النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة التوبة : الآية ١٠٠
قال : التابعون(١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن ابنِ زيدٍ فى قوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم پإحْسَنِ﴾.
قال: مَن بَقِى مِن أهلِ الإسلامِ إلى أن تقومَ الساعةُ(١) .
وأخرج أبو الشيخ عن عِصْمةً قال : سألتُ سفيانَ عن التابعين ، قال : هم
الذين أدرَكوا أصحابَ النبيِّ وَّه ولم يُدْرِكوا النبىَّ وَله. وسألته عن الذين
أَّبعوهم بإحسانٍ، قال: مَن يجىءُ بعدَهم . قلتُ : إلى يومِ القيامةِ؟ قال : أرجو .
وأخرج أبو الشيخ ، وابنُ عساكرَ، عن أبى صخرٍ حميدِ بنِ زيادٍ قال : قلتُ
لمحمدِ بنِ كعبِ القُرَظىّ: أخيِرْنى عن أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ، وإنما أريدُ
الفِتَنَ، فقال: إن اللَّهَ قد غفَر لجميع أصحابِ النبيِّ وَلِّ، وأوجب لهم الجنةً فى
كتابِهِ؛ مُحْسِنِهم ومُسِيئِهم. قلتُ له : وفى أىِّ موضع أوجب اللَّهُ لهم الجنةَ فى
كتابِهِ؟ قال: ألا تقرأ: ﴿ وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ الآية . أوجب لجميعِ أصحابِ
النبيِّ وَّ الجنةَ والرِّضوانَ، وشَرَط على التابعين شرطًا لم يَشْترِطْه فيهم. قلتُ:
وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يَتَّبِعوهم بإحسانٍ. يقولُ : يَقْتَدوا بهم
فى أعمالِهِم الحسنةِ، ولا يَقْتَدوا(١) بهم فى غيرِ ذلك. قال أبو صخرٍ : فواللَّهِ لكأنى
لم أقرَأْها قبلَ ذلك، وما عرفتُ تفسيرَها حتى قرأها علىَّ محمدُ بنُ كعبٍ(١).
(١) فى الأصل: ((السابقون)).
والأثر عند ابن أبى حاتم ٦ / ١٨٦٩.
(٢) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٦٩.
(٣) فى ح ١، م: ((يقتدون)).
(٤) ابن عساكر ١٤٧/٥٥.

٥٠٢
سورة التوبة: الآيتان ١٠٠، ١٠١
وأخرج ابنُ مَرْدُويه، مِن طريقِ الأوزاعىِّ، حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ،
والقاسمُ، ومكحولٌ، وعَبْدةُ(١) بنُ أبى لُبابةَ، وحَسَّانُ بنُ عطيةً، أنهم سمِعوا
جماعةٌ مِن أصحابِ النبيِّ نَّهِ يقولون: لمَّ أَنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَالسَِّقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرَضُواْ عَنْهٌ﴾. قال رسولُ اللَّهِ وَلَةِ: ((هذا لأمّتى كلِّهم
وليس بعدَ الرِّضا سَخَطّ )).
قولُه تعالى: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُ مِّنَ الْأَعْرَابِ﴾ الآية.
أخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، والطبرانىُ فى ((الأوسطِ))، وأبو الشيخ،
وابنُ مَرْدُويه، عن ابنِ عباسٍ فِى قولِه : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ
مُتَفِقُونٌ﴾ الآية. قال: قامَ رسولُ اللَّهِ وَ له يومَ جمعةٍ خطيبًا، فقال: ((قُمْ
يا فلانٌ فاخرُجْ فإنك منافقٌ، (اخرجْ يا فلانُ، فإنك منافقٌ(١)). فأخرَجهم
بأسمائِهم ففضحهم ، ولم يكنْ عمرُ بنُ الخطابِ شهِد تلك الجمعةَ لحاجةٍ كانت
له ، فَلَقِيَهم عمرُ وهم يخرجون مِن المسجدِ ، فاخْتَبَأ منهم استحياءً أنه لم يشهد
الجمعةَ، وظنَّ أنَّ(١) الناسَ قد انصرفوا، واخْتَبَئوا هم مِن عمرَ) ، وظنُّوا أنه قد
علِم بأمرِهم، فدخَل عمرُ المسجدَ ، فإذا الناسُ لم ينصرِفوا ، فقال له رجلٌ : أبشِرْ
يا عمرُ، فقد فضَح اللَّهُ المنافقين اليومَ، فهذا العذابُ الأولُ، والعذابُ الثانى
(٥)
عذابُ القبرِ () .
(١) فى الأصل، ح ١: ((عبيدة)). وينظر تهذيب الكمال ٥٤١/١٨.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) سقط من: ص، ر ٢، م.
(٤) بعده فى الأصل: ((استحياء أنه لم يشهد الجمعة)).
(٥) ابن جرير ٦٤٤/١١، وابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٠، والطبرانى (٧٩٢)، وابن مردويه - كما فى =

٥٠٣
سورة التوبة : الآية ١٠١
وأخرج ابنُّ المنذرِ [٢٠٧ و] عن عكرمةَ فى قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ
اُلْأَعْرَابِ﴾. قال: مجهَينةُ، ومُزَينةُ، وأَشْجَعُ، وأَسْلمُ ، وغِفارٌ.
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيدٍ فى قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ
مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾. قال: أقامُوا عليه، لم يَتوبوا كما تابَ
آخرون(١).
وأخرج ابنُ المنذرِ عن ابنٍ جريجٍ فى قوله: ﴿مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾. قال:
ماتوا عليه؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، وأبو(١) عامرِ الرَّاهِبُ، والجَّدُّ بنُ قيسٍ.
وأخرج أبو الشيخِ عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ . يقولُ : نحن
نعرِفُهم .
وأخرَج عبدُ الرزاقٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾. قال: فما بالُ أقوامٍ يتكلَّفون(٣) على الناسِ
يقولون : فلانٌ فى الجنةِ وفلانٌ فى النارِ . فإذا سألتَ أحدَهم عن نفسِه قال : لا
أَدْرِى. لَعَمْرِى لأنت بنفسِك أعلمُ منك بأعمالِ الناسِ ، ولقد تَكَلَّفْتَ شيئًا ما
تَكَلَّفه نبيِّ، قال نوعٌ: ﴿وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]. وقال
شعيبٌ: ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦]. وقال اللَّهُ تعالى
= تخريج الكشاف ٩٧/٢ . وقال الهيثمى: فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى وهو ضعيف.
مجمع الزوائد ٧/ ٣٤.
(١) ابن أبى حاتم ١٨٦٩/٦.
(٢) سقط من: ف ١.
(٣) فى م: (( يتكلمون)).

٥٠٤
سورة التوبة : الآية ١٠١
لمحمدٍ وَلِ: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾(١).
وأخرَج ابنُّ أبى شيبةَ، وابنُ المنذرِ، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخِ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾. قال: بالجوعِ والقتلِ(١).
وأخرَج ابنُّ المنذرِ، وابنُ أبى حاتمٍ، وأبو الشيخِ ، عن أبى مالك٣ٍ) فى قوله:
وَسَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾. قال: ( بالجوعِ وعذابِ القبرِ ".
" وأخرج ابنُ المنذرِ، وابنُ أبى حاتم، عن مجاهدٍ فى قوله : ﴿سَنُعَذِّبُهُم
٦)
مَّرَّتَيْنِ﴾. قال: "عذِّبوا بالجوع مرتين.
٢٧٢/٣
وأخرج ابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخِ، والبيهقىُ فى ((عذابِ القبرِ))، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾. قال: عذابٌ فى القبرِ، وعذابٌ فى
٥)(٧)
النارِ "(٧) .
وأخرج ابنُّ أبى حاتم، وأبو الشيخِ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم
مَّرَّتَيْنِ﴾. قال: يُبْتَلَون فى الدنيا وعذابُ القبرِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ
(١) عبد الرزاق ١/ ٢٨٥، وابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٠.
(٢) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٠.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((قتادة)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((عذاب القبر وعذاب النار)).
والأثر عند ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧١.
(٥ - ٥) ليس فى : الأصل.
(٦ - ٦) فى ص، م: ((عذاب فى القبر وعذاب فى النار)).
والأثر عند ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧١.
(٧) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٠، والبيهقى (٦٣).

٥٠٥
سورة التوبة : الآية ١٠١
عَظِيمٍ﴾. قال: عذابٍ جهنمَ(١).
وأخرج أبو الشيخ عن ابنِ زيدٍ فى قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾. قال:
عذابٌ فى الدنيا بالأموالِ والأولادِ . وقرَأ: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] . بالمصائب ، فھی لهم
عذابٌ، وهى للمؤمنين أجرٌ. قال: وعذاب الآخرةِ فى النارِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ
إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ : النارِ .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاكِ قال: بلَغنى أن ناسًا يقولون: ﴿سَنُعَذِّبُهُم
مَّرَّتَيْنِ﴾. يعنى: القتلَ، وبعدَ القتلِ البرزخُ، والبرزخُ ما بينَ الموتِ إلى البعثِ،
◌ُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: عذابَ جهنمَ .
وأخرج أبو الشيخ عن أبى مالك فى قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾. قال:
كان النبىُ وَّهِ يعذُّبُ المنافقين يومَ الجمعةِ بلسانِهِ على المنبرِ، وعذابُ القبرِ.
وأخرج ابنُ مَرْدُويه عن أبى مسعودٍ الأنصارىِّ قال: لقد خطَبَنا النبيُّ وَّلـ
خطبةً ما شهِدتُ مثلَها قَطُّ فقال: (( أيُّها الناسُ، إن منكم مُنافقين، فمَن سَمَّيتُه
فلْيَقُمْ ، قُمْ يا فلانُ ، قُمْ يا فلانُ)). حتى قامَ ستةٌ وثلاثون رجلًا، ثم قال: ((إنَّ
منكم، وإن منكم، وإن منكم، فسَلُوا اللَّهَ العافيةَ)). فَلَقِى عمرُ رجلًا كان بينَه
وبينَه إخاءٌ، فقال: ما شأنُك؟ فقال: إِنَّ رسولَ اللَّهِ فَلَ خطَبنا فقال كذا
وكذا، فقال عمرُ: أَبْعَدك اللَّهُ سائرَ اليومِ (١) .
(١) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧١.
(٢) والحديث عند أحمد ٣٦/٣٧ (٢٢٣٤٨). وقال محققوه: إسناده ضعيف ؛ لجهالة عياض الراوى
عن أبى مسعود ، ومتنه منکر .

٥٠٦
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
قولُه تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ﴾ الآيتين.
أخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ مَرْدُويه ، والبيهقىُ فى
((الدلائلِ))، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَءَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا
صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾. قال: كانوا عشَرَةَ رهطٍ تَخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ وَلِ فِى
غزوة تبوكَ، فلما حضَر رجوعُ رسولِ اللهِ وَ لَهُ أَوثَق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواری
المسجدِ، وكان ممرّ النبيِّ بَ ل﴿ إذا رجَع فى المسجدِ عليهم، فلمَّا رآهم قال: ((مَن
هؤلاء المُوثِقون أنفسهم ؟)). قالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له، تَخَلَّفوا عنك
يا رسولَ اللَّهِ، (١ أوثَقوا أنفسَهم، وحَلَفوا أنهم لا يُطْلِقُهم أحدٌ» حتى يُطْلِقَهم
النبىُّ وَّه وَيَغْذِرَهم. قال: ((وأنا أُقْسمُ باللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أَعذِرُهم حتى يكونَ
اللَّهُ تعالى هو الذى يُطْلِقُهم، رَغِبوا عنى وَتَخلَّفوا عن الغَزْوِ مع المسلمين)). فلما
بلَغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلِقُ أنفسَنا حتى يكونَ اللَّهُ هو الذى يُطْلِقُنا. فأنزَل
اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُوْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى
اَللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. و((عسى)) مِن اللَّهِ واجبٌ، ﴿إِنَّهُ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ﴾
فلما نزلت أرسَل إليهم النبيُّ وَلّ فأطلَقهم وعَذَرهم، فجاءوا بأموالهم، فقالوا :
يا رسولَ اللَّهِ، هذه أموالُنا فتَصدَّقْ بها (٢) عَنَّا، واستغفرلنا. قال: ((ما أُمِرْتُ أن
آخُذَ أموالكم)». فأَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم
بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: استغفِرْ لهم، ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. يقولُ:
رحمةٌ لهم. فأخَذ منهم الصدقةَ واستغفر لهم، وكان ثلاثةُ نفرٍ منهم لم يُوثِقوا
أنفسَهم بالسّوارِى، فَأَرْجِئوا سَبْتَةً (٢) لا يَدْرُون أَيُعَذَّبون أو يُتَابُ عليهم، فأنزل اللَّهُ
(١ - ١) سقط من: ف ١، ح ١.
(٢) فى الأصل، ص، ر ٢، م: ( به).
(٣) فى الأصل: ((ستة))، وفى ص: ((سنه))، وفى ف ١، ر ٢، ح ١، م: ((سنة)). والمثبت من تفسير =

٥٠٧
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
عزَّ وجلَّ: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [التوبة: ١١٧]. " وقولُه): ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ
الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ إلى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوْاْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. يعنى: إن اسْتقاموا(١).
وأخرَج أبو الشيخ عن الضحاكِ ، مثلَه سواءً .
وأخرج ابنُ أبى شيبةً، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، والبيهقىُّ فى
((الدلائلِ))، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أُعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: هو أبو لُبابةَ إِذ قال
لقريظةً ما قال، وأشار إلى حلقِه بأن محمدًا يذبحُكم إنْ نزَلتم على حكمِه(٣).
وأخرَج البيهقىُّ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أن بنى قُرَيظةً كانوا حلفاءً لأبى
لُبابةَ، فاطّلَعوا إليه وهو يَدْعُوهم إلى حكم رسولِ اللَّهِ وَله، فقالوا: يا أبا لُبابَةً ،
أَتَأْمُرُنا أن نزِلَ. فأشارَ بيدِه إلى حَلْقِه أنه الذبحُ، فأُخبِر عنه رسولُ اللَّهِ وَهِ
بذلك، فقال له رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أحسِبْتَ أن اللَّهَ غَفَل عن يدِك حينَ تُشِيرُ
إليهم بها إلى حلقِك)). فَلَبِث حينًا () ورسولُ اللَّهِ بَيِّيرِ عاتبٌ عليه، ثم" غزًا
رسولُ اللهِ وَِّهِ تبوكًا(٥)، وهى غزوةُ العُسرةِ، فَتَخلَّف عنه أبو لُبابةَ فيمَن
= ابن جرير، وأراد بسبتة مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة. النهاية ٣٣١/٢.
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ابن جرير ٦٥١/١١، ٦٥٢، ٦٥٩، ٦٦٢، ٦٦٣، ٦٦٧، ٦٦٩، وابن أبى حاتم ٦ / ١٨٧٢،
١٨٧٤، ١٨٧٥، ١٨٧٦، ١٨٧٨، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٢ / ٩٨-
والبيهقى ٥/ ٢٧١.
(٣) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٣، والبيهقى ٢٧١/٥.
(٤ - ٤) فى ص، ر ٢، م: (( حتى)).
(٥) فى م: ((تبوك)). وهى بغير صرف للأكثر، وتصرف على إرادة المكان. ينظر فتح البارى =

٥٠٨
سورة التوبة : الايتان ١٠٢، ١٠٣
تَخلَّف، فلمَّا قَفَل رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ منها جاءه أبو لُبابةَ يُسَلِّمُ عليه، فأعرض عنه
رسولُ اللّهِ وَةِ، فَقَزِع أبو لُبابةَ، فَارْتَبَط بساريةِ التوبةِ التى عندَ بابٍ أمّ سَلَمَةً
سبعًا (١)، بينَ يومٍ وليلةٍ فى حرّ شديدٍ ، لا يأكلُ فيهنَّ ولا يشربُ قطرةً ، وقال : لا
يزالُ هذا مكانى حتى أُفارِقَ الدنيا أو يتوبَ اللَّهُ علىَّ . فلم يَزَلْ كذلك حتى ما
يُسْمِعَ الصوتَ مِن الجَهْدِ، ورسولُ اللَّهِ،وَ لَه ينظرُ إليهِ بُكْرَةً وعَشِيَّةٌ، ثم تابَ اللَّهُ
عليه، / فتُودِى: إن اللَّهَ قد تابَ عليك. فأرسَل إليه رسولُ اللَّهِ وَلِّ ليُطْلِقَ عنه
رِبَاطَه، فأتى أن يطلِقَه عنه (٢) (٣ أحدٌ إلا رسولَ اللّهِ،وَلَهِ، فجاءه رسولُ اللَّهِ وَل
فأطلَقه(٤) عنه٢) بيدِه، فقال أبو لُبابةَ حينَ أفاقَ: يا رسولَ اللَّهِ ، إنى أهجُرُ دارَ
قومى التى أَصَبْتُ فيها الذنبَ ، وأنتقِلُ إليك فأُساكِنُك، وإنى أختَلِعُ مِن مالى
صدقةٌ إلى اللَّهِ ورسولِهِ وَله. فقال: ((يُجْزِئُ عنك الثُّلُثُ)). فهجَر أبو لُبابةَ دارَ
قومِه وساكَن رسولَ اللّهِ وَّله، وتَصَدَّق بِثُلُثِ مالِه، ثم تابَ فلم يُرَ منه فى
الإسلامِ بعدَ ذلك إلا خيرٌ حتى فارق الدنيا(٥) .
وأخرج ابنُ جريٍ، وابنُّ أبى حاتمٍ ، وابنُ مَرْدُويه ، عن ابنِ عباسٍ قال : إنَّ
رسولَ اللَّهِ وَلَهِ غْزَا غزوةَ تبوكَ، فتَخلَّف أبو لبابةَ ورجلان معه عن النبيِّ بَلَه
ثم إن أبا لُبابةَ ورجلين معه تَفكّروا ونَدِموا وأيقَنوا بالهَلَكةِ وقالوا: نحن فى الظُّلِّ
= ١١٨/٨، وصحيح مسلم بشرح النووى ٨٩/١٧.
(١) بعده فى ص، م: ((من)).
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل .
(٤) فى ف ١، ر ٢، ح ١: ((فأطلق)).
(٥) البيهقى ٥/ ٢٧٠، ٢٧١.
٢٧٣/٣
٠

٥٠٩
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
والطُّمأنينةِ مع النساءِ، ورسولُ اللَّهِ وَّلَه والمؤمنون معه فى الجهادِ، واللَّهِ لِنُوثِقَنَّ
أنفسَنا بالشّوارى فلا نُطْلِقُها حتى يكونَ رسولُ اللّهِ وَه ◌ُ" هو الذى١) يُطْلِقُنا
ويَعْذِرُنا . فانطلَق أبو لُبابةَ فأوثَق نفسَه ورجلان معه بسَوارى المسجد ، وبقی
ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرجَع رسولُ اللهِ وَلَّ من غزوتِه، وكان طريقُه فى
المسجدِ ، فمَرَّ عليهم فقال: ((مَن هؤلاء المُوثِقون أنفسَهم بالشَّوارِى؟)). فقال
رجلٌ: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له تَخلَّفوا عن رسولِ اللهِ وَهِ، فعاهدوا الله
"ألَّا يُطلِقوا٢ أنفسَهم حتى تكونَ أنت الذى تُطلِقُهم وترضَى عنهم، وقد
اعترَفوا بذنوبهم. فقال رسولُ اللهِ وَّله: ((واللَّهِ لا أُطْلِقُهم حتى أُومَرَ
بإطلاقِهم، ولا أَغْذِرُهم حتى يكونَ اللَّهُ يَعذِرُهم وقد تَخَلَّفوا ورَغِبوا عن
المسلمين بأنفسِهم وجهادِهم)). فأَنزَل اللَّهُ تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. و((عسى)) مِن اللَّهِ واجبٌ، فلما نزلت الآيةُ أطلَقهم
رسولُ اللهِ وَلَهُ وعَذَرهم، فانطلَق أبو لبابةً وأصحابُه بأموالهم، فأتَوا بها
رسولَ اللَّهِ فَ لَه، فقالوا: خُذْ مِن أموالِنا، فتصَدَّقْ بها عَنَّا، وصَلِّ علينا.
يقولون(١): استغفر لنا وطهِّرْنا. فقال: ((لا آخُذُ منها شيئًا حتى أُومَرَ به)).
فأنزل اللَّهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ الآية. قال: ()وَتَقِى الثلاثةُ الذين
خالَفوا ٤) أبا لُبابةَ ولم يَتوبوا ولم يُذكَرُوا بشىءٍ ولم ينزِلْ عُذْرُهم، وضاقتْ
عليهم الأرضُ بما رَحُبَت، وهم الذين قال اللَّهُ: ﴿وَءَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾.
(١ - ١) زيادة من: م.
(٢ - ٢) فى م: (( لا يطلقون)).
(٣) فى الأصل، ص، ف ١، ر ٢، ح ١: ((يقول)).
(٤ - ٤) فى الأصل، ح ١: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا)).

٥١٠
سورة التوبة : الآيتان ١٠٣،١٠٢
الآية [التوبة: ١٠٦]. فجعَل الناسُ(١) يقولون: هلَكوا إذا لم ينزِلْ لهم عُذْرٌ. وجعَل
آخرون يقولون: عسى اللَّهُ أن يتوبَ عليهم. فصاروا مُرْجَئِين لأمرِ اللَّهِ حتى
نزَلت: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ
خَلِفُوا﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨]. يعنى: المُرْجَئين لأمرِ اللَّهِ، نزَلت عليهم التوبةُ،
فَعُهُوا (٢) بها(٣).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن (١) زيدٍ فى قوله: ﴿وَءَآخَرُونَ اعْتَّقُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال : هم الثمانيةُ الذين ربَطوا أنفسَهم بالسَّوارى، منهم كَرْدمٌ ، ومِزْداسٌ ، وأبو
◌ُبابةَ(٥) .
وأخرج ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخِ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا سبعةَ رَهْطٍ تَخلَّفوا عن غزوة تبوكَ ؛ منهم
أربعةٌ خَلَطوا عملاً صالحً وآخرَ سيئًا؛ جَدُّ بنُ قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وخِذامٌ(١) ،
وأوسٌ ، كلُّهم مِن الأنصارِ تِيبَ عليهم، وهم الذين قيل فيهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَّةٌ﴾(٧).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن السدىِّ فى قولِه: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا﴾. قال:
(١) فى الأصل: ((أناس)).
(٢) فى م: ((فعملوا)).
(٣) ابن جرير ٦٥٢/١١، ٦٥٣، ٦٦٠، ٦٦٩، ٦٧٠، وابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٢.
(٤) بعده فى ص، ر ٢، ح ١، م: ((ابن)).
(٥) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٢.
(٦) فى ر ٢: ((جذام))، وفى م: ((حرام)).
(٧) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٣.

٥١١
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
غَزْوَهم مع رسولِ اللهِ نَله، ﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾. قال: تَخَلَّفَهم عنه (١).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ، وابنُ أبى الدنيا فى ((التوبةِ))، وابنُ جريٍ ، وابنُ
المنذرِ، وأبو الشيخ، والبيهقىُ فى ((شعبِ الإيمانِ))، عن أبى عثمانَ النَّهْدِىِّ
قال: ما فى القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى لهذه الأمةِ مِن قوله: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَبِقَا﴾ الآية(١).
وأخرَج أبو الشيخ ، والبيهقىُّ، عن مُطَرِّفٍ قال: إنى لأُسْتَلْقِى مِن الليلِ على
فِراشى، وأَتَدَّرُ القرآنَ ، فَأَعْرِضُ أعمالِى على أعمالِ أهلِ الجنةِ، فإذا أعمالُهم
شديدةٌ؛ ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، ﴿يَكِتُونَ لِرَيْهِمْ
سُجَدًا وَقِيَمَا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾
[الزمر: ٩]. فلا أرانى منهم، فأعْرِضُ [٢٠٧ ظ] نفسى على هذه الآية :
ءُ
﴿ مَاسَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ ﴿﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿نُكَذِّبُ بِيّوْمِ
الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]. فأرى القومَ مُكَذِّبين، فلا أُرانى منهم، فأَمُرُ بهذه
الآيةِ: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَبِئَا﴾. فأرجو
أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم .
() وأخرج أبو الشيخ، وابنُ مندَه، وأبو نعيمٍ فى ((المعرفةِ))، وابنُ
عساكرَ، بسندٍ قوىٍّ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كان ممن تَخَلَّف عنٍ)
(١) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٤.
(٢) ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٤٨، وابن أبى الدنيا (٤٥)، وابن جرير ٦٥٨/١١، والبيهقى (٧١٦٥).
(٣) البيهقى (٧١٦٦).
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
٠

٥١٢
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
" رسولِ اللهِ وَ لَه فى غزوة تبوكَ ستَةٌ؛ أبو لُبابَةَ، وأوسُ بنُ خِذامٍ(٢) ، وثعلبةُ بنُ
وَدِيعةً، وكعبُ بنُ مالكِ، ومُرَارةُ بنُ الربيعِ(٣) ، وهلالُ بنُ أميةَ، فجاء أبو لُبابةَ ،
وأوسٌ، وثعلبةُ، فربطوا أنفسَهم بالسّوارى، وجاءوا بأموالهم، فقالوا:
يا رسولَ اللَّهِ، خُذْ هذا الذى حِبَسَنا عنك. فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: «لا أَخُلُّهم
حتى يكونَ قتالٌ)). فنزَل / القرآنُ: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ الآية.
وكان ممن خُلِّف عن التوبةِ وأَرْجِئَ كعبُ بنُ مالكٍ ، ومُرارَةُ بنُّ الربيع، وهلالُ بنُ
أُمَيَّةَ ، فأرُجئوا أربعين يومًا ، فخرجوا وضرّبوا فَساطيطَهم ، واعتزلَهم نساؤُهم ولم
يتولّهم المسلمون ولم يتبرَّءوا منهم، فنزَل فيهم: ﴿وَعَلَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.
إلى قولِه: ﴿النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فبَعَنْت أمُّ سَلَمَةَ إلى كعبٍ فَبَشِّرَتْه((٤) .
٢٧٤/٣
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن ابنٍ شَؤْذَبٍ قال: قال الأحنفُ بنُ قيسٍ : عَرَضْتُ
نفسى على القرآنِ فلم أجِدْنى بآيةٍ أشبهَ مِنِّى بهذه الآيةِ: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَبِقَا﴾().
وأخرج أبو الشيخ عن مالكِ بنِ دينارٍ قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ :
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى ص، ر ٢: ((حذام))، وغير منقوطة فى: ح ١، وفى م: ((جذام))، وفى الإصابة ١/ ١٥٢:
((خدام)). والمثبت موافق لما فى أسد الغابة ١/ ١٧٠.
(٣) فى ف ١، ر ٢، ح ١: ((ربيعة))، وكلاهما صواب. ينظر الاستيعاب ٣/ ١٣٨٢، وما سيأتى صفحة
٥٢٢.
(٤) أبو الشيخ وابن منده - كما فى الإصابة ١٥٢/١ -، وأبو نعيم ٢٨٧/١ (٩٩٧)، وابن عساكر
١٩٥/٥٠.
(٥) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٤.

٥١٣
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾. فقال: يا
مالكُ، تابوا، ﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. و((عسى)) مِن اللَّهِ واجبةٌ .
وأخرَج البخارىُّ، ومسلمٌ، والترمذىُّ، والنسائىُّ، وابنُ مَوْدُویه، عن
سَمُرَةَ بنِ مُنْدُبٍ قال: كان رسولُ اللَّهِ وَّهِ مِما يُكْثِرُ أن يقول لأصحابه: (( هل
رأى أحدٌ منكم رُؤْيَا؟)). وأنه قال لنا ذاتَ غَداةٍ: ((إنه أتانى الليلةَ آتِيانٍ، فقالا
لى : انطلِقْ. فانطلَقتُ معهما، فأخْرَجانى إلى الأرض المقدسةِ ، فأتينا على رجلٍ
مُضطَّجِعٍ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصخرةٍ ، وإذا هو يَهْوِى بالصخرةِ لرأسِه فَيَقْلَغُ(١)
رأسه ، فيتدهْدَهُ() الحجز ههنا ، فیتْبُ الحجر فیأخُذُه، فلا يَزْجِئُ إلیه حتى يَصِّ
رأسُه كما كان، ثم يعودُ عليه(٢) فيَفْعَلُ به مثلَ ما فَعَل فى المرةِ الأَولى ، قلتُ
لهما : سُبْحانَ اللَّهِ ، ما هذان؟ قالالى: انطلِقْ . فَانْطَلَقْنا فأتينا على رجلٍ مُسْتَلْقٍ
لِقَفَاه، وإذا (٩) آخَرُ قائمٌ عليه بكُلُّوبٍ مِن حديدٍ ، وإذا هو يأتى أحَدَ شِقَّئْ وَجْهِه
فَيُشَرْشِرُ شِدْقَه إلى قفاه، ومَنْخِرَه إلى قَفاهْ)، وعينَه إلى قَفاه، ثم يتحوَّلُ إلى
الجانبِ الآخرِ ، فَيَفْعَلُ به مثلَ ما فعَل بالجانبِ الأولِ ، فما يَفْرُُ مِن ذلك الجانبِ
حتى يَصِحَّ ذلك الجانبُ كما كان ، ثم يعودُ عليه فيفعلُ مثلَ ما فعلَ المرةَ الأُولَى ،
قلتُ : سُبْحانَ اللَّهِ، ما هذان؟ قالالى: انطلِقْ. فَانْطَلَقْنا فأَتَتِنا على مِثْلِ التَّنُّورِ ،
(١) الثَّلْغ: الشدخ. والشدخ: كسر الشىء الأجوف. النهاية ١/ ٢٢٠، ٢/ ٤٥١.
(٢) يتدهده الحجر: يتدحرج. قال الحافظ: والمراد أنه دفعه من علو إلى أسفل. ينظر النهاية ١٤٣/٢،
وفتح البارى ١٢/ ٤٤١.
(٣) فى ص، ف ٢، ر ٢، ح ١، م: ((إليه)).
(٤) سقط من: ص، ف ٢، ر ٢، ح ١، م.
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ر ٢.
( الدر المنثور ٣٣/٧ )

٥١٤
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
فإذا فيه لَغَطٌّ وأصواتٌ، فاطَّعْنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عُرَاةٌ ، فإذا هم يأتِيهم
لَهَبٌ مِن أسفلَ منهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا (١) ، قلتُ: ما هؤلاء؟
فقالا لى : انطلِقْ. فانطَلَقْنا، فأتينا على نهرٍ أحمرَ مثلٍ الدمٍ ، وإذا فى النَّهرِ رجلٌ
سابخْ يَسْبَحُ ، وإذا على شاطئُّ النَّهرِ رجلٌ عندَه حجارةٌ كثيرةٌ ، وإذا ذلك السَّابخُ
يَسْبَحُ ما يَشْبَحُ، ثم يأتى الذى قد جَمَع عندَه الحجارةَ، فيَفْغَرُ له فاه فيُلْقِمُه
حجرًا ، فينَطْلِقُ فِيَسْبَحُ، ثم يرجِعُ إليه، كلما رجَع إليه فَغَر له فاه فَأَلْقَمَه حجرًا ،
قلتُ لهما : ما هذان ؟ قالا لى : انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأَتَينا على رجلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ
كأَكْرَهِ ما أنت راءٍ ، وإذا هو عندَه نارٌ يَحُشُها(٢) ويَشْعَى حولَها، قلتُ لهما: ما
هذا؟ قالا لى: انطلِقْ. فانطَلَقْنا فأتينا على روضةٍ مُعْتِمَةٍ (٢)، فيها مِن كلِّ نَوْرٍ(٤)
الربيعِ ، وإذا بينَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رجلٌ طويلٌ لا أكادُ أَرَى رأسَه طولًا فى السماءِ،
وإذا حولَ الرجلِ مِن أكثرٍ ولْدانٍ رأيتُهم قَطُّ ، قالا لى: انطلِقْ. فانطَلَقْنا فانتَهَينا
إلى روضةٍ عظيمةٍ لم أرَ روضةً قطُّ أعظمَ منها ولا أحسنَ. قالا لى : ارْقَ فيها .
فارْتَقَينا فيها ، فانتَهَينا إلى مدينةٍ مَبِئَّةِ بِلَيْنِ ذَهَبٍ ولَينِ فضةٍ ، فَأَتَينا بابَ المدينةِ ،
فاسْتَفْتَحْنا ففُتِحِ لنا ، فدَخَلْناها، فتَلَقَّانا فيها رجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهم كأحْسَنِ ما
أنت راءٍ ، وشَطْرُ كأقْبَح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقَعُوا فى ذلك النَّهرِ. فإذا
(١) ضوضوا: ضجوا واستغاثوا. النهاية ٣/ ١٠٥.
(٢) يحشها: يوقدها. النهاية ٣٨٩/١.
(٣) قال ابن حجر: معتمة بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث ،
ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم، يقال: أعتم البيت إذا اكتهل، ونخلة عتيمة. طويلة، وقال
الداودى : أعتمت الروضة غطاها الخصب . وهذا كله على الرواية بتشديد الميم ، قال ابن التين : ولا يظهر
للتخفيف وجه. قلت : الذى يظهر أنه من العتمة وهو شدة الظلام ، فوصفها بشدة الخضرة كقوله تعالى
(( مدهامتان)). فتح البارى ٤٤٣/١٢.
(٤) النور: بفتح النون ، الزهر . ينظر النهاية ١٢٧/٥، وفتح البارى الموضع السابق .

٥١٥
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
نَهرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرى كأن ماءَه المَخْضُ فى البياضِ ، فذهبوا فوقعوا فيه ، ثم رجعوا
إلينا قد ذهب السُّوءُ عنهم، فصاروا فى أحسنٍ صورةٍ ، قالا لى : هذه جنةٌ
عَدْنٍ ، وهذَاك منزِلُك. فسمًا بَصَرى صُعُدًا، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البيضاءِ،
قالالى : هذاك مَنْزِلُك١). قلتُ لهما: بارَك اللَّهُ فيكما، ذَرَانى فَأَدْخُلَه. قالا : أمّا
الآنَ فلا ، وأنتَ داخِلُه . قلتُ لهما : فإنى رأيتُ منذُ الليلةِ عَجَبًا ، فما هذا الذى
رأيتُ ؟ قالا لى: أما الرَّجُلُ الأولُ الذى أَتَيتَ عليه يُتْلَغُ رأسُه بالحجرِ فإنه الرجلُ
يأْخُذُ القرآنَ فِيَرْفُضُه وينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ ، يُفْعَلُ به إلى يومِ القيامةِ ، وأمَّا
الرجلُ الذى أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقُه إلى قَفاه ، ومَنْخِرُه إلى قَفاه، وعينُه إلى
قَفاه، فإنه الرجلُ يَغْذُو مِن بِيتِهِ فِيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تبلغُ الآفاقَ ، فَيُصْنَعُ به إلى يومٍ
القيامةِ ، وأما الرجالُ والنساءُ العراةُ الذين فى مِثْلِ التَّنُورِ ، فإنهم الزُّناةُ والزُّوَانى،
وأمَّ الرجلُ الذى أتيتَ عليه، يَسْبَحُ فى النَّهرِ، ويُلْقَمُ الحجارةَ، فإنه آكلُ الرّبا،
وأمَّا الرجلُ الكَرِيهُ المَزَّةِ الذى عندَه النارُ يَحُشُّها ، فإنه مالِكٌ خازِنُ النارِ ، وأما
الرجلُ الطويلُ الذى فى الرّوضةِ، فإنه إبراهيمُ نَِّ، وأمَّا الولدانُ الذين حولَه،
فكُلُّ مولودٍ ماتَ على الفطرةِ ، وأمَّا القومُ الذين كانوا شَطْرٌ منهم حسنٌّ وشَطْرٌ
منهم قبيحٌ، فإنهم قومٌ خَلَطُوا عملًا صالحًاً وآخرَ سَيْئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عنهم، وأنا
جبريلُ وهذا ميكائيلُ))(٢).
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ر ٢.
(٢) البخارى (٧٠٤٧)، ومسلم (٢٢٧٥) مختصرا، والترمذى (٢٢٩٤)، والنسائى فى الكبرى
(٧٦٥٨) .

٥١٦
سورة التوبة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
وأخرَج الخطيبُ فى ((تاريخِه)) عن أبى موسى، أن رسولَ اللَّهِ وَ لَّه قال:
((رأيتُ رجالًا تُقْرَضُ جلودُهم بمَقاريضَ مِن نارٍ، قلتُ : ما هؤلاء؟ قال : هؤلاء
الذين يَتَزيَّنون إلى ما لا يَحِلُّ لهم. ورأيتُ مُجُبًا(١) خَبيثَ الريحِ وفيه صِیاحٌ،
قلتُ : ما هذا؟ قال: هنَّ نساءٌ يتزَيَّنَّ إلى ما لا يَحِلَّ لهن. ورأيتُ قومًا اغتسلوا
٢٧٥/٣ فى١١ / ماءِ الحياةِ، قلتُ: ما هؤلاء؟ قال: هم قومٌ خَلَطوا عملاً صالحاً وآخرَ
(٣)
سَيِّئًا().
وأخرج ابنُ سعدٍ عن الأسودِ بنِ قيسِ العَبْدِىِّ قال: لَقِى الحسنُ بنُ علىِّ يومًا
حبيب بنَّ مَشْلمةً (٢) فقال: يا حبيبُ، رُبَّ مسيرٍ لك فى غيرِ طاعةِ اللهِ . فقال: أمّا
مسيرى إلى أبيك فليس من ذلك. قال: بلى(٩)، ولكنك أَطَعْتَ معاويةً على دُنْيا
قليلةٍ زائلةٍ ، فلئن قامَ بك فى دُنْياك لقد قعَد بك فى دينِك ، ولو كنتَ إذا فعلتَ
شرًّا قلتَ خيرًا كان ذلك كما قال اللهُ: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾،
(٦)
ولكنك كما قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ﴾ الآية.
أخرَج ابنُّ أبى حاتم عن الضحاكٍ فى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾. قال: مِن ذنوبهم التى أصابوا(٧).
(١) فى ص، ف ٢: ((جنا))، وفى م: ((خباء)).
(٢) فى ف ٢، م: ((من).
(٣) الخطيب ٣٩٨/١، ٣٩٩.
(٤) فى الأصل: ((سلمة)). ينظر: تهذيب الكمال ٣٩٦/٥، ٣٩٧.
(٥) ليس فى : الأصل .
(٦) ابن سعد - كما فى تاريخ دمشق ١٢ / ٧٨.
(٧) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٥.

٥١٧
سورة التوبة : الآية ١٠٣
وأخرج ابنُّ أبى حاتم، وأبو الشيخِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَصَلِّ
عَلَيْهِمْ﴾. قال: استغفِرْ لهم مِن ذنوبهم التى أصابها، ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ
أَمْ﴾ . قال : رحمةٌ لهم(١).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿وَصَلّ
عَلَهِمْ﴾. يقولُ: ادْعُ لهم، ﴿ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ﴾. قال: استغفارُك يُسَكِّنُ
قلوبَهم ويُطمئنُ (٢).
وأخرَج ابنُ أبى شيبةً، والبخارىُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ ، والنسائىُّ ، وابنُ
ماجه، وابنُ المنذرِ، وابنُ مَرْدُويَه، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى أَوْفَى قال : كان
رسولُ اللَّهِ إِ لهَ إِذا أَتِى بصدقةٍ، قال: ((اللهمَّ صَلِّ على آلٍ فلانٍ)). فأتاه أبى
بصدقتِهِ، فقال: ((اللهمَّ صَلٌّ على آلٍ أَبِى أَوْفَى)(١).
وأخرج ابن أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿سَكُنٌ
لَمْ﴾. " قال: قريةٌ لهم(١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن قتادةً فى قوله: ﴿سَكَنٌ لَُّمْ﴾٢. قال: أَمْنٌ
لهم
(١)
(١) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٦.
(٢) بعده فى ص، ف ٢، م: ((لهم).
والأثر عند ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٦.
(٣) ابن أبى شيبة ٢/ ٥١٩، والبخارى (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩١)، والنسائى
(٢٤٥٨)، وابن ماجه (١٧٩٦).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ف ٢، م.

٥١٨
سورة التوبة : الآية ١٠٣
وأخرَج ابنُ أبى شيبةً عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ قال: أَتانا النبىُ وَلَه، فقالت له
امْرَأَتى: يا رسولَ اللهِ، صَلِّ علىَّ وعلى زَوْجى. فقال: ((صَلَّى اللهُ عليكِ وعلى
زوجك)»(١).
وأخرج ابنُ أبى شيبةً عن خارجةَ بنِ زيدٍ ، عن عمِّه يزيدَ بنِ ثابتٍ ، وكان
أكبرَ مِن زيدٍ (١)، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وََّ فلمَّا وَرَدْنا البَقِيعَ إذا هو بقبرٍ
جديدٍ، فسأل عنه، فقالوا: فلانةُ. فعَرَفها، فقال: ((ألا آذَنْتُمونى بها؟)).
قالوا: كنتَ قائلًا، فَكَرِهْنا أن نُؤْذِيَك. فقال: (( لا تَفْعَلوا، ما ماتَ منكم ميت
ما دُمْتُ بينَ أَظْهُرٍ كم إلا آذَنْتُمونى به ؛ فإن صَلاتى عليه رحمةٌ))(٣).
(٤)
وأُخرَجِ البَاوَرْدِىُّ فى ((معرفة الصحابةِ))، وابنُ مَرْدُویَه، عن دَیْسَمَ
السَّدُوسِىِّ قال: قلنا لبَشِيرٍ(٥) ابنِ الخَصاصِيّةِ: إن أصحابَ الصدقةِ يَعْتَدُون
علينا، أفتَكْتُمُ مِن أموالِنا بقَدْرٍ ما يَعْتَدون علينا ؟ فقال: إذا جاءوكم
فاجمَعُوها(٦)، ثم مُرُوهم فَلْيُصَلُّوا عليكم. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِّهِمْ
صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ .
(١) ابن أبى شيبة ٥١٩/٢.
(٢) فى ر ٢: ((يزيد)).
(٣) ابن أبى شيبة ٣/ ٢٧٥، ٢٧٦. والحديث عند أحمد ٢٠١/٣٢، ٢٠٢ (١٩٤٥٢)، وابن ماجه
(١٥٢٨). صحيح (صحيح سنن ابن ماجه - ١٢٣٩).
(٤) فى ف ١: ((يسر))، وفى م: ((دلسم)). وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٥٠١.
(٥) فى الأصل، ف ١، ح ١: ((لبشر)). وينظر تهذيب الكمال، الموضع السابق.
(٦) فى فى ١: ((فاجمعوهم)).

٥١٩
سورة التوبة : الآية ١٠٤
قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآية .
أخرَج ابنُ أبى حاتم عن ابنِ زيدٍ قال: قال الآخرون : هؤلاء كانوا مَعَنا
بِالأُمْسِ ( لا يُكَلَّمُون ولا يُجالَسُون)، فما لهم؟ فأنزل اللهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية(٢).
وأخرج عبدُ الرزاقِ ، والحكيمُ الترمذىُّ فى ((نوادر الأصولِ))، وابنُ أبی
حاتمٍ، والطبرانىُ، عن ابنِ مسعودٍ قال: ما تَصَدَّقَ رجلٌ بصدقةٍ إلا وقَعَتْ فى يدِ
اللهِ قبلَ أن تَقَعَ فى يدِ السائلِ. قال: وهو يَضَعُها فى يدِ السائلِ. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ
يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾(١).
وأخرج عبدُ الرزاقِ (٤) عن أبى هريرةَ فى قولِهِ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
قال : إن اللَّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ إذا كانت مِن طَيِّبٍ، ويأخُذُها بيمينِهِ، وإن الرجلَ
ليتصدَّقُ(٥) بمثلِ اللُّقْمَةِ فِيرَبِّها له كما يُرَنِّى أحدُ كم فَصیلَه ◌ُو مُھْرَه، فتَزْبُو فى
كَفِّ اللهِ حتى تكونَ مثلَ أُحدٍ (١).
وأخرَج ابنُّ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتمٍ، وأبو الشيخِ، وابنُ مَرْدُويَه، عن أبى
هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((والذي نفسي بيده، ما مِن عبدٍ يتَصدَّقُ
(١ - ١) فى ح ١: ((لا يكلمونا ولا يجالسونا)).
(٢) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٦.
(٣) عبد الرزاق ١/ ٢٨٧، وابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٧، والطبرانى (٨٥٧١). وقال الهيثمى: فيه عبد الله
ابن قتادة المحاربى ولم يضعفه أحد وبقية رجاله ثقات . مجمع الزوائد ٣/ ١١١.
(٤) بعده فى ف ١: ((والطبرانى)). وهو عند الطبرانى فى الأوسط (٣٣٧٨)، وفى الصغير ١١٨/١،
١١٩ مرفوعا .
(٥) فى م: ((ليصدق )).
(٦) عبد الرزاق ١/ ٢٨٧، وفى المصنف (٢٠٠٥٠) مرفوعًا. وينظر علل الدارقطنى ١٤٧/١١.

٥٢٠
سورة التوبة : الآيتان ١٠٤، ١٠٥
بصدقةٍ طيبةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يَقْبَلُ اللهُ إِلا طَيِّبًا، ولا يَضْعَدُ إلى السماءِ إلا
طَيِّبٌّ - فيَضَعُها فى حقٌّ إلا كانت كأنما يَضَعُها فى يدِ الرحمنِ، فَيُرِيِّيها له كما
يُرَنِّى أحدُكم فَلُوَّه أو فَصيلَه، حتى إن اللَّعْمَةَ أو التمرةَ لتَأْتِى يومَ القيامةِ مثلَ الجبلِ
العظيم)) . وتَصْديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾().
وأخرَج [٢٠٨ و] الدار قطنىُّ فى ((الأفرادِ)) عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللَّهِ
وَه : ((تَصَدَّقوا، فإن أحدَ كم يُعْطِى اللَّقْمةً أو الشىءَ، فَتَقَعُ فى يدِ اللهِ عزَّ وجلَّ
قبلَ أن تَقَعَ فى يدِ السائلِ - ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ - فيُرَبِّيها كما يُرَِّّى أحدُكم مُهْرَه أو فَصِيلَه،
فيُوَفِيها إياه يومَ القيامةِ)) .
قوله تعالى: ﴿وَقُّلِ أَعْمَلُواْ﴾ الآية.
أخرَج ابنُ أبى شيبةَ ، وابنُ المنذرِ ، وأبو الشيخ، عن مجاهدٍ فى قولِه : ﴿وَقُّلِ
أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُ﴾. قال: هذا وعيدٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ.
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ، والطبرانيُ، وأبو الشيخ، وابنُ مَرْدُويَه، عن
سَلَمَةَ بنِ الأكوع، أن رسولَ اللهِ وَهِ قَرَأْ: ﴿فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(٢).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم، وأبو الشيخ، وابنُ مَرْدُويَه، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوع
(١) ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٧٧. والحديث عند البخارى (١٤١٠، ٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤).
(٢) الطبرانى (٦٢٦١)، وقال الهيثمى: فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. مجمع الزوائد
٠٣٣/٧