النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة يوسف : الآ ية ٣
فلا تتهوَّكوا ولا يغُرَّنَّكم المتهوِّكون (١))). قال عمرُ: فقمتُ فقلتُ: رضِيتُ
باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبك رسولًا. ثم نزَل رسولُ اللهِ وَ(٢).
وَأُخرَج عبدُ الرزاقِ فى ((المصنفِ))، وابنُ الضريسٍ، عن إبراهيمَ النخعىّ
قال : كان بالكوفةِ رجلٌ يطلُبُ كتبَ دانيالَ وذلك الضّرْبَ ، فجاء فيه كتابٌ مِن
عمرَ بنِ الخطابِ، أن يُْفَعَ (١) إليه، فلما قَدِم على عمرَ علاه بالدِّرَّةِ، ثم جعَل يقرأ
عليه: ﴿الَّرِ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾. حتى بلَغ: ﴿اَلْغَفِلِينَ﴾. قال :
فعرَفْتُ ما يريدُ ، فقلْتُ : يا أميرَ المؤمنين، دَعْنى، فواللهِ لا أدَعُ عندى شيئًا مِن
تلك الكتبِ إلا حَرَّقْتُه. قال: فَتَركه(٤) .
وأخرج ابنُ(١١ / جريرٍ، وأبو الشيخ، عن قتادةَ: ﴿نَحْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٤/٤
اُلْقَصَصِ﴾. قال: مِن الكتبِ الماضية، وأمورِ اللهِ السالفةِ فى الأمم، ﴿وَإِن
كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾. أى مِن قبلِ هذا القرآنِ ﴿لَمِنَ الْغَفِينَ﴾.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاكِ: ﴿نَحْنُ نَقُُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾
قال : القرآنَ .
(١) التهوك كالتهور، وهو الوقوع فى الأمر بغير رَوِيَّة، والمتهوك: الذى يقع فى كل أمر. وقيل: هو
التخيُّر. النهاية ٢٨٢/٥.
(٢) أبو يعلى - كما فى المطالب العالية (٤٢٦١) - وابن أبى حاتم ٧/ ٢١٠٠، والضياء (١١٥). قال
الضياء عقب إسناده : ضعيف. وقال الهيثمى: فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطى ، ضعفه أحمد
وجماعة. مجمع الزوائد ١/ ١٨٢.
(٣) فى م: ((يدفع)).
(٤) عبد الرزاق (١٠١٦٦)، وابن الضريس فى فضائل القرآن (٨٨).
(٥) بعده فى ف ١: ((نصر المقدسى و)).
(٦) ابن جرير ١٣/ ٧.

١٨٢
سورة يوسف : الآية ٤
قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ﴾.
أخرَج أحمدُ ، والبخارىُّ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَالإ قال: ((الكريم
ابنُ الكريمِ ابنِ الكريمِ (ابنِ الكريمِ)؛ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ
عليهم الصلاةُ والسلامُ))(١) .
قولُه تعالى: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ .
أُخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ، والحاكمُ ، وابنُ
مْدُويه ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدٌ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. قال : رُؤْيا
الأنبياءِ وَحْىٌّ(٣).
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، والبزارُ، وأبو يعلى ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ،
وابنُ أبى حاتم، والعُقَيلُ، وابنُ حبانَ فى ((الضعفاءِ))، وأبو الشيخ، والحاكم
وصحَّحه، وابنُ مرْدُويه، وأبو نعيم، والبيهقىُ، معًا فى (( دلائل النبوةِ))، عن
جابرِ ابنِ عبدِ اللهِ قال: جاء بستانيٌ() اليهودىُّ إلى النبيِّ وَّلا- فقال: يا
محمدُ، أخبِرْنى عن الكواكبِ التى رآها يوسفُ ساجدةً له، ما أسماؤها ؟
فسكَت رسولُ اللهِ وَ لّهِ فلم يُجِبْه بشىءٍ، فنزَل عليه جبريلُ، فأخبرَه
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ف ٢، ر ٢.
(٢) أحمد ٥٢٣/٩ (٥٧١٢)، والبخارى (٣٣٩٠، ٤٦٨٨).
(٣) ابن جرير ٩/١٣، ١٠، وابن أبى حاتم ٧/ ٢١٠١، والحاكم ٤٣١/٢.
(٤) جاء فى مصادر التخريج: ((بستانى))، و((بستانة))، و((بسنان)). وقال ابن حجر: وبستانى أورده
ابن فتحون فى ((الذيل)) فى الباء الموحدة، ورأيته فى نسخة من تفسير ابن مردويه بضم الياء
التحتانية بعدها سين مهملة ثم مثناة ثم ألف ثم نون مفتوحة بعدها ياء تحتانية، ولعله أصوب .
ينظر الإصابة ٢٨٩/١.

١٨٣
سورة يوسف : الآية ٤
بأسمائِها، فبعث رسولُ اللهِ وَلَه إلى البستانيّ اليهودىِّ فقال: «هل أنتَ مؤمنٌ
إن أخبرتُك بأسمائِها؟ )). قال: نعم. قال: ((حرثانُ(١)، والطارقُ،
والذيالُ(٢)، وذو الكنفانِ(٢)، وقابشُ، ووثابُ(٤)، وعمودانُ(٥)، والفليقُ(٦)،
والمصبح، والضروحُ(١)، والفرعُ(١)، والضياءُ، والنورُ، رآها فى أَفُقِ السماءِ
ساجدةٌ له ، فلما قصَّ يوسفُ على يعقوبَ قال: هذا أمرٌ مُشَتَّتٌ يَجْمَعُه اللهُ مِن
بعدُ)). فقال اليهودىُّ: إى واللهِ، إنها لأسماؤُها(٩).
وأخرج ابنُ المنذرِ عن ابنِ عباسٍ فى قولِه : ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبً﴾. قال:
إخوتُه. ﴿ وَالشَّمْسَ﴾. قال: أمُّه، ﴿وَالْقَمَرَ﴾. قال: أبوه، ولأمِّه راحيلَ
ثلثُ الحسنِ .
(١) فى البزار: ((الخرتان))، وفى المطالب: ((خربان))، وفى ابن أبى حاتم: ((جربان))، وفى العقيلى:
((حرقان))، وفى ابن حبان: ((خراثال))، وفى الحاكم ((حدثان))، وفى البيهقى: ((حراثال)).
(٢) فى ابن حبان: ((الديال)).
(٣) فى م: ((الكفتان))، وفى سعيد بن منصور، والعقيلى، والبيهقى: ((الكنفات))، وفى البزار:
(( الكفقان)) .
(٤) فى م: ((دثان))، وفى ابن أبى حاتم: ((دثاب)).
(٥) فى م: ((هودان))، وفى الحاكم: ((العودان)).
(٦) فى ص، ر ٢، ف ١، ح ١، م، والمطالب، وابن جرير، والبيهقى: ((الفيلق)).
(٧) فى البزار، والمطالب، وابن جرير، وسعيد بن منصور، والعقيلى، وابن حبان: ((الصروح))، وفى
الحاكم: ((القروح)).
(٨) فى م: ((الفريخ)).
(٩) سعيد بن منصور (١١١١ - تفسير)، والبزار (٢٢٢٠ - كشف)، وأبو يعلى - كما فى المطالب
العالية (٤٠١٥)، وابن جرير ١٣/ ١٠، وابن أبى حاتم ٧/ ٢١٠١، والعقيلى ٢٥٩/١، وابن حبان
٢٥٠/١، ٢٥١، والحاكم ٣٩٦/٤، والبيهقى ٢٧٧/٦. كما أخرجه ابن الجوزى فى الموضوعات
١/ ١٤٥، ١٤٦، وينظر تعليق العلامة المعلمى على الفوائد المجموعة ص ٤٦٤.

١٨٤
سورة يوسف : الآيات ٤ - ٦
وأخرَج عبدُ الرزاقِ ، وابنُ جريرٍ، وأبو الشيخ، عن قتادةً فى قوله: ﴿أَحَدَ
عَشَرَ كَوَكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. قال: الكواكبُ إخوتُه، والشمسُ والقمرُ
(١).
أبواه(١).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾
الآية. قال: رأى أبويه ١١ [٢٢٢ و] وإخوتَه سجودًا له(١).
وأخرَج ابنُ جريرٍ عن ابنِ زيدٍ فى الآيةِ قال: قال إخوتُه وكانوا أنبياءَ : ما
رَضِى أن يسجدَ له إخوتُه حتى سجَد له أبواه . حينَ بلَغهم(٤).
وأخرج أبو الشيخ عن ابنٍ منبّهٍ ، عن أبيه قال: كانت رُؤْيا يوسفَ عليه
السلامُ ليلةَ القدرِ .
قولُه تعالى: ﴿يَبُنَّ﴾ الآيتين.
أخرَج ابنُ جريرٍ ، وأبو الشيخِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِكَ رَبُّكَ﴾
قال : يَصْطفيك(٥) .
٠
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن قتادةَ، مثلَه(٦).
وأخرج ابنُّ أبى شيبةَ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهدٍ
(١) عبد الرزاق ١/ ٣١٧، وابن جرير ١٢/١٣.
(٢) فى الأصل، ف ١، ف ٢، ر ٢، ح ١، م: ((أباه)).
(٣) ابن جرير ١٢/١٣.
(٤) ابن جرير ١٣/١٣.
(٥) ابن جرير ١٥/١٣ عن عكرمة ولم يرفعه لابن عباس.
(٦) ابن أبى حاتم ٢١٠٣/٧.

١٨٥
سورة يوسف : الآيتان ٦، ٧
فى قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عِبارةُ الرؤيا (١).
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتمٍ ، عن ابنِ زيدٍ فى قوله : ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن
تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: تأويلُ العلم والحُلْمُ) . قال: وكان يومَئذٍ أَعبرَ
(٣)
الناسِ(١).
وأخرَج ابنُّ جريرٍ عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىَّ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ
إِبْزَهِيَمَ وَإِخَقَّ﴾. قال: فنعمتُه على إبراهيمَ أن نجّه مِن النارِ، وعلى إسحاقَ أن
نُجَاهِ مِن الذَّبِحِ(٤) .
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَيِّهِ: مَايَتٌ لِّلِسَّآيِلِينَ
٧
أخرَج ابن أبى حاتم عن الحسنِ فى قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ.
ءَايَتٌ﴾. قال: عِبْرةٌ(٥).
وأخرج ابن أبى حاتم عن قتادةَ فى قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: مَايَتُ
لِلِسَّآَئِلِينَ﴾. يقولُ: مَن سأل عن ذلك، فهو هكذا ما قصَّ اللهُ عليكم وأنبأَكم
(٦)
به(٦).
(١) ابن أبى شيبة ١١/ ٨٢، وابن جرير ١٦/١٣، وابن أبى حاتم ٢١٠٣/٧.
(٢) عند ابن أبى حاتم: ((الحكم)).
(٣) ابن جرير ١٣/ ١٦، وابن أبى حاتم ٢١٠٣/٧.
(٤) ابن جرير ١٦/١٣.
(٥) ابن أبى حاتم ٧/ ٢١٠٤، وفيه: ((عبر)) .
(٦) ابن أبى حاتم ٧/ ٢١٠٤.

١٨٦
سورة يوسف : الآيتان ٧ ، ٨
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاكِ فى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ.
ءَايَتُ لِلِسَّآبِلِينَ﴾. قال: مَن كان سائلاً عن يوسفَ وإخوته، فهذا نبؤُهم.
وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنٍ إسحاقَ قال: إنما قصَّ اللهُ على محمدٍ وَّهُ خبرَ
يوسفَ وبَغْىَ إخوتِه عليه، وحسدَهم إِيَّاه، حينَ ذكَر رُؤْياه، لمَا رأى رسولُ اللهِ
وَه مِن بَغْي قومِه عليه، وحسدِهم إِيَّه، حينَ أكرمه اللهُ بنبوَّتِه؛ ليتَأسَّى به(١) .
قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَا﴾.
أخرَج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن السدىِّ قال: كان يعقوبُ نازلًا
بالشامٍ ، وكان ليس له همّ إلا يوسفُ وأخوه بنيامينُ ، فحسَده إخوتُه مما رأَوْا مِن
حُبِّ أبيه له، ورأى يوسفُ فى النومِ رُؤْيا أنَّ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ﴾
ساجدين له، فحدَّث أباه بها فقال له يعقوبُ: ﴿يَبُنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُءُ يَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾. فبلَغ إخوةً يوسفَ الرؤيا فحسَدوه، فقالوا :
﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامينُ ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ كانوا عشرةً ،
/﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾. قالوا: فى ضلالٍ مِن أمْرِنا . ﴿ اقْذُلُواْ يُوسُفَ أَوِ
أَطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ﴾. يقولُ:
تتوبون مما صنَعْتُم. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو يهوذا: ﴿لَا نَقْئُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى
غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ فَعِلِينَ﴾.
٥/٤
فلما أجْمَعوا أمرَهم على ذلك أَتَوا أباهم فقالوا: ﴿يَكَأَبَّنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا
عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم إنى ﴿أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ
(١) ابن جرير ١٧/١٣.

١٨٧
سورة يوسف : الآية ٨
قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا
عَنْهُ غَفِلُونَ
أَّخَسِرُونَ﴾. فَأَرْسَلَه معهم، فأخرجوه وبه عليهم(١) كرامةٌ ، فلما بَرَزوا بهِ إلى
البَرِّيَّةِ أَظْهَروا له العداوةَ ، فجعَل يضرِبُه أحدُهم فيَشْتِغِيثُ بالآخرِ فيضربه ، فجعَل
لا يَرَى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعَل يصيح ويقولُ:
يا أبتاه ، يا يعقوبُ، لو تعلمُ ما صنَع بابنك بنو الإماءِ! فلما كادوا يَقْتُلونه قال
يهوذا : أليس قد أعْطَيتُمونى موثِقًا ألا تقتُلوه؟! فانطلَقوا به إلى الجُبِّ ليَطْرَحوه
فيه ، فجعَلوا يُدْلُونه فى البئرِ، فيَتَعلَّقُ بشفيرِ البئرِ، فربَطُوا يديه، ونزَعوا قميصه،
فقال: يا إخْوتاه، رُدُّوا علىَّ قميصِى أتوارى به فى الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ
عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ يُؤْنِسوك. قال: فإنى لم أَرَ شيئًا .
فدَلَّوه فى البشرِ حتى إذا بلغ نصفَها أَلْقَوْه إرادةَ أن يموتَ، فكان فى البئرِ ماءٌ،
فسقَط فيه ، فلم يَضُرّه ، ثم أوَى إلى صخرةٍ فى البئرِ فقام عليها ، فجعَل يَبْكى
فناداه إخوتُه، فظنَّ أنها رقَّةٌ أَدْركتْهم فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ
فيَقتُلوه ، فقام يهوذا فمنَعهم وقال : قد أَعْطيتُمونى مَوثِقًا ألا تقتُلوه. فكان يهوذا
يأتيه بالطعام . ثم إنهم رجَعوا إلى أبيهم، فأخذوا جَدْيًا مِن الغنم فذبحوه ونضَحوا
دمَه على القميصِ ، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم عشاءً يَتْكون ، فلما سَمِع أصواتَهم فَرِع،
وقال : يا بنىَ، ما لكم؟ هل أصابكم فى غنمِكم شىءٌ؟ قالوا: لا . قال: فما فعَل
يوسفُ؟ ﴿قَالُواْ يَأَبَنَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ
◌ٌلذِّثْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾. يعنى: بمصدِّقٍ لِنا ﴿وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾.
(١) فى م: ((عليه)).

١٨٨
سورة يوسف : الآية ٨
فبكى الشيخُ وصاح بأعلى صوتِه، ثم قال : أين القميصُ ؟ فجاءوا بقميصِه وعليه
دٌ كَذِبٌ ، فأخذ القميص وطرحه على وجهِه، ثم بكى حتى خُضِّبَ وجهُه مِن
دمِ القميصٍ ، ثم قال: إن هذا الذئبَ يا بَنيَّ لرحيمٌ، فكيف أكَل لحمَه ولم يُخَرِّقْ
قميصَه ؟!
﴿وَجَتْ سَيَّارَةٌ فَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلَوٌَّ ﴾. فتعلَّق يوسفُ بالحبلِ
فخرَج ، فلما رآه صاحبُ الدَّلْوِ، دعارجلًا مِن أصحابِهِ يقالُ له: بُشْرَى(١) فقال:
(يا بُشْرَاىَ(١) هذا غلامٌ). فسَمِع به إخوةٌ يوسفَ فجاءوا فقالوا: هذا عبدٌ لنا
آبَقٌ، ورطَنوا له بلسانِهِمْ(٢) فقالوا: لئن أنكَرْتَ أنك عبدٌ لنا لنقتُلنَّكَ ، أَتُرانا نَرْجِعُ
بك إلى يعقوبَ وقد أخبرناه أن الذئبَ قد أكلك؟! قال : يا إخوتاه ، ازْجِعوا بى
إلى يعقوبَ، فأنا أضْمَنُ لكم رضاه، ولا أذكر لكم هذا أبدًا. فَأَبَوا، فقال
الغلامُ) : أنا عبدٌ لهم . فلما اشتراه الرجلان فَرِقا من الرُفْقةِ أن يقولا : اشترَيْناه .
فيسألونهما(٥) الشَّرِكةَ فيه، فقالاً(١): نقولُ إن سألونا: ما هذا. نقولُ: هذا(٧)
بضاعةٌ اسْتَبْضَغْناها أهلَ(٨) البئرِ. فذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ﴾، ﴿وَشَرَوْهُ
(١) فى م: ((بشراى)).
(٢) قرأها هكذا بإثبات ياء الإضافة وفتحها؛ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب .
النشر ٢٢٠/٢.
(٣) فى الأصل: (( بلسانه)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فقالوا لغلام)).
(٥) فى ف ٢: ((فيسألانهما))، وفى ابن جرير: ((فيسألونهم)).
(٦) فى الأصل، ص، ف ١، ف ٢: ((فقالوا)).
(٧) فى م: ((هذه)) .
(٨) فى م: ((على)).

١٨٩
سورة يوسف : الآية ٨
بِشَمَنْ نَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: كانت عشرينَ درهمًا ، وكانوا فى يوسفَ مِن
الزاهدین .
فانطلَقوا به إلى مصرَ فاشتراه العزيزُ - ملكُ مصرَ - فانطلَق به إلى بيتِهِ ،
فقال لامرأتِه: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنَهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَّا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ﴾. فأحبَّتْه
امرأتُه فقالت له : يا يوسفُ، ما أحسنَ شعرَكَ ! قال: هو أوَّلُ ما يَتناثرُ مِن
جسدِی . قالت : يا يوسفُ ، ما أحسنَ عینیكَ ! قال : هما أوَّلُ ما يَسیلانِ إلى
الأرضِ مِن جسدِى. قالت : يا يوسفُ ، ما أحسنَ وجْهَك ! قال: هو للترابِ
يأكلُه. قالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾؛ هَلُمَّ لك - وهى بالقبطيةِ - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ
إِنَّهُ رَبِ﴾. قال: سيدى، ﴿أَحْسَنَ مَثْوَىَّ﴾ فلا أخونُه فى أهلِه .
فلم تَزَلْ به حتى أَطْمَعَها(١)، فهمَّت به وهمّ بها(٢)، فدخَلا البيتَ
﴿﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾، فذهَب ليحُلَّ سراويلَه، فإذا هو بصورةٍ يعقوبَ قائمًا
(١) فى ابن جرير: ((أطعمته)).
(٢) اختلف المفسرون فى تفسير الهم، وقد نسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق ،
وجاء اختلافهم على قسمين؛ القسم الأول منها لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا
إشكال فى سقوطه، وقسم ثبت عن بعض من ذكر ، ومن ثبت عنهم شىءٌ من ذلك ، فالظاهر أنه تلقاه
عن الإسرائيليات، وأما ما نقل عن السلف فلا يصح منها شىءٌ؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها
بعضا، قال ابن تيمية: (( والقرآن قد أخر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر فى هذه القضية
مالم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرًا وإما تائبًا ، والإصرار ممتنع، فتعين
أن يكون تائبا، والله لم يذكر عنه توبة فى هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء، فدل ذلك
على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة والمساعى المشكورة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى:
﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾. ينظر مجموع الفتاوى ١٤٨/١٥، ١٤٩،
والبحر المحيط ٢٩٥/٥، وأضواء البيان ٦٨/٣.

١٩٠
سورة يوسف : الآية ٨
فى البيتِ قد عضَّ على أُصبُعِه يقولُ: يا يوسفُ، لا تواقِعْها، فإنما مَثَلُك مَثَلُ
الطيرِ فى جوِّ السماءِ لا يُطاقُ ، ومَثَلُك إذا وقَعْتَ عليها مَثَلُه إذا مات فوقَع على
الأرضِ؛ لا يستطِيعُ أن يَدْفَعَ عن نفسِهِ، ومَثلُك ( ما لم تُواقِعْها) مَثَلُ النَّوْرِ
الصَّعْبِ الذى لم يُعْمَلْ عليه، ومَثَلُك إذا واقَعْتَها مَثَلُه إذا مات فدخَل النملُ() فى
أصلٍ قَوْنئه ، لا یستطیئُ أن يَدْفعَ عن نفسِه .
فربَط سراويلَه وذهبَ لِيَخْرُجَ، فأدركَتْه فأخَذتْ بمؤخّرٍ قميصِه مِن خلْفِه ،
فخَّرَقَتْه حتى أخرَجْه منه وسقَط، وطرحه يوسفُ واشتدَّ نحوَ البابِ، وألفَيا
سيدَها جالسًا عندَ البابِ، هو وابنُ عمِّ المرأةِ، فلما رأَتْه قالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ
أَرَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، إنه راوَدَنى عن نفسِى، فدفَعْتُه
عنى ، فشقَقْتُ قميصه. فقال يوسفُ : لا ، بل هى راودَتْنى عن نفسِى ، فَأَبَيْتُ
وفرَرْتُ منها ، فأدرَ كَتْنى فأخَذتْ بقميصِى فشقَّتْه علىَّ.
فقال ابنُ عمِّها : فى القميصِ تبيانُ الأمرِ ؛ انظُروا إن كان القميصُ قُدَّ مِن
قُبُلٍ فصدَقتْ وهو مِن الكاذبين، وإن كان قُدَّ مِن دُبُرٍ فكذَبتْ وهو مِنِ
الصادقين. فلما أُتِى بالقميصِ وجَده قد قُدَّ مِن دُبُرٍ، فقال: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ﴾. يقولُ : لا
٢٨
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (
تُعُودِی لذنبكِ.
٦/٤
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَوِّدُ فَنْهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا
(١ - ١) ليس فى النسخ ، والمثبت من ابن جرير.
(٢) فى النسخ: ((الماء)). والمثبت من ابن جرير.

١٩١
سورة يوسف : الآية ٨
حُبَّا﴾. والشَّغَافُ جِدْدةٌ على القَلْبِ يقالُ لها: لسانُ القلبِ (١)، يقولُ: دخَل
الحبُّ الجلدَ حتى أصاب القلبَ. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾. يقولُ: بقولِهن،
﴿أَرْسَلَتْ إِلَتِهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَا﴾؛ يَتَّكِئْن عليه، ﴿وَتَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِّنْهُنَّ
سِكِينًا﴾ وَأَتْرِبًَّا(٢) يَأْكُلْنَه، وقالت ليوسفَ: ﴿أَخْرُجْ عَلَهِنَّ﴾. فلما خرَج ورأَى
النسوةُ يوسفَ، أَعْظَمْنه وجعَلْن يَحْزُزْن أيديَهنَّ وهنَّ يَحْسَبْن أنهن يُقَطُّعْن
الأُزْرِجْ(٢)، ويَقُلْن: ﴿حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. قالت:
﴿فَذَالِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَوَدَنُّهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ﴾ بعدَما كان قد حلٌ
سراویلہ ثم لا أدرِی ما بدا له .
قال يوسفُ: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾. "يقولُ:
الحبسُ أحبُّ إلىّ مما يدعوننى إليه" مِن الزنى. ثم إن المرأةَ قالت لزوجِها: إن هذا
العبدَ العِبْرانىَّ قد فضَحنى فى الناسِ ، إنه يَعْتَذِرُ إليهم ويُخْبِرُهم أنی راوَدْتُه عن
نفسِه، ولستُ أُطِيقُ أن أعتذرَ بعذرِى، فإما أن تأذنَ لى فأخرجَ فأعتذِرَ كما
يعتذِرُ، وإما أن تحبِسَه كما حبَسْتَنى. فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْأ
اُلْآَيَتِ﴾، وهو شقُّ القميصِ، وقَطْعُ الأَيْدِى، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾ .
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾. غَضِب الملكُ على خبَازِه؛ بلَغه(٥) أنه يريدُ
(١) بعده فى الأصل: ((أو لباس القلب)).
(٢) فى ف ١، ف ٢، ر ٢، ح ١: ((أترنجا)). والأترج: شجر يعلو ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره
كالليمون الكبار، وهو ذهبى اللون ، ذكى الرائحة ، حامض الماء، وهو كثير بلاد العرب، ولا يكون
برِّيًّا. الوسيط (أترج).
(٣) فى ف ١، ف ٢، ر ٢، ح ١: ((الأترنج)). وهى لغة فصيحة. ينظر تاج العروس (ت رج).
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل، م، وابن جرير.
(٥) سقط من: م.
۔

١٩٢
سورة يوسف : الآية ٨
أَن يَسُمَّه، فحبسه وحبَس الساقىَ وظنَّ أنه مالاه على الشمّ .
فلما دخَل يوسفُ السجنَ قال: إنى أَعْبُرُ الأحلامَ. فقال أحدُ الفتَيَين
لصاحبِهِ : هَلُمَّ فَلْنُجرِّبْ قولَ(١) هذا العبدِ العِبْرانىٌّ. فتراءَيا مِن غيرٍ أن يكونا رأيا
شيئًا، ولكنهما خَرَصا (١) ، فعبر لهما يوسفُ خَرْصَهما ، فقال الساقى: رأَيْتُنى
أعصِرُ خمرًا . وقال الخبّازُ: رأَيْتُنى أُحمِلُ فوقَ رأسى خبزًا تأكلُ الطيرُ منه . قال
يوسفُ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَقَانِ﴾﴾ فى النومِ ﴿إِلَّا بَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ فى
اليقظةِ. ثم قال: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾؛ فيُعادُ
على مكانِه، ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ . ففَزِعا
وقالا: واللهِ ما رأَيْنا شيئًا. قال يوسفُ: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ﴾: إِنَّ
هذا كائنٌ لا بدَّ منه. وقال يوسفُ عليه السلامُ للساقى: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ
رَبِّكَ﴾. ثم إن اللَّهَ أَرَى الملكَ رَؤْيا فى منامِه هالَتْه، فرأى سبْعَ بقراتٍ سمانٍ
يأكلُهن سبعٌ عِجافٌ، وسبِعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ يأكلُهن سبعٌ يابساتٌ، فجمَع
الشَّحرةَ والكهنةَ والعافةَ؛ وهم القافةُ(١)، والحازةَ(٤)؛ وهم الذين يَزْجُرون الطيرَ،
فقصَّها عليهم ، فقالوا: ﴿أَضْغَثُ أَحْلٍَ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ﴾ .
وَوَقَالَ الَّذِىِ نََّا مِنْهُمَا وَأَذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنْبِثُكُمْ بِتَأْوِيِ، فَأَرْسِلُونِ﴾ .
قال ابنُ عباسٍ : لم يكنِ السجنُ فى المدينةِ ، فانطلَق الساقى إلى يوسفَ
(١) لیس فی : الأصل، ص، م.
(٢) خرصا: كذبا. الوسيط (خ ر ص) .
(٣) القافة: جمع قائف ، وهو الذى يعرف الأنساب والآثار بفراسته. التاج (ق ی ف).
(٤) عند ابن جرير: ((الحزاة))، وفى ابن أبى حاتم: ((الحاجزة)). والحازة والحزاة : الكهان . يتكهنون بزجر
الطير وسوقها ، فيتيمنون ويتشاءمون بصوت الطير أو اتجاه طيره .
٠

١٩٣
سورة يوسف : الآية ٨
فقال: ﴿أَفْتِنَا فِ سَبْعِ بَقَرَتٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ تأويلَها. قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَبَا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِى
سُنْبُلِهِ﴾. قال: هو أبقَى له، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُونَ (٨٧) ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُحْصِنُونَ﴾. قال: مما تَرْفَعون ،
يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: العنبَ. فلما أتَى
الملِكَ الرسولُ وأخبره قال: ﴿أَثْنُنِ بِهِ﴾. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ﴾ فأمره أن
يخرج إلى الملكِ، أَتَى يوسفُ وقال: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ فَسَثَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ
الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ﴾ .
قال السدىُّ: قال ابنُ عباسٍ: لو خرَج يوسفُ يومَئذٍ قبلَ أن يعلمَ الملِكُ
بشأنِه، ما زالت فى نفسِ العزيزِ منه حاجةٌ ؛ يقولُ : هذا الذى راوَد امرأته .
قال الملِكُ: ائتونى بهن. قال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِةٍ﴾.
قلن: ﴿حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٌ﴾، ولكنَّ امرأةَ العزيزِ أخبرتْنا أنها راودَتَّه
عن نفسِه، ودخَل معها البيتَ ، وحلّ سراويلَه، [٢٢٢ظ] ثم شدَّه بعدَ ذلك ، ولا
تَدْرِى ما بدا له. فقالت امرأةُ العزيزِ: ﴿الْثَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تَبْيَّنَ. ﴿ أَنَاْ
رَوَدَثُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾. قال يوسفُ وقد جىء به: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمْ﴾ العزيزُ ﴿أَنِى لَمْ أَخُنْهُ
بِأَلْغَيْبٍ﴾ فى أهلِه، ﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾. فقالت امرأةُ العزيزِ:
يا يوسفُ، ولا حينَ حلَلْتَ السراويلَ؟! قال يوسفُ: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىِّ﴾
فلما وجَد الملِكُ له عذرًا قال: ﴿أَثْنُونِي بِهِ- أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىٌ﴾. فاسْتَعْمَلَه
على مصرَ، فكان صاحبَ أمرِها ؛ هو الذى يلى البيعَ والأمرَ ، فأصاب الأرضَ
الجويُ، وأصاب بلادَ يعقوبَ التى كان فيها، فبعَث بَنِيه إلى مصرَ، وأمسك
( الدر المنثور ١٣/٨)

١٩٤
سورة يوسف : الآية ٨
بنيامينَ أخا يوسفَ، فلما دخَلوا على يوسفَ ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ .
فلما نظَر إليهم أخَذهم وأدخَلهم الدارَ، (١ وأدخَل المَكُّوكَ() ، وقال لهم:
أخبرونى ، ما أمرُكم ، فإنى أَنكِرُ شأنّكم؟ قالوا : نحنُ مِن أرضِ الشامٍ . قال : فما
جاء بكم؟ قالوا : نمتارُ طعامًا. قال: كَذَبْتم ، أنتم عيونٌ، كم أنتُم؟ قالوا : نحنُ
عشرةٌ . قال : أنتم عشرةُ آلافٍ ؛ كلَّ رجلٍ منكم أميرُ ألفٍ ، فأخبرونى خبرَكم .
قالوا : إنا إخوةٌ ، بنو رجلٍ صدِّيقٍ ، وإنا كنَّ اثنى عشرَ فكان يُحِبُّ أَخَالنا،
وإنه ذهَب معنا إلى البَرِّيَّةِ فهلَك منا فيها ، وكان أحبَّا إلى أبينا . قال : فإلى مَن
يسكُنُ أبوكم بعدَه؟ قالوا: إلى أخ له أصغرَ منه. قال: كيف تحدِّثونى أن أباكم
صدِّيقٌ، وهو يُحِبُّ الصغيرَ منكم دونَ الكبيرِ؟ اثتونى بأخيكم هذا حتى أنظُرَ
إليه ، ﴿فَإِنِ لَّْ/ تَأْتُونِ بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونٍ﴾. قالوا: ﴿سَنُزَوِدُ
عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ﴾. قال: فإنى أخشَى أَلا تأتونى به، فضَعُوا بعضَكم رهينةً
حتى تَرْجِعوا. فارْتَهن شمعونَ عندَه، فقال لِفِتْيَتِهِ وهو يَكِيلُ لهم: ﴿اَجْعَلُواْ
بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
إلىّ.
٧/٤
فلما رجَع القومُ إلى أبيهم، كلَّموه فقالوا: يا أبانا ، إِن ملكَ مصرَ أكرمنا
كرامةً ، لو كان رجلاً منا مِن بنى يعقوبَ ما أكرَمنا كرامته، وإنه ارْتَهن شمعونَ
وقال : ائتُونى بأخيكم هذا الذى عطَف عليه أبو كم بعدَ أخيكم الذى هلَك حتى
أنظُرَ إليه ، فإن لم تأتونى به فلا تَقْربوا بلادِى أبدًا. فقال لهم يعقوبُ: إذا أَتَيْثُم
(١ - ١) فى م: ((دار الملك)). والمكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه
فى البلاد . النهاية ٤/ ٣٥٠.

١٩٥
سورة يوسف : الآية ٨
ملكَ مصرَ فَأَقْرِئوه منى السلامَ وقولوا : إن أبانا يصلِّى عليك ويدعو لك بما
أَوْلِيْتِنا. ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾، أَتَوا أباهم
﴿قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَا نَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. فقال أبوهم حين رأَى
ذلك: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ, مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْثُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنُنِّى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ
بِكُمْ﴾. فحلَفوا له، ﴿فَلَمَّاَ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قال يعقوبُ: ﴿اَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِلٌ﴾.
ورَهِب عليهم أن تُصِيبَهم العينُ إِنْ دخَلوا مصرَ فيقالَ: هؤلاء لرجلٍ
واحدٍ. قال: ﴿يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾. يقولُ: مِن طريقٍ واحدٍ . فلما
دخَلوا على يوسفَ عرَف أخاه، فَأَنزَلهم منزلًا وأجْرَى عليهم الطعامَ والشرابَ ،
فلما كان الليلُ أتاهم بمثُلٍ (١) ، قال: لِيَتَمْ كلُّ أخوين منكم على مثالٍ . حتى بَقِى
الغلامُ وحدَه، فقال يوسفُ : هذا ينامُ معى على فراشِى. فبات مع يوسفَ،
فجعلَ يشُمُ ريحَه ويضمُّه إليه حتى أصبَح، وجعَل يقولُ روبيلُ : ما رأينا رجلًا
مثلَ هذا إن نحنُ تَجَوْنا منه .
﴿فَلَمَّا جَهَزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾، والأخُ لا
يشغُرُ، فلما ارْتَحَلُوا ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنُ﴾ قبلَ أن تَوْتَحِلَ العيرُ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ
لَسَرِقُونَ﴾. فانقطَعتْ ظهورُهم، ﴿وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ يقولون: ﴿مَاذَا
قَالُواْ جَزَّؤُهُ
تَفْقِدُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَذِبِينَ (٦)
ج
مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ﴾. يقولُ: تأخُذونه فهو لكم. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ
(١) المثل: جمع مثال، وهو الفراش. اللسان (مـ ث ل).

١٩٦
سورة يوسف : الآية ٨
قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾، فلما بَقِى رحلُ الغلامِ قال: ما كان هذا الغلامُ ليأخُذَها .
قالوا: واللهِ، لا يُتْرَكُ حتى تنظُرَ(١) فى رحلِه، ونذهبَ وقد طابت نفسُك(٢).
فأدْخَل يدَه فى رحلِه فاستخرَجها مِن رحلٍ أخيه. يقولُ اللهُ: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا
لِيُوسُفَ﴾. يقولُ: صنَعْنا ليوسفَ، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ﴾ .
يقولُ: فى حكم الملكِ ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾. ولكن صنَعْنا لشأنِهم؛ قالوا :
ج"
﴿فَهُوَ (١) جَزَّؤُهُ﴾. قال: فلما استخْرَجها مِن رحلِ الغلامِ انقطَعَتْ ظهورُهم
وهلكوا وقالوا : ما يزالُ لنا منكم بلائٌ يا بنى راحيلَ ، متى أَخَذْتَ هذا الصُّواعَ؟!
قال بنيامينُ : بل بنوراحيلَ الذين لا يزالُ لهم منكم بلاءٌ، ذهَبتم بأخى فأهلَكْتُموه
فى البرِّيَّةِ ، وما وضَعَ هذا الصُّواعَ فى رَحْلى إلا الذى وَضَع الدراهمَ فى رحالِكم .
قالوا : لا تَذْكُرِ الدراهمَ فنؤخذَ(٤) بها . فوقَعوا فيه وشَتَموه ، فلما أذخلوهم على
يوسفَ دعا بالصُّواعِ ، ثم نَقَر فيه ، ثم أدناه مِن أذنِه ثم قال : إن صُواعى هذا
ليُخْبِرُنى أنكم كنتم اثنى عشرَ أخًا، وأنكم انطلقْتم بأخ لكم فبِعْتُموه .
فلما سَمِعها بنيامينُ قام فسجَد ليوسفَ وقال : أيُّها الملِكُ ، سلْ صُواعَك
هذا ، أحىٌّ أخى ذاك أم لا؟ فنقَرها يوسفُ ثم قال: نعم هو حىٍّ، وسوف تَراه .
قال : اصنغْ بی ما شئت ، فإنه إن علم بی اسْتَنْقَذنی . فدخَل یوسفُ فبكى ثم
توصَّأ، ثم خرَج. فقال بنيامينُ : أيُّها الملِكُ، إنى أراك تَضْرِبُ بصُواعِك فيُخبِرُكَ
بالحقِّ ، فسَلْه مَن صاحبُه؟ فنقَر فيه ثم قال: إن صُواعى هذا غضبانُ ، يقولُ :
(١) فى م: ((تنظروا)).
(٢) فى م: ((نفوسكم)) .
(٣) فى ف ١: ((فما))، وفى م: ((فهذا)).
(٤) فى الأصل، ص، ر١، ح١: (( فتؤخذ)).

١٩٧
سورة يوسف : الآية ٨
كيف تسألُنى مَن صاحبى وقد رأيتَ مع مَن كنتُ ؟ وكان بنو يعقوبَ إذا
غَضِبوا لم يُطاقوا، فَغَضِب روبيلُ فقام فقال: أيُّها الملِكُ، واللهِ لتَتْرُكنَّا أو
لأَصِيحَنَّ صيحةٌ لا تَثْقى امرأةٌ حاملٌ بمصرَ إلا طرَحتْ ما فى بطنِها . وقامت
كلُّ شعرةٍ مِن جسدٍ روبيلَ ، فخرجتْ مِن ثيابِه، فقال يوسفُ لابنه(١): مُرَّ إلى
جنبٍ روبيلَ فمشَّه. وكان بنو يعقوبَ إذا غضِب أحدُهم فمَسَّه الآخرُ ذهَب
غضبُه، فمرَّ الغلامُ إلى جانبِهِ " فمَسَّه فذهَب غضبُه، فقال روبيلُ : مَن هذا؟!
إن فى هذه البلادٍ لَبزْرًا مِن بَزْرٍ يعقوبَ. قال يوسفُ: ومَن يعقوبُ ؟
فغضِب روبيلُ فقال: يأيُّها الملِكُ، لا تَذْكُرَنَّ يعقوبَ، فإنه سَرِىُّ اللهِ،
ابنُ ذبيحِ اللهِ ، ابنٍ خليلِ اللهِ . فقال يوسفُ : أنت إذن إن كنتَ صادقًا ،
فإذا أَتَيْثُم أباكم فاقرءُوا عليه منى السلامَ، وقولوا له : إن ملكَ مصرَ يَدْعو
لك ألَّ تموتَ حتى تَرَى ابنَك يوسفَ؛ حتى يعلمَ أبوكم أن فى الأرضِ
صدِّيقين مثلَه .
فلما أَيِسوا منه وأخرَج لهم شمعونَ، وقد كان ارْتَهَنه، خَلَوْا بينهم
﴿نِيًّا﴾ يتناجَوْن بينهم، قال كبيرُهم، وهو روبيلُ، ولم يكن بأكبرِهم سنًّا
ولكن كان كبيرَهم فى العلمِ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا
مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِّتُمْ فِى يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَعَ اٌلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبِىّ أَوْ
يَخْكُمُ اللَّهُ لِىّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾. فأقام روبيلُ بمصرَ، وأَقْبَل التسعةُ إلى يعقوبَ
(١) ليس فى: الأصل، ف ١، ر٢، وفى ص، ف ٢، ح ١: ((مرة))، وبعده فى م: ((مرة))، وعلق عليها
فى هامش ف ١: ((لعله لابنه أو لبعض بنيه)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.

١٩٨
سورة يوسف : الآية ٨
فأخبروه الخبرَ ، فبكى وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مِن مرةٍ إلا نَقَصْتم واحدًا ؟!
ذهَبْتم فنقَصْتم يوسفَ، ثم ذهَبْتم الثانيةَ فنقَصْتم شمعونَ، ثم ذهَبْتم الثالثةً
فنقَصْتم بنيامينَ وروبيلَ، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعاً
إِنَّهُ, هُوَ الْعَلِيِمُ الْحَكِيمُ (َهَ ا وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَكَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ مِن الغيظِ، ﴿قَالُواْ تَاَللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ
يُوسُفَ﴾. ( قال: لا تزالُ تذكر يوسفَ ) ﴿حَتَّ تَكُونَ حَرَضًا﴾: باليًا. ﴿أَوْ
تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾: المَيِّتين. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّىِ وَحُزْنِيِّ إِلَى اَللَّهِ
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال : أتَى جبريلُ يوسفَ وهو فى السجنٍ فسلَّم عليه، وجاءه فى صورة
رجلٍ حسنِ الوجهِ ، طيِّبِ الريحِ، نَقِىٌّ الثيابِ، فقال له يوسفُ: أيُّها الملِكُ
الحسنُ وجهُه، الكريمُ على ربِّه، الطيّبُ ريحُه، حدِّثْنى كيف يعقوبُ ؟ قال:
حَزِن عليك حُزْنًا شديدًا. قال: فما بلَغٍ مِن حزنِه؟ قال: حُزْنَ سبعين مُتْكَلَةٌ .
قال : فما بلَغ مِن أجرِه؟ قال: أجرَ سبعين شهيدًا. قال يوسفُ : فإلى مَن أوَى
بعدِى؟ قال : إلى أخيك بنيامينَ . قال : فتُرانى ألقاه؟ قال : نعم . فبكى يوسفُ
لِمَا لَقِى أبوه بعدَه ، ثم قال: ما أُبالى بما لَقِيتُ إِنِ اللَّهُ أرانِيه .
قال : فلما أخبروه بدعاءِ الملكِ أحسّتْ نفسُ يعقوبَ وقال : ما يكونُ فى
الأرضِ صدِّيقٌ إلا ابنى. فطَمِع وقال: لعلَّه يوسفُ. ثم قال: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ
فَتَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ بمصرَ، ﴿وَلَا تَأيِئَسُواْ مِن رَّوْجِ اللَّهِ﴾ . قال: مِن
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
٨/٤

١٩٩
سورة يوسف : الآية ٨
فَرَجِ اللهِ أن يَرُدَّ يوسفَ. فلما رجَعوا إليه قالوا: ﴿يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الْغُّرُّ
وَجِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ﴾ بها كما كنتَ تُعْطِينا بالدراهمِ
الجيّدةِ ، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً﴾ بفضلٍ ما بينَ الجِيادِ والرديئةِ .
قال لهم يوسفُ ورَحِمهم عندَ ذلك: ﴿هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ
إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ﴾ قالوا: ﴿أَءِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟! قال: ﴿أَنَأْ يُوسُفُ
وَهَذَا أَخِىّ قَدْ مَنَ اَللَّهُ عَلَيَّنَا﴾. فاعتذَروا إليه وقالوا: ﴿تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَانَرَكَ
اَللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾. قال: ﴿لَا تَثْرِيِبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَّ﴾ . لا
أذكرُ لكم ذنبَكم، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾
ثم قال لهم: ما فعَل أبى بعدى؟ قالوا: عَمِىَ مِن الحُزْنِ. فقال: ﴿أَذْهَبُواْ
بِقَمِيصِى هَذَا فَاَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِى بِأَهْلِكُمْ
أَجْمَعِينَ﴾. فقال يهوذا: أنا ذهَبْتُ بالقميصِ إلى يعقوبَ وهو متلَطِّخْ
بالدماءِ وقلتُ : إن يوسفَ قد أكّله الذئبُ ، وأنا اليومَ أَذهَبُ بالقميص وأُخبِرُه أن
يوسفَ حىٍّ فَأَفْرِحُه كما أخْزَنْتُه. فهو كان البشيرَ .
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ مِن مصرَ، منطلقةً إلى الشام، وجَد يعقوبُ ريحَ
يوسفَ ، فقال لبنى بَنِيه: ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ . قال له
بَنُو بَنِيه: ﴿قَالَلَّهِ إِنَّكَ لَفِىِ ضَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ مِن شأنٍ يوسفَ. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ
الْبَشِيرُ﴾؛ وهو يهوذا، أَلْقى القميصَ على وجْهِه، ﴿فَارْتَدَ بَصِيرًا﴾. قال
يعقوبُ لبَنِيه: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ !.
ثم حمَلوا أهلَهم وعيالَهم ، فلما بلغوا مصرَ كلَّم يوسفُ الملِكَ الذى فوقَه

٢٠٠
سورة يوسف : الآية ٨
فخرَج معَه، هو والملِكُ يَتَلَقَّوْنهم، فلما لَقِيهم قال: ﴿ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ﴾. فلما دخَلوا على يوسفَ آوى إليه أبويه؛ أباه وخالته، ورفَعهما ﴿عَلَى
اٌلْعَرْشِ﴾. قال: السّريرِ. فلما حضَر يعقوبَ الموتُ أوْصَى إلى يوسفَ أن يَدْفِنَه
عندَ إبراهيمَ ( وإسحاقَ). فمات فنفَخ فيه المُؤَّ(١)، ثم حمَله إلى الشامٍ، وقال
يوسفُ عليه السلامُ: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ﴾. إلى قوله: ﴿تَوَقَّتِى مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾.
قال ابنُ عباس : هذا أوَّلُ نبىٌّ سأل اللَّهَ الموتَ . أخرجه ابنُ جريرٍ ، وابنُ أُبی
حاتم مُفرَّقًا فى السورةِ(١) .
وأخرج ابنُ جريرٍ: ثنا وكيعٌ: ثنا عمرُو بنُ محمدِ العَنقزِىُّ (٤)، عن أسباطَ ،
* (٥)
عن السدىِّ(٥) .
وقال ابنُ أبى حاتم : حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ سليمانَ بنِ الأشعثِ : ثنا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) دواء كالصبر؛ سمى به لمرارته ، نافع للسعال، استحلابا فى الفم، ولسع العقارب طلاءً، ولديدان
الأمعاء سفوفا، ودخانه صالح لما يصلح إليه جرمه ، مانع من التعفن حتى إنه يمسك الميت ويحفظه من
التغير والنتن. وله خواص كثيرة أودعها الأطباء فى كتبهم. ينظر حديقة الأزهار لأبى القاسم الغسانى
ص ١٧٦، والموجز فى الطب لابن النفيس ص ٣٠٨، ٣١٤، وتاج العروس (م ر ر).
(٣) ابن جرير ١٤/١٣، ١٨ - ٢٠، ٢٩، ٣٤، ٣٦، ٤٣، ٤٧، ٥٧، ٦٤، ٦٥، ٧٠، ٧٢، ٧٨-
٨١، ١٠٢، ١٠٣، ١١٩، ١٢٩، ١٣١، ١٣٣، ١٤٢، ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٣،
١٥٩، ١٧٨، ١٨٣، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٢، ١٩٤، ١٩٩، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢١٤، ٢١٦، ٢٢١،
٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٤١، ٢٤٧، ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٧٧، ٢٧٨، ٢٨٠،
٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠٥، ٣١٢، ٣١٤، ٣٢٤، ٣٢٧، ٣٢٩، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٤٢،
٣٤٥، ٣٥٠، ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٦٥، ٣٦٩، وابن أبى حاتم ٢١٠٢/٧ - ٢٢٠٥.
(٤) فى م: (( العبقرى)).
(٥) ابن جرير ١٨/١٣.