النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الْمُقَدِّمَةُ أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ وقال الربيع بن خُثَيْم: ((إنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ضَوْءٌ كضوء النهار تعرفُهُ، وإنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ظُلمةٌ كظُلْمة الليلِ تُنْكِرُهُ))(١). وقال الشافعي(٢): ((ولا يُستدلُّ على أكثرِ صِدْقِ الحديثِ وگَذِبِهِ إلا بصدقِ المُخْبِرِ وكذبه، إلا في الخاصِّ القليلِ من الحديث)). وأوضَحَ البيهقيُّ عبارةَ الشافعيّ هذه بقوله(٣): ((وهذا الذي استثناه الشافعيُّ لا يقف عليه إلا الحُذَّاقُ مِنْ أهل الحِفْظ؛ فقد يَزِلُّ الصدوقُ فيما يكتبُهُ، فيَدْخُلُ له حديثٌ في حديث، فيصيرُ حديثٌ رُوِيَ بإسناد ضعيفٍ مُرَكَّبًا على إسنادٍ صحيحٍ. وقد يَزِلَّ القَلَمُ، ويُخْطئ السمع، ويَخُونُ الحِفْظِ؛ فيروي الشاذَّ من الحديث عن غير قَصْدٍ، فَيَعْرِفُهُ أهلُ الصَّنْعة الذين قيَّضَهُمُ اللهُ تعالى لحفظِ سُنَنِ رسولِ الله وَّ على عباده؛ بِكَثْرة سماعه، وطُولِ مُجالستِهِ أهلَ العِلْم به ومُذاكَرتِهِ إِيًّاهم)). اهـ. ولذا كان أهلُ الحديث لا يُسلِّمون بكل ما يُرْوَى وإنْ كان صحیحَ السَّنَدِ، حتی یعْرِضوه على أهل الاختصاص: قال الأعمش: ((كان إبراهيمُ(٤) صَيْرَفِيَّ الحديث، فكنتُ إذا (١) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١٨٦/٦)، وهناد في "الزهد" (٥١٣)، ويعقوب ابن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٣٢٧/٢)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص٣١٦)، والحاكم في "المعرفة" (ص٦٢)، والهروي في "ذم الكلام" (٤٥/٥)، ومن طريق يعقوب بن سفيان أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص٤٣١). (٢) في "الرسالة" (ص٣٩٩). (٣) في "دلائل النبوة" (٣٠/١). (٤) يعني: إبراهيم بن يزيد النخعي. ٢٢ أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ سمعتُ الحديثَ مِنْ بعضِ أصحابنا، أتيتُّهُ فعرضتُهُ عليه))(١). وقال جريرُ بن عبدالحميد: (( كنتُ إذا سمعتُ الحديثَ جِئْتُ به إلى المغيرة، فعرضْتُهُ عليه؛ فما قال لي: أَلْقِهِ، أَلْقَيْتُهُ))(٢). وقال قَبِيصة بن عُقْبة: ((رأيتُ زائدةَ يَعْرِضُ كُتُبَهُ على سُفْيان الثَّوْري، ثم التَفَتَ إلى رجل في المَجْلِس فقال: ما لك لا تَعْرِضُ كتبَك على الجَهابِذَةِ كما نَعْرِض ؟!))(٣) . وقال زائدة: «كنا نأتي الأعمشَ، فيحدِّثنا، فَيُكْثِرُ، ونأتي سُفْيانَ الثوريَّ فنذكُرُ تلك الأحاديثَ له، فيقولُ: ليس هذا مِنْ حديثِ الأعمش. فنقول: هو حدَّثنا به الساعةَ! فيقول: اذهَبُوا فقولوا له إنْ شئتم. فنأتي الأعمشَ، فَنُخْبِرِه بذلك، فيقول: صَدَقَ سفيان؛ ليس هذا مِنْ حديثنا))(٤). وقال الأوزاعيُّ: ((إنْ كنا لَنَسْمَعُ الحديثَ فَنَعْرِضُهُ على أصحابنا كما نَعْرِضُ الدرهمَ الزائفَ على الصَّيارفةِ؛ فما عَرَفُوا أَخَذْنا، وما أَنْكَرُوا تَرَكْنا))(٥). (١) أخرجه الحاكم في "المعرفة" (ص١٦)، والخليلي في "الإرشاد" (٥٥٦/٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢١٩/٤-٢٢٠). (٢) "الكفاية، في علم الرواية" للخطيب (ص٤٣١). (٣) "الآداب الشرعية" لابن مفلح (١٢٧/٢). (٤) مقدمة "الجرح والتعديل" (ص٧١). وهذا يدل - فيما يظهر - على أن الأعمش دَّس هذه الأحاديث. (٥) "تاريخ دمشق" (١٨٥/٣٥-١٨٦)، و "الكفاية" للخطيب (ص٤٣١)، و"الآداب الشرعية" (١٢٦/١)، و"جامع العلوم والحكم " (ص٤٨٤). ٢٣ الْمُقَدِّمَةُ أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ وقال عمرو بن قيس: ((ينبغي لصاحبِ الحديثِ أنْ يكونَ مِثْلَ الصيرفيِّ الذي يَنْقُدُ الدرهمَ الزائفَ والبَهْرَجَ، وكذا الحديثُ))(١). وروى أبو حاتم(٢)، عن محمود بن إبراهيم بن سُمَيْع؛ قال: سمعتُ أحمد بن صالح يقول: معرفةُ الحديثِ بمنزلةِ معرفة الذَّهَبِ والشَّبَه؛ فإنَّ الجَوْهَرَ إنما يَعْرِفُهُ أهلُهُ، وليس للبصير فيه حُجَّةٌ إذا قيل له: كيف قلتَ: ((إن هذا بائنٌ))؟ يعني: الجيِّدَ أو الرديءَ. اهـ. وقال محمد بن عمرو بن العَلَاء الجُرْجاني: حدَّثنا يحيى بن مَعِين؛ قال: (لولا الجَهابذةُ لَكَثُرَتِ السَّنُّوقَةُ(٣) والزُّيوفُ في روايةِ الشريعة، فمتى أحبَبْتَ فَهَلُمَّ ما سَمِعْتَ حتى أَعْزِلَ لك منه نقدَ بيت المال، أَمَا تَحْفَظُ قولَ شُرَيْح: ((إنَّ للأثرِ جَهابذةً كجَهابِذَة الوَرِقِ))؟!(٤). وقال محمد بن صالح الكِيلِيني(٥): سمعتُ أبا زرعة وقال له رجلٌ: ما الحُجَّةُ في تعليلكم الحديث؟ قال: ((الحُجَّةُ أَنْ تسألَني عن حديثٍ له عِلَّةٌ، فأذكُرَ علَّته، ثم تَقْصِدَ ابنَ وارَة - يعني: محمد بن مسلم بن وارَة - وتسألَهُ عنه، ولا تُخْبِرُهُ بأنك قد سألتَني عنه، فيذكُرَ علَّته، ثم تَقْصِدَ أبا حاتِم فيعلِّله، ثم تُمَيِّزَ كلامَ كلِّ منَّا على ذلك (١) "جامع العلوم والحكم" (ص٤٨٤). (٢) انظر مقدمة المصنف لهذا الكتاب "العلل " (ص١٨٤). (٣) السَُّّوقَةُ: الدراهم الرديئة المغشوشة. انظر "المُغْرِب" للمطرِّزي (٣٨٢/١). (٤) "دلائل النبوة" للبيهقي (٣١/١)، و"الآداب الشرعية" لابن مفلح (١٢٧/٢). (٥) انظر: "توضيح المشتبه" (٣٣٨/٧). ٢٤ أَهَمِيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ الحديث؛ فإنْ وجدتَّ بيننا خلافًا في علَّته فاعلَمْ أنَّ كلَّا منَّا تكلّم على مُراده، وإنْ وجدتَّ الكلمةَ متفقةً فاعلَمْ حقيقةَ هذا العلم)). قال: ففعَلَ الرجلُ، فاتفقَتْ كلمتُهم عليه، فقال: أشهدُ أنَّ هذا العلمَ إِلْهَام (١). وقال أبو حاتم الرازي: ((مَثَلُ معرفةِ الحديثِ كمَثَلِ فَصِّ ثَمَنُهُ مئةٌ دينار، وآخَرَ مِثْلِهِ على لونه ثَمَنُّهُ عَشَرَةُ دراهم)»(٢). وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي(٣): سمعتُ أبي تَّفُ يقول: ((جاءني رجلٌ من جِلَّةِ أصحابِ الرأي - مِنْ أهلِ الفَهْمِ منهم - ومعه دَفْتَرٌ، فعرَضَهُ عليَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأٌ؛ قد دخَلَ لصاحبِهِ حديثٌ في حديث، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطلٌ، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ منكر، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ كَذِبٌ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاحٌ، فقال: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا باطلٌ، وأن هذا كذبٌ؛ أخبرَكَ راوي هذا الكتابِ بأني غَلِطْتُ، وأنِّي كَذَبْتُ في حديثٍ كذا؟! فقلتُ: لا، ما أدري هذا الجُزْءُ مِنْ روايةٍ مَنْ هو؟ غيرَ أني أَعْلَمُ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا الحديثَ باطلٌ، وأنَّ هذا الحديثَ كَذِبٌ، فقال: تدَّعي الغيبَ؟ قال: قلتُ: ما هذا ادعاءُ الغَيْبِ، قال: فما الدليلُ على ما تقول؟ قلتُ: سَلْ عما قلتُ مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَ (١) أخرجه أبو عبد الله الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص١١٢-١١٣)، والخطيب في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١٨٤٠). ومن طريق الحاكم أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٩٢/٥٥). (٢) مقدمة "العلل " لابن أبي حاتم (ص ١٨٣-١٨٤). (٣) في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص٣٤٩-٣٥١). ٢٥ الْمُقَدِّمَةُ أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ ما أُحْسِنُ، فإنِ اتفقنا عَلِمْتَ أنَّا لم نُجَازِفْ، ولم نقله إلا بفَهْم، قال: مَنْ هو الذي يُحْسِنُ مِثْلَ ما تُحْسِن؟ قلتُ: أبو زُرْعة، قال: ويقولُ أبو زرعة مثلَ ما قلتَ؟ قلتُ: نعم، قال: هذا عَجَبٌ! فأخذ فكتَبَ في كاغَذٍ (١) ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجَعَ إليَّ وقد كتَبَ ألفاظَ ما تكلّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث: فما قلتُ: إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كَذِبٌ، قلتُ: الكَذِبُ والباطلُ واحدٌ، وما قلتُ: إنه كذبٌ، قال أبو زرعة: هو باطلٌ، وما قلتُ: إنه منكرٌ، قال: هو منكرٌ، كما قلتُ، وما قلتُ: إنه صَحَاحٌ، قال أبو زرعة: هو صَحَاحٌ(٢). فقال: ما أعجَبَ هذا؛ تَتَّفِقان مِنْ غيرِ مواطأةٍ فيما بينكما !! فقلتُ: فقد بان لك أنَّا لم نُجازف، وإنما قلناه بِعِلْم ومعرفةٍ قد أُوتِينَا، والدليلُ على صحَّة ما نقوله: أنَّ دينارًا نَبَهْرَجًا(٣) يُحمَّلُ إلى الناقدِ، فيقول: هذا دينار نَبَهْرَجٌ، ويقول لدينار: هو جيِّدٌ، فإنْ قيل له: مِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجُ، هل كنتَ حاضرًا حين بُهْرِجَ هذا الدينارُ؟ قال: لا ، فإنْ قيل له: فَأَخْبَرَكَ الرجلُ الذي بَهْرَجَهُ: إِنِّ بَهْرَجْتُ هذا الدينارَ ؟ قال: لا، قيل: (١) الكاغَذ - بالذال المعجمة - لغةٌ في الكاغَد - بالدال المهملة - وهو: القِرْطاسُ الذي يُكتَب فيه. انظر "لسان العرب" (٥٠٥/٣)، و "القاموس المحيط " (ص٤٠٢). (٢) قوله: ((صَحَاح)) في الموضعين: بفتح الصاد وتخفيف الحاء، وهو لغةٌ في صَحِيح، ويُجْمَعَان على ((صِحَاح)) بكسر الصاد. انظر: "المصباح المنير" (ص٣٣٣)، و "مقدمة صحاح الجوهري" لأحمد عبدالغفور عطار (ص١١١ / ضبط اسم "الصحاح"). (٣) تقدّم أنه والبهرج بمعنّى واحد، وهو الزائف. ٢٦ أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ فَمِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجُ؟ قال: عِلْمًا رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنَا معرفةً ذلك. قلتُ له: فتَحْمِلُ فَصَّ ياقوتٍ إلى واحد من البُصَراء من الجَوهَرِيِّين، فيقولُ: هذا زُجَاجٌ، ويقولُ لمثله: هذا ياقوتٌ. فإن قيل له: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا زجاجٌ، وأنَّ هذا ياقوتٌ؟ هل حَضَرْتَ الموضعَ الذي صُنِعَ فيه هذا الزجاجُ؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمَكَ الذي صاغَهُ بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمِنْ أين علمتَ؟ قال: هذا عِلْمُ رُزِقْتُ، وكذلك نحن رُزِقْنَا علمًا لا يتهيَّأُ لنا أن نُخْبِرَكَ كيف علمنا بأنَّ هذا الحديثَ كذب، وهذا حديثٌ منكر، إلا بما نَعْرِفُهُ». ثم قال ابن أبي حاتِم: ((تُعْرَفُ جَودةُ الدينار بالقياس إلى غيره؛ فإنْ تخلَّف عنه في الحُمْرَةِ والصَّفَاءِ، عُلِمَ أنه مَغْشوش. ويُعْلَمُ جنسُ الجَوْهَرِ بالقياس إلى غيره؛ فإنْ خالفه بالماء والصَّلابة، عُلِمَ أنه زجاج. ويُقاس صِحَّةُ الحديثِ بعدالة ناقليه، وأنْ يكونَ كلامًا يَصْلُحُ أنْ يكونَ مِنْ كلام النُّبُوَّةِ. ويُعْلَمُ سقمُهُ وإنكاره بتفرُّدِ مَنْ لم تَصِحَّ عدالتُهُ بروايته، والله أعلم)). اهـ. وذكر أبو عبدالله الحاكم في "معرفة علوم الحديث"(١): معرفةً (١) في النوع السابع والعشرين منه (ص١١٢-١١٣)، وانظر "النكت" لابن حجر (٢/ ٧١٠). ٢٧ الْمُقَدِّمَةُ أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ علل الحديث، فقال: ((وهو عِلْمٌ برأسه، غيرُ الصحيح والسقيم والجَرْحِ والتعديل ... وإنما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْحِ فيها مَدْخَل؛ فإنَّ حديثَ المجروح ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديثِ تَكثُرُ في أحاديث الثقات؛ أن يحدِّثوا بحديثٍ له علَّة، فيَخْفَى عليهم علمُهُ، فيصيرُ الحديثُ معلولًا، والحُجَّةُ فيه عندنا: الحفظُ والفَهْم والمعرفةُ لا غير)). وفي موضعٍ آخَرَ (١) ذكَرَ معرفةَ الصَّحيح والسقيم، فقال: ((وهذا النوعُ مِنْ هذه العلومِ غيرُ الجَرْحِ والتعديل الذي قدَّمنا ذِكْرَه، فرُبَّ إسنادٍ يَسْلَمُ من المجروحين غيرُ مُخَرَّج في الصحيح، فمِنْ ذلك ... ))، ثم ذكر ثلاثةَ أحاديثَ معلولةً، وتكلَّم على عللها، ثم قال: ((ففي هذه الأحاديثِ الثلاثةِ قياسٌ على ثلاثٍ مِئَةٍ، أو ثلاثةِ آلاف، أو أكثَرَ من ذلك: أنَّ الصَّحيح لا يُعْرَفُ بروايته فقط، وإنما يُعْرَفُ بالفَهْم والحفظِ وكثرةِ السَّمَاعِ، وليس لهذا النوع من العلم عَوْنٌ أكثَرُ مِنْ مذاكرةِ أهلِ الفَهْم والمعرفة؛ لِيَظْهَرَ ما يخفى من عِلَّةٍ الحديث، فإذا وُجِدَ مِثْلُ هذه الأحاديثِ بالأسانيد الصَّحيحة غَيْرَ مخرَّجة في كتابَي الإمامَيْنِ البخاري ومسلم؛ لَزِمَ صاحبَ الحديثِ التنقيرُ عن عَلَّته، ومذاكرةُ أهلِ المعرفةِ به لِتَظْهَرَ عِلَّته)) . اهـ. وبوَّب الخطيبُ البغداديُّ(٢) بابًا ذكَرَ فيه أنَّ المعرفةَ بالحديثِ (١) "معرفة علوم الحديث" (ص٥٨ - ٦٠)، في النوع التاسع عشر. (٢) في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٣٨٢/٢). ٢٨ أَهَمِّيَّةُ عِلْمٍ عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ ليستْ تلقينًا وإنما هو عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب، ثم قال: ((أَشْبَهُ الأشياءِ بعلم الحديث: معرفةُ الصَّرْفِ ونقدُ الدنانيرِ والدراهم؛ فإنه لا يُعْرَفُ جَودةُ الدينارِ والدراهم بلونٍ، ولا مَسِّ، ولا طَرَاوةٍ، ولا دَنَسٍ، ولا نَقْشٍ، ولا صفةٍ تعودُ إلى صِغَرٍ أو كِبَرٍ، ولا إلى ضِيقٍ أو سَعَة، وإنما يَعْرِفه الناقدُ عند المُعاينة، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ والزائفَ، والخالصَ والمغشوشَ، وكذلك تمييزُ الحديث؛ فإنَّه عِلْمٌ يخلقُهُ اللهُ تعالى في القلوبِ بعد طولِ المُمارسة له والاعتناءِ به)). وقال ابنُ رجب(١) بعد ذِكْرٍ بعض الأحاديث المعلولة: ((وإنما تُحْمَلُ مِثْلُ هذه الأحاديثِ - على تقدير صحَّتها - على معرفةِ أئمَّةِ الحديثِ الجَهَابذةِ النُّقَّادِ الذين كَثُرَتْ ممارستُهُمْ لكلام النبيِّ ◌َِّ وكلام غيره، ولحالٍ رواةِ الأحاديث ونَقَلَةِ الأخبار، ومعرفَتِهِمْ بِصِدْقهم وكذبهم، وحِفْظهم وضَبْطهم؛ فإنَّ هؤلاءِ لهم نَقْدٌ خاصٌّ في الحديث يَخْتَصُون بمعرفته، كما يَخْتَصُّ الصيرفيُّ الحاذقُ بمعرفة النقود؛ جَيِّدها ورديئها، وخالِصِهَا ومَشُوبها، والجَوهريُّ الحاذقُ في معرفةِ الجَوْهر بانتقادِ الجَوَاهر، وكلٌّ مِنْ هؤلاءِ لا يمكنُ أن يعبِّر عن سببٍ معرفته، ولا يقيمُ عليه دليلًا لغيره، وآيةُ ذلك: أنه يُعْرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعةٍ ممَّن يَعْلَمُ هذا العلم، فَيَتَّفِقون على الجَوَابِ فيه من غير مُواطأة، وقد امتُحِنَ هذا منهم غَيْرَ مَرَّة في زَمَنِ أبي زُرْعة وأبي حاتم، (١) في "جامع العلوم والحكم" (ص٤٨٣-٤٨٥). ٢٩ الْمُقَدِّمَةُ أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ فُجِدَ الأَمْرُ على ذلك، فقال السائل: أَشْهَدُ أنَّ هذا العلمَ إلهامٌ .... وبكلِّ حالٍ: فالجَهابذةُ النُّقَّاد العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جِدًّا، وأولُ مَنِ اشْتُهِرَ في الكلام في نقد الحديث: ابنُ سِيرين، ثم خلَفَهُ أيوبُ السَّخْتِياني، وأخَذَ ذلك عنه شُعْبةُ، وأخَذَ عن شُعْبةَ يحيى القَطَّانُ وابنُ مَهْدي، وأخَذَ عنهما أحمدُ وعليُّ بنُ المَديني وابنُ مَعِين، وأخَذَ عنهم مثلُ البخاريِّ وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتِم، وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قلَّ مَنْ يَفْهَمُ هذا، ما أعزَّهُ! إذا رَفَعْتَ هذا عن واحدٍ واثنين، فما أقلَّ ما تَجِدُ مَن يُحْسِنُ هذا! ولمَّا مات أبو زرعة قال أبو حاتم: ذهَبَ الذي كان يُحْسِنُ هذا المعنى - يعني: أبا زرعة - ما بقي بِمِصْرَ ولا بالعراقِ واحدٌ يُحْسِنُ هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة: يُعْرَفُ اليومَ واحدٌ يَعْرِفُ هذا؟ قال: لا. وجاء بعد هؤلاءِ جماعةٌ، منهم: النَّسَائِيُّ، والعُقَيْلي، وابنُ عَدِيِّ، والدَّارَقُطْني، وقَلَّ مَنْ جاء بعدهم مَنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك، حتى قال أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزي في أول كتابه "الموضوعات"(١): قَلَّ من يَفْهَمُ هذا، بل عُدِمَ، والله أعلم)). اهـ. وذكر الحافظُ ابن حجر (٢) عن العَلَائي أنه قال: ((وهذا الفَنّ أغمضُ أنواع الحديث، وأَدَقُها مَسْلَكًا، ولا يقومُ به إلا مَنْ منحَهُ اللهُ (١) (١٤٥/١). (٢) في "النكت" (٧١١/٢، ٧٧٧). ٣٠ أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ فَهْمًا غائصًا، واطّلَاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتبِ الرواة، ومعرفةً ثاقبة؛ ولهذا لم يَتَكَلَّمْ فيه إلا أفرادُ أئمَّةِ هذا الشأنِ وحذاقُهم؛ كابنٍ المَدِينيِّ، والبخاري، وأبي زُرْعة، وأبي حاتِم، وأمثالهم، وإليهم المَرْجِعُ في ذلك؛ لِمَا جعَلَ اللهُ فيهم مِنْ معرفةِ ذلك والاطّلاعِ على غوامضه، دون غيرهم مِمَّنْ لم يُمارِسْ ذلك. وقد تَقْصُرُ عبارةُ المعلِّل منهم، فلا يُفْصِحُ بما استقرَّ في نفسه مِنْ تَرجيحِ إحدى الروايتَيْن على الأُخْرى، كما في نَقْدِ الصَّیرفي سواء، فمتى وَجَدْنَا حدیثًا قد حكَمَ إمامٌ من الأئمَّةِ المَرجوعِ إليهم بتعليله، فالأَوْلَى اتِّاعُهُ في ذلك كما تَّبِعُهُ في تصحيحِ الحديثِ إذا صَحَّحَهُ )). ٣١ الْمُقَدِّمَةُ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ تقدَّمتِ الإشارةُ إلى أنَّ عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ من أجلِّ العلومِ التي لم تَتهِيَّأُ معرفتُهَا إلَّا لِنَزْرٍ يسيرٍ من أهلِ العلمِ. وقد صُنِّفَتْ فيه مصنَّفاتٌ عديدةٌ، ذَكَرَ بعضَهَا الحافظُ السَّخَاويُّ في "فتح المغيثِ)(١)، والدكتورُ هِمَّام سعيد في مقدِّمةٍ تحقيقِه لـ "شرحٍ عللِ الترمذيِّ" لابنِ رجبٍ الحنبليّ(٢)، والدكتور محفوظ زين الله في مقدِّمة تحقيقِهِ لـ "عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيِّ (٣)، والدكتور وَصِيّ الله عَبَّاس في مقدِّمة تحقيقه لـ "العِلَلِّ" للإمام أحمد برواية عبدالله(٤)، والدكتورُ عبدُ الكريم الوريكاتُ في كتابِه "الوَهَمُ في رواياتِ مُخْتَلِفِي الأمصارِ "(٥)، والأستاذُ إِبراهيمُ بنُ الصِّدِّيقِ في كتابِهِ "عِلْمُ عِلَلِ الحديثِ، مِنْ خلالِ كتابٍ بيانِ الوَهَمِ والإيهامِ »(٦)، وقد أَتَى على ذلك كُلِّهِ وزاد عليه زياداتٍ مفيدةً، ونبَّه على بعضٍ الأوهام فيه - الشيخُ الدكتورُ عليُّ بنُ عبدِ اللهِ الصَّيَّاحُ في رسالةٍ له بعنوان "جُهُودُ الْمُحَدِّثِينَ في بيانِ عِلَلِ الأحاديثِ "، غيرَ أنَّه لم يُفْرِدِ المصنَّفاتِ في العِلَلِ، وإنما ذَكَرِها تَبَعًا لذكرِه لمؤلِّفيها في غَمْرَةِ الأئمَّةِ العارفينَ بالعِلَلِ. وفيما يلي ذِكْرُ بعضٍ ما وقَفْنَا عليه مِنْ هذه المصنَّفاتِ حتى وفاةٍ الخَطِیبِ البغداديِّ: ١) "العِلَلُ" لعليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الْمَدِينيِّ (ت ٢٣٤هـ)، وهي (١) (٣١١/٣). (٣) (٤٧/١-٥٦). (٥) (ص١٢٨- ١٤٠). (٢) (٣٠/١-٣٧). (٤) (٣٨/١-٤٤). (٦) (٦٨/١-٨٩). ٣٢ المُصَنَّفاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ كتبٌ متعدِّدةٌ، لكنْ لم يَصِلْ إلينا منها إلا قِطْعَةٌ صغيرةٌ من روايةٍ محمَّد ابنِ أحمدَ بنِ البَرَاء، عنه (١). وقد سَمَّى أبو عبدِ اللهِ الحاكمُ(٢) بعضَ هذه الكُتُبٍ، ومنها : أ - "كتابُ عِلَلِ الْمُسْنَدِ" ثلاثون جُزْءًا. ب - "كتابُ العِلَلِ " لإسماعيلَ القاضي (٣)، أربعةَ عَشَرَ جُزْءًا. ج - "كتابُ عِلَلِ حديثِ ابنِ عُيَيْنَةَ" ثلاثةَ عَشَرَ جزءًا(٤). د - "كتابُ الوَهَمِ والخطأِ" خمسةُ أجزاءٍ. هـ - "العِلَلُ المتفرِّقةُ" ثلاثونَ جزءًا. وذكر الخَطِيبُ البغداديُّ(٥) أنّ إسماعيلَ بنَ الصَّلْتِ بنِ أبي مريمَ، سَمِعَ من عليٍّ بنِ المدينيِّ، وعندَهُ عنه كتابٌ صغيرٌ في عللِ الحديثِ. ٢) "العِلَلُ" للإمام أحمدَ (ت٢٤١هـ) (٦)، وهو أيضًا روايات متعددة، منها : (١) وقد طبعت هذه القطعة بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وعن هذه الطبعة (٢) في "معرفة علوم الحديث" (ص٧١). طُبعَ الكتاب طبعات أخرى. (٣) يعني: أنه من رواية إسماعيل القاضي، عنه. (٤) وقد ذَكَرَهُ السخاويُّ في الموضع السابق من "فتح المغيث" باسم: "العِلَلُ عن ابنٍ عُيَيْنة، روايةُ ابنِ المَدِينِيّ عنه"؛ وبناءً عليه ذكر الدكتور محفوظ زين الله كثّفُهُ في مقدِّمة تحقيقه لـ "عِلَلِ الدَّارَقُطْني" (٤٧/١) أنَّ سفيان بن عيينة أوَّلُ من صنَّف في العِلَلِ، وتابعه على ذلك الأستاذ إبراهيم بن الصِّدَّيق في كتابه السابق الذِّكْر. وقد نبَّه على هذا الوَهَمِ ومَنْشَئِهِ الدكتور علي الصَّيَّاحِ في "جهود المحدِّثين" (ص١٨٠). (٦) انظر: "تاريخ بغداد" (١٣١/٢). (٥) في "تاريخ بغداد" (٢٨٠/٦). ٣٣ الْمُقَدِّمَةُ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ أ- روايةُ عبد الله ابنِ الإمام أحمد (١). ب- رواية أبي بَكْر الْمَرُّوذِيِّ، وعبد الملك المَيْمُوني، وصالحٍ ابنِ الإمامِ أحمد(٢). ج- رواية الخَلَّال، ولم يصلنا منها سوى قِطْعةٍ من انتخابِ ابنِ قُدَامة منها(٣). (٣) "العِلَلُ" لمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارِ المَوْصِلِيِّ (ت٢٤٢هـ). ٤) "العِلَلُ" لأبي حَقْصٍ عَمْرِو بنِ عليٍّ الفَلَّاسِ (ت٢٤٩هـ). ٥) "عِلَلُ حديثِ الزهريِّ" لمحمدِ بنِ يحيى الذُّهْلِيِّ (ت٢٥٨هـ). ٦) "العِلَلُ"، و"التمييزُ"، كلاهما لمسلم بنِ الحَجَّاجِ النَّيْسَابوريِّ (ت٢٦١هـ)، وهما كتابان مختلفانٍ، ذَكَرَهُمَا السَّخَاويُّ في الموضعِ السابقِ بما يَدُلُّ على المغايرةِ بينهما، وقد نَصَّ حاجي خَليفة(٤) على أنَّ مسلمَ بنَ الحَجَّاجِ ممَّن صنَّف في عِلَلِ الحديثِ. ٧) العِلَلُ" لأبي بكرِ الأَثْرَمِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ هانئٍ (ت قريبًا من سنة ٢٦٠هـ). ٨) "المُسْنَدُ الكبيرُ المُعَلَّلُ " ليعقوبَ بنِ شَيْبَةَ السَّدُوسيِّ (ت٢٦٢هـ). (١) وقد طبع بتحقيق د. وَصِيّ الله عباس. (٢) وقد طبعت هذه الروايات مجموعةً بتحقيق د. وَصِيّ الله عباس أيضًا. (٣) طبعت هذه القطعة بتحقيق الأخ طارق بن عوض الله. (٤) في "كشف الظنون" (١١٥٩/٢-١١٦٠). ٣٤ المُصَنَّفاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ ٩) "عِلَلُ أبي زُرْعةَ الرازيِّ" لِعُبَيْدِالله بن عبدالكريم أبي زُرْعة الرازي (ت٢٦٤هـ)؛ ذَكَرَ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدٍ المالكيُّ الأندلسيُّ(١) أنه من الكُتُبِ التي ورَدَ بها الخطيبُ البغداديُّ دِمَشْقَ. ١٠) "العِلَلُ" لأبي بِشْرِ إسماعيلَ بنِ عبدِ اللهِ، المعروفِ بـ "سَمُّوْيَهْ" (ت٢٦٧هـ). ١١) "العِلَلُ" لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني (ت٢٧٥هـ) (٢). ١٢) "العِلَلُ" لأبي حاتم محمَّدِ بنِ إدريسَ الحَنْظَلِيِّ الرازيِّ (ت٢٧٧هـ)، ذَكَرَهُ ونقَلَ منه الحافظُ ابنُ ناصرِ الدِّينِ الدِّمَشْقيُّ(٣)، وذَكَرَ أنَّه مِنْ روايةِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الكَثَّانِيِّ عنه، والكَتَّانيُّ هذا - بالتاءِ - تَرْجَمَ له الذَّهَبِيُّ(٤) اعتمادًا على يحيى بنِ مَنْدَهْ في "تاريخ أَصْبَھَانَ"، وذَكَرَ أنه لم يَعْثُرْ له على تاريخِ وفاةٍ، وصوابُهُ: "الكِنَاني " بالنونِ، وفي كُتُبِ الرجالِ نَقْلٌ كثيرٌ لسؤالاتِهِ لأبي حاتم الرازيِّ في الرجالِ والعِلَلِ؛ فالظاهرُ أنَّ الكتابَ مِنْ جَمْعِهِ وتصنيفِهِ، كما صنَعَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حاتم في "العِلَلِّ" و "الجَرْحِ والتعديلِ"، وليسَ مِنْ تصنيفِ أبي حاتم، (١) في "جزء فيه تسميةُ ما وَرَدَ به الشيخُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ بنِ ثابتٍ الخطيبُ البغداديُّ دِمَشْقَ". انظر "الحافظ الخطيب وأثره في علوم الحديث" للدكتور محمود الطحان (ص٢٩١ رقم ٢١٥). (٢) نقل منه ابن الموَّاق في "بغية النُّقَّاد" (١٨٩/٢). (٣) في "توضيح المشتبه" (٢٢٥/١)، و(٢٨٥/٥)، و(١٧٤/٧). (٤) في "تذكرة الحفاظ " (٧٨٥/٣ رقم ٧٧٧). ٣٥ الْمُقَدِّمَةُ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ وإلَّا لا شتَهَرَ، ولَذَكَرَهُ ابنُهُ عبدُ الرحمنِ ونَقَلَ مَنه، واللهُ أعلمُ. ١٣) "العِلَلُ الكبيرُ" و "العِلَلُ الصغيرُ" كلاهما لأبي عيسى التِّرْمِذِيِّ محمدِ بنِ عيسى بنِ سَوْرَةَ (ت٢٧٩هـ). ١٤) "العِلَلُ في الحديث" لأبي زُرْعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله النَّصْري (ت٢٨١هـ)(١). ١٥) "عِلَلُ حديثِ الزُّهْريِّ" لأبي بكرِ أحمدَ بنِ عمرٍو بنِ أبي عاصم (ت٢٨٧هـ)؛ كذا سَمَّاه هو في بعضِ المواضعِ من كتابِه "الآحاد والمثاني"(٢)، وسَمَّاه في موضع آخَرَ: "عِلَلَ الحديثِ))(٣)، وسَمَّاه في أكثرِ المواضع: "العِلَلَ"(٤)، وهو كتابٌ واحدٌ فيما يَظْهَرُ؛ بدليلِ أنَّ أكثرَ المواضع يكونُ الحديثُ المذكورُ فيها مِنْ روايةِ الزُّهْريِّ، واللهُ أعلمُ. ١٦) "الْمُسْنَدُ الكبيرُ الْمُعَلَّلُ" لأبي بكرٍ أحمدَ بنِ عَمْرِو بِنِ عبدِ الخالقِ البَزَّارِ (ت٢٩٢هـ)(٥). ١٧) "العِلَلُ" لأبي عليَّ الْبَلْخِيِّ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدٍ (ت٢٩٤هـ). ١٨) "العِلَلُ" لأبي إسحاق إبراهيمَ بنِ أبي طالبِ النَّيْسَابُوريِّ (ت٢٩٥هـ). ١٩) "مُسْنَدُ حديثِ الزُّهْرِيِّ بِعِلَلِهِ، والكلامُ عليه " تأليفُ أبي (١) انظر "كشف الظنون" (٥٨٤/١)، و(١٤٤٠/٢). (٣) (٢٤٠/١). (٢) (٤٢٩/٥). (٤) (٢٣٨/١ و٣١٧)، و(٣٤٢/٤)، و(١٧/٦). (٥) انظر: "تاريخ بغداد" (٣٣٤/٤). ٣٦ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ عبدالرحمنِ أحمدَ بنِ شُعَيْبِ النَّسَائِيِّ (ت٣٠٣هـ) (١). ٢٠) "العِلَلُ" لزكريّا بنِ يحيى السَّاجِيِّ (ت٣٠٧هـ). ٢١) "الْمُسْنَدُ الْمُعَلَّلُ" لأبي العباسِ الوليدِ بنِ أَبَانَ بنِ بُوْنَةَ الأَصْبَهَانِيِّ (ت٣١٠هـ، وقيل: ٣٠٨هـ)(٢). ٢٢) "العِلَلُ" للخَلَّالِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ هارونَ (ت٣١١هـ). ٢٣) "عِلَلُ الأحاديثِ في صحيح مسلم" لابنِ عَمَّارِ الشَّهِيدِ محمدِ بنِ أبي الحُسَيْنِ الجَارُودِيِّ، أبي الفضلِ الهَرَوِيِّ (ت٣١٧هـ). ٢٤) "العِلَلُ" لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتم الرازيِّ (ت٣٢٧هـ)، وهو كتابُنَا هذا. ٢٥) "العِلَلُ" لأبي عليٍّ الحُسَيْنِ بنِ عليٍّ النَّيْسَابُوريِّ (ت٣٤٩هـ). ٢٦) مصنَّفاتُ ابنِ حِبَّانَ محمَّدٍ بنِ حِبَّانَ أبي حاتمِ البُسْتِيِّ (ت٣٥٤هـ) في العِلَلِ، وهي كثيرةٌ، وقد انتقى الخطيبُ البَغْدَاديُّ منها جُمْلَةً فَذَكَرَهَا، مع أنه لم يَرَهَا ، وإنما اعتمَدَ على ذِكْرٍ مسعودِ السِّجْزيِّ لها؛ قال في "الجامع، لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامع"(٣): ((ومِنَ (١) ذكره ابن خَيْرِ الإِشْبِيلي في "فهرسته" (ص١٢٢)، وساق سنده إليه. (٢) ذكره إسماعيل باشا في "إيضاح المكنون" (٤٨٣/٤)، و"هَدِيَّة العارفين" (٦/ ٥٠٠)، وذَكَرَ أبو الشيخ الأصبهانيِ في "طبقات المحدِّثين" (٢١٧/٤) أنه صنَّف "المسنَدَ"، ولم يَذْكُرِ " المُسْنَدَ المعلَّل". (٣) (٤٦٧/٢-٤٧١). ١ ٣٧ الْمُقَدِّمَةُ المُصَنَّفاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ الكُتُبِ التي تَكْثُرُ منافعُهَا- إنْ كانتْ على قَدْرِ ما تَرْجَمَهَا به واضعُهَا - مصنَّفاتُ أبي حاتم محمدِ بنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ التي ذَكَرَهَا لي مسعودُ بنُ ناصٍ السِّجْزِيُّ، وأوقَفَنِي على تَذْكِرَةٍ بِأَسَامِيهَا، ولم يُقَدَّرْ ليَ الوصولُ إلى النَّظَرِ فيها؛ لأنَّها غيرُ موجودةٍ بيننا، ولا معروفةٍ عندنا، وأنا أَذْكُرُ منها ما استحسنتُهُ، سوى ما عَدَلْتُ عنه واطَّرَحْتُهُ؛ فمِنْ ذلك : ... كتابُ "عِلَلِ أوهامٍ أصحابِ التواريخِ " عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ حديثِ الزُّهْرِيِّ" عشرون جُزْءًا، كتابُ "عِلَلِ حديثِ مالكِ بنِ أنسٍ " عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ مناقبٍ أبي حَنِيفةَ ومَثَالِهِ " عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ ما أَسْنَدَ أبو حنيفةُ" عَشَرةُ أجزاءٍ، كتابُ "ما خالَفَ الثَّوْرِيُّ شُعْبَةَ" ثلاثةُ أجزاءٍ، كتابُ "ما خالَفَ شُعْبةُ الثَّوْرِيَّ" جزءان ... )). قال الخطيبُ: ((سألتُ مسعودَ بنَ ناصرٍ فقلتُ له: أَكُلُّ هذه الكُتُب موجودةٌ عِنْدَكُمْ ومقدورٌ عليها ببلادِكم؟ فقال: لا؛ إنما يُوجَدُ منها الشيءُ اليسير، والنَّزْرُ الحقير، قال: وقد كان أبو حاتم بنُ حِبَّانَ سَبَّلَ كُتُبَهُ وَوَقَفَهَا وجَمَعَهَا في دارٍ رَسَمَهَا بها، فكان السَّبَبَ فِي ذَهَابِهَا - مع تطاولِ الزمانِ - ضَعْفُ أمرِ السلطانِ، واستيلاءُ ذوي العَبَثِ والفَسَادِ، على أهلِ تلك البِلادِ. قال أبو بكر (١): مِثْلُ هذه الكُتُبِ الجليلةِ كان يَجِبُ أن يَكْثُرَ لها النَّسْخُ، ويَتنافَسَ فيها أهلُ العِلْمِ، ويَكْتبوها لأنفسِهِمْ، ويُخْلِدُوهَا (١) أي: الخطيب البغدادي. ٣٨ المُصَنَّفَاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ أحرازَهُمْ، ولا أَحْسَبُ المانعَ مِنْ ذلك إلا قِلَّةَ معرفةِ أَهْلِ تلك البلادِ لِمَحَلِّ العِلْم وفضلِهِ، وزُهْدَهُمْ فيه، ورَغْبَتَهُمْ عنه، وعَدَمَ بصيرتِهِمْ به، واللهُ أعلمُ)). اهـ ٢٧) "الْمُسْنَدُ الكبيرُ الْمُعَلَّلُ" لأبي عليٍّ النَّيْسَابوريِّ الحُسَيْنِ بنِ محمَّدٍ الماسَرْ جِسيٍّ (ت٣٦٥هـ). ٢٨) "العِلَلُ" لأبي الحُسَيْنِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ يَعْقُوبَ النَّيْسَابوريِّ، الْمُقْرِئ، الْحَجَّاجِيِّ (ت٣٦٨هـ). ٢٩) "العِلَلُ" لأبي أحمدَ الحاكمِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ إسحاقَ النَّيْسَابوريِّ (ت٣٧٨هـ). ٣٠) "العِلَلُ" لأبي الْحَسَنِ عليّ بنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ (ت٣٨٥هـ). ٣١) "الأجوبةُ" لأبي مسعودِ الدِّمَشْقِيِّ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عُبَيْدِ (ت٤٠١هـ). ٣٢) "العِلَلُ" لأبي عبدِ اللهِ الحاكم محمدِ بنِ عبدِ اللهِ النيسابوري (ت٤٠٥هـ). ٣٣) "الفَصْلُ لِلوَصْلِ، الْمُدْرَجَ في النَّقْلِ"، و"تمييزُ الْمَزِيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ " كلاهما للخطيبِ البغداديِّ أحمدَ بنِ عليٍّ بنِ ثابتٍ (ت٤٦٣ هـ). ٣٩ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً العِلَّةُ في لُغَةِ العَرَبِ: المَرَضُ؛ ويقال لمن أَعَلَّهُ اللهُ بِمَرَض: مُعَلٌّ، وعَلِيلٌ(١). (١) قال ابن منظور(٢): ((وقد اعْتَلَّ العَليلُ عِلَّةٌ صَعْبةً، والعِلَّةُ: المَرَضُ، عَلَّ يَعِلُّ، واعْتَلَّ، أي: مَرِضَ، فهو عَليلٌ، وأَعَلَّهُ اللهُ، ولا أعَلَّكَ الله، أي : لا أصابَكَ بِعِلَّة)). واختُلِفَ في جواز إطلاق ((مَعْلول)) على الحديثِ الذي فيه عِلَّةٌ: فالمُحَدِّثون يُسَمُّون كلَّ ما يَقْدَحُ في الحديث عِلَّةً؛ أَخْذًا من المعنى اللغويِّ، ويقولون عن الحديثِ الذي فيه عِلَّةٌ: ((مَعْلولٌ))، ومثلهم الفقهاء والأصوليون؛ يقولون في باب القياسِ وغيرِهِ: ((العِلَّةُ، والمَعْلول)»(٣) . وأنكَرَ هذا عليهم بعضُ علماء اللغة، وتَبِعهم متأخِّرو أهل (١) انظر "المحكم" لابن سيده (٤٦/١)، و"الأفعال " لابن القوطيَّة (ص١٧)، وللسَّرَقُسْطي (٢٠٧/١)، ولابن القَطَّاعِ (٣٨٦/٢)، و "الصحاح " للجوهري (٥) ٧٧٤)، و "القاموس " للفيروز آبادي (٢١/٤). (٢) في "اللسان" (٤٧١/١١). (٣) انظر مثلاً: "الجامع الصغير" لمحمد بن الحسن الشيباني (١٨٩/١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١٩/٢)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (١٦٩/٤)، و "الوسيط" للغزالي (١٩٩/٥)، و"كشاف القناع" البهوتي (٣٧٦/٣)، و"أصول السرخسي" (١٤٥/٢-١٤٩)، و"الإحكام" للآمدي (٢٤/٤)، و"روضة الناظر" (ص٢٠)، و "المسودة" (ص٣٩٣)، وغيرها كثير. ٤٠ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً الْمُقَدِّمَةُ الحديث؛ كابنِ الصلاحِ ومَنْ جاء بعده. فأوَّلُ مَنْ وَقَفنا على إنكاره قولَهُمْ: ((مَعْلولٌ)): هو الحريريُّ (ت٥١٦هـ) في كتابه "دُرَّة الغوَّاص، في أوهام الخَوَاصّ"(١)؛ حين قال: ((ويقولون للعليل: هو مَعْلولٌ، فَيُخْطِئون فيه؛ لأنَّ المَعْلول: هو الذي سُقِيَ الْعَلَلَ، وهو الشُّرْبُ الثاني، والفعلُ منه: عَلَلْتُهُ. فأمَّا المفعولُ من العِلَّة: فهو مُعَلٌّ، وقد أَعَلَّه اللهُ تعالى)). وقال ابنُ مَكِّيِّ الصِّقِلْيُّ(٢): ((ويقولون: رجلٌ مَعْلولٌ، وكلامٌ مَعْلولٌ، والصوابُ: مُعَلٌّ)). ثم جاء ابن الصلاح فجعله مَرْذولاً، فقال(٣): ((ويُسَمِّيه أهلُ الحديث: المَعْلولَ؛ وذلك منهم - ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: ((العِلَّة، والمَعْلول)) - مَرْذولٌ عند أهل العربية واللغة)). ثم جاء النوويُّ فعدَّه لَحْنَا، فقال(٤): ((ويُسَمُّونه: المَعْلولَ؛ وهو لحن)). وأقرَّه السُّيُوطي في "شرحه"(٥)، ودلَّل على ذلك بقوله: ((لأنَّ اسمَ المفعولِ مِنْ ((أَعَلَّ)) الرباعيِّ لا يأتي على ((مفعول)))). اهـ. وكذا (١) (ص٣٦٧)، وسيأتي ذكر تعقّب الشهاب الخفاجي له. (٢) في كتابه "تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان" (ص١٧٠). (٣) في "علوم الحديث" (٥٠٢/١). (٤) في "التقريب" (٤٠٧/١). (٥) "تدريب الراوي" (٤٠٧/١).