النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
يحدِّثُهم أن بنى كنانةَ وراءَهم قد أقبَلوا لنصرِهم ، وأنه لا غالبَ لكم اليومَ من
الناسِ، وإنى جارٌ لكم، لما أخبرهم من مسيرٍ بنى كِنانةَ ، وأنزل اللهُ: ﴿وَلَا
تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم [١٨٣ ظ] بَطَرًّا وَرِيشَآءَ النَّاسِ﴾. هذه الآيةَ
والتى بعدَها [الأنفال: ٤٧، ٤٨]، وقال رجالٌ من المشركين لما رأوا قلةَ مَن مع
محمدٍ وَّ: غرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل اللهُ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ
اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبَل المشركون حتى نزَلوا وتَعَبَّوْا للقتالِ ،
والشيطانُ معهم لا يُفارقُهم ، فسعَى حكيمُ بنُ حِزامٍ إلى عتبةَ بنِ ربيعةً فقال له :
هل لك أن تكونَ سيدَ قريشٍ ما عشتَ؟ قال عتبةُ: فأفعلُ ماذا؟ قال : تُجيرُ بينَ
الناسِ (١) ، وتحملُ دمَ ابنِ الحضرميّ وبما أصاب محمدٌ من تلك العيرِ، فإنهم لا
يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العيرِ ودمِ هذا الرجلِ . قال عتبةُ : نعم ، قد فعَلتُ ،
ونِعِمَّا قلتَ ونِعمَّا دعَوتَ إليه، فاسعَ فى عشيرتك فأنا أتحمَّلُ بها . فسعَى حكيم
فی أشرافٍ قریش بذلك يدعوهم إلیه، ور کِبَ عتبةُ جملاً له، فسار علیه فى
صفوفٍ المشركين فى أصحابِه فقال: يا قومٍ ، أطيعونى ، فإنكم لا تطلُبون عندهم
غيرَ دمِ ابنِ الحضرمىٌّ وما أصابوا من عِيرِ كم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا
هذا الرجلَ ؛ فإن كان كاذبًا وَلِىَ قتلَه غيرُ كم من العربِ، فإن فيهم رجالاً لكم
فيهم قرابةٌ قريبةٌ ، وإنكم إن تَقتُلوهم لا يزالُ الرجلُ منكم ينظُرُ إلى قاتِلِ أخيه ، أو
ابنِهِ ، أو ابنٍ أخيه ، أو ابنٍ عمّه، فيورِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضغائنَ ، وإن كان هذا
الرجلُ ملكًا كنتم فى مُلكِ أخيكم ، وإن كان نبيًّا لِمَ تَقْتُلون النبيَّ فتُسَبُوا(٢) به ؟!
.
(١) تجير بين الناس: أى: تفصل بينهم. ينظر التاج (ج ور).
(٢) فى م: (( فتسيئوا)).
٤٢
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
ولن تَخلُصوا إليهم حتى يُصيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ عليكم .
فحسَده أبو جهلٍ على مقالتِهِ ، وأتَى اللهُ إلا أن يُنفِذَ أمرَه، وعمَد أبو جهلٍ إلى ابنٍ
الحضرميِّ، وهو أخو المقتولٍ، فقال: هذا عتبةُ يُخذِّلُ بينَ الناسِ ، وقد تحمَّلَ بديَةِ
أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تستَحْيُون من ذلك أن تقبلوا الدِّيَّةَ؟! فزعَموا أن
النبيَّ وَ ◌ّ قال وهو ينظرُ إلى عتبةَ: ((إن يكنْ عندَ أحدٍ من القومِ خيرٌ فهو عندَ صاحبٍ
الجملِ الأحمرِ، وإن يطيعوه يَرشُدوا)). فلما حرّض أبو جهلٍ قريشًا على القتالِ أمر
النساءَ يُعوِّلْنِ عَمْرًا، فَقُمْن يصِحْنَ: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. تحريضًا على القتالِ،
فاجتمَعت قريشٌ على القتالِ ، فقال عتبةُ لأبى جهلٍ : ستَعلمُ اليومَ أَىُّ الأمرين أرشدُ .
وأخَذَت قريشٌ (١ مَصافَّ هذا القتالِ)، وقالوا لعُمَيرِ بنِ وهبٍ: اركَبْ
فاحزُرْ(١) لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسولِ اللهِ وَ الـ
وأصحابه ، ثم رجع إلى المشركين فقال : حَزَرْتُهم بثلاثمائةِ مقاتل ، زادوا شيئًا أو
نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِرونى حتى أنظرَ هل
لهم مَددّ أو كَمِينٌ؟ فأطاف حولَهم، وبعثوا خيلَهم معه فأطافوا حولَهم، ثم
رجَعوا فقالوا: لا مَددَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جزورٍ (١) . وقالوا لعميرٍ:
حرِّشْ بينَ القومِ. فحمَل عميرٌ على الصفِّ بمائةٍ فارسٍ، واضطجع
رسولُ اللهِ نَّهِ وقال لأصحابه: ((لا تقاتِلوا حتى أُوذِنَّكم)). وغَشِيَه نومٌ
فعلَبه، فلما نظَر بعضُ القومِ إلى بعضٍ ، جعَل أبو بكرٍ يقولُ: يا رسولَ اللهِ، قددنا
(١ - ١) كذا فى النسخ فى مصدر التخريج: ((مصافها للقتال)).
(٢) فى م: ((فاحذر))، وفى الموضعين الآتيين فى م بالذال أيضا.، وحَزَرَ الشئَ ويَحْزُرُه ويَحْزِرُه حَزْرًا :
قدره بالحدس . اللسان (ح ز ر).
(٣) ويقال: إنما هم أكلة رأس. يُضرب مثلا للقوم يقل عددهم. مجمع الأمثال للميدانى ١/ ٨١.
٤٣
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
القومُ ونالوا منَّا. فاستيقَظ رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ، وقد أراه اللهُ إياهم فى منامِه قليلاً،
وقلَّل المسلمين فى أعينِ المشركين، حتى طمِع بعضُ القومِ فى بعضٍ، ولو أراه
عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا فى الأمرِ كما قال اللهُ. وقام رسولُ اللهِ وَلَ فِى
الناسِ فوعَظهم ، وأخبرهم أن اللَّهَ قد أوجب الجنةَ لمن استُشهِد اليومَ ، فقام ◌ُمیرُ
ابنُ الحُمَامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابِهِ حينَ سمِع / قولَ النبيِّ ◌َِّ، فقالَ:
يا رسولَ اللهِ ، إن لى الجنةَ إِن قُتِلتُ؟ قال: ((نعم)). فشدَّ على أعداءِ اللهِ(١) مكانَه
فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل .
١٦٨/٣
ثم أقبَل الأسودُ بنُ عبدِ الأسد٢ٍ) المخزوميُ يحلفُ بآلهتِهِ لَيَشرَبِنَّ من
الحوضِ الذى صنَع محمدٌ ولَيهدِمَنَّه، فلما دنا من الحوضِ لَقِيَه حمزةُ بنُ عبدِ
المطلبٍ فضرَب رجلَه فقطَعها ، فأقبَل يحبو حتى وقَع فى جوفِ الحوضِ ، وأتبعه
حمزةُ حتى قتله، ثم نزَل عتبةُ بنُ ربيعةً عن جملِه ونادَى : هل من مبارزٍ؟ ولحِقَه
أخوه شيبةُ والوليدُ ابنُه ، فنادَيَا يسألان المبارزةَ ، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصارِ ،
فاستَحْيَا النبىُّ وَّله من ذلك فناداهم أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، وليقُمْ إليهم بنو
عمِّهم. فقام حمزةُ ، وعلىُّ بن أبى طالبٍ ، وعُبَيدةُ بنُ الحارثِ بنِ المطلبِ؛
فقتَل حمزةُ عتبةَ ، وقتَل عبيدةُ شيبةَ ، وقتل علىِّ الوليدَ، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدةً
فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزةُ وعلىٍّ، فحُمِل حتى تُوفِّىَ بالصفراءِ ، وعندَ ذلك
(١) بعده فى ص، ف ١: ((فى)).
(٢ - ٢) فى الأصل، ص، ر ٢: ((الأسود)). وينظر البداية والنهاية ٢٥٥/٥.
(٣) بعده فى ر ٢: ((عبد))، وينظر أسد الغابة ٣/ ٥٥٣، ٥٥٤.
(٤) الصفراء: وادٍ من ناحية المدينة . معجم البلدان ٠٣٩٩/٣
٤٤
سورة الأنفال : الآ يتان ٧ ، ٨
نذَرت هندُ بنتُ عتبةً لتأكُلَنَّ مِن كَبدِ حمزةَ إِن قدَرت عليها ، فكان قتلُ هؤلاء
النفرِ قبلَ التقاءِ الجمعَينِ، وعَجَّ المسلمون إلى اللهِ يسألونه النصرَ حينَ رَأَؤًا القتالَ
قد نَشِبَ ، ورفَع رسولُ اللهِ وَهِ يدَيه إلى اللهِ يسألُه ما وعَده، ويسألُه النصرَ،
ويقولُ: ((اللهمّ إن ظُهِر على هذه العصابةِ ظَهَر الشركُ ولم يقُمْ لك دينٌ)) . وأبو
بكرٍ يقولُ : يا رسولَ اللهِ، والذى نفسى بيدِه لينصرَنَّك اللهُ ولِيُنْيِّضَنَّ وجَهَكَ(١).
فأنزل اللهُ من الملائكةِ جندًا فى أكنافٍ(٢) العدوِ، فقال رسولُ اللهِ وَالَةٍ: ((قد
أَنزَل اللهُ نصرَه ، ونزَلت الملائكةُ ، أبشِرْ يا أبا بكرٍ ، فإنى قد رأيتُ جبريلَ
مُعْتَجِرًا (٢) يقودُ فرسًا بينَ السماءِ والأرضِ، فلما هبط إلى الأرضِ جلَس عليها
فتغيَّب عنى ساعةً ، ثم رأيتُ على شَفَتِهِ غُبارًا)). وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ
الدينين ، اللهمَّ دينُنا القديمُ ودينُ محمدِ الحديثُ . ونكَص الشيطانُ على عَقِبَيه
حينَ رأَى الملائكةَ، وتبرّأ من نُصرةٍ أصحابِهِ، وأَخَذ رسولُ اللهِ وَلِ مِلءَ كفِّه من
الحَصْباءِ فرمَى بها وجوه المشركين، فجعَل اللهُ تلك الحَصباءَ عظيمًا شأنُها ، لم
تتؤْ من المشركين رجلًا إلا ملَت عينيه، والملائكةُ يقتلونهم ویأسِرونهم،
ویجدون النفرَ کلّ رجلٍ منهم منکبًا علی وجهه لا يدرِی أین یتوجّهُ، يعالج
(١) قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبى وَ لّل فى تلك الحال، بل الحامل
للنبى ◌َّ على ذلك شفقته على أصحابه وتقويم قلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ فى التوجه
والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك ؛ لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة ، فلما قال أبو بكر ما
قال كف عن ذلك ، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من القوة والطمأنينة ، فلهذا عقب بقوله :
((سيهزم الجمع)). فتح البارى ٧/ ٢٨٩، وينظر البداية والنهاية ٩٣/٥، ٩٤.
(٢) الكَتَف : الجانب والناحية . النهاية ٢٠٥/٤.
(٣) الاعتجار بالعمامة : هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه .
النهاية ٣/ ١٨٥.
٤٥
سورة الأنفال : الآ يتان ٧ ، ٨
الترابَ ينزِعُه من عينيه .
ورجَعت قريشٌ إلى مكةً منهزِمين مَغلوبين، وأذلَّ اللهُ بوقعةِ بدرٍ رقابَ
المشركين والمنافقين ، فلم يبقَ بالمدينةِ منافقٌ ولا يهودىٌّ إلا وهو خاضغٌ عنقُه لوقعةٍ
بدرٍ ، وكان ذلك يومَ الفرقانِ ، يومَ فَرَّق اللهُ بينَ الشركِ والإيمانِ ، وقالت اليهودُ
تيقُّنَا : إنه النبى الذى نجدُ نعتَه فى التوراةِ ، واللهِ لا يرفعُ رايةً بعدَ اليومِ إلا ظهَرت .
ورجَع رسولُ اللهِ وَلَه إلى المدينةِ، فدخَل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزل القرآنُ يعرِّفُهم
اللهُ نعمتَه فيما كرِهوا من خروجِ رسولِ اللهِ وَّةٍ إلى بدرٍ، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ
رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ هذه الآية وثلاثَ آياتٍ
معها، وقال فيما استجاب للرسولِ وللمؤمنينَ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاسِ: (إِذ
يَغْشاكم النعاسُ) الآية ، ثم أخبرهم بما أوحى إلى الملائكةِ من نصرِهم فقال :
﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ﴾ الآية والتى بعدَها، وأَنزَل فى قتلِ "
المشركين والقبضةِ التى رمَى بها رسولُ اللهِ وَلّ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمَّ﴾ الآيةَ والتى بعدَها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل فى استفتاحِهم: ﴿إِن
تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أَنزَل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فى سبع آياتٍ منها [الأنفال: ٢٠-٢٦]، وأنزل فى
منازِلِهم: ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) الآية والتى
بعدَها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأَنزَل فيما يعظُهم به: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَتْبُتُواْ﴾ الآية وثلاثَ آياتٍ معها [الأنفال: ٤٥-٤٨]، وأَنزَل فيما
(١) فى الأصل، ص: ((قتلى)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
٤٦
سورة الأنفال : الآيتان ٧، ٨
تكلّم به مَنْ رأى قلةَ المسلمين: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]،
وَأَنزَل فى قتلى المشركين ومَن اتبَعَهم: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَنَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ
اُلْمَلَئِكَةُ﴾ الآية، وثمانٍ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠-٥٨].
وأخرج ابنُ إسحاقَ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن ابنِ عباسٍ قال : لما سمِع
رسولُ اللهِ وَّهِ بأبى سفيانَ مقبلًا من الشامِ ندَب المسلمين إليهم وقال: ((هذه
عِيرُ قريشٍ فيها أموالُهم، فاخرجوا إليها لعل اللهَ يُنَقِّلُكموها)). فانتدَب الناسَ،
فخفَّ بعضُهم ، وثقُلَ بعضُهم، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسولَ اللهِ وَلِّ يَلِقَی
حربًا ، وكان أبو سفيانَ حينَ دنا من الحجازِ يتحسَّسُ(٢) الأخبارَ، ويسألُ من لَقِىَ
من الركبانِ ؛ تخوُّفًا عن أمرِ الناسِ، حتى أصاب خبرًا من بعضِ الركبانِ أن
محمدًا قد استنفَر لك أصحابَه، فحذر عندَ ذلك، فاستأجر ضَعْضَمَ بن عمرٍو
الغِفَارِىَّ، فبعثه إلى مكةً، وأمره أن يأتىَ قريشًا فيستنفِرَهم إلى أموالهم،
ويخبرَهم أن محمدًا وَ لّ قد عرَض لها فى أصحابِهِ، فخرَج سريعًا إلى مكةً،
وخرّج رسولُ اللهِ وَلِّ حتى بلَغْ واديًا يقالُ له: ذَفِرَانُ(٢). فأتاه الخبرُ عن قريشٍ
١٦٩/٣ بمسيرِهم ليمنَعوا عن / عيرِهم، فاستشار النبيُّ وَلَ الناسَ، فقام أبو بكرٍ فقال
فأحسَن، ثم قام عمرُ فقال فأحسَن، ثم المقدادُ بنُ عمرٍو فقال : يا رسولَ اللهِ ،
امضِ لما أمَرَّكُ اللهُ ، فنحن معك، واللهِ لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيلَ
لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هلهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربّك
(١) البيهقى ١٠١/٣ - ١١٩.
(٢) فى ص: ((يجسس))، وفى ف ١، ر٢، ح١، م: ((يتجسس). وقيل: التجسس - بالجيم - أن
يطلبه لغيره ، وبالحاء أن يطلبه لنفسه، وقيل: معناهما واحد. اللسان (ج س س).
(٣) فى الأصل، ص، ح ١، م: ((وجران))، وفی ف ١، ر ٢: (( ذخران))، والمثبت من ابن جرير،
وسيرة ابن هشام. وينظر معجم البلدان ٢/ ٧٢٠، ٧٢١.
٤٧
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
فقاتِلا إنا معكم مقاتلون، فوالذى بعثك بالحقِّ (١) لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغِمادِ
لجالَدْنا معك مَنْ دونَه حتى تبلُغَه. فقال له رسولُ اللهِ نَّهِ خيرًا ودعا له ،
وقال له سعدُ بنُ معاذٍ : لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضْتَه لخضناه معك ما
تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ ، وما نكرَهُ أن تلقَى بنا(٢) عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌّ فى
الحربِ ، صُدُقٌّ فى اللقاءِ، لعل اللهَ يُرِيك منَّا ما تَقَرُّ به عينُك، فسِرْ بنا على
بركةِ اللهِ. فسُرَّ رسولُ اللهِ وَ هَ بقولٍ سعدٍ ونشَّطه ذلك، ثم قال: ((سيروا
وأبشِرُوا، فإن الله قد وعَدنى إحدى الطائفتين، واللهِ لكأنى أنظرُ إلى مصارع
(٣)
القومِ)) ().
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ مردُويَه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ﴾. قال: أقبلَت عِيرُ أهلِ مكةً من الشامِ، فبلغ
أهلَ المدينةِ ذلك، فخرجوا و(٤) معهم رسولُ اللهِ وَلَه يريدُ العيرَ، فبلغ أهلَ مكةً
ذلك(٥)، فأسرّعوا السيرَ إليها؛ لكى لا يغلِبَ عليها رسولُ اللهِ وَلّهِ وأصحابُه،
فسبَقَتِ العِيرُ رسولَ اللهِ وَلّهِ، وكان اللهُ عزَّ وجلَّ وعَدَهم إحدى الطائفتين،
وكانوا أن يلقَوا العيرَ أحبَّ اليهم، وأيسرَ شوكةً، وأخصرَ نفرًا ، فلما سبقتٍ
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل، ر ٢، ح ١، م: ((منا)).
(٣) ابن إسحاق (١/ ٦٠٦، ٦٠٧، ٦١٤، ٦١٥ - سيرة ابن هشام)، وابن جرير ٣٦/١١، ٤١،
٤٢، وفى تاريخه ٢/ ٤٢٧.
(٤) ليس فى : الأصل، ص، ف ١.
(٥) بعده فى م: ((فخرجوا)).
(٦ - ٦) فى مصدر التخريج: ((أحضر مغنما)).
٤٨
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
العيرُ وفاتتْ رسولَ اللهِ وَهِ سار رسولُ اللهِ وَهِ بالمسلمين يريدُ القومَ، فَكَرِهِ
القومُ مسِيرَهم؛ لشوكةِ القومِ، فَنزَل النبىُّ وَّهِ والمسلمون، بينهم وبينَ الماءِ
رملةٌ دَعْصَةٌ(١)، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديدٌ، وألقَى الشيطانُ فى قلوبِهم
الغيظَ، فوسوس بينَهم يوسوسُهم: تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ وفيكم رسولُه وقد
غلّبَكم المشركون على الماءِ وأنتم تُصَلُّون مُجْنِين! فَأَمْطَر اللهُ عليهم مطرًا
شديدًا، فشَرِب المسلمون وتَطَهَّروا، فأذهب اللهُ عنهم رجْزَ الشيطانِ ،
وأشفَّ(١) الرملُ من إصابةِ المطرِ، ومشَى الناسُ عليه والدوابُّ، فساروا إلى
القوم، وأمدَّ اللهُ نبيَّهِ وَلَّهِ والمؤمنين بألفٍ من الملائكةِ، فكان جبريلُ فى
خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجَنّةٌ(٢) ، وميكائيلُ فى خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجَنّةً ،
وجاء إبليسُ فى جندٍ " من الشياطين" معه رايتُه، فى صورة رجالٍ من بنى
مُدْلج، والشيطانُ فى صورةٍ سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ مُعْشُم، فقال الشيطانُ
للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌ لَّكُمْ﴾
[ الأنفال: ٤٨] . فلما اصطَفَّ القومُ قال أبو جهلٍ: اللهمَّ أولانا بالحقِّ فانصُرْه.
ورفَع رسولُ اللهِ وَلَهِ يدَيه فقال: ((يا ربِّ (٥)، إن تَهْلِكْ هذه العِصَابةُ(٤) فلن تُعبَدَ
(١) الدعصاء: أرض سهلة فيها رملة تحمى عليها الشمس فتكون رمضاؤها أشد من غيرها. اللسان
(د ع ص).
(٢) شفَّ الماء يشُفُّه شفًّا : تقصَّى شربَه. اللسان (ش ف ف).
(٣) مجنبة الجيش: هى التى تكون فى الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان. النهاية ٣٠٣/١.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) بعده فى ف ١، ر٢، ح ١: ((إنك)).
(٦) بعده فى م: ((فى الأرض)).
٤٩
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
فى الأرضِ أبدًا)). فقال له جبريلُ: خذْ قبضةٌ من الترابِ (١ فارمٍ بها) فى(٣)
وجوهِهم . فما من المشركين من أحدٍ إلا أصاب عينيه ومَنْخَرَيه وفمه من
تلك القبضةِ ، فولَّوا مدبرين، وأقبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه(٢)، وكانت
يدُه فى يدِ رجلٍ من المشركين، انتزَع إبليسُ يدَه ثم ولَّى مُدْبِرًا وشيعتُه،
فقال الرجلُ : يا سراقةُ، أَتزعُمُ أنك لنا جارٌ؟! فقال: ﴿إِّ أَرَى مَا لَا
تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اُللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فذلك حينَ
رأَى الملائكةَ(٤) .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو
الشيخِ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ .
قال: الطائفتان إحداهما (٥) أبو سفيان أقبَل بالعيرِ من الشام ، والطائفةُ الأخرى أبو
جهلٍ بنُ هشامٍ معه نفرٌ من قريشٍ، فكَرِه المسلمون الشوكةَ والقتالَ، وأحبُوا أن
يلتقُوا العيرَ، وأراد اللهُ ما أراد(٦).
وأخرج ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ
(١ - ١) فى ص: ((قال رمى به))، وفى ف ١، ر٢: ((فرمى بها))، وفى ح ١، م: ((فارم به)).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى الأصل، ص: ((رأوه))، وبعده فى م: ((إبليس)).
(٤) ابن جرير ٤٥/١١، ٦٤، ٨٦، ٢٢١، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى
١٦/٢، ٠١٧
(٥) فى الأصل، ف ١، ح ١: ((أحدهما)).
(٦) ابن جرير ٤٤/١١، ٤٥، وابن أبى حاتم ١٦٦١/٥.
( الدر المنثور ٤/٧ )
٥٠
سورة الأنفال : الآيات ٧ - ١٠
غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: هى عيرُ أبى سفيانَ، ودَّ أصحابُ
محمدٍ وَّأن العيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرِف عنهم (١).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةً: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾. أى:
(٢)
شأفتهم(٢) .
وأخرَج الفريابيُ، وابنُ أبى شيبةَ، وأحمدُ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، والترمذىُّ
وحسّنه، وأبو يعلَى، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، والطبرانىُ، وأبو الشيخِ ، وابنُ
مردُويَه، عن ابنِ عباسٍ قال: قيل لرسولِ اللهِ وَّ حِينَ فرَغ من بدرٍ: عليك
العيرَ ليس دونَها شىءٌ. فناداه العباسُ وهو أسيرٌ فى وَثاقِه: إنه لا يصلُحُ لك.
قال: ((ولمَ؟)). قال: لأن الله إنما وعَدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما
وعَدك. قال ((صدقْتَ))(٣).
قولُه تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآيتين.
أُخرَج ابنُ أبى شيبةً، وأحمدُ، ومسلم، وأبو داودَ، والترمذىُّ، وابنُ
جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو عَوانةَ ، وابنُ حبانَ ، وأبو الشيخِ ، وابنُ
١٧٠/٣ مردُويَه، وأبو نعيم، /والبيهقىُّ معًا فى ((الدلائلِ))، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قال:
(١) ابن أبى حاتم ١٦٦١/٥.
(٢) فى ح ١: ((ميثاقهم))، وفى م: ((يستأصلهم)) .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٧٦/١٤، وأحمد ٤٦٦/٣، ٦٠/٥، ١٤١، ١٤٢ (٢٠٢٢، ٢٨٧٣،
٣٠٠١)، والترمذى (٣٠٨٠)، وأبو يعلى (٢٣٧٣)، وابن أبى حاتم ١٦٦٠/٥، والطبرانى
(١١٧٣٣). ضعيف الإسناد . (ضعيف سنن الترمذى - ٥٩٦).
٠
٥١
سورة الأنفال : الآيتان ٩ ، ١٠
حدَّثنى عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه قال: لما كان يومُ بدرٍ نظَر النبىُّ وَّ إلى
أصحابِه وهم ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ رجلًا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألفٌ
وزيادةٌ، فاستقبل نبىُّ اللهِ وَّهِ القبلةَ(١)، ثم مدَّيديهِ (١ وجعَل يهتِفُ بربّه: ((اللهمَّ
أَنجزْلى ما وعدْتَنِى ، اللهمَّ إِن تهلِكْ هذه العِصابةُ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبَدْ فِى
الأرضِ )) . فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يدَيه مستقبلَ القبلةِ حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو
بكرٍ، فأخَذ رداءَه فألقاه على مَنكِبَيْهِ، ثم التزمه من ورائِه وقال : يا نبيَّ اللهِ،
كذاك(٣) مناشدَتَك(٤) ربَّك، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعَدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِ مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .
فلما كان يومَئذٍ والتقَوا، هزَم اللهُ المشركين، فقُتِل منهم سبعون رجلًا، (°وأُسِر
منهم سبعون رجلًا، واستشار رسولُ اللهِ وَهِأبا بكر وعمرَ وعليًّا، فقال أبو
بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرةِ والإخوانِ (١)، وإنى أرى أن تأخُذَ
منهم الفديةَ ، فيكونُ ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفارِ ، وعسى اللهُ أن يهديَهم فيكونوا
لنا عضُدًا. فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((ما ترى يا بنَ الخطابِ؟)) قلتُ: واللهِ ما أرى)
(١) ليس فى : الأصل، ص ، م.
(٢) فى الأصل، ص، م: ((يده).
(٣) فى الأصل، ص، ف ١: ((أكذاك))، وفى ر ٢: ((أكفاك))، وفى م: ((كفاك)).
قال النووى: هكذا وقع لجماهير رواة مسلم ((كذاك)) بالذال، ولبعضهم ((كفاك)) بالفاء، وفى رواية
البخارى: حسبك مناشدتك ربك. وكلٌّ بمعنى. صحيح مسلم بشرح النووى ١٢ / ٨٥.
(٤) قال النووى : المناشدة السؤال ، مأخوذة من النشيد وهو رفع الصوت ... وضبطوا مناشدتك بالرفع
والنصب وهو الأشهر، قال القاضى: من رفعه جعله فاعلا بكفاك، ومن نصبه فعلى المفعول بما فى
((حسبك وكفاك وكذاك)) من معنى الفعل من الكفّ.
(٥ - ٥) ليس فى : الأصل، ص، م.
(٦) ليس فى : الأصل، ص، م.
٥٢
سورة الأنفال : الآيتان ٩، ١٠
ما رأى أبو بكرٍ ، ولكنى أرى أن تمكّنَنى من فلانٍ - قريبٌ لعمرَ - فأضرب عنقه
حتى يعلمَ اللهُ أنه ليس فى قلوبنا مودّةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدُهم وأثمتُهم
وقادتُهم. فَهَوِى رسولُ اللهِ وَلِّ ما قال أبو بكرٍ ولم يهوَ ما قلتُ، وأخَذ منهم الفداءَ.
فلما كان من الغدِ قال عمرُ: فغدوتُ إلى النبيِّ وَهِ، فإذا هو قاعدٌ) وأبو(٢)
بكرٍ وهما يبكيان ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، أخبرنى ماذا يُبكيك أنت وصاحبَك ؟
فإن وجدتُ بکاءً بکیتُ ، وإن لم أجدْ بکاءً تبا کیتُ لبکائِکما . قال النبيُّ ◌َل :
((الذى عرَض علىَّ أصحابُك من أخذِ الفداءِ، قد عُرض علىَّ [١٨٤ و] عذابُكم
أدنَى من هذه الشجرةِ)) - لشجرة قريبةٍ - وأنزل اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ
يَكُونَ لَهُدْ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾ إلى قولِه: ﴿لَّوْلَا كِنَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال ٦٧، ٦٨] من الفداءِ، ثم أحلٌ لهم الغنائمَ ، فلما
كان يومُ أحدٍ من العامِ المقبلِ عُوقبوا بما صنَعوا يومَ بدرٍ من أخذِهم الفداءَ، فقُتل
منهم سبعون ، وفرّ أصحابُ النبيِّ وَه ◌ُ" عن النبيَّ ◌َظَل)، وكُسِرت رَباعيتُه،
وهُشِّمت البيضةُ(٤) على رأسِه، وسال الدَّمُ على وجهِه، فأنزل اللهُ:
﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتَّكُم ◌ُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَّهَا قُلْتُمْ أَى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بأخذِ كم الفداءَ. قال ابنُ عباسٍ: ((بينما
رجلٌ من المسلمين يشتدُّ فى أثرٍ رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمِع ضربةً
(١ - ١) سقط من: النسخ. والمثبت من مسند أحمد وهو موافق لبقية المصادر باختلاف يسير.
(٢) فى ف ١: ((أبى)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص، م.
(٤) البيضة: الخوذة . النهاية ١/ ١٧٢.
٥٣
سورة الأنفال : الآيتان ٩، ١٠
بالسوطِ فوقَه، وصوتُ الفارسِ يقولُ: أَقدِمْ حيزومُ(١). إذ نظَر إلى المشركِ
أمامَه فخرّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمُ(١) وشُقَّ وجهُه كضربةِ
السوطِ ، فاخضرّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصارىُّ فحدَّث ذلك رسولَ اللهِ
وَِّ، فقال: ((صدَقْتَ، ذاك من مَدَدِ السماءِ الثالثةِ)). فقتلوا يومَئذٍ
سبعين، وأسَرُوا سبعين(٣) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن علىٍّ قال : نزَل جبريلُ فى ألفٍ من الملائكةِ عن ميمنةٍ
النبيِِّ مَ له، وفيها أبو بكرٍ، ونزَل ميكائيلُ فى ألفٍ من الملائكة عن ميسرةِ النبىِّ
(وَّة، وأنا فى الميسرةِ(٤).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ عن عكرمةَ، أن رسولَ اللهِ وَّه قال يومَ بدرٍ: (( هذا
جبريلُ آخذٌ برأسٍ فرسِه عليه أداةُ الحربِ)) (٥) .
وأخرَج سُنَيدٌ، وابنُ جريرٍ، وأبو الشيخ، عن مجاهدٍ قال: ما أُمِدَّ النبيُّ وَلَه
بأكثرَ من هذه الألفِ التى ذكر اللهُ فى ((الأنفالٍ))، وما ذكَر الثلاثةَ آلافٍ أو
الخمسةَ آلافٍ إِلا بُشْرَى، ثم أُمِدُّوا بالألفِ، ما أُمِدُوا بأكثرَ منه(٩).
(١) حيزوم: اسم فرس الملك. صحيح مسلم بشرح النووى ١٢/ ٨٥.
(٢) الخطم: الأثر على الأنف . شرح النووى ١٢/ ٨٦.
(٣) ابن أبى شيبة ١٠/ ٣٥٠، ٣٥١، ٣٦٥/١٤ - ٣٦٨، وأحمد ٣٣٤/١ - ٣٣٦، ٣٤٥، ٣٤٦
(٢٠٨، ٢٢١)، ومسلم (١٧٦٣)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذى (٣٠٨١)، وابن جرير ١١/ ٥١،
٢٧٥، ٢٧٦، وابن أبى حاتم ١٦٦٢/٥، ١٧٣٠، وأبو عوانة ( ٦٥٨٠، ٦٦٩٢ - ٦٦٩٥)، وابن
حبان (٤٧٩٣)، وأبو نعيم (٤٠٨)، والبيهقى ٣/ ٥١، ٥٢.
(٤) ابن جرير ٥٨/١١.
(٥) ابن أبى شيبة ٣٥٨/١٤ .
(٦) ابن جرير ١١/ ٥٩.
٥٤
سورة الأنفال : الآيتان ٩، ١٠
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، والبخارىُّ، عن رفاعةَ بنِ رافع الزُّرَقيّ - وكان من
أهلِ بدرٍ - قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ نَّهِ فقال: ما تعدُّون أهلَ بدرٍ فيكم؟
قال: ((من أفضل المسلمين)). أو كلمةً نَحوَها. قال: وكذلك مَن شهِد بدرًا منَ
(١)
الملائكةٍ(١).
وأخرج أبو الشيخ عن عطيةَ بن قيسٍ قال: وقَف جبريلُ على رسولِ اللهِ وَلَّهِ،
وجبريلُ على فرسٍ أخضرَ أنثى قد علاه الغبارُ، وبيدٍ جبريلَ رمح وعليه درعٌ،
فقال : يا محمدُ ، إِنَّ اللهَ بعثَنى إليك فأمَرنى ألا أفارقَك حتى ترضَى ، فهل
رضِيتَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((نعم)).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ، وابنُ جريرٍ ، وابنُّ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو
الشيخ، عن ابن عباسٍ فى قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. "قال: متتابعين٢).
("وأخرج ابنُ جريٍ(٤) عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ ﴿مُرْدِفِينَ﴾. يقولُ:
(٣)(٥)
٠
المددُ
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ المنذرٍ ، وأبو الشيخ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
(١) ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٨٥، والبخارى (٣٩٩٢).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((قال المدد))، وفى م: ((يقال المدد)).
والأثر عند ابن جرير ٥٤/١١، وابن أبى حاتم ١٦٦٣/٥.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص .
(٤) بعده فى م: ((وابن المنذر وأبو الشيخ)).
(٥) ابن جرير ٥٣/١١. بلفظ: المزيد .
٥٥
سورة الأنفال : الآيتان ٩، ١٠
مُرْدِفِينَ﴾. قال: وراءَ كلِّ ملَكِ ملَكُ(١).
وأخرَج ابنُ أبى / حاتم عن الشعبىِّ قال: كان ألفٌ مُردِفِين، وثلاثةُ ١٧١/٣
آلافٍ مُنزَلين، فكانوا أربعةَ آلافٍ، وهم مددُ المسلمين فى
(٢)
ثغورهم(٢).
وأخرَج ابنُ أبى شيبةَ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وأبو
الشيخ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: مُمدِّين(٢).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ، وابنُ جريرٍ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿مُرْدِفِين﴾. قال: متتابعين، أمدَّهم اللهُ بألفٍ، ثم بثلاثةٍ، ثم
أكْمَلَهم خمسةَ آلافٍ، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ
قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. قال: يعنى نزولَ الملائكةِ. قال: وذُكِر لنا أن
عمرَ قال: أما يومَ بدرٍ فلا نشكُ أن الملائكةَ كانوا معنا، وأما بعدَ ذلك فاللهُ
(٤)
أعلمُ(٤).
وأخرج ابنُ جريرٍ، وأبو الشيخ، عن ابنِ زيدٍ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال:
بعضُهم على أثرٍ بعضٍ(٣) .
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾.
(١) ابن جرير ٥٤/١١.
(٢) ابن أبى حاتم ١٦٦٣/٥.
(٣) ابن جرير ٥٥/١١.
(٤) ابن جرير ٦ / ٢٥، ٥٥/١١.
٥٦
سورة الأنفال : الآيتان ١٠، ١١
قال: إنما جعَلهم اللهُ ليستبشِروا(١) بهم (١).
(٢)
قولُه تعالى: (إِذْ يَغْشَاكُم التُّعَاسُ أَمَنَةً منه)(٣).
أخرَج أبو يعلَى، والبيهقيُّ فى ((الدلائلِ))، عن علىّ قال: ما كان فينا فارسٌ
يومَ بدرٍ غيرَ المِقْدادِ ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسولُ اللهِ وَلَهِ يصلِّى تحتَ
الشجرة حتى أصبح(4).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن ابنِ شهابٍ فى قولِه : (إذ يَغْشَاكم النُّعاسُ أَمَنَةٌ
منه). قال : بلَغنا أن هذه الآيةَ أَنزلت فى المؤمنين يومَ بدرٍ فيما أَغْشَاهم اللهُ من
النعاسِ أمنةً منه (٥).
وأخرج ابنُّ أبى شيبةَ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جریرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبی
حاتم، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أَمَّنَةٌ مِنْهُ﴾. قال: أمنًا من اللهِ(١) .
("وأخرَج ابنُ أبى حاتم عن قتادةً فى قوله: ﴿أَمَنَّةٌ مِّنْهُ﴾. قال: رحمةً
٧)(٨)
منه، أمنةً من العدوّ(١)(٨)
(١) فى الأصل، ح: ((يستبشروا))، وفى م: ((يستبشر)).
(٢) ابن أبى حاتم ٧٥٥/٣ (٤١١٦)، ١٦٦٣/٥.
(٣) هكذا فى النسخ وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ، وقرأ نافع وأبو جعفر بضم الياء وكسر الشين وياء
بعدها و﴿النعاس﴾ بالنصب، وكذلك قرأ الباقون إلا أنهم فتحوا الغين وشددوا الشين. النشر ٢٠٧/٢.
(٤) أبو يعلى (٢٨٠، ٣٠٥)، والبيهقى ٣/ ٣٨، ٣٩. والحديث عند أحمد ٢٩٩/٢، ٣٦٢، ٣٦٣
(١٠٢٣، ١١٦١). وقال محققوه: إسناده صحيح.
(٥) ابن أبى حاتم ٥/ ١٦٦٤.
(٦) ابن جرير ١١/ ٦٠، وابن أبى حاتم ١٦٦٥/٥.
(٧ - ٧) سقط من: ر ٢، م.
(٨) ابن أبى حاتم ١٦٦٥/٥.
٥٧
سورة الأنفال : الآية ١١
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن قتادةَ قال: النعاسُ فى الرأسِ، والنومُ فى
(١)
القلبٍ() .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةَ قال : كان النعاسُ أمنةٌ من اللهِ ، وكان
النعاسُ نعاسين؛ نعاسٌ يومَ بدرٍ، ونعاسٌ يومَ أحدٍ .
قولُه تعالى: ﴿وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
أخرَج ابنُ أبى شيبةَ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبی
حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ فى قولِهِ: ﴿وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ
مَآءٍ لِيطَهِرَكُمْ بِهِ﴾. قال: طَشُِّ(٢) كان يومَ بدٍ(٢).
وأخرَج ابنُ أبى شيبةَ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُّ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى
حاتم، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيْطَهِّرَّكُمْ بِهِ.﴾ .
قال : المطرُ أنزَله عليهم قبلَ النعاسِ ، فَأَطْفَأ بالمطرِ الغبارَ، والْتَبَدتْ به الأرضُ،
وطابَتْ به أنفسُهم، وثبتَتْ به أقدامُهم(٤).
وأخرج ابنُ إسحاقَ ، وابنُ أبى حاتمٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ قال: بعَث اللهُ
السماءَ، وكان الوادى دَهْسًا (٥)، وأصاب رسولَ اللهِ وَ له وأصحابَه منها ما لَّد
(١) ابن أبى حاتم ٥/ ١٦٦٤.
(٢) فى ص، ف ١: ((عطش))، وفى م: ((طس)). والطش: الضعيف القليل من المطر.
النهاية ٣/ ١٢٤.
(٣) ابن أبى شيبة ٣٥٩/١٤، وابن جرير ٦٣/١١، وابن أبى حاتم ١٦٦٥/٥.
(٤) ابن جرير ١١ / ٦٦، وابن أبى حاتم ١٦٦٥/٥.
(٥) الدَّهاس والدَّهْس: ما سهل ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رملًا. النهاية ١٤٥/٢.
٥٨
سورة الأنفال : الآية ١١
الأرضَ ولم يمنعهم المسيرَ، وأصاب قريشًا ما لم يَقْدِروا على أن يرتحلوا معه (١).
وأخرَج ابنُّ المنذرِ ، وأبو الشيخِ ، من طريقٍ ابنٍ جريج، عن ابنِ عباسٍٍ ، أن
المشركين غلَبُوا المسلمين ، فى أولِ أمرِهم على الماءِ، فظَمِئ المسلمون ، وصلَّوا
مُجْنِبين مُحْدِثين، فكانت بينَهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ فى قلوبِهم الحزنَ ،
وقال: أتزعُمون أن فيكم نبيًّا وأنكم أولياءُ اللهِ، وتُصلُّون مُجْنِبين مُحدِثين؟!
فأنزل اللهُ من السماءِ ماءً، فسَال عليهم الوادى ماءً، فشرِب المسلمون وتَطَهَّرُوا ،
وثَبَتَتْ أقدامُهم ، وذهبَتْ وسوستُه .
وأخرج ابنُ أبى شيبةً، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو
الشيخِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾. قال: وسوستَهُ(٢).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن قتادةً فى قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ . قال:
بالصبرِ، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. قال: كان ببطنِ الوادى دَهاسٌ، فلما مُطِروا
اشتدَّتِ " الرملةُ(٤).
وأخرج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن السدىِّ فى
قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدَامَ﴾. قال: حتى يشتدَّ على الرملِ، وهو وجهُ
(٥)
الأرضِ(٥).
(١) ابن إسحاق (١ / ٦١٩، ٦٢٠ - سيرة ابن هشام)، وابن أبى حاتم ١٦٦٥/٥.
(٢) ابن جرير ١١/ ٦٦، وابن أبى حاتم ١٦٦٦/٥.
(٣ - ٣) فى الأصل، ص، م: ((مطر اشتد)).
(٤) ابن أبى حاتم ١٦٦٦/٥، ١٦٦٧.
(٥) ابن جرير ١١/ ٦٨، وابن أبى حاتم ١٦٦٧/٥.
٥٩
سورة الأنفال : الآيتان ١٢،١١
وأخرج ابنُ جريرٍ، وأبو الشيخ، وابنُ مردُويَه، عن علىِّ قال: كان
رسولُ اللهِ وَِّّهِ يُصَلِّى تلك الليلةَ؛ ليلةَ بدرٍ ، ويقولُ: ((اللهمّ إن تَهلِكْ هذه
العصابةُ لا تُعْبَدْ)). وأصابَهم تلك الليلةَ مطرٌ شديدٌ، فذلك قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ
الْأَقْدَامَ﴾(١).
قولُه تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ﴾ الآية .
أخرَج ابنُّ أبى حاتم: أخبرنا أبو بدرٍ عِبَادُ بنُ الوليدِ الغُبَرىُّ (١) فيما كتب إلىّ
قال : سمِعتُ أبا سعيدٍ - يعنى(٢) أحمدَ بنَ داودَ الحدَّادَ - يقولُ(٤): لم يقلِ اللهُ
لشىءٍ أنه معه إلا للملائكةِ يومَ بدرٍ قال: ﴿َنِّ مَعَكُمْ﴾ بالنصرِ .
وأخرج ابنُ أبى شيبةً عن مجاهدٍ قال : لم تقاتلِ الملائكةُ إلا يومَ بدٍ(٦) .
وأخرَج أبو الشيخ، وابنُ مردُويَه، عن أبى أمامةَ بنِ سهلٍ بنِ حُنَيفٍ قال :
قال لى أبى: يا بُنىَّ، لقد رأيتُنا يومَ بدرٍ وإن أحدَنا ليشيرُ بسيفِه إلى رأسٍ المشركِ،
فيقعُ رأسُه عن جسدِه قبلَ أن يصلَ إليه السيفُ .
وأخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباسٍ قال : إن المشركين من قريشٍ لما خرَجوا
لينصُروا العيرَ ويُقَاتِلوا عليها ، نزَلوا على الماءِ يومَ بدرٍ فغلَبوا المؤمنين عليه ، فأصاب
(١) ابن جرير ١١/ ٦٢، ٦٣، وفى تاريخه ٤٢٤/٢ - ٤٢٦ مطولًا. والحديث عند أحمد ٢٥٩/٢
(٩٤٨). وقال محققوه: إسناده صحيح .
(٢) فى ف ١، م: (المغبرى)). وينظر الأنساب ٢٨٠/٤، ٢٨١.
(٣) ليس فى : الأصل، م.
(٤) بعده فى م: ((إنه)).
(٥) ابن أبى حاتم ١٦٦٧/٥.
(٦) ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٥٤.
٠
٦٠
سورة الأنفال : الآية ٢
١٧٢/٣
المؤمنين الظمأُ، فجعلوا يُصَلُّون / مُجْنِين ومُخْدِثين، فألقَى الشيطانُ فى قلوبٍ
المؤمنين الحزنَ فقال لهم: أتزعُمون أن فيكم النبيّ(١) وأنكم أولياءُ اللهِ وقد غُلِيتم
على الماءِ، وأنتم تُصَلَّون مُجْنِين ومُحْدِثين؟! حتى تعاظمَ ذلك فى صدورٍ
أصحابِ النبيِّ وَ له، فأنزل اللهُ من السماءِ ماءً حتى سال الوادى، فَشَرِب
المؤمنون ، وملئوا الأسقيةَ، وسقَوا الركابَ ، واغتسلوا من الجنابةِ ، فجعَل اللهُ فى
ذلك طَهورًا، وثَت الأقدامَ (١) ، وذلك أنه كانت بينهم وبينَ القوم رملةٌ ، فبعث
اللهُ المطرَ عليها فضربها(٢) حتى اشتدَّت وثبَت عليها الأقدامُ، ونفَر النبيُّ نَه
بجميعِ المسلمين، وهم يومَئذٍ ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا ؛ منهم سبعون ومائتان
من الأنصارِ ، وسائرُهم من المهاجرين، وسيدُ المشركين يومَئذٍ عتبةُ بنُ ربيعةً لكبرٍ
سنِّه، فقال عتبةُ: يا معشر قريشٍ، إنى لكم ناصح، وعليكم مشفقٌ، لا
أُدَّخِرُ النصيحةَ لكم بعدَ اليومِ، وقد بلغتُم الذى تريدون وقد نجا أبو سفيانَ ،
فارجِعوا وأنتم سالمون، فإن يكنْ محمدٌ صادقًا فأنتم أسعدُ الناسِ بصدقِهِ،
وإن يكُ كاذبًا فأنتم أحقُّ مَن حقَن دمَه . فالتفتَ إليه أبو جهلٍ فشتَمه وقبَّح
وجهَه وقال له: قد امتلأتْ أحشاؤك رعبًا. فقال له عتبةُ: ستَعلَمُ (٤) اليومَ
مَن الجبانُ المفسدُ لقومِه. فنزَل عتبةُ بنُ ربيعةً وشيبةُ بنُ ربيعةً(٢) ، حتى إذا
(١) بعده فى النسخ: ((صلى الله عليه وسلم)). والشيطان لا يقوله.
(٢) فى الأصل، ص، م: ((الأقدام )).
(٣) فى الأصل، ص: ((فعربها))، وفى ف ١، ر ٢، ح ١: ((فمر بها))، وفى م: ((فلبدها)). والمثبت من تفسير
ابن جریر ٦٥/١١، وتفسير ابن كثير ٥٦٣/٣.
(٤) فى ص، م: ((سيعلم)).
(٥) فى حاشية ف ١: ((لعله: والوليد بن عتبة)). يعنى لأنه كان ثالثهم.