النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
وأُخرَج عبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فی
قولِه: ﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: مِن أهلِ دينكم، ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن أَهلِ الكتابِ، إذا كان ببلادٍ لا يجِدُ غيرَهم(١).
وأخرج عبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وأبو الشيخ، عن شُريحٍ
قال : لا تجوزُ شهادةُ اليهودىِّ ولا النصرانيّ إلا فى وصيةٍ ، ولا تجوزُ فى وصيةٍ إلا
(٢)
فى سفرٍ (٢).
وأخرج عبدُ الرزاقِ ، وأبو عبيدٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ،
والطبرانيُ، والحاكمُ وصَحَّحه، وابنُ مَرْدُويه، عن الشعبىِّ، أن رجلًا مِن
المسلمين حضَرَتْه الوفاةُ بدَقُوقَاءَ (٢)، ولم يجِدْ أحدًا مِن المسلمين يَشْهَدُ على
وصيَّتِه، فَأَشْهَد رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فقَدِما الكوفةَ، فأتيا أبا موسى
الأشعرىَّ فأخْبَراه، وقَدِما بتَرِكتِه ووصيته، فقال الأشعرىُّ: هذا أمرٌّ لم يكنْ بعدَ
الذى كان فى عهدِ النبيِّ وَلِّ. فَأَعْلَفهما بعدَ العصرِ باللَّهِ ما حَانا، ولا كَذَبا،
ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيِّرا، وإنها لوصيةُ الرجلِ وتَرِكتُه. فأمْضَى
شهادتهما(4) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن زيدِ بنِ أسلمَ فى قولِه: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها .
قال : کان ذلك فی رجل تُونِّی ولیس عنده أحدٌ مِن أهل الإسلام ، وذلك فى أول
(١) عبد الرزاق ١٩٩/١، وابن جرير ٩/ ٧٢.
(٢) عبد الرزاق (١٥٥٣٨)، وابن جرير ٦٤/٩.
(٣) دقوقاء، بألف ممدودة ومقصورة: مدينة بين إربل وبغداد. معجم البلدان ٢/ ٥٨١.
(٤) عبد الرزاق (١٥٥٣٩)، وأبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٢١٥، ٢١٦، وابن جرير ٦٦/٩،
والحاكم ٣١٤/٢.

٥٨٢
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
الإسلام، والأرضُ حربٌ والناسُ كفارٌ، إلا أن رسولَ اللَّهِ وَهِ وأصحابَه
بالمدينةِ، وكان الناسُ يَتَوارَثُون (١) بالوصيةِ، ثم نُسِخَت الوصيةُ، وفُرِضَت
الفرائضُ، وعَمِل المسلمون بها(٢) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن الزهرىِّ(٢) قال: مَضَت الشُّنَّةُ ألا تجوزَ شهادةُ كافٍ فى
حَضَرٍ ولا سَفَرٍ ، إنما هى فى المسلمين(٤).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ قال : هذه الآيةُ منسوخةٌ(*) .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ، وأبو الشيخ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ﴾. قال : من المسلمين من غيرِ حيِّه .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، والنحاسُ، وأبو الشيخِ،
والبيهقيُّ فى ((سننِه))، "عن الحسن": ﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: مِن
قبيلتِكم، ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرٍ قبيلتِكم، ألَا تَرى أنه يقولُ:
﴿يَتَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾! كلَّهم مِن المسلمين(١) .
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن طريقٍ عُقَيْلٍ قال : سألتُ ابنَ شهابٍ
(١) بعده فى ر٢، م: ((بينهم)).
(٢) ابن جرير ٦٧/٩. قال ابن كثير: وفى هذا نظر. تفسير ابن كثير ٢١٢/٣ .
(٣) فى م: ((الزبير)).
(٤) ابن جرير ٦٨/٩ .
(٥) ابن جرير ١٠٧/٩.
(٦ - ٦) سقط من : م .
(٧) سعيد بن منصور (٨٥٨ - تفسير)، والنحاس فى ناسخه ص ٤٠٦، والبيهقى ١٦٤/١٠.

٥٨٣
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
عن هذه الآيةِ ، قلتُ: أرأيتَ الاثنين اللذين ذكَّر اللَّهُ مِن غيرِ أهلِ المرءِ الموصِى،
أهما مِن المسلمين أو هما مِن أهلِ الكتابِ؟ وأرأيتَ الآخَرَيْنِ اللذين يقومان
مَقامَهما، أتراهما مِن أهلِ المرءِ الموصِى أم هما من غيرِ المسلمين؟ قال ابنُ
شهابٍ: لم نَسْمَعْ فى هذه الآيةِ عن رسولِ اللهِ نَّهِ ولا عن أئمةِ العامةِ سُنَّةً
أَذْكُرُها، وقد كنا نَتذاكَرُها أناسًا مِن علمائِنا أحيانًا، فلا يَذْكُرون فيها سنَّةً
معلومةٌ ولا قضاءً مِن إِمامٍ عادلٍ ، ولكنه يَخْتلِفُ فيها رأيهم ، وكان أعجبَهم فيها
رأيًا إلينا الذين كانوا يقولون : هى فيما بينَ أهلِ الميراثِ مِن المسلمين، يَشْهَدُ
بعضُهم الميتَ الذى يَرِثونه، ويَغِيبُ عنه بعضُهم، ويَشْهَدُ مَن شهِده على ما
أوْصَى به لذوى القربى، فيُخْبِرون مَن غاب عنه منهم بما حضَروا مِن وصيةٍ ، فإن
سلَّموا جازت وصيتُه، وإن ارْتَابُوا أن يكونوا بدَّلُوا قولَ الميتِ ، وآثَروا بالوصيةِ مَن
أرادوا ممن لم يُوصٍ لهم الميتُ بشىءٍ، حلَف اللذان يَشْهَدان على ذلك بعدَ
الصلاةِ، وهى صلاةُ( ١) المسلمين: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَّا
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِينَ﴾. فإذا أَقْسَما على
ذلك جازَت شهادتُهما وأيمانُهما ، ما لم يُعْثَر على أنهما اسْتَحَقًّا إثمًا فی شیءٍ من
ذلك، قامَ آخَران مَقامَهما مِن أهلِ الميراثِ مِن الخَصْمِ الذين يُنْكِرون ما يَشْهَدُ
به (٢) عليه الأوَّلان المُسْتَحْلَفان أولَ مرةٍ، فيُقْسِمان باللَّهِ: لشَهادتنا على تكذيِكما أو
إبطالٍ ما [١٤٩ ظ] شهِدْتما به، ﴿وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾(١).
(١) بياض فى: ب١، ف ١. وفى الأصل، ص، ف ٢، (٢، م: ((أن))، وقبله بياض فى ر٢ . والمثبت
من مصدرى التخريج .
(٢) سقط من : م .
(٣) ابن جرير ٦٩/٩، ٧٠، وابن أبى حاتم ١٢٣١/٤، ١٢٣٢ (٦٩٤٤).

٥٨٤
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
وأخرَج عبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ أبى حاتم ،/ عن عَبِيدةً فى قوله :
٣٤٤/٢
﴿تَحْلِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾. قال: صلاةِ العصرِ".
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنِ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا نَشْتَّى بِهِ، ثَمَا﴾ .
قال: لا نأخُذُ به رِشْوةً، ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾، وإن كان صاحبُها بعيدًا(٢).
وأخرَج أبو عبيدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، عن عامر الشعبيّ ، أنه كان
يقرأُ: (ولا نكثُمُ شهادةً). يعنى بقطعِ الكلامِ مُنَوَّنًا، (اللَّهِ) بقطع الألفِ
وخَفْضِ اسمِ اللَّهِ على القَسَمِ().
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن أبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ ، أنه كان يَقْرَؤُها : ( ولا
نَكْتُمُ شهادةً آللَّهِ). ويقولُ: هو قَسَمّ(٤).
وأخرَج عن عاصم: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾ . مضافٌ بنصبٍ
﴿شَهَدَةَ﴾، ولا يُتَوَّنُ .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن قتادةَ فى قوله : ﴿فَإِنّ
عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾. أى: اطَلِعٍ منهما على خيانةٍ ؛ على أنهما كذَبا أو
كتّما ، فشَهِد رجلان هما أعدلُ منهما بخلافٍ ما قالا ، أُجِيز شهادةُ الآخِرَين،
وبَطَلَت شهادةُ الأَوَّلَينَ(٥) .
(١) عبد الرزاق ٢٠٠/١، وابن أبى حاتم ١٢٣٠/٤ (٦٩٤٠).
(٢) ابن جرير ٧٩/٩، ٨١، وابن أبى حاتم ١٢٣٢/٤ (٦٩٤٧).
(٣) ابن جرير ٨٠/٩، وابن أبى حاتم ١٢٣٢/٤ (٦٩٤٩). وهى قراءة شاذة .
(٤) وبها قرأ على والحسن البصرى . البحر المحيط ٤٤/٤ .
(٥) ابن جرير ٨٤/٩، ١٠٢.

٥٨٥
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
وأخرَج الفِرْيائىُّ، وأبو عُبيدٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرٍ ،
وأبو الشيخ، عن علىِّ بن أبى طالبٍ، أنه كان يقرأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ
اُلْأَوْلَيَنِ﴾ بفتحِ التّاءِ ().
وأخرج الحاكمُ وصَحَّحه، وابنُ مَرْدُويه ، عن علىِّ بن أبى طالبٍ ، أن النبىَّ
وَ لَّه قَرأْ: ((﴿مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾))(٣).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريٍ ، وابنُ عَدِىٌّ، عن أبى مِجْلَزٍ، أن أبىَّ بنَ
كعبٍ قرّأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾. قال عمرُ: كذبتَ . قال:
أنت أْذَبُ . فقال رجلٌ: تُكَذِّبُ أميرَ المؤمنين؟ قال: أنا أشَدُّ تعظيمًا لحقِّ أميرٍ
المؤمنين منك ، ولكن كَذَّبْتُه فى تصديقٍ كتابِ اللَّهِ ، ولم أَصَدِّقْ أميرَ المؤمنين فى
تَكْذيبٍ كتابِ اللهِ. فقال عمرُ: صَدَق (١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ، أنه قَرأْها: ﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾. وقال:
هما الوَلِيَان(٤).
وأخرج أبو عبيدٍ ، وسعيدُ بنُ منصورٍ ، وعبدُ بنُ حمیدٍ ، وابنُ جریٍ ، وأبو
الشيخِ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه كان يقرأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأوَّلين).
ويقولُ : أرأيتَ لو كان الأوليان صغيرَين كيف يَقومان مَقامَهما (٥)؟
(١) ابن جرير ٩٧/٩. قرأ حفص : (استحقَّ). وقرأ الباقون : (استُحِق) بالبناء للمجهول ، وقرأ حمزة
وخلف ويعقوب وأبو بكر: (الأولين) على الجمع، وقرأ الباقون: (الأوليان) على التثنية. النشر ١٩٢/٢.
(٢) الحاكم ٢٣٧/٢ .
(٣) ابن جرير ٩٧/٩. من طريق يحيى بن يعمر ، عن أَبيِّ، مقتصرا على القراءة فقط.
(٤) ابن أبى حاتم ١٢٣٣/٤ (٦٩٥٦).
(٥) سعيد بن منصور (٨٦٠ - تفسير)، وابن جرير ١٠٢/٩.

٥٨٦
سورة المائدة : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن أبى العاليةِ ، أنه كان يقرأُ: (الأوَّلِينَ) مشددةً
على الجماعِ .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن عاصمِ : ( مِن الذين اسْتُحِقَّ). برفعِ التاءِ و کسرٍ
الحاء، (عليهم الأوَّلِينَ) مشددةً على الجماعِ .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنِ زيدٍ فى قوله: ﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾. قال: بالميتِ(١).
وأخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتمٍ، وأبو الشيخِ ، عن قتادةً فى
قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾. يقولُ: ذلك أخْرَى أن
يَصْدُقوا فى شهادتِهِم، ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَعٌَْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾. يقولُ: وأن يَخافوا
(٢)
العَقِبَ (٢) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنِ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْنٌ بَعْدَ
أَيْمَنِمْ﴾. قال: فتَبْطُلَ أيمانُهم، وتُؤْخَذَ أيمانُ هؤلاء(١) .
وأخرج ابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتلٍ فى قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَسْمَعُواْ﴾. قال: يعنى القُضاةَ(٤).
وأخرج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنِ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
(١) فى ص: ((للميت))، وفى م: ((الميت)).
والأثر عند ابن جرير ١٠٣/٩ .
(٢) فى الأصل: ((العيب أو العتب))، وفى ف١: ((العتب))، وفى ر٢، م: ((العنت)). والمراد بالعقب
العاقبة ، أى عاقبة كذبهما فى اليمين .
والأثر عند ابن جرير ١٠٥/٩، وابن أبى حاتم ١٢٣٤/٤، ١٢٣٥ (٦٩٦٢، ٦٩٦٦).
(٣) ابن جرير ١٠٥/٩، ١٠٦.
(٤) ابن أبى حاتم ١٢٣٥/٤ (٦٩٦٧).

٥٨٧
سورة المائدة : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
اُلْقَوْمَ الْفَسِفِينَ﴾. قال: الكاذِبين الذين يَحْلِفون على الكذبِ (١).
قولُه تعالى: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية.
أُخرَج الفِرْيابىُّ، وعبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ،
وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ
مَاذَا أُجِبْثُمٌ﴾: فيَفْزَعون، فيقولُ: ماذا أَجِبْتُم؟ فيقولون: لا علمَ لنا. فتُرَكُّ(١)
إليهم أفئدتُهم ، فيَعْلَمون(٣) .
وأخرَج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ، عن السّدِّىِّ فى قولِه :
﴿وَيَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾. قال: ذلك أنهم
نزَلُوا منزِلًا ذَهِلَت فيه العقولُ، فلما سُئِلوا قالوا: لا علمَ لنا . ثم نزَلوا منزلًا آخرَ،
فشَهِدوا على قومِهم(٤) .
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، مِن طريقٍ علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: فيقولون للربِّ
تبارك وتعالى: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلمُ به مِنَّا(٥).
وأخرَج ابنُّ أبى حاتم ، وأبو الشيخ ، مِن طريقِ الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ فى
قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّاً﴾. قال: فَرَقًا
(١) ابن جرير ١٠٧/٩، وابن أبى حاتم ١٢٣٥/٤ (٦٩٦٨).
(٢) فى الأصل، ص، ف٢، م: ((فيرد)).
(٣) عبد الرزاق ٢٠١/١، وابن جرير ١١٠/٩، ١١١، وابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٣).
(٤) ابن جرير ١١٠/٩، وابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٣).
(٥) ابن جرير ١١١/٩، وابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٥).

٥٨٨
سورة المائدة : الآية ١٠٩
تَذْهَلُ عقولُهم، ثم يَرُدُّ اللَّهُ إليهم عقولَهم، فيكونون هم الذين يَسْألون ، يقولُ
اللَّهُ: ﴿فَلَنَسْتَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وأخرَج ابنُ أبى حاتمٍ، وأبو الشيخِ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَآ
أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾. قال: مِن هَوْلِ ذلك اليومِ(١).
وأخرَج أبو الشيخِ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ قال : يَأْتِى على الخلقِ ساعةٌ يَذْهَلُ فيها
عقلُ كلِّ ذى عقلٍ. ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَهُ الرُّسُلَ﴾.
وأخرَج الخطيبُ فى ((تاريخِه)) عن عطاءِ بنِ أبى رَباحِ قال: جاء نافعُ بنُ
الأزرقِ إلى ابنِ عباسٍ فقال: والذى نفسى بيدِه، لتُفَسِّرَنَّ لى آيًا مِن كتابِ اللَّهِ
عزَّ وجلَّ أو لأَكْفُرَنَّ به . فقال ابنُ عباسٍ : وَيْحَك! أنا لها اليومَ، أَىُّ آي؟ قال :
أخْبِرْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ
لَّ﴾. وقال فى آيةٍ أُخْرى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ
بُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥]. فكيف عَلِموا، وقد قالوا: ﴿لَا
٣٤٥/٢ عِلَمَ لَنَا﴾؟ وأخْبِرْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَيْكُمْ
تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. وقال فى آيةٍ أُخرى: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ﴾ [ق: ٢٨].
فكيف يَخْتَصِمون وقد قال: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ﴾؟ وأَخْبِرْنى عن قولِ اللَّهِ:
﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥].
فكيف شَهِدوا وقد ختَم على الأقْواهِ؟ فقال ابنُ عباسٍ : ثَكِلتْك أُمُّك يابنَ
الأَزْرَقِ، إنَّ للقيامةِ أحوالًا وأهوالًا، وفظائعَ وزلازلَ، فإذا تشَفَّقَتِ
(١) ابن أبى حاتم ١٢٣٥/٤ (٦٩٧٠).
(٢) ابن أبى حاتم ١٢٣٥/٤ (٦٩٧١).

٥٨٩
سورة المائدة : الآية ١٠٩
السماواتُ ، وتناثَرَتِ النجومُ، وذَهَب ضَوءُ الشمسِ والقمرِ ، وذهَلَتِ الأمهاتُ
عن الأولادِ ، وقَذَفَتِ الحواملُ ما فى البطونِ، وسُجِّرَتِ البحارُ، ودُكْدِ كَتِ
الجبالُ، ولم يَلْتَفِتْ والدٌ إلى ولدٍ، ولا ولدٌ إلى والدٍ، وجِىءَ بالجنةِ تَلُوحُ فيها
قِبابُ الدُّرِّ والياقوتِ ، حتى تُنْصَبَ على يمينِ العرشِ، ثم جِىءَ بجهنمَ تُقَادُ
بسبعينَ ألفَ زِمامٍ مِن حديدٍ ، ◌ُمْسِكٌ بكلِّ زِمامٍ سبعون ألفَ مَلَكِ ، لها عَينانِ
زَرْقاوانٍ، تُرِ الشَّفَةُ السفلَى أربعين عامًا، تَخْطِرُ كما يخطِرُ الفحلُ، لو تُرِكَت
لَأَتَت على كلِّ مؤمنٍ وكافرٍ، ثم يُؤْثَى بها حتى تُنْصَبَ عن يسارِ العرشِ،
فتَستَأْذِنُ ربَّها فى السجودِ ، فيَأْذَنُ لها، فتَحْمَدُه بمحامدَ لم يَسْمَعِ الخلائقُ
بمثلها؛ تقولُ : لك الحمدُ إلهى إذ جَعَلتنى أَنْتَقِمُ من أعدائِك، ولم تَجْعَلْ لى شيئًا
مِمّا خَلَقْتَ تَنْتَقِمُ به منِّى، إلىَّ أَهْلى. فَلَهِىَ أَعْرَفُ بأهلِها مِن الطيرِ بالحَبِّ على
وجهِ الأرضِ، حتى إذا كانت مِن الموقفِ على مسيرةٍ مائةٍ عامٍ، وهو قولُ اللَّهِ
تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢]. زَفَرت زفرةً، فلا يَبْقَى
مَلَكُ مقرَّبٌ، ولا نبىٌّ مرسَلٌ، ولا صِدِّيقٌ منتخَبٌ ، ولا شهيدٌ مما هنالك، إلَّا
خرَّ جاثيًا على ركبتَيْه، ثم تَزْفِرُ الثانيةَ زفرةً، فلا يَبْقَى قطرةٌ من الدموعِ إلا
بَدَرَت ، فلو كان لكلِّ آدمىٌّ يومَئذٍ عملُ اثنين وسبعين نبيًّا لَظَنَّ أنه سيُواقِعُها ، ثم
تَزْفِرُ الثالثةَ زفرةً ، فتنقَلِعُ(١) القلوبُ من أماكنِها ، فتَصيرُ بينَ اللَّهَواتِ والحناجِر ،
ويَعْلو سوادُ العيونِ بياضَها ، يُنادى كلُّ آدمىٌّ يومَئذٍ : يا ربِّ ، نَفْسی نفسى ، لا
أَسْأَلُك غيرَها . حتى إنَّ إبراهيمَ لَيَتَعَلَّقُ بساقِ العرشِ یُنادِی : يا ربِّ ، نفسى
نفسى، لا أسألُك غيرَها. ونبيُّكُمْ وََّ يقولُ: ((يا ربِّ، أُمَّتِى أُمَّتِى)). لا هِمَّةَ
(١) فى م: (( فتنقطع)).

٥٩٠
سورة المائدة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
له غيرُكم، فعندَ ذلك يُدْعَى بالأنبياءِ والرسلِ ، فيُقالُ لهم: ماذا أُجِئْتم؟ قالوا :
لَا علمَ لنا . طاشَتِ الأحلامُ ، وذَهَلَتِ العقولُ، فإذا رَجَعتِ القلوبُ إلى أماكنِها
نَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ .
وأما قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْفِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾. ( فهذا وهُم
بالموقفِ يَخْتَصِمون٢ ، فَيُؤْخَذُ للمظلومِ مِن الظالمِ، وللمملوكِ مِن المالكِ،
وللضعيفِ مِن الشديدِ، وللجَمَّاءِ مِن القَرْناءِ، حتى يُؤَدَّى إلى كلِّ ذى حقٌّ
حقُّه ، فإذا أُدِّىَ إلى كلِّ ذى حقٌّ حقُّه ، أُمِرِ بأَهلِ الجنةِ إلى الجنةِ ، وأهلِ النارِ إلى
النارِ، " فلما أَمِرَ بأهلِ النارِ إلى النارِ) اختَصَموا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءٍ
أَضَلُونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. و﴿رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِىِ النَّارِ﴾
ص: ٦١]. فيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَنَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُر
بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]. إنّما الخصومةُ بالموقفِ، وقد قَضَيتُ بينَكم بالموقفِ ، فلا
تَخْتَصِموا لدىَّ. وأما قولُه: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ
أَرْجُلُهُم﴾. فهذا يومَ القيامةِ ، حيثُ يَرَى الكفارُ ما يُعْطِى اللَّهُ أَهلَ التوحيدِ مِن
الفضائلِ والخيرِ، يقولون: تَعَالَوا حتى نَحْلِفَ باللَّهِ ما كنا مشركين. فتَكَلَّمُ
الأيدى بخلافٍ ما قالتِ الأَلسنُ ، وَتَشْهَدُ الأرجلُ تصديقًا للأيدى، ثم يَأْذَنُ اللَّهُ
للأفواهِ فتَنْطِقُ ، فقالوا لجُلُودِهم: لمَ شَهِدْتُم علينا؟ قالوا: أَنطَقَنا اللَّهُ الذى أَنْطَق
(٢)
كلَّ شيءٍ(٢).
قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية.
(١ - ١) سقط من : م.
(٢) الخطيب ٣٠٢/١٢ -٣٠٤.

٥٩١
سورة المائدة : الآية ١١٠
أخرَج ابنُّ أبى حاتم ، وابنُ مَرْدُويه ، وابنُ عساكرَ، عن أبى موسى الأشعرىِّ
قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((إذا كان يومُ القيامةِ دُعِىَ بالأنبياءِ وأمها، ثم يُدْعَى
بعيسى، فيُذَكِّرُه اللَّهُ نعمتَه عليه، فيُقِرُّ بها، فيقولُ: ﴿يَعِيسَى أَبْنَ مَّرْيَمَ اذْكُرْ
نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ - الآية - ثم يقولُ: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أُمَّخِذُونِ
وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. فيُنْكِرُ أن يكونَ قال ذلك ، فيُؤْتَی بالنصارى فيُشْألون ،
فيقولون: نعم ، هو أمَرَنا بذلك. فيَطُولُ شعرُ عيسى، حتى يأخُذَ كلُّ مَلَكٍ من الملائكةِ
بشعرةٍ من شعرِ رأسِه وجسدِه، فيُجاثيهم بينَ يَدَى اللَّهِ مقدارَ ألفٍ عام، حتى يُوقِعَ (١)
ء
عليهم الحُتَّةَ، ويُرفَعُ لهم الصليبُ، ويُنْطَلَقُ بهم إلى النارِ)) (١).
وأخرج ابن أبى حاتم ، مِن طريقٍ أبى بكرٍ بنِ عَيَّاشٍ ، عن ابنٍ وهب ، عن أبيه
قال : قدِم رجلٌ مِن أهلِ الكتابِ اليمنَ ، فقال أبى : ائِه فاسمَعْ منه . فقلتُ :
تُحِيلُنى على رجلٍ نصرانيٌ؟ قال: نعم، اثْتِه واسمَعْ منه. فأتَيْتُه، فقال: لَّ رفَع اللَّهُ
عيسى عليه السلامُ أقامَه بينَ يَدَىْ جبريل وميكائِيلَ، فقال له: اذْكُوْ نِعْمَتى عليك
وعلى والدتك ؛ فَعَلتُ بك وفعلتُ بك، ثم أخرَجْتُك مِن بطنٍ أمِّك، ففعَلتُ
بك وفعَلتُ بك، وستكونُ أمةٌ بعدَك يَنْتَحِلُونك ويَنْتَحِلُون ربِوبِيَّتَك،
وَيَشْهَدون أنَّك قد مُتَّ، وكيف يكونُ ربِّ يموتُ؟! فبعِزَّتِى حَلَفْتُ لأَنَاصِبَشَّهم
الحسابَ يومَ القيامةِ ، ولأقيمتَّهم مُقامَ الخَصْم مع الخَصم ، حتى يُنْفِذوا ما قالوا،
ولن يُنفِذُوه أبدًا. ثم أسلم، وجاء من الأحاديثِ بشىءٍ لم أَسْمَعْ مثلَها(١).
(١) فى ص، ف٢: ((يدفع))، وفى ب١: ((يقع))، وفى م، وتاريخ دمشق: ((يرفع))، وفى تفسير ابن
كثير : ((ترفع)) .
(٢) ابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤، ١٢٣٧ (٦٩٧٦)، وابن عساكر ٤٠/٦٧ . وقال ابن كثير بعد أن أورد
هذا الحديث : وهذا حديث غريب عزيز . تفسير ابن كثير ٢٢٧/٣.
(٣) ابن أبى حاتم ١٢٣٧/٤ (٦١٩٥).

٥٩٢
سورة المائدة : الآيات ١١٠ - ١١٥
وأخرَج ابنُ أبى حاتم عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ
٣٤٦/٢ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾. أى: الآياتِ التى/ وضَع على يَدَيْه؛
مِن إحياءِ المَوْتَى، وخَلْقِهِ مِن الطينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ ، ثم يَنْفُخُ فيه فيكونُ طَيْرًا یإذنٍ
اللَّهِ ، وإثراءِ الأسْقامِ، والخبرِ بكثيرٍ مِن الغُيُوبِ مِمّا يدَّخِرون فى بُيُوتِهم، وما رَدَّ
عليهم مِن التوراةِ مع الإنجيلِ الذى أَحْدَثَ اللَّهُ إليه. ثم ذكَر كفرَهم بذلك كلِّه(١).
قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْثُ﴾ الآية .
أخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ، عن الشُّدِّىٌّ فى قوله: ﴿وَإِذْ
أَوْحَيْثُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ﴾. يقولُ: قَذَفْتُ فى قلوبِهم(١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ﴾. قال :
وَحْىٌّ قُذِفَ فى قلوبِهم ، ليس بوحي نُوَّةٍ ، والوحىُ وَحْيانِ ؛ وحِىٌّ تَجِىءُ به
الملائكةُ، ووحِىٌّ يُقْذَفُ فى قلبِ العبدِ .
قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ الآيات .
أخرَج ابنُ أبى شيبةَ، وابنُ جريٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخِ،
وابنُ مردُويَه ، عن عائشةَ رضِى اللَّهُ عنها قالت : كان الحَوارِيُّون أعلمَ باللَّهِ مِن أن
يقولوا : هل يستطيعُ ربُّك ؟ إنما قالوا : هل تستطيعُ أنت ربَّك؛ هل تستطيعُ أن
(٣)
تَدْعُوَهِ (٣) ؟
(١) ابن أبى حاتم ١٢٤٢/٤ (٧٠٠٤) .
(٢) ابن جرير ١١٦/٩، وابن أبى حاتم ١٢٤٢/٤ (٧٠٠٥)
(٣) ابن جرير ١١٧/٩، ١١٨، وابن أبى حاتم ١٢٤٣/٤ (٧٠١٤).

٥٩٣
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
وأخرج الحاكمُ وصحَّحه، والطبرانىُ، وابنُ مردُويَه، عن عبدِ الرحمنِ بنٍ غَنْمِ
قال : سألتُ مُعاذَ بنَ جبلٍ عن قولِ الحَوارِيِّين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؟ أو: (تستطيعُ
ربِّك)؟ فقال: أَقْرَأَنَى رسولُ اللَّهِ وَلَ: (((هل تستطيعُ ربَّك)) بالتاءِ().
وأخرج أبو عُبيدٍ، وعبدُ بنُ حُميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، وأبو الشيخِ، عن ابنٍ
عباسٍ ، أنه قرأها : (هل تستطيعُ ربَّك). بالتاءِ، وبنصْبٍ ( ربَّك).
وأخرج أبو عُبيدٍ ، وابنُ جريرٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنه قرأها : ( هل تستطيعُ
ربَّك). وقال: هل تستطيعُ أن تَسْأَلَ ربَّك(٢) .
وأخرج ابن أبى حاتم عن عامرِ الشعبىِّ، أنَّ عليًّا كان يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ﴾. قال: هل يُطِيعُكِ رَبِّكَ(٣).
وأخرج عبدُ بنُ حُميدٍ ، عن يحيى بنِ وَتَّابٍ، وأبى رَجاءٍ، أنهما قَرأَا: ﴿هَلْ
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بالياءِ والرفعِ .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن السدىِّ فى قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآَبِدَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. قال: قالوا: هل يُطيعُكِ رِبُّك إنْ سَأَلْتَه؟ فَأَنْزَل اللَّهُ عليهم
مائدةً مِن السماءِ ، فيها جميعُ الطعامِ إلا اللحمَ، فأكّلوا منها(1) .
وأخرَج ابنُ أبى حاتم عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿مَابِدَةٌ﴾. قال: المائدةُ
(١) الحاكم ٢٣٨/٢، والطبرانى ٦٩/٢٠ (١٢٨)، وفى مسند الشاميين (٢٢٤٤). والقراءة بالتاء قراءة
متواترة ، قرأ بها الكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩ ، ونسبها أبو حيان إلى على ومعاذ وابن
عباس وعائشة وسعيد بن جبير . البحر المحيط ٥٤/٤ .
(٢) ابن جرير ١١٨/٩.
(٣) ابن أبى حاتم ١٢٤٣/٤ (٧٠١٥).
(٤) ابن جرير ٩/ ١٢١.
( الدر المنثور ٣٨/٥ )

٥٩٤
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
الخِوانُ. وفى قوله: ﴿وَتَطْمَيِنَّ﴾. قال: تُوقِنَ(١).
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، (( وأبو الشيخ)، (٢ عن السدىٌّ) فى
قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ اليومَ الذى نَزَلَتْ فيه
عيدًا، نُعَظِّمُه نحنُ ومَن بعدَنا(٤).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريٍ، وابنُ المنذرٍ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو
الشيخ، عن قتادةً فى قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾. قال: أرادوا أن
تكونَ لعَقِهم مِن بعدِهم(٥) .
وأخرَج الحكيمُ الترمذىُّ فى ((نوادرِ الأصولِ))، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ
فى ((العظمةِ))، وأبو بكرٍ الشافعىُّ فى ((فوائدِه)) المعروفةِ بـ((الغَيلانياتِ))، عن
سلمانَ الفارسيِّ قال: لمَّا سأل الحَوَارِيُّون عيسى ابن مريمَ المائدةَ، كَرِه ذلك جِدًّا ،
وقال: اقْتَعوا بما رَزَقَكُمْ اللَّهُ فى الأرضِ ، ولا تسألوا المائدةَ مِن السماءِ، فإنها إن
نَزَلَتْ عليكم كانت آيَةً مِن ربِّكم، وإنما هَلَكَتْ ثمودُ حِينَ سألوا نبيَّهم آيةً ،
فابْتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها . فَأَبَوْا إلا أن يَأْتِيَهم بها ، فلذلك قالوا: ﴿ثُرِيدُ
أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ
الشَّهِدِينَ﴾. فلَمَّا رأى عيسى أن قد أبَوْا إلا أن يَدْعُوَ لهم بها، قام فَأَلْقَى عنه
الصُّوفَ وَلَبِسَ الشعَرَ الأسودَ، وُجُبَّةً مِن شعَرٍ، [١٥٠ و] وعَباءَةً مِن شعَرٍ ، ثم
(١) ابن أبى حاتم ٤/ ١٢٤٤، ١٢٤٥ (٧٠١٨، ٧٠٢١).
(٢ - ٢) سقط من: ر ٢.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ف ٢.
(٤) ابن جرير ١٢٣/٩، وابن أبى حاتم ٤/ ١٢٤٨، ١٢٤٩ (٧٠٣٥).
(٥) ابن جرير ١٢٣/٩، وابن أبى حاتم ١٢٤٩/٤ (٧٠٣٧).

٥٩٥
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
تُوَضَّأْ واغْتَسَل ودخَل مُصَلّاه فصَلَّى ما شاء اللَّهُ، فَلَمَّا قضَى صلاتَه قام قائمًا
مُسْتَقْبِلَ القِبلةِ ، وصَفَّ قَدَمَيْه حتى اسْتَوَيا ، فَأَلْصَق الكعبَ بالكعبِ ، وحاذَی
الأصابعَ بالأصابع(١)، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ
بصرَه وطَأْطَأَ رأسَه ◌ُشوعًا، ثم أرْسَل عَيْنَيْه بالبكاءِ، فمازالت دموعُه تَسيلُ
على خَدَّيْه وتَقْطُرُ مِن أطرافٍ لحيته ، حتى ابْتَلَّتِ الأَرضُ حِيالَ وجهِه مِن
خشوعِه، فلمَّا رأَى ذلك دعا اللَّهَ فقال: ﴿ الَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةٌ مِّنَ
السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾: تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وَءَايَةٌ
مِنٌ﴾. أى علامةً منك، تكونُ بينَنا وبينَك، وارْزُقْنا عليها طعامًا تَأْكُلُه،
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ﴾. فَأَنْزَل اللَّهُ عليهم سُفْرَةً حَمْراءَ بينَ غَمَامَتَيْ؛ غَمامةٍ
فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم يَنْظُرُون إليها فى الهواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السماءِ
تَهْوِى إليهم، وعيسى يَتْكى خوفًا للشُّروطِ التى أَنَّخَذ اللَّهُ عليهم فيها؛ أنه يُعَذِّبُ
مَن يَكْفُرُ بها منهم بعدَ نزولها، عذابًا لم يُعَذِّبْه أحدًا مِن العالَمِين، وهو يدعو اللَّهَ
فى مكانِه ويقولُ : إلهى اجْعَلْها رحمةً ، إلهى لا تَجْعَلْها عذابًا، إلهى كم مِن
عَجيبةٍ سَأَلْتُك فأعْطَيْتَنى، إلهى اجْعَلْنا لك شاكِرِين، إلهى أَعُوذُ بك أن تكونَ
أَنْزَلْتَها غضبًا ورِجْزًا(٢) ، إلهى اجْعَلْهَا سلامةً وعافيةً، ولا تَجْعُلْها فتنةً ومُثْلَةً . فما
زال يدعو حتى اسْتَقَّتِ السُّفْرةُ بينَ يدَیْ عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه ،
يَجِدون رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةٌ مِثْلَها قَطَّ ، وخَرَّ عيسى
والحواريون للَّهِ سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رَزَقَهم مِن/حيثُ لم يَخْتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً
٣٤٧/٢
(١) ليس فى : الأصل.
(٢) فى الأصل، ر٢، والعظمة: ((زجرا))، وفى ابن أبى حاتم وابن كثير: ((جزاء)).

٥٩٦
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
عظيمةٌ ( ذاتَ عَجَبٍ وِثْرَةٍ()، وأقْبُلَتِ اليهودُ يَنْظُرُون، فَرَأَوْا أمرًا عجيبًا أوْرَثَهم
كَمَدًا وغَمّا ، ثم انْصَرَفوا بغيظ شديدٍ ، وأقبل عيسى والحوارِیُّون وأصحابُه حتى
جَلَسوا حولَ الشُّفْرةِ ، فإِذا عليها مِنْدِيلٌ مُغَطَّى، قال عيسى: مَن أَجْرَؤُنا على
كشفِ المنديلِ عن هذه السّفرةِ، وأَوْثَقُنا بنفسِه، وأحْسَنُنَا بلاءً عندَ ربِّه،
فَلْيَكْشِفْ عن هذه الآيةِ حتى نراها ، ونَحْمَدَ ربَّنا ونَذْكُرَ باسمِه ، ونَأْكُلَ مِن رزقِه
الذى رَزَقَنا؟ فقال الحَوَارِيُّون: يا رُوعَ اللَّهِ وكلمتَه، أنت أَوْلَانا بذلك وأحَقُّنا
بالكشف عنها . فقام عيسى فاسْتَأْنَف وُضُوءًا جديدًا، ثم دخَل مُصَلَّه فصلَّى
بذلك رَكَعَاتٍ(٢)، ثم بكَى طويلًا ودعا الله أن يأَذَنَ له فى الكشف عنها،
ويَجْعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انْصَرف وجلَس إلى السُّفرةِ وتَناوَل المنديلَ
وقال : بسم اللَّهِ خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرةِ، وإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ
مَشْوِيَّةٌ، ليس عليها بَوَاسِيرُ، وليس فى جَوْفِها شَوٌْ، يَسيلُ " السمنُ
منها٢) سَيْلًا، قد نُضِّد حولَها بِقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُوَّاثِ ، وعندَ رأْسِها
خَلٍّ، وعندَ ذَنَبِها مِلح، وحولَ الثُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ ، على واحدٍ منها زيتونٌ
وعلى الآخَرِ ثَمَراتٌ(٤)، وعلى الآخرِ خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمْعونُ رأسُ
الحَوارِيِّين لعيسى: يا رُوحَ اللَّهِ وكلمتَه، أمِن طعامِ الدنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنةِ؟
فقال : أما آنَ لكم أن تَعْتَبروا بما تَرَوْن مِن الآياتِ ، وتَنْتَهوا عن تَنْقِيرِ المسائلِ، ما
أَخْوَفَنى عليكم أن تُعاقَبوا فى سببِ هذه الآيةِ . فقال شمعونُ : لا وإلهِ إِسرائيلَ،
(١ - ١) فى الأصل: ((لا تعجبوا غيره)).
(٢) فى ب ١، ف ٢، ر ٢: ((ركعتين)).
(٣ - ٣) فى م: ((منه السمن)).
(٤) فى الأصل، ب١، ف١، ر٢، م، وأبى الشيخ: ((تمرات)).

٥٩٧
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
ما أردتُ بها سُوءًا يا بنَ الصِّدِّيقةِ. فقال عيسى: ليس شىءٌ مِمّا تَرَوْن عليها مِن
طعامِ الجنةِ، ولا مِن طعام الدنيا، إنما هو شىءٌ ابْتَدَعه اللَّهُ فى الهواءِ بالقُدرةِ الغَالِيَةِ
القاهِرَةِ ؛ فقال له: كُنْ. فكان أسرعَ مِن طرفةٍ عينٍ ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُم باسم اللَّهِ ،
واحْمَدُوا علیہ ربّكم ، ◌ُمِدَّکم منه ویزِدْ کم ، فإنه بَدیعٌ قادرٌ شا کرٌ. فقالوا : يا
رُوعَ اللَّهِ وكلمتَه، إِنَّا نُحِبُّ أن تُرِيَنا آيَةً فى هذه الآيةِ ، فقال عيسى: سبحانَ
اللَّهِ ، أمَا اكْتَفَيْتُم بما رأَيْتُم مِن هذه الآيةِ، حتى تَسْأَلُوا فيها آيَةً أُخْرَى، ثم أقْبَل
عيسى على السمكةِ فقال : يا سمكةُ ، عُودى بإذنِ اللَّهِ حَيَّةً كما كُنتٍ . فأحياها
اللَّهُ بِقُدرتِه ، فاضْطَرَبَتْ وعادتْ بإذنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَقَّظُ كما يَتَلَقَّظُ الأسدُ ،
تَدُورُ عَيْناها، لها بَصيصٌ، وعادتْ عليها بَواسِيرُها، ففَزِع القومُ منها
وانْحاسوا (١) ، فلمَّا رأى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسْأَلون الآيةَ، فإذا
أراكُمُوها ربُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أُخْوَفَنى عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصْنعون ، یا
سمكةُ ، عُودِى بإذنِ اللَّهِ كما كُنتِ . فعادتْ بإذنِ اللَّهِ مشوِيَّةً كما كانت فى
خَلْقِها الأولِ ، فقالوا لعيسى: كُنْ أنت يا رُوعِ اللَّهِ الذى تَبْدَأُ بالأكلِ منها ، ثم
نحنُ بعدُ. فقال: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذلك، يَبْدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فَلَمَّا رأى
الحَوَارِيُّون وأصحابُهم امْتِناعَ نبيِّهم منها، خافوا أن يكونَ نزولُها سُخْطَةً، وفى
أكلِها مُثْلَةً، فتحامَوْها، فلَمَّا رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمْنَى وقال:
كُلُوا مِن رزقٍ ربّكم ودعْوةِ نبيِّكم، واحْمَدوا اللَّهَ الذى أَنْزَلَها لكم؛ ليكونَ
مَهْناها لكم وعقوبتُها على غيرِ كم ، واقْتَتِحوا أكْلَكم باسم اللهِ ، واخْتِموه بحمدٍ
اللَّهِ . ففَعَلوا ، فأكَل منها ألفٌ وثلاثمائةِ إنسانٍ، بينَ رجلٍ وامرأةٍ ، يَصْدُرون(٣)
(١) الحوس : الحركة والاضطراب. ينظر التاج (ح وس).
(٢) فى ص، ف ٢: ((يصدون)).

٥٩٨
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعان يَتَجَشَّأَ، ونظَر عيسى والحوارِيُّون فإذا ما عليها
كهيئةٍ(١) إذ نَزَلَتْ مِن السماءِ، لم يُنْتَقَصْ منه شىءٌ، ثم إنها رُفِعَتْ إلى السماءِ
وهم يَنْظُرون، فاسْتَغْتَى كلُّ فقيرٍ أُكَل منها، وتَرِئ كلُّ زَمِنٍ منهم أكّل منها ، فلم
یزالوا أغنياء صحاحًا حتى خرجوا مِن الدنيا ، ونَدِم الحوارُّون وأصحابُهم الذين
أبَوْا أن يَأْكُلُوا منها نَدامةً سالت منها(٢٢) أشْغارُهم، وبَقِيَتْ حَسْرتُها فى قلوبهم
إلى " يوم المماتِ. قال: فكانتِ المائدةُ إذا نَزَّلَتْ بعدَ ذلك، أقْبَلَت بنو إسرائيلَ
إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسْعَوْن، يُزاحِمُ(٤) بعضُهم بعضًاً)، الأغنياءُ
والفقراءُ، والنساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحَّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ
بعضُهم بعضًا ، فلمَّا رأى عيسى ذلك جَعَلَها نُوَبًا بينَهم ، فكانت تَنْزِلُ يومًا ولا
تَنزِلُ يومًا ، فَلَبِثوا فى ذلك أربعين يومًا ، تَنزِلُ عليهم غِبًا عندَ ارتفاع الضُّحَى ، فلا
تَزالُ موضوعةً يُؤْكَلُ منها ، حتى إذا قالوا ارْتَفَعَتْ عنهم بإذنِ اللَّهِ إلى جوِّ السماءِ،
وهم يَنْظُرُون إلى ظِلِّها فى الأرضِ حتى تَوَارَى عنهم، فأَوْحَى اللَّهُ إلى عيسى ؛ أنٍ
اجْعَلْ رزقى فى المائدةِ لليَتَامى والفقراءِ والزَّمْنَى، دُونَ الأغنياءِ مِن الناسِ. فلمّا
فعَل اللَّهُ ذلك، ارْتاب بها الأغنياءُ وغَمَصوا (٥) ذلك، حتى شَكّوا فيها فى
أنفسِهم وشَكّكوا فيها الناسَ، وأذاعوا فى أمرِها القبيحَ والمنكرَ، وأَدْرَك الشيطانُ
(١) فى الأصل ، ر ٢: ( کھیئته)).
(٢) فى ص، ف ٢: ((عنها))، وفى ر ٢: ((فيها)).
(٣ - ٣) ليست عند ابن أبى حاتم.
(٤) فى الأصل، ص، ب ١، ف ١، ف ٢، ر ٢: ((فزاحم)).
(٥) عند ابن أبى حاتم: ((غمطوا)). وكلاهما بمعنى الاستهانة والاستحقار. ينظر النهاية ٣/ ٣٨٦،
٣٨٧.

٥٩٩
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
منهم حاجَتَه، وقذَف وَسْواسَه فى قلوبِ المرتابين حتى قالوا لعيسى: أخْبِرْنا عن
المائدةِ ونزولِها مِن السماءِ حقٌّ ؛ فإنه قد ارتاب بها بشرٌّ منَّا كثيرٌ ؟ قال عيسى :
هَلَكْثُمُ() وإلهِ المسيحِ، طَلَبْتُم المائدةَ إلى نبيِّكم أن يَطْلُبَها لكم إلى ربِّكم، فَلَمَّا أنْ
فَعَل وأَنْزَلَها اللَّهُ عليكم رحمةً ورزقًا، وأَرَاكم فيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتم بها
وشَكَكْتُم فيها ، فأَبْشِروا بالعذابِ فإنه نازِلٌ بكم إلا أن يَرْحَمَكم اللَّهُ. وأوْحَى اللَّهُ
إلى عيسى: إنِّى / آخِذُ المُكَذِّبِين بشَرْطى، فإنِّى مُعذِّبٌ منهم مَن كفَر بالمائدةِ ٣٤٨/٢
بعدَ نزولها عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فَلَمَّا أمْسَى المرتابون بها، وأخَذوا
مَضاجِعَهم فى أحْسَنِ صورةٍ مع نسائِهم آمِنِين ، فلمَّا كان مِن آخِرِ الليلِ مَسَخَهم
اللَّهُ خنازيرَ، وأَصْبَحوا يتبعون الأقذارَ فى الكُناساتِ(٢) .
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتمٍ ، وأبو الشيخِ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه كان
يُحَدِّثُ عن عيسى ابن مريمَ أنه قال لبنى إسرائيلَ: هل لكم أن تصوموا للَّهِ
ثلاثين يومًا، ثم تَشْأَلُوه فيُعْطِيَّكم ما سألتم ، فإن أجرَ العاملِ(٣) على مَن عَمِل
له؟ ففَعَلوا ثم قالوا: يا معلمَ الخيرِ، قُلتَ لنا: إن أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له(٤)
وأمَوْتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا ففَعَلْنا، ولم نَكُنْ نَعْمَلُ لأحدٍ ثلاثين يومًا إِلا أَطْعَمَنا ،
فـ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَدًّا مِّنَ
اُلْعَلَمِينَ﴾. فَأَقْبَلَتِ الملائكةُ تَطيرُ بمائدةٍ مِن السماءِ، عليها سبعةُ أَحْوَاتٍ وسبعةٌ
(١) فى م: (( كذبتم)).
(٢) ابن أبى حاتم ١٢٤٤/٤ - ١٢٥٥ (٧٠١٧، ٧٠١٩، ٧٠٢٠، ٧٠٢٩، ٧٠٣٤، ٧٠٣٨،
٧٠٤٠، ٧٠٤٢، ٧٠٤٤، ٧٠٥٩)، وأبو الشيخ (١٠١١). وقال ابن كثير: هذا أثر غريب جدًّا .
تفسیر ابن کثیر ٢٢٥/٣.
(٣) فى ف ١: ((العالمين)).
(٤) بعده فى الأصل، ص، ف ٢: ((ففعلوا)).

٦٠٠
سورة المائدة : الآيات ١١٢ - ١١٥
أرغفةٍ، حتى وَضَعَتْها بينَ أيديهم، فأكّل منها آخِرُ الناسِ كما أكَل منها أوَّلُهم (١).
وأخرج الترمذىُّ، وابنُ جريرٍ ، وابنُّ أبى حاتم، وابنُ الأنبارىِّ فى كتابٍ
((الأضدادِ))، وأبو الشيخ ، وابنُ مَردويَه، عن عمارِ بنِ ياسرٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ
وَله : «أَنْزِلَتِ المائدةُ مِن السماءِ خُبًا ولحمًا، وأُمِروا ألَّ يخونوا ولا يَدَّخِروالغدِ،
فخانوا واذَّخروا ورَفَعوا لغدٍ ، فَمُسِخوا قِرَدةً وخنازيرَ))(٢) .
وأخرَج ابنُّ جريرٍ ، وابنُّ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن وجهٍ آخرَ، عن عمار بنِ
ياسرٍ موقوفًا، مثلَه (٢). قال الترمذىُّ: والوقفُ أصُ.
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ ، وابنُ مَردُویه، عن
عمارِ بنِ ياسرٍ قال: نَزَلَتِ المائدةُ عليها ثَمَرٌ مِن ثَمرِ الجنةِ(٤).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن ابنِ عباسٍ قال: المائدةُ سمكةٌ وأرغفةٌ(*).
وأخرَج سفيانُ بنُ عُبَيْنَةَ عن عكرمةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَ لَه قال: ((لولا بنو
إسرائيلَ ما خَنِزِ (١) الخبزُ، ولا نَ اللحمُ، ولكنَّهم(٢) خبَّئوه لغدٍ، فأنْتَنَ اللحمُ
وخَيز (٨) الخبزُ)).
(١) ابن جرير ٩/ ١٢١، وابن أبى حاتم ٤/ ١٢٤٤، ١٢٤٦ (٧٠١٦، ٧٠٢٤)
(٢) الترمذى (٣٠٦١)، وابن جرير ١٢٨/٩، وابن أبى حاتم ١٢٤٥/٤، ١٢٥١، ١٢٥٢ (٧٠٢٢،
٧٠٤٥)، وابن الأنبارى ص ٣٥٠، وأبو الشيخ (١٠١٢). ضعيف (ضعيف سنن الترمذى - ٥٨٧).
(٣) ابن جرير ١٢٨/٩. وينظر ما سيأتى عند ابن أبى حاتم فى ص ٦٠٤ .
(٤) ابن أبى حاتم ١٢٤٥/٤ (٧٠٢٣).
(٥) فى الأصل، ف ١، م: ((أريغفة)).
والأثر عند ابن أبى حاتم ١٢٤٦/٤ (٧٠٢٥) .
(٦) فى الأصل، ص، ف ٢: ((خبز)). وما خنز: أى ما أنتن. النهاية ٨٣/٢.
(٧) فى م: ((لكن)).
(٨) فى الأصل، ص، ف٢: ((خبز)).