النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
ومنها: ما عُرفَ بالتاريخ، كحديث ((شدَّاد بن أوس)) وغيره، أن رسول الله
﴿﴿ قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم) وحديث ((ابن عباس)): ((أَنَ رسول الله وَه
احتجمٍ وهو صائم)).
(بيّن)(١) ((الشافعيّ)) أن الثاني ناسخ للأول، من حيث أنه رُوي في حديث
((شداد)) أنه كان مع النبي ◌َّ زمانَ الفتح فرأى رجلًا يحتجمُ في شهر رمضان
فقال: ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)) ورُوِيَ في حديث ابن عباس أنه رَّ احتجم
وهو مُحْرِم صائم؛ فبان بذلك أن الأولَ كان (في)(٢) زمن الفتح في سنة ثمان،
والثاني في حجّة الوداع في سنة عشر.
ومنها: ما يُعرفُ بالإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة؛ فإنه
منسوخٌ عُرفَ نسخُهُ بانعقاد الإجماع على ترك العمل به، والإجماع (لا يَنسخُ ولا
یُنسخ)(٣)، ولكن يدل على وجود ناسخ غیره. انتهى.
النسخ في اللغة يُطلق على الإزالة وعلى التحويل، وأما نسخ الأحكام الشرعية
وهو المحدود (هاهنا)(٤) فهو عبارةٌ عن رَفْعِ الشَّارِع حُكمًا من أحكامه سابقًا بحكمٍ
من أحكامه لاحق، والمراد برفع الحكم: قطع تعلّقه عن المكلف.
واحتُرِز ((بالرفع)) عن: بيان المجمل؛ فإنه ليس برفع .
و ((بالشارع» عن: إخبار من شاهدَ النسخ من الصحابة، وأخبر به غيره.
و((برفع الحكم)) عن: رفع الإباحة الأصلية؛ فإنّه لا يُسمَّى نسخًا.
و((بالسابق)) عن: التخصيص المتصل بالتكليف؛ كالاستثناء ونحوه.
و((بحكم من أحكامه)) عن: رفع الحكم لموت المكلف، أو زوال التكليف بجنون
أو نحوه.
و((باللّحق)) عن: انتهاء الحكم بانتهاء الوقت؛ كقوله وَله: ((إنَّكُم (لاَقُوا)(٥)
العدو غدًا، والفِطْرِ أَقْوى لكم فَأَفْطِرِوا)).
(٢) من خط، وليس في ش وع.
(١) خط وع، وفي ش: ((فبيين)).
(٣) ضبطهما في خط: بفتح المثناة في الأولى والضم في الثانية.
(٤) من خط، وفي ل: ((هذا)).
(٥) هكذا في خط ول، وهو عند مسلم (١١٢٠)، وأبي داود (٢٤٠٦)، وكذلك أحمد (٣/ ٣٥) بلفظ آخر
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ فراجعه.

٤٦٢
النوع الرابع والثلاثون
فالصوم بعد ذلك ليس لنسخ متأخٍّ .
والمصنِّف تَبَعَ في حَدِِّ القاضي أبا بكر الباقلاني؛ فإنه حَدَّ برفع الحكم،
واختاره الآمدي وابن الحاجب(١).
(واعتُرضَ) عليه بأنَّ الحكم قديم لا يرتفع، (وربما تقدم)(٢) أنَ المراد برفع
الحكم قطع تعلّقه عن المكلف(١).
ويُعْرَفُ النسخ بأربعة أمور: بنصِّ الشارع عليه، أو بنصِّ صحابيٍّ، أو بمعرفة
التاريخ، أو بالإجماع.
فالأول: كقوله وَله: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبُورِ فزوروها؛ وكنتُ نهيتُكُم
عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ فكلوا ما بدا لكم؛ وكنتُ نهيتُكُم عن الظروف))
الحديث .
أخرجه: مسلم، والترمذي وصححه، من حديث بريدة بن الحصيب.
والثاني: كقول جابر: ((كانَ آخر الأمْرَيْن)» .. إلى آخره(٣).
(واعتُرضَ) (على) (٤) المصنِّف في جعله قول الصحابي يكون ناسخًا،
والصحيح عن الأصوليين؛ كالإمام، والآمدي، وابن الحاجب أنّه لا يكتفى بقوله:
((هذا منسوخ))، بل لا بد من التصريح بقوله: ((هذا متأخِّر عن هذا)) ولا يكفي
قوله: ((هذا منسوخ)) لاحتمال أن يقوله عن اجتهاد (أو يراه)(٥).
نعم حكي في ((المحصول)) عن الكرخي: أنّه يكفي؛ ويعضده ما حكاه البيهقي
في ((المدخل)) (بإسناده) (٦) إلى الشافعي، وعبارته: ((ولا يستدل على الناسخ
والمنسوخ إلاَّ بخبرٍ عن رسول الله وَلِّ، أو بوقت يدلُّ على أنَّ أحدهما بعد
الآخر، أو (بقول)(٧) مَن سمع الحديث، أو العامّة)).
فذكر الأربعة، وجعل منها: ((قول من سمع الحديث))، وهو الصحابي؛ وما قاله
(١) راجع: ((التقييد)).
(٢) هذا الاحتمال من الأبناسي، ولم يرد في ((ع))، وقد سبقت الإشارة إلى هذا ((المراد)» قريبًا.
(٣) راجع: ((التقييد)) و ((الشرح)).
(٤) في خط: ((عليه)) والصواب ما أثبته، وراجع: ((التقييد)).
(٥) كذا في خط، وفي ع: ((ونحن لا نرى مايراه))، فالظاهر أنّه سقط شيء على الناسخ، ولم نقل: ((لعل
(أو) مقحمة)) وبذلك يستقيم السياق؛ لأنّه ليس من عادة الناسخ أن يقحم شيئًا، وإن أسقط أشياء.
(٦) من ع، وفي خط: ((إسناده)).
(٧) من ع، وفي خط: ((يقول)).

٤٦٣
= معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
الشافعي والمحدثون أوضح وأشهر، إِذْ لا يُصار إلى النسخ بالاجتهاد والرأي، وإنّما
يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكمٍ
شرعيًّ بنسخٍ من غير أن يعرفَ تأخّر الناسخ عنه.
والثالث: كحديث شداد بن أوس(١)، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قال الشافعي: هو منسوخٌ بحديث ابن عباس: ((أنّهِبَِّ احتجمَ وهو مُحرِمٌ صائم)).
أخرجه: مسلم؛ فإنّ ابن عباس إنما صَحِبَهُ مُحْرِمًا في ((حجة الوداع)) سنة عشر.
قال ابن كثير(٢): وإنما أسلم مع أبيه في ((الفتح)) (٣).
والرابع: كحديث معاوية(٤): ((مَنْ شَرِبَ الْخَمْر فاجْلِدُوه، فإِنْ عادَ في الرابعةِ
فاقْتُلُوه)). رواه: أصحاب السُّنن.
ورواه: أحمد في ((مسنده)) من حديث عبد الله بن عمرو بن شرحبيل بن أوس،
ورواه الطبراني من حديث جرير بن عبد الله، والشريد بن أوس(٥).
(واعتُرض) على المصنّف بأنَّ هذا الحديث نُسِخَ بنصِّ الشارع، لا بالإجماع (٦).
روى البزار في («مسنده» من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن
جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله وَّه قال: ((مَن شَرِبَ الخَمْرِ فاجْلِدُوه، فإِنْ عادَ في
الرَّابعةِ فاقْتُلُوهُ )).
قال: فَأُنِيَ بالنعيمان قد شَرِبَ الرابعة فجلَدَهُ، ولم يقتله؛ فكان ذلك نسخًا للقتل.
قال البزار: لا نعلم أحدًا حدَّث به إلا ابن إسحاق.
(١) حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) كما في ل، وقد سبق عند ابن الصلاح.
(٢) راجع: ((الشرح)).
(٣) كذا قرّر ابن كثير رحمه الله، وتبعه الأبْناسي، ولم يتعرض محقق ((الباعث)) لذلك - تبعًا للشيخ شاكر
رحمه الله - وفيه نظر؛ فقد أسلم العباس قبل ((الفتح))، وكان ابن عباس وأمه من ((المستضعفين))، وثمَّن
عَذَرَهُمُ الله عز وجل، كما ذكر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنساء
والوِلْدَانِ .... ) الآية (النساء: ٩٨). وأورد حديثه هذا البخاري في ((صحيحه)) في تفسير الآية المذكورة من
سورة (النساء)). والله أعلم.
(٤) في ع ول: (( .. معاوية قال: قال رسول الله وَ لخير .. )).
(٥) راجع: ((الشرح)) و((التقييد)).
(٦) راجع: (ص / ٣٤٥) ((التقييد)) و((الشرح)).

٤٦٤
النوع الرابع والثلاثون
=
(وذكره)(١) الترمذي تعليقًا من حديث ابن إسحاق ثم قال: وكذلك (رَوَى
الزهري)(٢) عن قبيصة بن ذُؤَيْبِ عن النبي ◌ِّ نحو هذا. قال(٣): فرُفِعَ القتلُ
وكانت رخصةً.
وقبيصة: ذكره ابن عبد البر في ((الصحابة))، وقال: وُلُدَ في أول سنة من
الهجرة، وقيل: وُلِدَ عام ((الفتح))؛ وهو الصحيح (٤).
(واعتُرضَ) أيضًا بأنّه كيف يدّعي الإجماع والخلاف موجود؟ وكأنّه قلَّد
الترمذي في ذلك حيث قال في آخر ((الجامع)): جميع ما في هذا الكتاب معمولٌ
به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
- حديث: ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء
من غير خوفٍ ولا سفر(٥).
- وحديث: إذا شَرِبَ الخمر فاجْلِدُوه؛ فإِنْ (عاد الرابعة)(٦) فَاقْتُلُوه.
قال النووي في ((شرح مسلم)): وهذا في حديث شارب الخمر؛ هو كما قاله؛
فهو حديثٌ منسوخ دلَّ الإجماع على نَسْخِهِ.
قال: وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به .
فأقرَّ النوويُّ الترمذيَّ على أنَّ الإجماع نسخَه؛ وفيه نظرٌ. فقد قال بقتله ابن
حزم.
فإن قيل: خلاف الظاهرية لا يقدح في الإجماع؛ وسلَّمْنَاه؛ فقد حُكِي ذلك
عن الحسن البصري.
ورواه أيضًا أحمد في ((مسنده)) عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ائتُوني برجلٍ قد
شَرِبَ الخمر في الرابعة فلكُم عليَّ أَنْ أقتله.
(١) من ع، وفي خط: ((وذكر)).
(٢) من خط و ((الترمذي)) (١٤٤٤)، وفي ع: ((روي عن الزهري)).
(٣) يعني: الترمذي.
(٤) راجع: ((التقييد)).
(٥) راجع: (شرح العلل)) لابن رجب (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤ - ط: همام سعيد).
(٦) هكذا في خط، وفي ع والجامع للترمذي: ((عاد في الرابعة)).

٤٦٥
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
=
وإذا ثبتَ الخلاف في هذا؛ فالأَوْلى أن يمثّل له بحديث رواه الترمذي(١) من
حديث جابر قال: كُنَّا إِذا حَجَجْنَا مع النبيِ وَِّ نُلَبِّي عن النساءِ، وَرْمِي عن
الصِّبْیان.
قال الترمذي: (حديث غريب)(٢) لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال: وقد
أجمعَ أهلُ العلم عن أنّ المرأة لا يلبي عنها غيرها، هي تُلَبِّي عن نفسها.
فهذا حديثٌ قد أجمعوا على ترك العمل به، فكان ينبغي للترمذيّ أن يستثنيه
مع الحديثين السابقين.
والجواب عن الترمذي من (وجهين)(٣):
أحدهما: ما أجاب به الشيخ محب الدين الطبري في كتاب ((القرى)) أنَّ المراد
أنَّ المرأة لا ترفع صوتها، ويجزىء عن رفع صوتها: رفع صوت الرجال، لا أنها
لا تُكَبِّي مطلقًا، وأنَّ فيه استعمال المجاز بجعله عن النساء للاجتزاء (بجهر) (٤)
الرجال بالتلبية عن استحبابه في حقِّ النساء، وكأنَّ الرجال قاموا عن النساء بهذه
السُّنة، وفيه تكلُّفُ.
والثاني: أنَّ هذا الحديث قد اختُلِفَ في لفظه على (ابن نُمير)(٥)؛ فرواه
الترمذي عن محمد بن إسماعيل الواسطي عنه هكذا.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن نمير بلفظ: ((حَجَجْنا مع رسول الله وَِّ،
ومعنا النساء والصبيان فليَّيْنَا عن الصبيان (وَرَمَيْنَا)(٦) عنهم. هكذا رواه ابن أبي
شيبة في ((المصنّف))، ومن طريقه رواه ابن ماجه في (سننه)).
قال ابن القطان: وهذا أَوْلَى بالصواب وأشبه به.
وإذا اضطربت رواية الترمذي (٧)؛ فلا يحكم على الحديث بالنسخ عند ترك
العمل به إجماعًا، إلّ إذا عَلَمْنَا صحته.
وقد أشار إلى ذلك الفقيه أبو بكر الصّيرفي في كتاب ((الدلائل)) عند الكلام
-
(١) راجع: ((التقييد)).
(٢) هكذا في خط، وفي ع: ((حديث حسن غريب)).
(٣) هكذا في خط، وفي ع: ((ثلاثة أوجه)).
(٤) من ع، وفي خط: ((لجهر)) باللام.
(٥) ضبط خط .
(٦) من خط، وفي ع: ((وروينا)).
(٧) راجع: ((التقييد)).

٤٦٦
النوع الرابع والثلاثون
على تعارض حديثين فقال: فإنْ أُجْمِعَ على إبطال حكم أحدهما؛ فأحدهما
منسوخٌ أو غلطٌ، والآخر ثابت.
فيمكن حمل ((كلام الصيرفي)) على ما إذا لم يثبت الحديث الذي أُجْمِعَ على
ترك العمل به، فإنَّ الحكم عليه بالنسخ فرعٌ عن ثبوته.
ويمكن حمل كلامه على ما إذا كان صحيحًا أيضًا؛ وهو خبر آحاد؛ وأجمعوا
على ترك العمل به، (ولا)(١) يتعيّن المصير إلى النسخ لاحتمال وجود الغلط من
رُواته؛ فهو (كما قال)(٢) منسوخٌ أو غلط.
وأمّا مَن أجاب(٣) بأنَّ هذا الحديث قد قال ببعضه بعض أهل العلم، وهو الرَّمْي
عن الصبيان فلم يُجْمَع على ترك العمل بجميع الحديث؛ ففيه نظرٌ.
(١) من ع، وفي خط: ((فلا)).
(٢) من ع، وفي خط: ((كمال)).
(٣) هذا هو الجواب الأول من الثلاثة لدى العراقي.
1

٤٦٧
النوع الخامس والثلاثون
معرفة المصحف من
أسانيد الأحاديث ومتونها
هذا فنٌّ جليل إنما ينهض بأعبائه الحُذَّاقُ من الْحُفَّاظ، و((الدار قطني)) منهم، وله
فیه تصنیف مفید.
وروينا عن «أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه(؛ أنه قال: ومن يَعْرَى من
الخطأ والتصحيف؟.
فمثالُ التصحيف في الإسناد: حديثُ شعبةَ عن العوَّام بن مُراجم، عن أبي
عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله وَله: ((لَتُؤَدِّنَّ الحقوقَ
إلى أهلها)) ... الحديث.
صحَّفَ فيه ((يحيى بن معين)) فقال ابن مزاحم، بالزاي والحاء، فرَدّ عليه. وإنما
هو ((ابن مراجم)): بالراء المهملة والجيم.
ومنه: ما رويناه عن ((أحمدَ بن حنبل)) قال: (حدثنا محمد بن جعفر)(١)
قال: (ثنا)(٢) شعبة، عن مالك بن عُرفُطَة، عن عبد خير، عن عائشة: ((أنّ رسول الله
ونَ﴿ فَهَى عن الدُّبَّاء والمزَفَّت)) وقال أحمد: ((صحَّفَ شعبةُ فيه، وإنما هو خالد بن
علقمة)) وقد رواه (زائدة بن قدامة) وغيره على ما قاله أحمد.
وبلغنا عن ((الدارقطني)) أنّ ابن جرير الطبري قال فيمن روى عن النبي ◌َّل
من بني سليم: ((ومنهم عُتّبة بن (البُذَّر)(٣))) قاله بالباء والذال المعجمة، وروى له
حديثًا، وإنما هو ((ابن النُدَّر)) بالنون والدال غير المعجمة.
(١) من ع، وفي خط: ((حدثنا محمد بن حفص))، وفي ش: ((أخبرنا محمد بن جعفر)).
(٣) ضبط خط .
(٢) من خط، وفي ش وع: ((حدثنا)).

٤٦٨
النوع الخامس والثلاثون
=
ومثال التصحيف في المتن: ما رواه ((ابنُ لهيعة)) عن كتاب ((موسى بن عُقبةَ))
إليه، بإسناده عن (زيد) (١) بنَ ثابت أن رسول الله وَ ل احتجم في المسجد - وإنما
هو بالراء ـ ((احتجرَ في المسجد، بخُصِّ أو حصير، حجرةً يصلي فيها)) فصحّفه
((ابن لهيعة)) لكونه أخذه من كتاب بغيرِ سماع،ً ذكر ذلك ((مسلم)) في كتاب
(التمییز) له.
وبلغنا عن ((الدارقطني)) في حديث أبي سفيان عن جابر قال: ((رُميَ أُبِيَّ يومَ
الأحزاب على أكحله، فكواه رسولُ اللهِ وَلِّ)) أن ((غُندرا)) قال فيه: أَبي، وإنما هو
((أُبَيّ بن كعب))
وفي حديث أنس: (((ثم)(٢) يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من
الخير ما يزن ذَرَّةً)) قال فيه شُعبة: ذُرَةً، بالضمّ والتخفيف، ونسب فيه إلى التصحيف.
وفي حديث أبي ذر: (تُعِينَ الصانعَ)) قال فيه ((هشام بن عروة)) بالضاد المعجمة،
وهو تصحيف، والصوابُ مَا رواه ((الزهري)): الصانع، بالصاد المهملة، ضدّ الأخرق.
وبلغنا عن ((أبي زرعة الرازي)) أن يحيى بنَ سلام - هو المفسر - (حدَّث)(٣) عن
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَرَ الفاسقين﴾ قال: ((مصْر))(٤)
واستعظم أبو زَرْعةَ هذا واستقبحه، وذكر أنه في تفسيره عن قتادة: (مَصيرَهم)).
وبلغنا عن ((الدار قطني)) أن محمد بن المثنى أبا موسى العنزي، حدث بحديث
النبيُّ وَّ: ((لا يأتي أحدُكم يوم القيامة ببقرة لها خُوار)) فقال فيه ((أو شاة تَنْعَرُ)
بالنون. وإنما هو: تَيعر، بالياء المثناة من تحت. وأنه قال لهم يومًا: (نحن)(٥) قَوم لنا
شرف، نحن من عَنْزَةَ، قد صلى النبيِّ إلينا)) يريد ما رُوِيَ ((أن النبي
صلى إلى عَنِزَة)) (توهم (٦) أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنزَةُ هَا هنا: حربة نُصِبتْ
بین یدیه فصلَّیَ إليها.
وأظرفُ من هذا ما رويناه عن ((الحاكم أبي عبد الله)) عن أعرابي زعم أنه وَيّ
كان إذا صَلَّى نُصَبَتْ بين يديه شاة (أي صحّفها عَنْزَة)(٧)؛ بإسكان النون.
(١) من ش وع، وفي خط: ((يزي
(٣) من ش وع، وفي خط ((حدّث)).
(٥) من ش وع، وفي خط: ((نحر)).
(٧) من خط وع، وفي ش: ((أي عَنزة صحفها)).
(٢) من ش وع، وليس في خط.
(٤) ضبط خط .
(٦) من ش، وفي ع: ((يوهم))، وفي خط: ((فوهم)).
١

٤٦٩
معرفة المصحَّف من أسانيد الأحاديث ومتونها
وعن ((الدارقطني)) أيضًا أن أبا بكر الصَّولي أملى في الجامع حديث أبي أيوب:
((من صام رمضانَ وأتبعَه ستا من شوال)) فقال فيه: شيئًا، بالشين والياء.
وأن ((أبا بكر الإسماعيلي الإمام)) كان فيما بلغهم عنه يقول في حديث عائشة عن
النبي ◌ّير في الكهان: ((قر الزجاجة)) بالزاي، وإنما هو (((قد)(١) الدجاجة)) بالدال.
في حديث يُروَى عن ((معاوية بن أبي سفيان)) قال: «لَعَنَ رسولُ الله ◌ِلَهـ
الذين يُشْقِّقون (الخُطَب)(٢) تشقيقَ الشِّعْرِ))
(و)(٣) ذكر ((الدار قطني)) عن وكيع أنه قاله مرة بالحاء المهملة، وأبو نعيم شاهد،
فردَّه (عليه) (٤) بالخاء المعجمة (المضمومة)(٥).
وقرأتُ بخَطِّ مصنِّف أن ((ابن شاهين)) قال في جامع المنصور في الحديث: ((إن
النبي ◌َّ نهى عن تشقيق الحَطَب)) فقال بعضُ الملاحين: يا قوم، فكيف نعمل
والحاجةُ ماسَّةً؟
قلت: فقد انقسم التصحيفُ إلى قسمين: أحدهما في المتن والثاني في الإسناد.
وينقسم قسمةً أخرى إلى قسمين: أحدهما: تصحيف البصر، كما سبق عن
((ابن لهيعة)) وذلك هو الأكثر. والثاني: تصحيف السمع، نحو حديث (العاصم
الأحول)) رواه بعضُهم فقال: عن واصل الأحدب. فذكر ((الدار قطني)) أنه من
تصحيف السمع لا من تصحيف البصر. كأنَّه ذهب، والله أعلم، إلى أن ذلك مما
(لا)(٦) يشتبه من حيث الكتابةُ، وإنما أخطأ فیه سمعُ من رواه.
وينقسم قسمة ثالثةً إلى: تصحيف اللفظ وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلق
بالمعنى دون اللفظ، كمثل ما سبق عن ((محمد بن المثني)) في الصلاة إلى عنزَةً.
وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفًا، مجازٌ؛ والله أعلم.
(١) من خط وع، وليس في ش.
(٢) من ش وع بالخاء المعجمة، وفي خط: ((الحطب)) بالمهملة.
(٣) من خط، وليس في ش وع، ولعلها كانت في الأصل: ((فذكر)) فصحّفها الناسخ.
(٤) من ش وع، وليس في خط.
(٥) من خط وش، ووقع في ع: ((الحاء المعجمة المضمونة)).
(٦) من ش وع، وليس في خط.

٤٧٠
النوع الخامس والثلاثون =
وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه)).
ونسأل الله التوفيق (والعصمة، وهو أعلم)(١). انتهى.
(قوله): وله فيه تصنيف؛ أي: الدارقطني، وكذلك صنّف فيه أبو محمد
العسكري كتابه المشهور في ذلك مجلَّدًا كبيرًا.
قال ابن كثير: وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنّه كان
يُصَحِّف في قراءة القرآن فغريبٌ جدًا؛ لأن له كتابًا في التفسير، وقد نُقْل عنه
أشياء ولا (تصدر)(٢) عن صبيان المكاتب.
وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، (فمنه)(٣) ما يكاد اللبيب يضحك منه؛
كما حُكي عن بعضهم أنه جمعَ طرق حديث: ((يَا أَبَا عُمَيْر، ما فَعَلَ النُّغَيْرِ؟))، ثم
أملاه في مجلسه على مَن حَضَرَهُ من الناس، فجعل يقول: ((يا أبا (عَمير) (٤)، ما
فعل البعير؟)) فافتضح عندهم، وأرَّخُوها عنه.
وكذا اتّفق لبعض مدرسي ((النِّظَامية)) ببغداد؛ أنَّه (أول)(٥) يومٍ إجلاسه، أوردَ
(حديث)(٦): ((صلاةٌ في إِثر صلاة كتابٌ في عِلَّيِّين))، فقال: ((كنَّار في غَلَسٍ))،
فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى (أخبرهم)(٧) بعضهم بأنّه تَصَحَّف عليه من:
(كتابٌ في عِلَّيِّين)).
ثم (قال): (٨) (وكان)(٩) شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي من أَبْعَد
الناس عن هذا، بل لم يكن على وجه الأرض مثله فيما نعلم(١٠). انتهى.
ومن أمثلة تصحيف المعنى: ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنّه
لمَّا روى حديث (((النهي)(١١) عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة))؛ قال: (ما
حَلَقْتُ رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة).
فَهِم منه تحليق (الرأس)(١٢)، وإنما المراد تحليق الناس حلقًا.
(١) من خط. وفي ش: (( .. والعصمة، هو أعلم))، وفي ع: (( .. والعصمة، والله أعلم)).
(٢) من ((اختصار علوم الحديث))، وفي خط: ((يعتذر)).
(٣) من ابن كثير، وليس في خط.
(٥) من ابن كثير، وليس في خط.
(٤) ضبط خط؛ بفتح العين المهملة .
(٦) من ابن كثير، وليس في خط.
(٨) يعني: ابن كثير.
(٧) من ابن كثير، وفي خط: ((أخبر)).
(٩) من خط، وعند ابن كثير: ((وقد كان)).
(١٠) راجع: ابن کثیر.
(١١) من ل، وفي خط: ((المنهي).
(١٢) من خط، وفي ل: ((الرؤوس)) بالجمع.

٤٧١
النوع السادس والثلاثون
معرفة مختلف الحديث
وإنما يكمل للقيام به الأئمةُ الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه، الغوّاصون
على المعاني الدقيقة.
اعلم أن ما يُذكر في هذا الباب ینقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكنَ الجمعُ بين الحديثين، ولا يتعذر إبداءُ وجه ينفي تنافيهما؛ فيتعين
حينئذ المصيرُ إلى ذلك، والقولُ بهما معًا. ومثالُه: حديثُ ((لا عدوى ولا طيرة)) مع
حديث: ((لا يُورد مُمْرِضٌ على مُصِحّ)؛ وحديث ((فرَّ من المجذوم فرارَكَ من الأسد)).
وجْهُ الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تُعديَ بطبعها، ولكن الله تبارك وتعالى
جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدَائه مرضًا. ثم قد يتخلف ذلك عن
سببه كما في سائر الأسباب.
ففي الحديث الأول نفى وال# ما كان يعتقده (الجاهل)(١) من أن ذلك
(يُعدي)(٢) بطبعه، ولهذا قال: ((فمن أعدى الأوَّلَ؟)) وفي الثاني أعْلَمَ (أن)(٣)
الله سبحانه جعل ذلك سببًا لذلك، وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند
وجوده، بفعل الله (سبحانه)(٤) وتعالی.
ولَهذا في الحديث أمثال كثيرة.
و کتاب (مختلف الحدیث، لابن قتيبة) في هذا المعنى، إن یکن قد أحسن فیه من
وجه، فقد أساء في أشياءَ منه (قَصُرٌ)(٢) باعُه فيها، وأتى بما غيره أوْلى وأقوى.
وقد روينا عن ((محمد بن إسحاق بن خزيمة)) الإمام أنه قال: ((لا أعرف أنه رُويَ
عن (النبي) (٥) ◌َ ل حديثان - بإسنادين صحيحين - متضادين، فمن كان عنده
(١) من ش وع، وفي خط: ((الجاهلي)).
-
(٣) من خط، وفي ش وع: ((بأنّ)).
(٥) من خط وع، وفي ش: ((رسول الله)).
(٢) ضبط خط .
(٤) من خط وع، وفي ش: ((تبارك)).

٤٧٢
النوع السادس والثلاثون =
فلیأتني به لأؤلف بينهما)).
القسم الثاني: أن یتضادا بحیث لا یمکن الجمعُ بينهما، وذلك على ضربین:
أحدهما: أن يظهر كونُ أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فيُعْمَلُ بالناسخ ويُتْرِك
المنسوخ.
(و)(١) الثاني: ألا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما، فيُفْرَغ
حينئذ إلى الترجيح ويُعْمَلُ بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح بكثرة الرواة أو
بصفاتهم، في خمسين وجهًا من وجوه الترجيحات وأكثر، ولتفصيلها موضعٌ (غير
هذا) (٢)؛ والله أعلم. انتهى.
أول من تكلم في هذا الفَنّ: الشّافعيّ رضي الله عنه في كتابه: ((اختلاف
الحديث))؛ ذكرَ فيه جملة من ذلك (نَّه) (٣) بها على طريق الجمع، ولم يقصد
استيفاء ذلك، ولم يُفْرده بالتأليف، وإنما هو جزء من كتاب ((الأم)).
ثم صنّف في ذلك أبو محمد بن قتيبة (٤)، وصنّ في ذلك محمد بن جرير
الطبري، وأبو جعفر الطحاوي كتابه: ((مشكل الآثار))؛ وهو من أَجَلّ كتبه، وكان
الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة من أحسن الناس كلامًا في ذلك؛ فقال
ما تقدَّم(٤).
(قوله): وَجْه الجمع بينهما؛ أي: على الصحيح؛ فإنّ بعضهم جعلها
متعارضة (٤) وبعضهم أدخلها في الناسخ والمنسوخ؛ كـ ((أبي)) حفص بن شاهين.
والصواب: الجمع بينهما؛ فنفى (٤) بقوله ((لا عدوى)): ما كانت الجاهلية
تعتقده، وبعض الحكماء: من أنّ هذه الأمراض (تُعدي)(٥) بطبعها؛ ولهذا قال:
((فَمَنْ أَعْدَى الأول؟)). أي: أنّ الله هو الخالق لذلك بسبب (وغير)(٦) سبب.
وبَيَّنَ بقوله: ((لا يُورد ممرض)) و((فرَّ من المجذوم)): أنّ الله هو الخالق من
(١) من خط وع وليس في ش.
(٢) من خط، وفي ش وع: ((غير ذا)).
(٣) من خط، وفي ل: ((يتنبه)).
(٤) راجع: ((الشرح)).
(٥) ضبط خط.
(٦) هكذا في خط، وفي ل: ((وبغير)).
ا

٤٧٣
= معرفة مختلف الحديث
الأسباب عند المخالطة للمريض، وقد يتخلف ذلك عن سببه، وهذا مذهب أهل
السنة، كما أنّ النار لا تحرق بطبعها، ولا الطعام يشبع بطبعه، ولا الماء يروي
بطبعه؛ وإنما يخلق الله تعالى الإحراق والشبع والري عند ذلك، والقدرة وراء
ذلك .
وقد وجدنا من خالط المصاب بالأمراض التي اشتهرت بالإعداء، ولم يتأثّر
بذلك، (ووجدنا مَن برزَ وابتلى)(١).
(وقوله) في خمسين وَجْهًا؛ تَبِعَ فيه الحازمي؛ فإنَّه كذلك قال في كتاب:
(الاعتبار في الناسخ والمنسوخ))؛ قال فيه: ووجوه الترجيحات كثيرة، أنا أذكر
معظمها؛ فذكر خمسي وجهًا ثم قال: وهذا القدر كافٍ في ذكر الترجيحات، وثَمّ
وجوه كثيرة أَضْرَبْنَا عن ذِكْرها كي لا (يطول هذا)(٢) المختصر. انتهى.
مع أنَّ وجوه الترجيحات تزيد على المائة، وقد رأيت عدّها مختصراً، فأبدأ
بالخمسين التي عدها الحازمي، ثم أسرد بقيتها على الولاء.
الأول: كثرة الرواة، الثاني كون (أحد)(٣) الراويَيْن أتقن وأحفظ. الثالث كونه
متفقًا على عدالته، الرابع: كونه بالغًا حالة التحمُّل، الخامس: كون سماعه تحديثًا
والآخر عَرْضًا، السادس: كون أحدهما سماعًا أو عرضًا والآخر كتابة أو وجادة
أو مناولة، السابع: كونه مباشرًا لما رواه، الثامن: كونه صاحب القصة، التاسع:
كونه أحسن سياقًا (واستيفاء) (٤) لحديثه، العاشر: كونه أقرب مكانًا من النبي وَ لـ
حالة تحمّله، الحادي عشر: كونه أكثر ملازمة لشيخه، الثاني عشر: كونه سمع من
مشايخ بلده، الثالث عشر: كون أحد الحديثين له مخارج، الرابع عشر: كون
إسناده حجازيًا، الخامس عشر: كون رواته من بلدٍ لا يرضون (التدليس)(٥)،
السادس عشر: دلالة (الألفاظ) على الاتصال ((كسمعت، وثنا))(٦)، السابع عشر:
(١) كذا في خط، وفي ل: ((ووجدنا من احترز عن ذلك الاحتراز الممكن وأخذ بذلك المرض)).
(٢) من خط، وفي ل وع و ((الاعتبار)) (ص/ ٩٠ - ط ثانية/ قلعجي)؛ ((يطول به هذا)).
(٣) من ع ول والحازمي، وليس في خط.
(٤) هكذا في خط، وفي ع ول: ((واستقصاء»، ووقع في ل (بالضاد المعجمة)، ووقع في ((الاعتبار)): ((وأبلغ
استقصاء)).
(٥) من خط ول، وفي ع: ((بالتدليس)).
(٦) من خط، وفيع و ل: ((کسمعت، وحدثنا)).

٤٧٤
النوع السادس والثلاثون =
كونه مشاهدًا لشيخه عند الأخذ، الثامن عشر: كون الحديث لم يُخْتَلَف فیه،
التاسع عشر: كون راويه لم يضطرب لفظه، العشرون: كون الحديث متفقًا على
رفعه، الحادي والعشرون: كونه متفقًا على اتصاله، الثاني والعشرون: كون راويه
لا يجيز الرواية بالمعنى، الثالث والعشرون: كونه فقيهًا، الرابع والعشرون: كونه
صاحب كتاب يرجع إليه، الخامس والعشرون: كون أحد الحديثين نصًا وقولاً
والآخر ينسب إليه استدلالاً واجتهادًا، السادس والعشرون: كون القول (يقارنه)(١)
الفعل، السابع والعشرون: كونه موافقًا لظاهر القرآن، الثامن والعشرون: كونه
موافقًا لسُنَّةٍ أخرى، التاسع والعشرون: كونه موافقًا للقياس، الثلاثون: كونه معه
حديث آخر مرسل أو منقطع، الحادي والثلاثون: كونه عمل به الخلفاء الراشدون،
الثاني والثلاثون: كونه معه عمل الأمة، الثالث والثلاثون: كون ما تضمنه من
الحكم منطوقًا، الرابع والثلاثون: كونه مستقلاً لا يحتاج إلى إضمار، الخامس
والثلاثون: كون حكمه مقرونًا بصفة والآخر بالاسم، السادس والثلاثون: كونه
مقرونًا بتفسير الراوي، السابع والثلاثون: كون أحدهما قولاً والآخر فعلاً فيرجّح
القول، الثامن والثلاثون: كونه لم يدخله التخصيص، التاسع والثلاثون: كونه غير
مشعر بنوع قدح في الصحابة، الأربعون: كونه مطلقًا والآخر وردَ على سبب،
الحادي والأربعون: كون الاشتقاق يدل عليه دون الآخر، الثاني والأربعون: كون
أحد الخصمين قائلاً بالخبرين، الثالث والأربعون: كون أحد الحديثين فيه زيادة،
الرابع والأربعون: كونه فيه احتياط (للفرض)(٢) وبراءة الذمة، الخامس
والأربعون: كون أحد الحديثين له نظير متفق على حكمه، السادس والأربعون:
كونه يدل على التحريم والآخر على الإباحة، السابع والأربعون: كونه يثبت حكمًا
موافقًا لما قبل الشرع فقيل: هو أَوْلى وقيل: هما سواء، الثامن والأربعون: كون
أحد الحديثين مسقطًا للحدِّ فقيل: هو أَوْلَى وقيل لا (ترجيح)(٣)، التاسع
والأربعون: كونه إثباتًا يتضمن النقل عن حكم العقل والآخر نفيًا يتضمن الإقرار
على حكم العقل، الخمسون: كون الحديثين في (الأقضية) وراوي أحدهما (عليٌّ)
(١) من ع ول، وفي خط: (يفارقه))، وراجع: ((الاعتبار)).
(٢) من ع ول و ((الاعتبار))، وفي خط: ((للعرض)) بالعين المهملة.
(٣) من خط ول، وفي ع: ((يرجح))، وراجع: الحازمي.

٤٧٥
معرفة مختلف الحديث
=
أو في (الفرائض) وراوي أحدهما (زيدٌ) أو في الحلال والحرام وراوي أحدهما
(معاذٌ) وهلم جرًّاً. فالصحيح الذي عليه الأكثرون: الترجيح بذلك. انتهى.
وقد خالفه بعض الأصوليين في بعض ما ذكره، ورجح مقابل أو سوّى بينهما،
وقد زاد الأصوليون كـ ((الإمام، والآمدي))، وأتباعهما؛ وجوهًا كثيرة زيادة على
هذه نحو الستين .
ويترجح بكونه: أعلى إسنادًا، وكون راويه عالمًا بالعربية، وكونه عالمًا باللغة،
وكونه أفضل في الفقه، أو العربية، أو اللغة، وكونه حسن الاعتقاد، وكونه ورعًا،
وكونه جليسًا للمحدثين أو (غيرهم)(١) من العلماء، وكونه أكثر مجالسة لهم،
وكونه عرفت عدالته بالاختبار والممارسة وعرفت عدالة الآخر بالتزكية أو العمل
على روايته، وكون المزكِّي زكَّاهُ وعمل بخبره وزكَّى الآخرون خبره، وكونه ذکر
سبب تعدیله، وکونه ذکرًا، وکونه حُرًا، وكونه أشهر، وکون نسبه أشهر، وکون
اسمه لا يلتبس، وكونه له اسم واحد والآخر له اسمان فأكثر وكون من زكّاه أکثر،
وكون مزكيه أعلم، وكونه دام عقله ولم يختلط. كذا أطلقوه وشَرَطَ في
(المحصول)) مع ذلك أنْ لا يعلم هل رواه في حال سلامته أو اختلاطه، وكونه
تأخّر إسلامه. وقيل عكسه وبه جزم الآمدي، وكونه من أكابر الصحابة، وكون
الخبر حكي بسبب وروده إن كانا خاصَّيْن فإنْ كانا عامين (فبالعكس)(٢)، وكونه
حكى فيه لفظ الرسول وَّله، وكونه لم ينكره راوي الأصل أو لم يتردّد فيه، وكونه
مشعرًا بعُلُوِّ شأن الرسول وَالِ وتمكنه، وكونه مدنيًا والآخر مكيًا، وكونه متضمنًا
للتخفيف وقيل بالعكس، وكونه مطلق التاريخ على المؤرّخ بتاريخ متقدم وكونه
مؤرّخًا بتاريخ مؤخّر على مطلق التاريخ، وكون الراوي تحمله في الإسلام على ما
تحمله راويه في الكفر أو شكّ (فيه)(٣)، وكون لفظ الحديث فصيحًا والآخر
ركيكًا، وكونه بلغة قريش، وكون لفظه حقيقة، وكونه أشبه بالحقيقة، وكون
أحدهما حقيقة شرعية والآخر حقيقة عرفية أو لغوية، وكون أحدهما حقيقة عرفية
(١) من ع، وفي خط: ((غيره)) بالإفراد.
(٢) من ع، وفي خط: ((وبالعكس)).
(٣) من ع، وليس في خط.

٤٧٦
النوع السادس والثلاثون =
والآخر حقيقة لغوية، وكونه يدل على المراد من وجهين، وكونه يدل على المراد
بغير واسطة، وكونه يُومىء إلى علة الحكم، وكونه ذكر معه معارضه، وكونه
مقرونًا بالتهديد، وكونه أشد تهديدًا، وكون أحد الخبرين (يقل)(١) فيه اللبس،
وكون اللفظ (متفقًا)(٢) على وضعه لمسماه، وكونه منصوصًا على حكمه مع تشبيهه
لمحل آخر، وكونه مؤكّدًا بالتكرار، وكون أحد الخبرين دلالته مفهوم الموافقة
والآخر مفهوم المخالفة وقيل بالعكس، وكونه قصد به الحكم المختلف فيه ولم
يقصد بالاخر ذلك، وكون أحد الخبرين مرويًا بالإسناد والآخر معزوا إلى كتاب
معروف، وكون أحدهما معزوًا إلى كتاب معروف والآخر مشهور، وكون أحدهما
اتفق عليه الشيخان، وكون العموم في أحد الخبرين مستفادًا من الشرط والجزاء
والآخر من النكرة المنفية، وكون الخطاب في أحدهما تكليفًا وفي الآخر وضعيًا،
وكون الخطاب في أحدهما شفاهيًا فيقدم على خطاب الغيبة في حق من ورد
الخطاب عليه، وكون الخطاب على الغيبة فيقدم على الشفاهي في حق الغائبين،
وكون أحد الخبرين قدم فيه ذكر العلة وقيل بالعكس، وكون العموم في أحدهما
مستفادًا من الجمع المعرف فيقدم على المستفاد من (مَا، ومَن)(٣) وكون الحكم في
أحد الخبرين معقول المعنى وكونه مستفادًا من الكل فيقدم على المستفاد من الجنس
المعرف لاحتمال العهد.
وثَمَّ وجوه أخر فيها نظر، وكذلك في بعض ما تقدم.
(١) من ع، وفي خط: ((نقل)) وضع النقط الثلاث مفردة على القاف واللام، وكأنّ الناسخ لم يضبطها.
(٢) من ع، وليس في خط.
(٣) ضبط خط؛ بفتح الميمَيْن.
١

٤٧٧
النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في متصل الأسانيد
مثالُه ما رُوي عن ((عبد الله بن المبارك)) قال: (حدثنا)(١) سفيان عن عبد الرحمن
!بن يزيد بن جابر، قال حدثني (بُسْرُ)(٢) بنُ عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس
يقول: سمعت واثلةَ بنَ الأسقع يقول سمعت أبا مرثد الغنَوي يقول: سمعت
رسول الله وَله يقول: ((لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلُّوا إليها)).
فذكْرُ (سُفْيانَ)) في هذا الإسناد، زيادةٌ ووَهْم، وهكذا ذِكْرُ ((أبي إدريس)): أما
الوهم في ذِكْرِ ((سفيان)) (فممن)(٣) دونَ ابن المبارك، لأن جماعةً ثقات رَوَوْه عن
ابن المبارك عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرّح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
وأما ذكْرُ ((أبي إدريس)) فيه فابنُ المبارك منسوبٌ فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن
جماعةً من الثقات روَوه عن ((ابن جابر)) فلم يذكروا أباإدريس بين (بُسْر)(٢)
وواثلة. وفيهم من صرَّح فيه بسماع (بُسْر)(٢) من واثلة.
قال: ((أبو حاتم الرازي)): ((يرون أنَّ ابن المبارك وهمَ في هذا))(٤). قال: وكثيرًا ما
يُحدِّثُ بُسْرٌ عن أبي إدريس، فغلط ((ابنُ المبارك)) وظَنَّ أن (هذا مما)(٥) رُويَ عن
أبي إدريس عن واثلة؛ وقد سمع هذا بُسْرٌ من واثلةَ نفسه)) (٦).
(١) من خط وع، وفي ش: ((أخبرنا)).
(٢) من ش وع، وفي خط: ((بشر).
(٣) من ش وع، وفي خط: ((فمن)).
(٤) غفل الناسخ فكتب هنا: ((عن أبي إدريس))، ثم ضرب على ((أبي إدريس))، وغفل عن الضرب على
(عن)).
(٥) من ش وع و((علل ابن أبي حاتم)) (١/ ٨٠) (٢١٣)، وسقط من تصوير خط.
(٦) زاد في ((العلل)): ((لأن أهل الشام أعرف بحديثهم)).

٤٧٨
النوع السابع والثلاثون =
قلت: قد ألَّف ((الخطيبُ الحافظ)) في هذا النوع كتابًا (سماه: تمييز) (١) المزيد في
متصل الأسانيد) وفي كثير مما ذكره نظر: لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد، إن
كان بلفظ ((عن)) في ذلك فينبغي أن يُحكم بإرساله، ويُجعَلَ مُعلّلًا بالإسناد الذي
ذُكرَ فيه الزائد لما (عُرِفَ)(٢) في نوع المعلل، وكما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في
النوع الذي يليه. وإن كان فيه تصريح بالسماع أوبالإخبار كما في المثال الذي
أوردناه، فجائزٌ أن یکون قد سمع ذلك من رجل، عنه، ثم سمعه منه نفسه فیکون
(بُسْرٌ) (٣) في هذا الحديث قد سمعه من ((أبي إدريس، عن واثلة))(٤) ثم لقي ((واثلةَ))
فسمعه منه، كما جاء مثلُه مصرَّحًا به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل
على كونه وَهْمًا؛ كنحو ما ذكره ((أبو حاتم)) في المثال المذكور.
وأيضًا فالظاهرُ ممن وقع له مثلُ ذلك أن يذكر السَّماعَيْنِ، فإذا لم يجيء عنه ذكْرُ
ذلك، حملناه على الزيادة المذكورة؛ والله أعلم.
(١) من خط، وفي ش وع: ((سماه: كتاب تمييز)).
(٢) ضبط خط .
(٣) ضبطها في خط بضم الموحدة، ورسمها على الصواب - بالمهملة - في هذه المرة.
(٤) من ش وع، وفي خط: ((أبي إدريس، عن (أبي) واثلة)).

منای
٤٧٩
معرفة المراسيل الخفي إرسالها
النوع الثامن والثلاثون
معرفة المراسيل الخفيّ إرسالها
هذا نوع مُهمّ عظيم الفائدة، يُدرَك بالاتساع في الرواية، والجمع بطرق الأحاديث،
مع المعرفة التامة. ((وللخطيب الحافظ)) فيه (كتاب التفصيل لمُبُهَم المراسيل).
والمذكور في هذا الباب،َ منه: ما عُرفَ فيه الإرسالِ بمعرفة عدم السماع من
الراوي فيه أوعدم اللقاء، كما في الحديثَ المرويِّ عن العوام بن حَوْشَب، عن عبد الله
بن أبي أوفى قال: ((كان النبي ◌َّ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة؛ نهض وكبر)).
روي فيه عن «أحمد بن حنبل)) أنه قال: العوامُ لم يلق ابنَ أبي أوفى.
ومنه: ما كان (الحكم)(١) بإرساله مُحَالاً على مجيئه من وجه آخر بزيادة (شخص
أو أكثرَ)(٢) في الموضع المدَّعى فيه الإرسالُ، كالحديث الذي سبق ذكره في النوع
العاشر، عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، فإنه حكِمَ فيه بالانقطاع
والإرسال بين عبد الرزاق والثوري، لأنه رُوي عن عبد الرزاق قال: ((حدثني النعمانَ
ابن أبي شيبةَ (الْجَنَدي)(٣)، عن الثوري عن أبي إسحاق)). وحكم أيضًا فيه بالإرسال
بين الثوري وأبي إسحاق، لأنه روي عن الثوري عن شريك عن (أبي إسحاق.
وهذا) (٤) وما سبق في النوع الذي قبله؛ يتعرضان لأن يُعترض (بكلِّ) (٥) واحد
(١) من ش وع، وفي خط: ((الحديث)).
(٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((شخص واحد أو أكثر)).
(٣) ضبط خط بفتح الجيم والنون.
(٤) هكذا في خط وع، وفي ش: (( .. أبي إسحاق. وما رواه بكر بن بكار وغيره عن المسعودي عن
عبد الكريم بن مالك الجزري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عَلَيِّ: ((أمَرَنَي رسولُ اللهِوَّ أن أتصدَّق
بلحوم البُدْنِ وجلالها وجلودِها))؛ فهذا قد حُكِمَ فيه بالإِرسال بين عبد الكريم الجزري وابن أبي ليلى؛ وبأنّ
بينهما مجاهدًا، ولأنّ ابن عيينة وإسرائيل بن يونس وغيرهما رَووه عن عبد الكريم عن مجاهد عن ابن أبي
ليلى. وهذا)). وقالت بنت الشاطىء جزاها الله خيرًا: ((هذه الفقرة من (غ) وعلى هامشها: [من قوله:
((وما رواه بكر بن بكار وغيره عن المسعودي)) إلى قوله: عن مجاهد عن ابن أبي ليلى)) هذا كله لم يثبت
في نسخة الشيخ شمس الدين أيده الله ساقط من أصله، وسقط أيضًا من أصل شيخنا نجم الدين. نفع
الله به] قلت: وسقط كذلك من (ص، ومطبوعة ع).)) انتهى.

٤٨٠
النوع الثامن والثلاثون
منهما على الآخر، على ما تقدمت الإشارة إليه؛ والله أعلم. انتهى.
هذان النوعان متقاربان، وجعلهما المصنف نوعين تبعًا للخطيب، ولنقدم الكلام
على النوع الثاني، وليس المراد به هنا ما تقدم في حدّ ((المرسل)) (ولهذا أفرد
المصنّف هذا بالذكر)(١) وإنما المراد به هنا مطلق الانقطاع.
ثم الإرسال: ظاهر وخفِيّ؛
فالظاهر هو: أن يروي الرجل عمن لم يعاصره بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله
على أهل الحديث؛ كأنْ يَروي مالك - مثلاً - عن سعيد بن المسيب، وكحديث
رواه النسائي من رواية القاسم بن محمد عن ابن مسعود قال: ((أصاب النبي وَل
بعض نسائه، ثم نام حتى أصبح)) فإِنَّ القاسم لم يدرك ابن مسعود.
والخفيّ: هو أن يَروي (عن من)(٢) سمع منه ما لم يسمعه منه، أو (عن من)(٢)
لقيه ولم يسمع منه، أو (عن من)(٢) عاصره ولم يَلْقه.
فهذا قد يخفى على كثير من أهل الحديث؛ لكونهما قد جمعهما (عصر)(٣) واحد.
وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين، ويُعْرف خَفيّ الإرسال بأمورٍ أربعة:
أحدها: أن يعرف عدم اللقاء بينهما بنصِّ بعض الأئمة على ذلك، أَو يُعرف
ذلك بوجه صحيح؛ كحديث رواه ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن
عقبة بن عامر عن النبيّ وَّ قال: ((رَحِمَ اللـه حَارِسَ الْحَرَسِ)).
فإنّ عمر لم يَلْق عقبة؛ كما قال المزي في ((الأطراف)).
والثاني: بأَنْ يُعرف عدم سماعه منه مطلقًا بنصِّ إمام على ذلك، أونحوه؛
كأحاديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وهي في ((السنن الأربعة)).
فقد روى الترمذي أنّ عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر من عبد الله
شيئًا؟ قال: لا.
والثالث: بأَنْ يُعرف عدم سماعه منه لذلك الحديث فقط، وإِنْ سمعَ منه غيره، إمّا
بنصِّ إمام، أَو بإخباره عن نفسه بذلك، في بعض طرق الحديث، أو نحو ذلك.
والرابع: بأنْ يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راوٍ بينهما؛ كالحديث الذي
(١) كذا في خط وراجع: ((الشرح)).
(٢) هكذا في خط، ورسمت في ل: ((عمن)) بالوصل.
(٣) من ل، وليس في خط.
١