢). وقال أبو بكر بن زَنْجُويَهْ : قَدِمْتُ مِصْرَ، فأتيتُ أحمد بن صالح، فسألني : مِنْ أين أنت؟ قلتُ: مِنْ بغداد، قال: أين منزلك مِنْ منزل أحمد بن حنبل؟ قلتُ: أنا مِنْ أَصْحَابه، قال: تَكْتُبُ لي موضعَ منزلك؛ فإِنِّي أريدُ أوافي العِرَاقَ، حتى تَجْمَعَ بيني وبين أحمد بن حنبل، فكتبْتُ له، فوافى أحمدُ بنُ صالح سنةَ اثنتَيْ عَشْرَةً(٣) إلى عَفَّان، فسأل عني، فلقيني، فقال: المَوْعِدُ الذي بيني وبينك، فذهَبْتُ به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنْتُ له، فقلتُ: أحمدُ بنُ صالح بالباب، فقال: ابنُ الطَّبَرِيِّ؟ قلتُ: نعم، فَأَذِنَ له، فقام إليه ورحّب به وقرَّبه وقال له: بَلَغني عنك أنك جمعْتَ حديثَ الزُّهْرِيِّ، فتعال نذاكر ما روى الزُّهْرِيُّ عن أَصْحَاب رسول الله ◌َّ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر حتى فَرَغا، وما رأيتُ أحسَنَ من مذاكرتهما ! ثم قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: تعال حتى (١) أخرجه الخطيب في "الجامع" (١٨٩٩). (٢) المرجع السابق (١٩٠٤). (٣) يعني: ومئتين. ٠ ٨٢ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الْمُقَدِّمَةُ * نُذَاكِرَ ما روى الزُّهْري عن أولاد أَصْحَاب رسول الله وَّ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر،إلى أنْ قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: عندك عن الزُّهْري، عن محمَّد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف؛ قال النَّبِيُّ وَلَهُ: ((ما يَسُرُّنِي أَنَّ لي حُمُرَ النَّعَمِ، وأَنَّ لي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ))؟ فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنتَ الأستاذُ وتذكُرُ مِثْلَ هذا؟! فجعَلَ أحمدُ بنُ حنبل يبتسم ويقولُ: رواه عن الزُّهْري رجلٌ مقبول - أو صالح - : عبدالرحمن بن إسحاق، قال: مَنْ رواه عن عبدالرحمن بن إسحاق ؟ فقال: حدَّثناه رجلان ثقتان: إسماعيلُ بنُ عُلَيّة، وبِشْر بن المفضَّل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتُكَ بالله إلا أمليتَهُ عليَّ! فقال أحمد: مِنَ الكتاب، فقام، فدخَلَ وأخرَجَ الكتابَ، وأملاه عليه، فقال أحمد بن صالح: لو لَمْ أستَفِدْ بالعراقِ إلا هذا الحديثَ كان کثیرًا. ثم وذَّعه وخرَجَ(١). وهذا الحديثُ مِنَ الأحاديثِ التي رواها الإمامُ أحمَدُ(٢) واستَنْكَرَهَا على عبدالرحمن بن إسحاق، فقد قال المَرُّوذي(٣): قلتُ (١) أخرج هذه القصة ابن عدي في "الكامل" (١٨١/١)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٩٧/٤-١٩٨)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٩١٧)، ومنهما جرى تصحيح بعض الكلمات. (٢) في "مسنده" (١/ ١٩٠ رقم ١٦٥٥) عن بشر بن المفضل، و(١٩٣/١ رقم ١٦٧٦) عن إسماعيل بن علية. (٣) في "علل الحديث ومعرفة الرجال" (٦١). ٨٣ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ لأبي عبدالله: فعبدُالرحمنِ بنُ إسحاق كيف هو؟ قال: ((أَمَّا ما كتبنا مِنْ حديثه: فقد حدَّث عن الزُّهْري بأحاديث))، كأنَّه أراد تفرَّدَ بها، ثم ذكَرَ حديثَ محمَّد بن ◌ُبَيْر في الحِلْف؛ حِلْفِ المُطَيَّبِينَ، فأنكره أبو عبدالله، وقال: ((ما رواه غيره))(١). وكانوا يتساهلون في المذاكرة ويتسمَّحون، فيحدِّث أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ بالحديثِ على غَيْرٍ وجهِ التحديث، ويأخُذُ أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ ما لا يأخُذُهُ فِي مَجْلِسِ السماع. قال سُفْيان الثَّوْري: ((إذا جاءتِ المذاكرةُ جئنا بِكُلِّ، وإذا جاء التحصيلُ جئنا بمنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ))(٢). وقال الخطيب(٣): ((إذا أورَدَ المحدِّث في المذاكرة شيئًا أراد السامعُ له أن يدوِّنه عنه؛ فينبغي له إعلامُ المحدِّث ذلك؛ ليتحرَّى في تَأْدِيَةِ لفظِهِ، وحَصْرِ معناه)). ثم أخرَجَ (٤)، عن أبي موسى محمد بن المثنَّى؛ أنه قال: «سألتُ عبدالرحمن - يعني: ابن مهدي - عن حديثٍ، وعنده قوم، فساقه، فذهبتُ أَكْتُبُه، فقال: أيَّ شيءٍ تَصْنَعُ؟! فقلتُ: أكتبُهُ، فقال: دَعْهُ؛ فإنَّ في نفسي منه شيئًا، فقلتُ: قد جِئْتَ به، فقال: لو كنتَ وحدَكَ (١) انظر مبحث "التفرُّد" للدكتور إبراهيم اللاحم المنشور في "مجلة الحكمة" العدد (٢٤) (ص١٢ - ١٣). (٢) "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٥٥٣). (٣) في "الجامع" (٢٨/٢). (٤) في "الجامع" (١١١٩). ٨٤ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الْمُقَدِّمَةُ لحدَّثْتُكَ به، فكيف أصنَعُ بهؤلاءٍ؟!)). قال الخطيبُ بعد أنْ أخرجه: ((كان أبو موسى مِنَ المُلَازِمِينَ لعبدالرحمن، فقوله: "لو كُنْتَ وحدك لحدَّثتك به"، أراد: أنه متى بان له أنَّ الحديثَ على غير ما حدَّثه به أمكنَهُ استدراكُهُ لإصلاحِ غَلَطه، ولا يمكنُهُ ذلك مع الغُرَباء الذين حَضَروا عنده، والله أعلم. وكان عبدالرحمن بن مَهْدي يحرِّج على أَصْحَابه أن يكتبوا عنه في المذاکرة شيئًا». ثم ساق الخطيبُ بسنده عن بَكْر بن خَلَف قال: سمعتُ عبدالرحمنِ بنَ مَهْدي يقولُ: ((حرامٌ عليكم أن تَأْخُذوا عنِّ في المذاكرةِ حديثًا؛ لأنّ إذا ذاكَرْتُ تساهلْتُ في الحديث)). وقال أحمد بن محمد بن سليمان التُّسْتَري: حدَّثني أبو زرعة الرازي؛ حدَّثني إبراهيم بن موسى؛ نا عبدالرحمن بن الحَكَم المَرْوَزي، عن نَوْفَل بن المُطَهَّر قال: قال لنا عبدالله بن المبارك: ((لا تَحْمِلُوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا)). قال أبو زُرْعة: وقال إبراهيم: ((لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرة شيئًا)). قال أحمد: وقال لي أبو زُرْعة: ((لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا))(١). (١) المرجع السابق (١١٢١). ٨٥ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ وكان أبو زُرْعة يحرِّج على تلاميذِهِ أن يَكْتبوا عنه في المذاكرةِ شيئًا(١). وكان عبدُاللهِ ابنُ الإمام أحمَدَ لا يكتُبُ - أحياناً - ما يأخذُهُ عن أبيه حالَ المذاكرة؛ ففي زوائده على "المسند" قال(٢): ((وَجَدتُ هذا الحديثَ في كتاب أبي بخطّ يده ... وأظنُّني قد سمعتُهُ منه في المذاكرة فلم أَكْتُبُهُ)). والظاهرُ: أنَّ أباه كان ينهاه عن كتابة ما يكونُ في المذاكرة؛ وإنْ كِتَبَ ميَّزه مِنْ غيره؛ كما يدلُّ عليه قوله: ((وقد سَمِعْتُ أبي ذكَرَ حديثًا عن عبدالرحمن بن مالك بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَصِين؛ في المذاكرة، على غير وجهِ الحديثِ، فكتبتُهُ عنه، وكان سَيِّئَ الرأىِ فيه جِدًّا))(٣). وهذا منهجٌ معروفٌ للإمام أحمد تلقّاه عن أشياخه، فقد حكى عنه ابنُهُ عبدالله (٤) أنه قال: ((كتبتُ عن يحيى بن سعيد(٥)، عن شَرِيك؛ على غير وجهِ الحديث))؛ يعني: المذاكرة(٦). وسأله أبو بكر المَرُّوذي (٧) فقال: ((قلتُ: يحيى القَطَّانُ أَيْشٍ كان (١) المرجع السابق (١١٢٢). (٣) "العلل ومعرفة الرجال" (٥٩٣١). (٤) في المرجع السابق (٥٣٢٧). (٦) هذا التوضيح من عبد الله. (٢) (٩٦/٤ رقم ١٦٨٧٩). (٥) هو: القطان. (٧) في "العلل" (٢٠٩). ٨٦ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الْمُقَدِّمَةُ يقولُ في شَرِيك؟ قال: كان لا يَرْضَاه، وما ذكر عنه [إلا شيئًا](١) على المذاكرة؛ حدیثین)). وقال ابن حزم (٢): ((وأما المدلِّسُ فينقسمُ إلى قِسْمَيْنِ، أحدُهُمَا: حافظُ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا، وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرٍ بعض رواتِهِ دون بعض ... وقد رُوِّينا عن عبدالرزّاق ابن هَمَّام قال: كان مَعْمَرٌ يُرْسِلُ لنا أحاديثَ، فلمَّا قَدِمَ عليه عبدُاللهِ بنُ المبارك أسنَدَهَا له، وهذا النوعُ منهم كان جِلَّةَ أَصْحَابِ الحديث وأئمَّة المسلمين؛ كالحَسَنِ البَصْري، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وقتادةَ بنِ دِعَامة، وعَمْرِو بنِ دينار، وسليمانَ الأعمشِ، وأبي الزُّبَيْر، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنة، وقد أدخَلَ عليّ بنُ عمر الدارقطنيُّ فيهم مالكَ بنَ أنس ولم يكنْ كذلك، ولا يوجدُ له هذا إلا في قليلٍ مِنْ حديثه؛ أرسلَهُ مرةً وأسنَدَهُ أخرى)). وكانوا يَسْتحبُّون لمَنْ أَخَذَ عن شيوخه شيئًا حالَ المذاكرةِ أنْ يبيِّن ذلك: قال الخطيب البغدادي(٣): ((واستُحِبَّ لمَنْ حَفِظَ عن بعضٍ شيوخه في المذاكرة شيئًا وأرادَ روايتَهُ عنه أن يقولَ: حدَّثناه في المذاكرة، فقد (١) في الأصل: ((الاشياء))، والتصويب من "تاريخ بغداد" (٢٨٣/٩). (٢) في "إحكام الأحكام" (١/ ١٣١). (٣) في "الجامع" (٣٠/٢). ٨٧ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ كان غيرُ واحدٍ من متقدِّمي العلماءِ يفعلُ ذلك)). ومِنْ أمثلة مَنْ كان يفعلُ ذلك ممَّن أشار إليهم الخطيبُ: أبو حاتم الرازي، فقد ترجَمَ ابنه عبدالرحمن(١) لمحمَّد بن نُبَاتة السَّرِيِّ فقال: ((روى عن أبي عاصم النَّبِيلِ، سمع منه أبي في المذاكرة حديثًا، فاسْتَحْسَنَهُ، فَكَتَبه)). وروى الترمذي (٢) حديثًا، فقال: ((حدَّثني الحسَنُ بنُ علي بهذا - أو شبهه - في المذاكرة)». وقال أبو عَوَانة (٣): ((حدَّثني أحمدُ بنُ سَهْلِ بنِ مالك على المذاكرة)) . وأمثلةُ هذا كثيرةٌ في كتب الحديث. وأصبَحَ المحدِّثون يَكْشِفُون عِلَلَ الأحاديثِ أحيانًا بهذا؛ فينظرون في غَلَط المحدِّث، مع كيفيَّةِ تلقِّيه للحديثِ، فإنْ كان أَخَذَهُ في مجلسٍ المذاكرة؛ عَرَفُوا أنَّ العِلَّةَ وقَعَتْ بسبب تحديثِ الشيخ بهذا وهو غير مُتَھَيِّئٍ للتحديث: قال أبو عبدالله الحاكم(٤): ((وجدتُّ أبا عليٍّ الحافظَ سيِّئَ الرأي في أبي القاسم اللَّخْمي(٥)، فسألتُهُ عن السبب فيه؟ فقال: اجتمعْنَا (١) في "الجرح والتعديل" (٨/ ١١٠ رقم٤٨٩). (٢) في "جامعه" (٦٦٦). (٣) في "مستخرجه" (٤٧٢٩). (٤) في "المعرفة " (ص١٤٣). (٥) يعني: الطبراني. ٨٨ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الْمُقَدِّمَةُ على بابٍ أبي خَلِيفة، فذكرنا طُرُقَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعةٍ أعضاء)»، فقلتُ له: تحفظُ عن شُعْبة، عن عبدالملك بن مَيْسَرة الزَّرَّاد، عن طاوس، عن ابن عباس؟ فقال: بلى، [رواه](١) غُنْدَرٌ، وابنُ أبي عدي، فقلتُ: مَنْ عنهما؟ فقال: حدَّثَناه عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عنهما، فاتهمتُهُ إِذْ ذاك. ثم قال أبو علي: ما حدَّث به غيرُ عثمانَ بنِ عمر(٢)). وذكَرَ الذهبيُّ هذه الحكايةَ(٣)، ثم قال: «قلتُ: هذا تَعَنُّتُ على حافظِ حُجَّة؛ قال الحافظُ ضياءُ الدين المَقْدِسي: هذا وَهِمَ فيه الطبراني في المذاكرة، فأمَّا في جَمْعه حديثَ شُعْبة فلم يروه إلا مِنْ حديث عثمان بن عمر، ولو كان كُلُّ مَنْ وَهِمَ في حديثٍ واحدٍ اُّهِمَ؛ لكان هذا لا يَسْلَمُ منه أحدٌ)). ومن أمثلة ما عُنِيَ الأئمَّةُ بعلَّته: ما جعله الترمذيُّ(٤) مثالاً لما يُرْوَىُ من وجوهٍ كثيرة، ويُسْتَغْرَبُ مِنْ وجه معيَّن؛ حين قال: ((رُبَّ حديثٍ يروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لحالِ الإسناد. حدَّثنا أبو كريبٍ، وأبو هشامِ الرفاعيُّ، وأبو السائب، والحسين (١) ما بين المعقوفين زيادة من "سير أعلام النبلاء" (١٢٦/١٦). (٢) يعني: عن شعبة. (٣) في "السير" (١٢٦/١٦-١٢٧). (٤) في "العلل الصغير" كما في "شرحه" لابن رجب (٦٤٣-٦٤٤)، وانظر "العلل الكبير " (٥٦٥). ٨٩ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الأسود؛ قالوا: ثنا أبو أسامة، عن بُرَيْد بن عبدالله بن أبي بُرْدة، عن جَدِّه أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النَّبِيّ بَّهِ قال: «الكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ، والمؤمنُ يَأْكُلُ في مِعِى واحدٍ)). هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه مِنْ قِبَلِ إسناده، وقد روي مِنْ غير وجه عن النَّبِيّ ◌ََّ، وإنما يُسْتَغرب من حديثٍ أبي موسى، وسألتُ محمودَ بنَ غَيْلان عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديثُ أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة، وسألتُ محمدَ بنَ إسماعيل(١) عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديثُ أبي ◌ُرَيْب، عن أبي أسامة، ولم نعرفْهُ إلا مِنْ حديثٍ أبي كريب، عن أبي أسامة. فقلتُ: حدَّثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعَلَ يتعجّبُ ويقول: ما علمتُ أنَّ أحدًا حدَّث بهذا غَيْرَ أبي كريب ! قال محمد: وكنّا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا الحديثَ عن أبي أسامة في المذاكرة)». قال ابن رجب(٢) - بعد ذكره كلام الترمذي - : ((وما حكاه الترمذيُّ عن البخاريِّ ههنا أنه قال: "كنا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة" : فهو تعليلٌ للحديث؛ فإنَّ أبا أسامة لم يرو هذا الحديثَ عنه أحدٌ من الثقات غَيْرُ أبي كريب، والمذاكرةُ يُجْعَلُ فيها تسامحٌ بخلافِ حالِ السماع أو الإملاء))(٣). (١) يعني: البخاري. (٢) في "شرح علل الترمذي" (٦٤٧/٢). (٣) انظر أيضًا المبحث التالي، و"العلل " لابن أبي حاتم (١٥٥٢)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (٤٨٠/٣)، و "المجروحين" لابن حبان (٤٠/٣). ٩٠ ٥- كَسَلُ الرَّاوِي الْمُقَدِّمَةُ ٥) گَسَلُ الرَّاوِي: عُرِفَ مِنْ طباع الناسِ أنَّ النَّفْسَ البشريّة لها إقبالٌ وإدبار، على حَسَبٍ ما يَعْتَريها من حزن، أو فَرَح، أو مَرَض، أو قِلَّة نَوْمِ وأَرَق، أو انشغالٍ بالتفكير في أمر من الأمور، أو غيرٍ ذلك ممَّا يجعل الراوي غير مُتَهَيِّئٍ ولا مُسْتَجْمِعٍ قواه للتحديث، وهذا ما يعبِّر عنه المحدِّثون بالكَسَل، وضِدُّهُ النشاط، وفيه شبه مِنَ السبب السابق ((المذاكرة)). فربّما ذكَرَ المحدِّثُ الحديثَ وهو في هذه الحال؛ لمناسبةٍ جرَتْ، لا على سبيلِ التحديث؛ كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث، أو عن بعض ما يتعلَّق به؛ كالكلام في أحدٍ رواته، أو غير ذلك من الأمور التي يجمعها عَدَمُ إرادةِ التحديث؛ فيذكُرُ المحدِّثُ الحديثَ فيَنْقُصُ منه؛ إمَّا بإرسالِهِ وهو موصول، أو بوَقْفِهِ وهو مرفوع، أو يُسْقِطُ مِنْ سنده بعضَ رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوقُ المَثْنَ بتمامه، أو غيرِ ذلك مما يعتري الحديثَ من اختلاف، منشؤُهُ: ذِكْرُ الحديثِ لا لروايتِهِ، ولكنْ لمناسبةِ المَجْلِسِ أو الموقفِ لِذِكْرِهِ وإنْ كان قاصرًا. وتقدَّم قولُ ابن حَزْم(١): ((وأمَّا المُدَلِّسُ فينقسمُ إلى قسمَيْن، أحدُهُمَا: حافظُ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا، (١) (ص٨٦)، وهو في "إحكام الأحكام" (١٣١/١). ٩١ الْمُقَدِّمَةُ ٥- کَسَلُ الرَّاوِي وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرِ بعضٍ رواته دون بعض ... » إلخ. وربَّما أخَذَ بعضُ الرواة ذلك الحديثَ عن ذلك الشيخ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه مِنْ نقص، وربَّما حدَّث الشيخُ بذلك الحديثِ في مجلسِ التحديثِ تامًّا، فينشأُ الاختلافُ بين الرواة لهذا السبب، وربَّما لم يحدِّث الشيخُ بذلك الحديثِ إلا في حالٍ كَسَله، فيختلفُ مع أقرانِهِ ممَّن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجدُ علماءَ الحديثِ يوفِّقون بين هذا الاختلافِ بالإشارةِ إلى هذا السببِ بعبارة يَفْهَمها أهلُ الاختصاص. مثال ذلك: قولُ عبدالرحمن بن أبي حاتم(١): وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه الحكَمُ بن عُتَيْبة، عن يحيى بن الْجَزَّار، عن صُهَيْبٍ أبي الصَّهْبَاء، عن ابن عباس؛ قال: كنتُ راكبًا على حِمَار، فمَرَرْتُ بين يَدَيِ النَّبِّ وَّهِ وهو يصلِي؟ قال أبي: رواه عمرو بن مُرَّة، عن يحيى بن الْجَزَّار، عن ابن عبَّاس، ولم يذكُرْ صهيبًا . قلتُ لأبي: أيهما أَصَحُّ ؟ قال: هذا زاد رجلاً، وذاك نَقَصَ رجلاً؛ وكلاهما صحيحين(٢). (١) في "العلل" (٢٤١). (٢) كذا في جميع النسخ: ((صحيحين))، وله وجه في العربية. انظر التعليق عليه في المسألة نفسها . ٩٢ ٥- كَسَلُ الرَّاوِي الْمُقَدِّمَةُ وقال أيضًا(١): وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه وُهَيْب(٢)، عن أيوب(٣)، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي راشد، عن عبدالرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّ وَ ◌ّه قال: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ ... ))؟. قال أبي: رواه بعضهم فقال: عن يحيى، عن زَيْد بن سَلَّام، عن أبي سَلَّام، عن أبي راشد الْحُبْراني، عن عبدالرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّي ◌َّةِ، كلاهما صحيحٌ؛ غيرَ أنَّ أيوبَ تَرَكَ من الإسناد رجلَيْن(٤). وربَّما صرَّح العلماءُ بهذا السببِ أحيانًا . قال ابن رجب(٥): ((وقال الأثرَمُ أيضًا: قال أبو عبدالله(٦): ما أحسَنَ حديثَ الكوفيين عن هشام بنِ عُرْوة ! أسنَدُوا عنه أشياءً، قال: وما أرى ذاك إلا على النَّشَاط؛ يعني: أنَّ هشامًا يَنْشَطُ تارَةً فُيُسْنِد، ثم يُرْسِلُ مَرَّةً أخرى)). وقال مسلم بن الحَجَّاجِ(٧): ((فإذا كانتِ العِلَّةُ - عند مَنْ وصفنا قولَهُ مِنْ قبلُ - في فسادِ الحديثِ وتوهينِهِ إذا لم يُعْلَمْ أنَّ الراويَ قد سمع ممَّن روى عنه شيئًا: إمكانَ(٨) الإرسالِ فيه؛ لزمه تركُ (١) في المصدر السابق (١٦٧٤). (٢) هو: ابن خالد. (٣) هو: ابن أبي تميمة السختياني. (٤) انظر أمثلة أخرى كثيرة في "العلل" لابن أبي حاتم (٢٥ و٣٠٨ و٣١٢ و ٥٧٥ ٦٧٤ و٦٨٨ و٧٧٦ و٩٨٠ و٢١٣٨ و٢٣٠٢ و٢٣١٥ و٢٥٤٧). (٥) في "شرح العلل" (٦٧٩/٢). (٧) في مقدمة "صحيحه" (٣٢/١). (٦) يعني: الإمام أحمد. (٨) قوله: ((إمكان)) بالنصب، وهو خبر (( كانت)). ٩٣ الْمُقَدِّمَةُ ٥- كَسَلُ الرَّاوِي الاحتجاج - في قيادِ قولِهِ - بروايةٍ مَنْ يُعْلَمُ أنه قد سَمِعَ ممَّن روى عنه، إلا في نفسِ الخبر الذي فيه ذِكْرُ السماع؛ لِمَا بَيَّنَّا من قبلُ عن الأئمَّةِ الذين نقلوا الأخبار: أنهم كانت لهم تاراتٌ يُرْسِلُون فيها الحديثَ إرسالاً، ولا يَذْكُرون مَنْ سَمِعوه منه، وتاراتٌ يَنْشَطون فيها، فيُسْنِدون الخبر على هيئة ما سَمِعوا، فيُخْبِرون بالتُّزُول فيه إنْ نزلوا، وبالصُّعُود إِنْ صَعِدوا)). وقال ابن حِبَّان(١): ((رَفَعَ هذا الخبرَ عن مالك أربعةُ أَنْفُس (٢): الماجِشُونُ، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قَتِيلة، وأشهَبُ بنُ عبدالعزيز، وأرسله عن مالكٍ سائرُ أَصْحَابه، وهذه كانت عادةً لمالك؛ يَرْفَعُ في الأحايينَ الأخبارَ، ويُوقِفها مرارًا، ويُرْسِلها مَرَّةً، ويُسْنِدها أخرى؛ على حَسَبِ نشاطه؛ فالحكمُ أبدًا لِمَنْ رفَعَ عنه وأسنَدَ، بعد أن يكونَ ثقةً حافظًا متقنًا)). وقال الدار قطني(٣): ((وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - من تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يصرِّحُ بالرفع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقّف؛ على حَسَبٍ نشاطه في الحال)). وقال في موضع آخر (٤): ((وجميعُ رواة هذا الحديثِ ثقاتٌ، ويُشْبِهُ (١) في "صحيحه" (٥٩١/١١). (٢) كذا، والجادّة: ((أربع أنفس))، وما في "صحيح ابن حبان" متجهٌ في اللغة، وانظر التعليق على نحوه في المسألة رقم (٢٦٨٤). (٣) في "العلل" (٢٥/١٠). (٤) في "العلل" (٢٥٣/١). م ٩٤ ٥- كَسَلُ الرَّاوِي الْمُقَدِّمَةُ أن يكونَ قيسُ بنُ أبي حازم كان يَنْشَطُ في الرواية مَرَّةً فَيُسْنِده، ومَرَّةً يَجْبُنُ عنه فيقفه على أبي بكر)). وقال أبو عُمَرَ بنُ عبدالبر(١): ((كان ابن شهابٍ تَلَهُ أكثَرَ الناسِ بَحْثًا على هذا الشأن؛ فكان ربَّما اجتمَعَ له في الحديث جماعةٌ، فحدَّثَ به مَرَّةً عنهم، ومَرَّةً عن أحدهم، ومَرَّةً عن بعضهم؛ على قَدْرِ نشاطِهِ في حينٍ حديثِهِ، وربَّما أدخَلَ حديثَ بعضهم في حديثٍ بعضٍ كما صنَعَ في حديثِ الإِفْكِ وغيره، وربَّما لَحِقَهُ الكَسَلُ فلم يُسْنِده، وربَّما انشرَحَ فوصَلَ وأسنَدَ على حَسَبٍ ما تأتي به المذاكرة؛ فلهذا اختلَفَ أَصْحَابُهُ عليه اختلافًا كبيرًا في أحاديثه. ويبيِّن لك ما قلنا: روايتُهُ لحديثِ ذي اليدَيْنِ(٢)؛ رواه عنه جماعةٌ، فمرةً يذكُرُ فيه واحدًا، ومرةً اثنَيْنِ، ومرةً جماعةً، ومرةً جماعةً غيرها، ومرةً يَصِلُ، ومرة يقطع)). وقال في موضعٍ آخَرَ(٣) - بعد أن ذكَرَ اختلافًا على الإمام مالك في وَصْلِ حديثٍ وإرساله -: ((وهذا إنما هو مِنْ نشاطِ المحدِّث وكَسَله، أحيانًا يَنْشَطْ فَيُسْنِدُ، وأحيانًا يَكْسَلُ فَيُرْسِلُ، على حَسَبِ المذاكرة)). وقال الحافظ المنذري(٤): ((ويمكنُ أن يقال: إنه تذكَّر السماعَ بعد (١) في "التمهيد" (٤٥/٧). (٢) انظر الكلام على حديث ذي اليدين (ص٦٤ - ٦٦) من هذه المقدمة، عند مبحث الخطأ والزلل. (٣) في "التمهيد" (٣٣/٢٢). (٤) في " جوابه عن أسْئِلة في الجرح والتعديل" (ص٨٥). ٩٥ الْمُقَدِّمَةُ ٥- کَسَلُ الرَّاوِي ذلك، فصرَّحَ بالتحديث، أو أنَّ الراويَ يَنْشَطُ مرةً فَيُسْنِدِ، ويَفْتُرُ مرةً فلا يُسْنِد، ويسكُتُ عن ذِكْرِ الشخص مرةً، ويذكُرُهُ أخرى لِمَا يقتضيه الحال)). وقال الرَّشِيد العَظَّار(١): ((وهذا الاختلافُ الذي وقَعَ في إسناد هذا الحديثِ على الزُّهْري لا يؤثِّر في صِحَّته؛ فإنَّ الحديثَ قد يكونُ عند الراوي له عن جماعةٍ مِنْ شيوخه، فيحدِّثُ به تَارَةً عن بعضهم، وتارةً عن جميعهم، وتارةً يُبْهِمُ أسماءَهُمْ، وربَّما أرسلَهُ تارَةً على حَسَبٍ نشاطه وكَسَله؛ كما أشار إليه مسلمٌ كَفُ في مقدِّمة كتابه(٢)، ومع ذلك فلا يكونُ ما ذكرناه اعتلالًا يقدَحُ في صِحَّةٍ الحديث ... )) إلخ. وذكَرَ الحافظُ ابن حجر(٣) خلافًا في حديث، ثم قال: ((وروايةٌ الوقف لا تعارضُ روايةَ الرفع؛ لأنَّ الراويَ قد يَنْشَطُ فَيُسْنِد، وقد لا ينشط فيقف)). وقال في موضع آخر (٤): ((فتبيَّن صحةُ كلِّ الأقوال؛ فإنَّ الزُّهْري كان يَنْشَطُ تارَةً فيذكُرُ جميعَ شيوخه، وتارةً يقتصرُ على بعضهم» . (١) في "غرر الفوائد المجموعة" (ص٢٢٤). (٢) انظر مقدمة "صحيح مسلم" (١/ ٣٢)، وتقدم نقل كلامه (ص٩٢-٩٣). (٣) في "فتح الباري" (١٢٥/١٣). (٤) في "النكت على ابن الصلاح" (٧٨٣/٢). ٩٦ ٦- التَّصْحِيفُ الْمُقَدِّمَةُ ٦) التَّصْحِيفُ: وهو تغييرُ العبارة أو الكَلِمة عمَّا كانتْ عليه، إلى أخرى تَشْتَبِهُ معها خَطَّ، أو رَسْمًا، وتختلفُ نطقًا. وهذا قد يقع مِنْ كبار العلماء، فضلاً عن غيرهم، وهو مِنْ صور الوَهَمِ التي يقع فيها الرواةُ الثقات، فاحتاجَ العلماءُ إلى التنبيهِ عليه، فصنَّفوا فيه بعضَ المصنَّفات، ومِنْ أجودها: "تصحيفات المُحَدِّثين" لأبي أحمد الحسن بن عبدالله العسكري (ت٣٨٢هـ) (١)، وله أيضًا كتابُ "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (٢)، وكتابُ "أخبار المصحِّفين "(٣)، وصنَّف أبو سليمان حَمْدُ بنُ محمَّد الخَطَّابي (ت٣٨٨ هـ) كتابَ "إصلاح خطأ المُحَدِّثين"(٤)، وللسُّيُوطي (ت٩١١هـ) كتابُ "التَّظريف، في التصحيف "(٥)، وغيرها كثير. وأُفْرِدَ التصحيفُ في كُتُبٍ علومِ الحديث بنوعٍ مستقلٌّ؛ فلا تكادُ (١) طبع بتحقيق الدكتور محمود أحمد ميرة، سنة ١٤٠٢ هـ، بالمطبعة العربية الحديثة" بالقاهرة. (٢) طبع بتحقيق عبدالعزيز أحمد، سنة ١٣٨٣هـ، بمطبعة مصطفى البابي الحلبي. ثم طبع بتحقيق الدكتور السيد محمد يوسف، ومراجعة أحمد راتب النَّفَّاخ. وهو من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق - سوريّة. (٣) طبع بتحقيق إبراهيم صالح، سنة ١٤١٦ هـ، بدار البشائر بدمشق - سورية. (٤) طبع بتحقيق د.محمد علي عبد الكريم الرديني، سنة ١٤٠٧ هـ، بدار المأمون للتراث بدمشق - سورية. (٥) طبع بتحقيق د. علي بن حسين البواب، سنة ١٤٠٩هـ، بدار الفائز بالرياض - السعودية. ٩٧ الْمُقَدِّمَةُ ٦- التَّصْحِيفُ تَجِدُ مُصَنَّفًا منها إلا وفيه الحديثُ عنه (١)، وقد تعرَّضَ له الخطيبُ في كتابٍ "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" في قُرَابة عشرين صفحةً(٢)، وذكَرَ فيه أخبارًا عن بعض مَنْ صحَّف، ولكنَّها بحاجةٍ إلى تمحيص . وأكثَرُ ما يقَعُ التصحيفُ في الأسماء، وهذا الذي جعَلَ كثيرًا من أهلِ العلم يصنّفون كتبًا في ضَبْطِ الأسماء، وبيانِ ما يَحْتمِلُ منها اللَّبْسَ والاختلاطَ بغيره، منها: "المؤتَلِفُ والمختَلِفُ" للدارقطني(٣)، و "مشتَبِهُ النِّسْبة " لعبدالغني بن سعيد الأَزْدي(٤)، و"تلخيص المتشابه" للخطيب البغدادي(٥)، و "تالي التلخيص" له أيضًا (٦)، وجمَعَ ما في هذه المصنَّفاتِ وغيرِهَا الأميرُ أبو نَصْر ابنُ مَاكُولًا في كتابه المشهور (١) انظر على سبيل المثال: "مقدمة ابن الصلاح" (ص٢٧٩ - ٢٨٣)، و "الشذا الفَيَّاح" للأبناسي (٤٦٧/٢ - ٤٧٠)، و "تدريب الراوي" للسيوطي (١٩٣/٢ - ١٩٥)، و "فتح المغيث" للسخاوي (٥٥/٤ - ٦٥)، و "المقنع " لابن الملقِّن (٤٦٩/٢- ٤٧٩)، و"الغاية، في شرح الهداية" للسخاوي (ص٢٢١ - ٢٢٧)، و"توجيه النظر" الطاهر الجزائري (٤٤١/١ - ٤٤٢). وانظر: "فيض القدير" (٢٣/٤). (٢) في المجلد الأول من (ص٤٤٥) إلى (ص٤٤٦). (٣) طبع بتحقيق د.موفق بن عبدالله بن عبدالقادر، سنة ١٤٠٦هـ، بدار الغرب الإسلامي ببيروت - لبنان. (٤) طبع بتحقيق وتعليق لجنة من المحققين، سنة ١٤٢١ هـ، بمكتبة الثقافة الدينية- القاهرة. (٥) طبع بتحقيق سكينة الشهابي، سنة ١٩٨٥م، بدار طلاس للدراسات والترجمة والنشر بدمشق - سورية. (٦) طبع بتحقيق مشهور بن حسن بن سلمان، سنة ١٤١٧ هـ، بدار الصميعي للنشر بالرياض - السعودية. ٩٨ ٦- التَّصْحِيفُ الْمُقَدِّمَةُ "الإكمال " (١) فأحسَنَ وأجاد، وتتابَعَتْ مصنَّفاتُ الأئمّة بعده تبعًا لكتابه، ومِنْ أحسنها: "توضيحُ المُشْتَبِه" لابن ناصر الدين الدمشقي (٢)، و"تبصيرُ المُْتَبِهِ" للحافظ ابن حجر(٣). ومن أمثلة العلل الواقعة بسبب التصحيف: ما وقع لعبدالرحمن بن مَهْدِيٍّ مِنْ أوهام في أسماء الرجال، مع إمامته؛ بيَّن ذلك أبو زُرْعة الرازي فيما نقله عنه تلميذُهُ البَرْذَعي(٤) حين قال: ((شَهِدتُ أبا زرعة ذكر عبدالرحمن بن مَهْدِي، ومَدَحه، وأطنَبَ في مدحه، وقال: وَهِمَ في غيرِ شيءٍ؛ قال: عن شهاب بن شَرِيفة، وإنما هو: شِهَابُ بنُ شُرْنُفَة. وقال: عن سِمَاك، عن عبدالله بن ظالم، وإنما هو: مالك بن ظالم. وقال: عن هِشَام، عن الحَجَّاج، عن عائد بن بَطَّة، وإنما هو: ابن نَضْلة ... وقال: عن قيس بن جُبَيْر، وإنما هو: قيس بن حَبْتَر)). ومن ذلك: قولُ عبدِالله ابنِ الإمام أحمد(٥): قال أبي - في حديث ابن عمر، عن النَّبِيِّ وَّ: أنه سُئِلَ عن الماء، وما يَنُوبُهُ من (١) طبع بتحقيق الشيخ العلامة عبدالرحمن المعلمي، وصوَّرته دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، سنة ١٤١١ هـ. (٢) طبع بتحقيق محمد نعيم العرقسوسي، سنة ١٤١٤ هـ، بمؤسسة الرسالة ببيروت - لبنان. (٣) طبع بتحقيق علي محمد البجاوي، تصوير المكتبة العلمية ببيروت - لبنان. (٤) في "سؤالاته" (٣٢٦/١-٣٢٧). (٥) في "العلل ومعرفة الرجال" (٢٨٩٣). ٩٩ الْمُقَدِّمَةُ ٦- التَّصْحِيفُ الدوابِّ -: وقال ابن المبارك: ((وما يَثُوبُهُ))، وصحَّفَ فيه. وقال عبدالله أيضًا(١): قلت ليحيى (٢): إنَّ عُبَيْد اللهِ القَوَاريريَّ حدَّثنا عن ابن مَهْدي، عن جامع بن مَطَر، عن أبي زَوِيَّة: رأيتُ على أبي سعيد الخُدْريِّ عِمامةً سوداءَ، فقال: أخطَأَ، هذا حدَّثناه غيرُهُ عن جامع بن مَطَر، عن أبي رُؤْبة، وصحَّف عبيدالله، لا يُدْرَى مَنْ أبو زَوِيَّة. وكما أنَّ يحيى بن مَعِين كشَفَ خطَأَ عبيدالله القَوَاريري في هذا الحديثِ، فإنه هو لم يَسْلَمْ من التصحيف: فقد قال عبدُاللهِ ابنُ الإمام أحمد(٣) أيضًا: حدَّثني أبي؛ قال: حدَّثنا أبو قَطَن (٤)، عن شُعْبة، عن العَوَّام بن مُرَاجم، فقال له يحيى ابن مَعِين: إنما هو: ابن مزاحم، فقال أبو قَطَن: عليه وعليه! أو قال: ثيابُهُ فَيْءُ المساكينِ إنْ لم يكنِ ابنَ مُرَاجِم! فقال يحيى: حدَّثنا به وكيع، وقال: ابنُ مُزَاحِم، فقلتُ أنا: حدَّثنا به وكيع، فقال: ابن مُرَاجِم، فسكَتَ يحيى(٥). (١) في المصدر السابق (٣٩٦٢). (٢) هو: ابن معين. (٣) في المصدر السابق (٣٥٦٤). (٤) هو: عمرو بن الهيثم. (٥) انظر أمثلة أخرى من التصحيف أيضًا في "العلل" لابن أبي حاتم (٤٨٥ و١٥٤٩ و ٢٧٢٥). ١٠٠ ٧- انْتِقَالُ الْبَصَرِ الْمُقَدِّمَةُ ٧) انْتِقَالُ الْبَصَرِ : وهذا نوعٌ من التصحيف الذي يقع لناسخي المخطوطاتِ كثيرًا إذا كانتْ هناك كلمةٌ أو عبارةٌ متماثلةٌ في سطرين متواليَيْن، أو سطورٍ متقاربة، يَعْرِفُ ذلك مَنْ كان ذا صلةٍ بالمخطوطات. ويقع أحيانًا مِنْ بعضِ الأئمّة عند النقل من الكُتُبِ التي تكونُ فيها عباراتٌ متماثلة كذلك، ومن أمثلة ذلك: قولُ ابنِ القَطَّان(١): ((وذكَرَ أيضًا (٢) من طريق التِّرْمِذي(٣)، عن حَكِيم بن حَكِيم؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب إلى أبي عُبَيْدة: أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((اللّهُ ورسولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى له، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ له)). كذا وقع هذا الحديثُ في النُّسَخ، وهو خطأ؛ ينقُصُ منه واحدٌ، فإنما يرويه حَكِيم بن حَكِيم، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب ... وأخاف أنْ يكون إنما سقَطَ لأبي محمد نفسِهِ؛ بقرينةٍ أذكُرُهَا؛ وذلك أنَّ الحديث هو في الترمذيِّ هكذا: "عن عبدالرحمن بن الحارث، عن حَكِيمٍ بنِ حَكِيم ابن عَبَّاد بن حُنَيْف، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال : كتب عمر بن الخطاب" . (١) في "بيان الوهم والإيهام" (٦٢/٢ -٦٤). (٢) يعني: أبا محمد عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام الوسطى" (٣٣٠/٣). (٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢١٠٣).