النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
معرفة آداب طالب الحديث
سبق (بيانه) (١) في أول ((النوع الرابع والعشرين)).
وإذا أخَذ فيه فليشمِّرْ عن ساق جُهده واجتهاده، ويبدأ بالسماع من أَسْنَدِ شيوخٍ
(مصره)(٢)، ومن الأَوْلى فالأَوْلى مَن حيث العلمُ أو الشهرةُ أو الشرفُ أو غير ذلك.
وإذا فرغَ من سماعِ العوالي والمهماتِ التِي ببلده، فَلْيَرْحَلْ إلى غيرِه، روَينا عن
(يحيى بن معين)) أنه قال: ((أربعة لا تُؤْنَسُ منهم رشدًا: حارس الدرب، ومنادي
القاضي، وابن المحدِّث، ورجلٌ يكتبُ في بلده ولا يرحلُ في طلبِ الحديث)).
وروينا عن («أحمدَ بن حنبل)) أنه قيل له: أيرحل الرجلُ في طلب العلو؟ فقال:
((بلى والله شديدًا. لقد كان علقمة والأسودُ يبلغهما الحديثُ عن عمر رضي الله عنه
فلا يقنعهما حتی یخرجا إلی عمر فيسمعانه منه)).
وعن ((إبراهيم بن أدهم)) قال: ((إنّ الله تعالى يدفع البلاءَ عن هذه الأمة برحلة
أصحاب الحديث)).
ولا يحملنَّه الحرصُ والشرهُ على التساهلِ في السماع والتحمُّلِ، والإِخلالِ بما
يُشترط عليه في ذلك، على ما تقدم شرحه.
ولَيَسْتَعْمِلْ ما يسمعُه من الأحاديث الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من
الأعمال الصالحة، فذلك زكاةُ الحديثَ على ما رويناً عن العبد الصالح ((بشر
الحافي)). وروينا عنه أيضًا أنه قال: ((يا أصحابَ الحديث أدَّوا زكاةَ هذا الحديث،
اعملُوا من كلّ مائتي حديث بخمسة أحاديث)).
وروينا عن ((عمرو بن قيس الملائي)) قال: ((إذا بلغكَ شئ من الخير فاعمل به ولو
مرةً، تکن من أهله)).
وروينا عن ((وكيع)) قال: ((إذا أردتَ أن تحفظ الحدیث فاعمل به)).
وليعظم شيخَه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال الحديث والعلم. ولا يثقل عليه
ولا يُطَوِّلْ بحيث يُضْجِرُه، فإنه يُخشَى على فاعلِ ذلك أن يُحرَمَ الانتفاعَ.
(١) من ش وع ، وليس في خط .
(٢) من ش وع، وفي خط: ((عصره)) بالعين .

٤٠٢
النوع الثامن والعشرون
وقد روينا عن ((الزهري)) أنه قال: ((إذا طالَ المجلس، كان للشيطان فيه نصيب)).
ومن ظفرَ من الطلبة بسماع شيخ (فكتمه)(١) غيرَه لينفرد به عنهم، كان جديرًا
بألا ينتفع به، وذلك من اللّؤْم الذي يقع فيه جَهَلَةُ الطلبة الوضعاء.
ومن أول فائدة طلب الحديث الإفادةُ.
روينا عن ((مالك)) رضي الله عنه أنه قال: ((من بركة الحديث إفادةُ بعضهم بعضًا».
وروينا عن («إسحاق بن إبراهيم (بن)(٢) راهويه)) أنه قال لبعضٍ من سمع منه في
جماعة: ((انسخْ من كتابهم ما قد قرأت. فقال: إنّهم لا يمكِّنونني. قال: إذًا واللّه
لايُفلحون، قد رأينا أقوامًاً منعوا هذا السماعَ فوالله ما أفلحوا ولا (أنجحوا)(٣)»
قلت : وقد رأينا نحن أقوامًا منعوا السماعَ فما أفلحوا ولا أنجحوا، ونسأل الله العافيةَ.
ولا يكُنْ ممن يمنعه الحياءُ أو الكبْرُ عن كثير من الطلب.
وقد روينا عن ((مجاهد)) رضي الله عنه أنه قال: ((لا يتعلم مستحي (٤) ولا مستكبر)).
وروينا عن ((عمر بن الخطاب وابنه رضى الله عنهما))، أنهما قالا: (( من رقَّ
وجهه رقّ علمه)).
ولا يأنف من أن يكتب عمن دونه ما يستفيده منه .
روينا عن (( وكيع بن الجراح)) رضى الله عنه أنه قال(( لا ينبل الرجل من (أهل)(٥)
الحديث حتى يكتب عمن هو فوقَه (وعمَّن هو مثلُه)(٦)، وعمن هو دونه)).
وليس بموفق من ضيّع شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة
وصیتھا.
(١) من ش وع، وفي خط: ((يكتمه)).
(٢) من ش وع، وليس في خط.
(٣) من ش ول، وفي خط وع: ((نجحوا)) بدون الهمزة في أوله.
(٤) هكذا في خط وع ، وفي ش : ((لا يتعلمُ العلمَ مستحى)).
(٥) كذا في خط، وفي ش وع و ((التدريب: ((أصحاب)).
(٦) من ش وع و ((التدريب»، وليس في خط .

٤٠٣
معرفة آداب طالب الحديث
وليس من ذلك قولُ ((أبي حاتم الرازي)): ((إذا كتبتَ (فقمِّشْ)(١)، وإذا حدثتَ
ففتِّشْ)).
وليكتبْ وليسمع ما (يقع)(٢) إليه من كتاب أو جزء على التمام، ولا ينتخبْ،
فقد قال ((ابنُ المبارك)): ((ما انتخبتُ على عالم قط إلا ندمت)).
وروينا عنه أنه قال: ((لا يُنتخَب على عالمٍ إلا بذنبٍ)).
وروينا أو بلغنا عن ((يحيى بن معين)) أنه قال: ((سيندم المنتخب في الحديث حين
٩
لا تنفعه الندامة)».
فإن ضاقت به الحالُ عن الاستيعاب، وأُحوجَ إلى الانتقاء والانتخاب، تولّى
ذلك بنفسه إنْ كان أهلا مميزًا عارفًا بما يصلح للانتفاء والاختيار. (فإن)(٣) كان
قاصراً عن ذلك. ؛استعان ببعض الحفاظ لینتخب له.
وقد كان جماعةٌ من الحفاظ مُتصدين للانتقاء على الشيوخ، والطلبةَ تسمع
وتكتب بانتخابهم. منهم: ((إبراهيم بن (أُرْمَة)(٤) الأصبهاني، وأبو عبد الله الحسين بن
محمد المعروف بعبيد العجل، وأبو الحسن الدار قطني، وأبو بكر الجعابيِ) في آخرين.
وكانت العادة جارية برسم الحافظ علامة في أصلِ الشيخ علي ما ينتخبه،
(فكان)(٥) النَّعَيمي أبو الحَسن)) يُعلِّمُ بصَادَّ ممدودة، و ((أبو محمد الخلال)) بطاء
ممدودة، ((وأبو الفضل الفلكي)) بصورة همزتّين. وكلهَم يُعلم بِحبر في الحاشية
ء
اليمنى من الورقة.
وعلَّم ((الدارقطني)) في الحاشية اليسرى بخط عريض بالحُمرة. وكان ((أبو
القاسم الالكائي الحافظ)» يُعلّم بخط صغير بالحُمرة على أول إسناد الحديث.
n
ولا حَجْرَ في ذلك، ولكلّ اخیار. انتھی
(١) من ش وع ول، وفي خط: ((فغمش)) بالغين المعجمة.
(٢) من ش وع، ومثله في ((تقريب النووى)) وشرحه: ((التدريب))، وفي خط ((نقل)).
(٣) هكذا في خط، وفي ش وع: وإن))، وفي ((التقريب/ وشرحه)) ((فإن قصر ... )).
(٤) ضبط خط .
(٥) من ش وع، وفي خط: ((وكان)).

٤٠٤
النوع الثامن والعشرون =
(قوله): فأول ما عليه (تحقيق) (١) الإخلاص؛ أي لما روينا في ((سنن أبي داود
وابن ماجة)) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((مَن تعلَّم علمًا ممَّا
يُبْتَغَى به وجه الله عز وجل لا يتعلّمه إلاَّ ليصيب به عرضًا من الدُّنْيا لم يجد عَرْف
الجنة يوم القيامة)).
قال الخطيب: ((ينبغي له إذا عزمَ على سماعِ الحديث أَنْ يقدِّم المسألة لله تعالى
أن يوفقه فيه، ويعينه عليه، ثم يُبادر إلى السماع ولا يتأخّر)).
ففي ((مسلم)) من حديث أبي هريرة قال(٢): ((احرِصْ على ما يَنْفَعك، واسْتَعِنْ
باللهِ ولا تَعْجَزْ)).
وليُجِدّ في طلبِه، فعن يحيى بن أبي كثير قال: ((لا يُنَال العلم براحة
(الجسد)(٣)) .
وعن الشافعي أنّه قال: ((لا يَطْلُب هذا العلم، مَنْ يطلبه بالتَّملُّك وغنى النفس،
فُيُفْلِحِ، ولكن مَن طلبه بِذِلَّةِ النَّفْس وضيقِ (العَيْش)(٤) وذلّة، أفلح(٥)).
قال الخطيب: ((ويعمد إلى (أَسْند)(٦) شيوخ عصره وأقدِمهم سماعًا، (ويديم)(٧)
الاختلاف إليه، ويُواصل العُكُوف عليه، فيُقَدِّم السماع منه(٨)، فإن (تكافأت)(٩)
أَسانيد جماعةٍ في العُلُو، وأرادَ الاقتصار على بعضِهم، تخيّرَ المشهور منهم بطلبٍ
(١) وقع في هذا الموضع من خط: ((تحقق)) بدون المثناة من تحت، وسبق على الصواب.
(٢) وقع في خط :... ((أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّل)) وضرب الناسخ على قوله: ((قال رسول
الله ◌َ﴾))، فصار الحديث موقوفًا على أبى هريرة رضى الله عنه، والصواب رفعه كما في صحيح مسلم.
٢٦٦٤) وذكره العراقى في ((الشرح)) والسيوطى في ((التدريب)) على الصواب، ولم أثبت: ((قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم)) في ((متن الشذا))؛ مع ورودها في ((الصحيح))؛ ليقظة الناسخ في هذا الموضع، مما
يدلُّ على أن الخلل من قِبَلِ الأبناسى رحمه الله .
(٣) كذا في خط ول، وفي ((التدريب)): ((الجسم)).
(٤) من ل و((التدريب))، وفي خط: ((العين)).
(٥) كذا في خط، وفي ل و((التدريب)): (( ... العيش، وخدمة العلم، أفلح)).
(٦) من ل و ((الجامع)) (١ / ١١٦)، وفي خط: ((أنسك)).
(٧) من ((الجامع)) (١ / ١١٦)، وفي ل: ((فيديم))، وفي خط: (( ثم)).
(٨) راجع: ((الجامع)) (١ / ١١٦، ١٢٦).
(٩) من ل و ((الجامع)) (١ / ١٢٦)، وفي خط: ((تكافأ)).

٤٠٥
= معرفة آداب طالب الحديث
الحديث، المشار إليه بالإِتقان له والمعرفة، فإِنْ تَسَاوَوْا، فذو الشَّرف والنسب)).
ويَبْدأ بكَتْب حديث بلده، ومعرفة أهله منهم، وبفَهْمه وضَبْطه، ثم يَرْحل إلى
البلدان .
وعن أبي عبيدة: ((مَنْ شَغَل نَفْسَه بغيرِ المهم أَضَرَّ بالمهم)) .
وقال الخطيب: (المقصود برحلة الحديث)(١) أمران: أحدهما تحصيل عُلُوِّ
الإسناد، وقِدَم السماع، والثاني: لقاءُ الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم.
فإِذا وُجِدَ الأمران في بلد الطالب دون غيره فلا فائدة في الرِّحلة، وإِنْ وُجدا
فيه وفي غيره، إلاّ أنّ ما في كُلِّ واحدٍ مِن البلدين (يختصُ)(٢) به، أَيْ: مِن
العوالي، والحفّاظ، فالمستحبُّ للطالبِ الرحلة لجمع الفائدتين من عُلُوِّ الإِسناد،
وعِلْم الطائفتين، لكن بعد تحصيله حديث بلده، وتَمَهَّرِه في المعرفة به.
وإِذا عزمَ على الرحلةِ فينبغي له أَنْ لا يترك في بلدِهِ من الرُّواة أحدًا إلاَّ ويكتب عنه
ما تيسّر من الأحاديث وإِنْ قَلَّتْ، لقول بعضهم(٣): ((ضَيِّعْ ورقةً ولا تُضيِّعَنَّ شَيْخًا)).
وعن ((أحمد)) أَنَّه سأله ابنه عبد الله (عَمَّنْ طَلَب)(٤) العلم: تَرَى له أَنْ يلزم
رجلاً عنده علم فيكتب عنه، أو تَرَى له أَنْ يرحلَ إلى المواضعِ التي فيها
(العلماء)(٥) فيسمع منهم؟ قال: ((يرحل يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل مكة
والمدينة (يُشَامُ)(٦) الناس يسمع منهم)).
(١) هكذا في خط، وفي ل: ((المقصود بالرحلة في الحديث))، وفي ((الجامع)) (٢ / ٢٢٣): ((المقصود في
الرحلة في الحديث)).
(٢) من ل و ((الجامع)) (٢ / ٢٢٣)، وفي خط: ((يختبر)).
(٣) مثله في ((التدريب))، وقد حكاه الخطيب في ((الجامع)) (٢ / ٢٢٤) عن ((بعض أصحابه))
(٤) هكذا في ل ومثله في (الجامع)) (٢ / ٢٢٤) و((الرِّحلة)) (رقم / ١٢) كلاهما للخطيب ، وفي خط :
((عن طلب)).
(٥) كذا في خط، وفي ل و ((التدريب)): ((العِلْم)) ومثله في (الجامع)) (٢ / ٢٢٤) ((الرِّحلة)) (رقم/ ١٢).
(٦) هكذا في ((الرِّحلة))، وفي ل: ((ويشام))، وفي ((الج: ع)). ((بشام)) بالموحدة، وفي خط: ((وشيام))، وفي
((التدريب)): ((يسأم الناس لسماعه منهم)).

٤٠٦
النوع الثامن والعشرون =
وقال الخطيب: (ليعلم طالب العلم)(١) أن شهوة السَّماع لا تنتهي، والنهمة من
الطلب لا تنقضي، والعلم كالبِحَار الْمُتَعَذِّرِ كَيْلُها، والمعادن التي لا ينقطع
نَيْلُها، (فلا)(٢) ينبغي له أن يَشْتَغل في الغُرْبَةِ إلَّ بما (تُستَحَق)(٣) لأَجْلِه الرِّحلة.
(قوله): ويستعمل ما يسمعه من الأحاديث، أَيْ: لما في حديث عليٍّ رضي الله
عنه أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! ما يَنْفِي عنِّي حُجَّة الجهل؟ قال: ((العِلْم))، قال:
فما يَنْفِي عنِّي حُجَّةَ العِلمْ؟ قال: ((العَمَلَ)) (٤).
وعن إبراهيم بن إسماعيل بن مجّمع قال: « كنا نَستَعِينُ على حفظ الحديث
بالعَمَلِ به )) (٥)
وعن أحمد أنه قال: ((ما كتبتُ حديثًا إلا وقد عملتُ به، حتى (مرَّ بي في)(٦)
الحديث أنَّ النبي ◌َّ: احْتَجَمَ وأَعْطِى أَبَا طَيْبة دِينارًا، فَأَعْطَيْتُ الحجَّامَ دِينارًا
حينَ احْتَجَمْتُ)).
وليجلّ شيخه، فعن مغيرة قال: ((كُنَّا نَهَابُ إِبراهيم كما (نَهَابُ)(٧) الأمير)).
وعن البخاري قال: ((مارأيتُ أَحدًا أَوْقَرَ لِلْمُحدِّثين من يحيى بن معين)) .
قال الخطيب: ((وإذا حدَّثَهُ فَلْيَأْخُذْ منه العفو ولا يُضْجِرُهُ، فَالإِضْجَارِ يُغَيِّرُ
الأَفْهام، ويُفْسِدُ الأَخْلاق، ويُحيلُ الطّباع.
وقد كان إسماعيل بن أبي خالد مِن أحسن النّاس خُلُقًا، فلم يزالوا به حتى سآءَ
ووو
خُلُقُه)).
(١) هكذا في خط، وفي ل: (ليعلم الطالب)) وفي ((الجامع)) (٢ / ٢٤٥): (( وليعلم الطالب)).
(٢) من ل و ((الجامع))، وفي خط: ((ولا)).
(٣) هكذا في ل بمثناة من فوق وفي ((الجامع)): ((يستحق)) بمثناة من تحت في أوله، ولم ينقط الناسخ - في
خط - الحرف الأول .
(٤) ذكره العراقى في ((الشرح))، وهو في ((الجامع)) (١ / ٨٩).
(٥) راجع (الجامع)) (١ / ١٤٣) (٢ / ٢٥٩).
(٦) من ل ومثله في ((الجامع)) (١ / ١٤٤)، وفي خط: ((مروفي)).
(٧) هكذا في خط ول و ((التدريب))، وفي ((الجامع)) (١ / ١٨٤): ((يُهاب)) بمثناة من تحت ، وعند الدارمى
(١ / ١١١ - باب في توقير العلماء): (( ... إبراهيم هيبة الأمير)).

٤٠٧
= معرفة آداب طالب الحدیث
وعن محمد بن سيرين: ((أنه سأله رجلٌ عن حديث (وهو يُريدُ القيام)(١)
فقال: إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَالَمْ أُطِقْ سَآءَكَ ما سرَّكَ (مِنِّي)(٢) مِنْ خُلُقٍ)).
وكان أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن المرادي قد كبر، وعجز عن الإسماع،
فأضجرَهُ بعض من سَمِعَ عليه ((العمدة)) بإجازته من ابن عبد الدائم، فقال له: ((لا
أَحْيَاكَ اللهُ لِتَرْويها عنِّي))، وكان كذلك(٣).
(قوله): فكتَمَهُ غيره؛ أَيْ: كَتَمَ السماع أو الشيخ لينفردَ به.
وعن يحيى بن معين أنه قال: ((مَنْ بَخِلَ بالحديثِ، وكتمَ على الناس سماعهم،
لم يُفْلح)).
قال الخطيب: ((والذي نَسْتَحِبَّه إِفَادَةَ الحديث (لمن لم يسمعه)(٤)، والدّلالة على
(المشايخ)(٥)، والتنبيه على رواياتهم)).
قال: (فإِنّ)(٦) أقل ما في ذلك النُّصْح للطالب، والحفظ للمطلوب، مع ما
يُكْتَسَبُ به من جَزِيل الأَجْر، وجميلِ الذِّكْرِ.
ثم روى بسنده إلى ابن عباس مرفوعًا قال: ((إِخْوانِي تَنَاصَحُوا في العِلْم ولا
يكتُم بعضكم بعضًا، فإِنَّ خيانةَ الرّجل في عِلمِهِ أَشَّدّ من خيانتِهِ في مالِ».
وأمّا ما رُويَ عن جماعةٍ أنهم فعلوا ذلك؛ كـ ((شعبة والثوري ونعيم والليث
وابن جريج وابن عيينة وابن لهيعة وعبد الرّزاق، فإنّه إن صحَّ ذلك عنهم، فإِنَّه
محمولٌ على كَتْمِهِ (عن من)(٧) لم يَرَوْه أهلاً لذلك، أَوْ على أنَّه لم يَقْبل الصّواب إِذا
(١) هكذا في خط، وفي ((الجامع)) (١ / ٢١٥): ((وقد أراد القيام))، وفي ل و((التدريب)): «وقدأراد
أن يقوم .
(٢) هكذا في ل و ((التدريب)) و ((الجامع))، وليس في خط .
(٣) راجع: ((الشرح)).
(٤) هكذا في ل، وفي خط: ((لمن سمعه)).
(٥) كذا في خط، وفي ل: ((الشيوخ)) ومثله في ((الجامع)) (٢ / ١٤٥).
(٦) من ل و ((الجامع)) (٢ / ١٤٥) ، وليس في خط.
(٧) هكذا في خط، ووصلهما في ل: ((عمّن)).

٤٠٨
النوع الثامن والعشرون =
أُرْشِدَ إليه، أو لنُكْتَةِ الطَّلَعُوا عليها في (الطالب)(١) وهذا هو الظن (بهذه)(٢) السادة
الأعلام، فقد قال الخطيب: ((من أدَّهُ - لجهله - فَرط التِّيه والإِعْجَاب إلى (المحاماة)(٣)
عن الخَطَا، والمماراة في الصَّواب، فهو بذلك الوصف مذمومَ مَأْتُوم ومُحْتَجِزُ الفائدة
عنه غيرُ (مُؤَنَّب)(٤) ولا مَلُوم)) .
وقد قال الخليل بن أحمد لأبي عُبيدة مَعْمر بن المثنى: ((لا تَرُدَّنَّ على مُعْجَبٍ خَطًَا
فَيَسْتَفِيدَ مِنْكَ عِلْمًا، ويَتَّخِذِكَ به عَدُوًا)) .
ويجتهد في تحصيلِ الفائدة سوآء وَقَعَتْ له بعُلُوٍّ أو (نُزُول)(٥).
(قال المصنّف): وليس من ذلك قول الرازي: ((إذا كَتَبْتَ فقَمِّشْ))؛ والقمش
والتَّقْمِيش: جمع الشئ من ها هنا وها هنا، أَيْ: اكتب الفائدة ممَّن سمعتها ولا تؤخّر
ذلك حتى تنظر فيمن حدَّثَكَ أهو أهل أن يُؤْخَذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموت
الشيخ أو سفره أو سفرك، فإذا كان وقت الرواية، أو وقت العمل بذلك ففتِّشْ حينئذٍ،
وقد تَرْجَمَ عليه الخطيب باب: ((مَن قال يُكْتَبُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ))(٦).
ويحتمل أن يكون مراد أبي حاتم: استيعاب الكتاب المسموع، وتَرْك انْتِخَابه، أو
استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمَّل، ويكون النظر فيه حالة الرواية.
وقد يكون قصد المحدِّث تكثير طرق الحديث، (وجمع)(٧) أطرافه (فتكثر) (٨)
(١) وقع في خط: ((المطالب)) فصوبته .
(٢) كذا في خط، والظاهر أنها مصحفة عن: ((بهؤلاء)).
(٣) هكذا في ((الجامع)) (٢ / ١٤٥) ومثله في ((ل))، وفي خط: ((المجافاة)) بالجيم والفاء.
(٤) من ل و (الجامع))، وفي خط: ((موثب)).
(٥) كذا في خط، وفي ل: (( بنزول)).
(٦) ومِن ثَمَّ لا تعجب من رواية بعض الأئمة عن بعض الضعفاء، بل والهلكى، ولا يعني ذلك تقوية هؤلاء
الضعفاء أو توثيقهم، ومجرد الكتابة عن الراوي لا تعني توثيقه، سواءٌ أكان الكاتب عنه من الأئمة أو غيرهم،
وكم من رجلٍ كتب عنه أحمد رحمه الله ولم يحدِّث بحديثه، كما صرَّح بذلك ابنه عبد الله في مواضع من
(«المسند»، وليس ذلك خاصًا بأحمد رحمه الله؛ والله أعلم.
(٧) من ل، وفي خط: ((وجميع)).
(٨) هكذا في ل و ((التدريب))، ولم ينقط ((المثناة)) في خط.

=
معرفة آداب طالب الحديث
٤٠٩
لذلك شيوخه .
ولا بأس بذلك، فعن أبي حاتمٍ: لو لم (يُكْتَب)(١) الحديث من ستِينَ وجهًا ما عقلْنَاه.
وقد وصف بالإكثار من الشيوخ: الثوري، وأبو داود الطيالسي، ويونس بن
محمد المؤدّب، ومحمد بن يونس الكُدَيمي، وأبو عبد الله بن مندة، والقاسم بن
داود البغدادي رُوي عنه قال: كتبت عن ستّةِ الآف شيخ(٢).
(قوله): ولا يَنْتَخِب؛ أي: إذا وقعَ له كتاب أو جزء فلا يَنْتَخِب منه، بل يكتبه
كله، ويَسمعه كله، فربّما احتاج بعد ذلك إلى رواية شئ منه لم يكن فيما انْتَخَبَ
منه فيندم.
وفرَّق الخطيب فقال: ((إِنْ كان الشيخ عَسِرًا والطالب واردًا غريبًا فينبغي له أن
يَنْتَقِي حديثه ويَنْتَخِبَهُ، وَيَكْتب عنه مالا يجده عند غيره، ويَتَجَنّب المعاد من
(روايته)(٣).
وهكذا حكم (الواردين الغرباء) (٤) الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثَّواء)).
قال: ((هذا إذا تميَّزَ الطالب (مُعاد) (٥) حديثه من غيره، فإنْ لم يَتَميَّزْ فالأَوْلى
أَنْ یکتب جمیع حدیثه ولا ینتخبه»،(٦).
أَيْ: إِنْ كانَ عارفًا بالانتخاب.
قال يحيى بن معين: دفعَ إِليَّ ابنُ وهب كتابين عن معاوية بن صالح خمس
مائة أو ستمائة حديث، فانتقيت (شرارها لم يكن بها )(٧) يومئذ معرفة (٨).
(١) كذا في خط بمثناة من تحت في أوله ، وفي ل و ((التدريب)): ((نَكتُب)) بالنون.
(٢) راجع: ((الشرح))، و((الجامع)) (٢ / ٢٢١ - ٢٢٢).
(٣) هكذا في خط، وفي ((الجامع)) (٢ / ١٥٥): «رواياته)).
(٤) هكذا في خط، وفي ((الجامع)): ((الواردين من الغرباء)).
(٥) من ((الجامع)) وفي خط: (( به أو )).
(٦) كذا السياق في خط، وفي ((الجامع)) (٢ / ١٥٦): ((وأما مَن لم يتميّز للطالب مُعاد حديثه من غيره،
وما يُشَارَك في روايته مما يتفرَّد به؛ فالأَوْلى أنْ يكتب حديثه على الاستيعاب، دون الانتقاء والانتخاب)).
(٧) من ((الجامع)) (٢ / ١٥٦)، وفي خط ((سوادها لم يكن بها)).
(٨) في ((الجامع)) (٢ / ١٥٦): ((فانتقيت منها شرارها، ورددت عليه الكتابَين، قلتُ لأبى زكريا: لم
أخذتَ شرارها؟ قد كنتَ سمعتها من إنسان قبله؟ قال : لا، ولكن لم يكن لي بها يومئذ معرفة)».

٤١٠
النوع الثامن والعشرون =
قال: ثم لا ينبغي لطالب الحديث، أَنْ يقتصرَ على سماع الحديث وكَتْبه دون
معرفته وفهمه، فيكون قد أتَعَب نفسَه من غير أَنْ يظفَر بطائل، وبغير أن يحصّلَ في
عداد أهلِ الحديث، بل لم يَزِدْ على أنْ صارَ من المتشبهين المنقوصينَ المتحلّين بما هم
منه عاطلون.
أنشدني «أبو المظفر بنُ الحافظ أبي (سعد) (١) السمعاني)) لَفْظًا بمدينة ((مَرْوَ))
قال: أنشدنا والدي لفظًا أو قراءةً عليه، قال أنشدنا محمد بن ناصر (السلامي)(٢)
من لفظه، قال: أنشدني الأديبُ الفاضل فارس بن الحسين لنفسه:
يَا طَالبَ العلمِ الَّذي
ذَهَبَتْ بُدَّتَه الرِّوَايَه
كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا العنًّا
يَة بالرِّواية والدِّرَايَه
وارْوِ الْقَلِيلَ ورَاعه
فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَّهُ نِهَايَه
وليقدِّم العناية بـ ((الصحيحين))، ثم (بسنن)(٣) أبي داودَ، وسننِ النسائي،
وكتاب الترمذي: ضبطًا لُشْكلها وفهما لخفيِّ معانيها. ولا يُخْدَعنَ عن كتاب
السنن الكبير (للبيهقي) (٤) فَإِنَّا لا نعلم مثلَه في بابه. ثم بسائر ما تمسّ حاجةٌ
صاحب الحديث إليه من كتب المساند ( كمسند) (٥) أحمد ومنَ كتب الجوامع
المصنفة فى الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها، و ((موطأُ مالك)) هو المقدِّم منها؛
ومن كتب علل الحديث، ومن أجْوَدها: ((كتابُ العلل)) عن أحمد بن حنبل، و ((كتاب
العلل)) عن الدارقطني؛ ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ المحدِّثين، ومن أفضلها:
(تاريخُ البخاري الكبير)) وكتاب ((الجرح والتعديل لابن أبي حاتم))؛ ومن كتب (الضبط
(١) من ش وع، وفي خط: ((سعيد)).
(٢) كتب الناسخ عليها: ((خف)) إشارة إلى تخفيف اللام فيها .
(٣) من ش وع، وفي خط: (( سنن)).
(٤) من ش وع، وفي خط: ((البيهقى)).
(٥) من ش وع، وفي خط: ((مسند).

٤١١
معرفة آداب طالب الحديث
لُمشكل)(١) الأسماء، ومن أكملها ((كتابُ الإكمال، لأبي نصر بن ماكولا)).
وليكُنْ كلما مرَّ به اسمٌ مشكل، أو كلمةُ (من)(٢) حديث مشكلةٌ، (بحث)(٣)
عنها وأودعها قلبَه، فإنه يجتمع له بذلك علمٌ كثير في يُسرٍ.
وليكُنْ تحفظه للحديث على التدريج قليلاً قليلا مع الأيام والليالي، فذلك
أَحْرى بأَنْ يُمتّعَ بمحفوظه.
وممّن ورد ذلك عنه من حفاظ الحديث المتقدمين: ((شعبةُ، وابنُ عُلَيَّةَ، ومَعْمَرَ)).
وروينا عن ((معمر)) قال: «سمعتُ الزهريَّ يقول: مَن طلبَ العلم جملةً، فاتَه
جملةً. وإِنما يُدْرَكُ العلمُ حديثًا وحديثین)).
وليكُن الإتقانُ من شأنه، فقد قال ((عبدُ الرحمن بنُ مهدي)): ((الحفظُ: الإتقانُ)).
ثم إِنَّ المذاكرةَ بما يتحفّظه من أَقوى أسبابِ الإِمتاع به.
روينا عن ((علقمةَ النخعي)) قال: ((تذاكروا الحديثَ، فإنَّ حياتَه ذكره)).
وعن ((إبراهيم النخعي)) قال: ((مَن سَرَّه أَنْ يحفظَ الحديث فلُيُحدِّثْ به، ولو أَنْ
یحدِّث به من لا یشتھیه)).
وَلَيَشْتَغِلْ بالتخريج والتأليف والتصنيف إذا استعدَّ لذلك وتأهَّل له، فإنَّه كما قال
((الخطيبُ الحافظ)): يُثْبِّتُ الحفظَ ويُذَكِّي القلبَ ويَشْحَذُ الطبعَ، ويجيد البيانَ ويكشف
الملتبس، ويُكسبُ جميلَ الذكر، ويخلده إلى آخرِ الدهرِ. وقلَّ ما يَمْهَرُ في علم
الحديث ويقفُ على غوامضه ويستبين الخفيّ من فوائده، إلاَّ مَن فعلَ ذلك.
وحدَّثني (الصَّوريَّ الحافظُ، محمد بن علي)) قال: ((رأيتُ أبا محمد عبدَ الغني
ابن سعيد الحافظ في المنام فقال لي: يا أبا عبد الله، خَرِّجْ وصنِّفْ قبلَ أَنْ يُحالَ بينك
وبينه، هذا أنا تراني قد حیل بيني وبين ذلك)).
وللعلماء بالحديث في تصنيفهم طريقتان: إحداهما: التصنيفُ على الأبواب،
(١) من ش وع، وفي خط: (( الضبط المشكل)).
(٢) من خط وع ، وليست في ش .
(٣) من ش وع ، وفي خط: ((يبحث)).

٤١٢
=
النوع الثامن والعشرون
وهو تخريجُهُ على أحكام الفقه وغيرها، وتنويعه أنواعًا، وجمعُ ما وردَ في كلِّ
حُگمٍ و کلِّ نوع، في بابٍ قَبابِ.
(و)(١) الثانية: تصنيفُه على المسانيد، وجمعُ حديث كلٌّ صحابيٌّ وحدَه، وإن
اختلفت أنواعه.
ولمن اختار ذلك أن يرتبه على حروف المعجم في أسمائهم، وله أن يرتبه على
القبائل، فيبدأ ببني هاشم، ثم بالأقرب فالأقرب نسبًا من رسول الله وَ لّ. وله أن
يُرِتِّبَ على سوابق الصحابة، فيبدأ بالعشَرة، ثم بأهلِ بدر، (ثم بأهلٍ)(٢) الحديبية، ثم
بمن أسلم وهاجر بين الحديبية(٣) وفتح مكة، ويختمَ بأصاغرِ الصحابة كأبي الطفيلٍ
ونُظَرائه، ثم بالنساء؛ وهذا أحسنُ، والأولُ أسهلُ. وفي ذلك من وجوه الترتيب غير
ذلك.
ثم إنَّ مِن أَعلى المراتب في تصنيفه: (تصنيفه) (٤) معلّلا، بأَنْ يجمعَ في كلِّ
حديث طرقَه واختلافَ الرواة فيه، كما فعل ((يعقوبُ بنُ شيبةَ)) في ((مُسندِه)).
ومما يعتنون به في التأليف: ((جمعُ الشيوخ)) أي جمع حديث شيوخ
مخصوصين، كل واحد منهم على انفراده.
قال ((عثمانُ بن سعيد الدارمي)): (((يقال)(٥) مَن لم يجمع حديثَ هؤلاء
الخمسة فهو مُفْلسٌ في الحديثَ: سفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن
عیینة؛ وهم أصول الدين)).
ءِ
وأصحابُ الحديث يجمعون حديثَ خلق كثير، غير الذين ذكرهم ((الدارمي)؛
منهم: ((أيوب السختياني، والزهري، والأوزاعي)).
ويجمعون أيضًا التراجم؛ وهي أسانيد يخصّون ما جاء بها بالجمع والتأليف؛ مثل:
ترجمة ((مالك عن نافع عن ابن عمر)) وترجمة: ((سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
(١) من خط وع ، وليس في ش .
(٢) من خط وع، وفي ش: ((ثم أهل)).
(٣) في حاشية خط: ((من أهل الحديث م
... الحديبية والتى ..... اختيار ال ..... )) وموضع
.
النقط غير ظاهر في « تصوير خط)) .
(٤) رسم الناسخ عليها علامة ((صح)).
(٥) من ش وع، وفي خط: ((قال)).

٤١٣
=
معرفة آداب طالب الحدیث
هريرة))؛ وترجمة ((هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة))؛ في أشباه لذلك كثيرة.
ويجمعون أيضًا أبوابًا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام، فيفردونها
بالتأليف فتصير كتبًا مفردة، نحو: باب ((رؤية الله عز وجل))؛ وباب: ((رفع اليدين))؛
وباب: القراءة خلف الإمام))؛ وغير ذلك.
ويفردون أحاديثَ، فيجمعون طُرقها في کتب مفردة، نحو: «طرق حدیث قبض
العلم))؛ وحديث: ((الغُسل يومَ الجمعة))؛ وغير ذلك.
وكثيرٌ من أنواع كتابنا هذا، قد أفردوا أحاديثَه بالجمع والتصنيف.
وعليه في كلِّ ذلك، تصحيحُ القَصْد والحذرُ من قصد المكاثرة ونحوه.
بلغنا عن «حمزةَ بن محمد الكنانيِّ) أنه خرَّج حديثًا واحدًا من نحو مائتي
طريق، فأعجبه ذلك، فرأى ((يحيىٍ بِنَ معين)) في منامه فذكر له ذلك فقال له:
أَخْشى أن يدخل هذا تحت ﴿أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
ثم ليحذرْ أن يُخرِجَ إلى الناس ما يُصنِّفه، إلاّ بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر
فیه وتکریره.
وليتَّقِ أن يجمعَ ما لم يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لاجتناء (ثمرته واقتناص)(١) فائدة جمعه، کیلا
يكونَ حُكْمِهُ ما رويناه عن «علي ابن المديني) قال: ((إذا رأيتَ (الحدَثَ)(٢) أولَ مَا يكتب
الحديثَ يجمع حديثَ (الغُسْلِ) وحديثَ: (مَنْ كَذْب)؛ فَاكْتُبْ على قَفَاه: لا يُفْلِح)).
ثم إن هذا الكتابَ مَدخلٌ إلى هذا الشأن، (مُفْصِحٌ) (٤) عن أُصُوله وفروعه،
(شارح)(٥) لمصطلحات أهله ومقاصدهم ومهمَّاتهم التي ينقص المحَدِّثُ (بالجهلَ
بها)(٦) نقصًا فاحشًا، فهو إن شاء الله جديرٌ بأَنْ تقدّمَ العنايةُ به، ونسأل الله سبحانه
فضله العظيم. انتهى
(١) من ش وع، وفي خط: (( موته وامسا من))
(٢) من ش وع، وفي خط ((الحديث))، وفي ل: ((المحدث)).
(٣) من ش وع، وفي خط: ((يدخل)).
(٤) من ش وع، وفي خط: ((يفصح)).
(٥) من خط وع، وفي ش: ((شارع)) بالعين المهملة بدل الحاء .
(٦) من ش وع ، وليس في خط .

٤١٤
النوع الثامن والعشرون =
(قوله): ثم لا يَنْبغي لطالبِ الحديث؛ أَيْ: لا يقتصر على السماع والكتابة، بل
لابدَّ مع ذلك من معرفةٍ درايتهِ وفهمه، وما يتعلَّق بمعانيه .
وعن أبي عاصمِ النَّبِيل أنَّه قال: ((الرَِّاسَةُ في الحديثِ بلا درايةٍ رئاسة نَذِلَةُ)).
قال الخطيب: ((هي(١) اجتماع الطلبة على الرَّاوي (للسماع منه)(٢) عند عُلُوِّ سِنّه.
قال: (فإذا)(٣) تميَّز الطالب بِفَهْمِ الحديث ومعرفتِهِ تَعَجَّل بَرَكَةَ ذلك في شبيبته)).
قال: ((ولو لم يكن في الاقتصارِ على سماع الحديث؛ وتخليده الصُّحُف، دون
((التميُّز) (٤) بمعرفة صحيحه من فاسده ، والوقوف على اختلاف وجوهه،
والتصَّرّف فى أنواع علومه، إلاّ تَلقِيبُ ( المعتزلة القدرية )(٥) مَن سلكَ تلك الطريقة
بالحشويّة، لوجب علَى الطالب الأَنَّفَةُ لنفسِهِ، ودَفْعُ ذلك عنه، وعن أبناء جِنْسِهِ)).
وينبغي له أَنْ يقدّم قرآءة كتابٍ في ((علوم الحديث)) حِفْظًا أو تَفَهُّمًا، ليعرف مصطلح
أهله، ويسارع إلى المحافظةِ على السماع، وأهم ذلك ماذكره المصنِّف من المصنّفات.
"وقال الخطيب بعد أن ذكر الكتب الخمسة (٦): ((ثم كتب المسانيد الكبار مثل
((مسند)) أحمد، وابن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة (٧)، وأبي خيثمة، وعبد بن
حميد، وأحمد بن سنان، والحسن بن سفيان، ومحمد بن أيوب الرازي(٨) .
(١) يعني ((الرئاسة)) التى أشار إليها أبو عاصم، راجع: ((الجامع)) (٢ / ١٨١).
(٢) من ((الجامع))، وفي خط: ((بالسماع)).
(٣) كذا في خط، وفي ((الجامع)): ((وإذا)).
(٤) من ((الجامع)) (٢ / ١٨٠)، وفي خط: ((التمييز)).
(٥) هكذا في خط ول، وفي ((الجامع)): ((المعتزلة للقدرية)) وضبب في ((الجامع)) على ((للقدرية)).
(٦) و((صحيح ابن خزيمة)) كما في ((الجامع)) (٢ / ١٨٥)، و((الشرح)) لكنه أى العراقى في ((الشرح))
عاد فقال: ((وقال الخطيب بعد أن ذكر الكتب الخمسة)) ومنه أخذ الأبناسى .
(٧) هكذا في خط ول، وفي ((الجامع)) (٢ / ١٨٥): ((وأبى بكر عبد الله وأبى الحسن عثمان ابْنَى أبى شيبة)»
(٨) راجع: ((الجامع)) (٢ / ١٨٦)، وقد أهمل الأبناسى ذكر الموجود من ((مسند)) يعقوب بن شيبة، وإسماعيل
ابن إسحاق القاضى، وأبي يعلى الموصلى))، وهؤلاء جميعًا ذكرهم الخطيب، وعنه العراقى في الشرح .

٤١٥
= معرفة آداب طالب الحديث
ثم الكتب المصنَّفة (١) مثل كُتُب ابن جُرَيْجٍ، وابن أبي عَرُوبة، وابن المبارك،
وابن عُبَيْنَة، وهُشَيم، وابن وَهْب، والوليد بن مسلم، ووكيع، وعبد الوهاب بن
عطاء، وعبد الرَّزَّاق، وسعيد بن منصور، وغيرهم)).
قال: ((وأمَّا (مُوطّأ) مالك فهو المُقَدَّم في هذا النوع، ويجب أن يُبْتَدَأَ بذِكْرِه على
كُلِّ كتابٍ لغيره.
ثم الكتب المتعلّقة بعلل الحديث فمنها كتاب أحمد بن حنبل، وابن المدينى،
وابن أبي حاتم، وأبي علي النيسابوري، والدارقطني، و((التمييز)) لمسلم.
ثم تواريخ المحدِّثين(٢) مثل: كتاب ابن معين، رواية عباس، ورواية المفضل
الغلاّبي، ورواية الحسين بن (حبَّان)(٣) وتاريخ خليفة، وأبي حسان الزّيادي،
ويعقوب الفَسَوي، وابن أبي خيثمة، وأبي زرعة الدمشقي، وحنبل بن إسحاق،
والسّرَّاج، و ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم.
قال: ويُرْبِي على هذه الكتب كلها: تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري)).
أي: التاريخ الكبير، وله ثلاثة تواريخ.
(قوله): على التدريج قليلاً قليلاً؛ أَيْ: فلا يكلّف نفسه حفظ ما لا يطيقه،
ففي الحديث الصحيح: ((خُلُوا من الأعمال ما تُطِيقُون)).
وعن الثوري قال: ((كنتُ آتي الأعمش ومنصورًا فأسمع أربعة أحاديث،
(خمسة)(٤)، ثم انصرف كراهية أن تكثر وتَفَلَّت)).
ونحوه عن شعبة وابن علية ومعمر.
وعن الزهري أنه قال: ((إِنَّ هذا العلم إن أخذتَهُ (بالمكَاثَرَةَ)(٥) له غَلَبَكَ ولكن
خُذْهُ معَ اللَّيَالي والأيام أخذًا رفيقًا تَظْفَر بِهِ)).
(١) هكذا في خط ول، وفي ((الجامع)): ثم الكتب المصنفة في الأحكام، الجامعة للمسانيد وغير المسانيد .. ))
(٢) هكذا في خط ول، وفي ((الجامع)): (( ثم تواريخ المحدثين وكلامهم في أحوال الرُّواة .)).
(٣) هكذا في ل و ((الجامع)) بالموحدة، وفي خط: ((حيان)) بالياء آخر الحروف.
(٤) هكذا في خط، وضَّب عليها في ((الجامع)) (١ / ٢٣٢).
(٥) هكذا في خط بالمثلثة، وفي ((الجامع)) (١ / ٢٣٢): ((بالمكابرة)) بموحدة ..

٤١٦
النوع الثامن والعشرون =
ومما يُعين على (الحفظ: المذاكرة) (١)، لقول عليّ رضي الله عنه: («تَذَاكَرُوا
الحديث، فإنَّ حياتَهُ مذاكرته)).
ونحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وابن عباس.
وعن الخليل بن أحمد: ((ذَاكِرْ بعلمكَ تذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك)).
وعن عبد الله بن المعتَزّ قال: ((مَن أكثر مذاكرة العلماء لم يَنْسَ ما عَلِمَ واستفادَ
مالم يَعْلَمَ)) .
(قوله): وليشتغل بالتخريج؛ أَيْ: لقول بعضهم (٢): ((مَن أراد الفائدة فَلْيَكْسرْ
قلم النَّسْخِ وليأخُذْ قلم التخريج)).
والتخريج يكتب الذِّكْر إلى آخرِ الدهر كما قال الشاعر:
يموتُ قومٌ فِيُحيي العِلْمُ ذِكْرَهُمُ والجَهْلُ (يُلْحِقُ أَمْوانًا)(٣) بأمواتٍ
وعن الدارقطني: ((أول مَن صنف مسنداً وتتبّعَهُ: نعيم بن حماد)).
قال الخطيب: ((وقد صنّف أسد بن موسى مسندًا، وكان أكبر من نعيم سِنّا
وأقدم سماعًا، فيحتمل أنْ يكون نعيم سبقه في حداثته)).
قال الخطيب: ((يُستحب أَنْ يصنّف المسند معلّلاً، فإنَّ معرفة العلل (أجلُّ) (٤)
أنواع الحديث)).
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ((لأَنْ أَعرف علّة (حديثِ أحبّ)(٥) إليّ مِن
أَنْ أكتب عشرين حديثًا ليس عندي)).
وقد جمعَ يعقوب بن شيبة مسنداً معلّلاً.
قال الأزهري: ((ولم يُصَنِّف يعقوب المسند كله))، قال: ((وسمعت الشيوخ
(١) في خط: (( الحفاظ مذاكرة)) فصوبته.
(٢) حكاه الخطيب في ((الجامع)) (٢ / ٢٨٢) عن بعض شيوخه، وعنه ((الشرح)).
(٣) هكذا في ((الجامع)) (٢ / ٢٨٠)، ونسخة من ((الشرح))، وفي خط: ((للحى أمواتًا))، وفي ل: ((يلحق أحياء)).
(٤) من ل و ((الجامع)) (٢ / ٢٩٤)، وفي خط: ((أصل)).

٤١٧
ww
= معرفة آداب طالب الحديث
يقولون: لم يُتمم مسندٌ معلَّلٌ قَطّ)).
قال: ((وقيل لي: إِنَّ نسخة بمسند أبي هريرة شُوهِدَتْ بمصر فكانت مائتي
جزء))، قال: ((ولَزِمَهُ على ما خرج من المسند عشرة الآف دينار)).
قال الخطيب: ((والذي ظهرَ ليعقوب: مسند العَشْرة، وابن مسعود وعمَّار،
وعتبة بن غزوان، والعباس، وبعض الموالي، هذا الذي رأينا من مسنده)) .
(قوله): ومما يعتنون به في التأليف: جمع الشيوخ؛ أيّ: والتراجم والأبواب
والطرق، وقد ذكر جميعها.
مثال جمع الشيوخ: أَنْ يجمع حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على
انفرادِه، كجمع ((حديث: الأعمش)) للإسماعيلي، و ((حديث: الفضيل بن عياض))
للنسائي، و ((حديث: محمد بن جحادة)) للطبراني، وغير ذلك.
وقد ذكر الخطيب ممن (جُمع) (١) حديثه: إسماعيل بن أبي خالد، وأيوب بن
أبي تميمة، وبيان بن بشر، والحسن بن صالح بن حي، وحماد بن زيد، وداود بن
أبي هند، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزائدة، وزهير، وزياد بن سعد، وسفيان
الثوري، وسفيان بن عيينة، وسليمان (أبو)(٢) إسحاق الشيباني، وسليمان بن
(طرخان)(٣)، وسليمان بن مِهْران الأعمش، وشعبة، وصفوان بن سُلَيْم، وطلحة
ابن مَصَرِّف وعبد الله بن عون، وعبد الرحمن بن عَمرو الأوزاعي، وعبيد الله بن
(عُمَر) (٤) العمري، وأبا حَصِين عثمان بن عاصم الكوفي، وعمرو بن دينار
المكي، ومالك بن أنس، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن سُوقة، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، ويونس بن عبيد البصري(٥) .
(١) من خط و((الجامع))، وفي ل: ((يجمع)).
(٢) من ((الجامع)) (٢ / ٢٩٨)، وفي خط ول: (( بن)).
(٣) من ل و ((الجامع))، وفي خط: ((على خان)).
(٤) من ل و ((الجامع))، وفي خط ((عمرو)) بالواو.
(٥) فات الأبناسى ممن ذكرهم الخطيب وعنه العراقى في ((الشرح)): ((محمد بن مسلم الزهرى، ومِسْعر
بن كِدَام الهلالى ، ومحمد بن واسع الأزدى ، ومطر بن طَهمان الخراسانى )) .

٤١٨
النوع الثامن والعشرون =
ومثال جمع التراجم: وهو جمع ما جاء بترجمة واحدة من الحديث؛ ((كأيوب
عن ابن سيرين عن أبي هريرة)).
وذكر المصنّف: ((مالكًا، وسهيلاً، وهشامًا)).
ومثال جمع الأبواب: فتصير كتبًا؛ كباب: ((رفع اليدين)) وباب: ((القرآءة خلف
الإمام)»، أَفْرَدهُمَا البخاري بالتصنيف.
وباب: ((التَصْدِيق بالنظرِ لله تعالى)) أفردَهُ الآجُرِّي.
وباب: ((النية)) أفردَهُ (ابن أبي الدنيا)(١)
وباب: ((القضاء باليمين مع الشاهد)) أفرده الدار قطني.
وباب: ((القنوت)) أفرده ابن مندة.
وباب: ((البسملة)) أفرده ابن عبد البر وغيره.
وغير ذلك.
ومثال جمع الطرق: وهو جمع طرق حديث واحد؛ كطرق حديث: ((قَبض
العلم)) للطوسي؛ وطرق حديث: ((مَن كذبَ عليَّ متعمِّدًا)) للطبراني، وطرق
حديث: ((طلب العلم فريضة))، ونحو ذلك.
وقد أدخلَ الخطيبُ هذال القسم في جمعِ الأبواب وأفردَهُ المصنّف بالذِّكْر، وهو
واضحٌ؛ لأَنَّ هذا (جمع طرق حديثٍ واحد)، وذاك (جمع باب وفيه أحاديث
مختلفة).
(١) كنت قيدتُ عندي:((في خط: ( ابن أبى الزناد) وصوابه : ( ابن أبي الدنيا)، يدلُّ على ذلك : أن
ابن أبى الدنيا هو المعروف بإفراد هذا الباب بالتصنيف، ذكر كتابه ابن رجبٍ في ( جامع العلوم / الحديث
الأول)، وغيره، ويؤيد ذلك أيضًا: ذِكْر المصنف له بعد البخارى والآجرى، فلو كان المراد (ابن أبى
الزناد) لذكره قبلهما؛ لتقدمه في الوفاة عليهما ، أضف إليه أنَّ ابن أبي الزناد لم يشتهر بالتصنيف ، وإنما
روى بعض الكتب عن أبيه ، وهو مترجم فيمن اسمه ( عبد الرحمن) من ((التهذيب)) فالصواب: ابن أبي
الدنيا، والله أعلم)) انتهى ما قيدته على حاشية الكتاب قديمًا، ثم رأيته على الصواب - (ابن أبي
الدنيا) - عند العراقي في (( الشرح)) فالحمد لله تعالى.

٤١٩
النوع التاسع والعشرون
معرفة الإسناد العالي والنازل
أصلُ الإسناد أولاً خصيصةٌ فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنّةٌ بالغةٌ من
السّنَنِ المؤكدة.
روينا من غير وجه عن ((عبد الله بن المبارك رضي الله عنه)) أنه قال: ((الإسنادَ من
و
الدِّين، (لولا)(١) الإسنادُ لقال من شاء ما شاء)).
وطلَبُ العُلُوِّ فيه، سُنَّةٌ أيضًا. ولذلك استُحبَّت الرحلة فيه، على ما سبق ذكره.
قال ((أحمدُ بن حنبل رضي الله عنه: طلبُ الإِسناد العالي سنّةٌ (عن من)(٢) سلف.
وقد روينا أن ((يحيى بنَ معین)) رضي الله عنه))، قيل له في مرضه الذي مات فيه:
ما تشتهي؟ قال: بيت خالي وإسنادٌ (عالي)(٣).
قلت: العُلوُّ يبعد الإسنادَ من الخلل؛ لأنَّ كلَّ رجل من رجاله يحتمل أَنْ يقع
الخللُ من جهته سهواً أوَ عمدًا، ففي قلَّتهم قلة جهاتِ الخلل، وفي كثرتهم كثرة
جهات الخلل؛ وهذا جليّ واضح.
ثم إِنّ العُلو المطلوبَ في رواية الحديث على أقسام خمسة:
أولها: القربُ من رسول الله صل بإسناد نظيف غير ضعيف، وذلك من أجلِّ
أنواع العُلُو.
وقد روينا عن ((محمد بن أسلم الطوسي، الزاهد العالم رضي الله عنه))؛ أنه قال:
(١) هكذا في خط وش وع و((التدريب))، وفي ((مقدمة مسلم)) (ص / ١٥): ((ولولا)).
(٢) كذا في خط، ووصلهما في ش وع و((التدريب)): ((عمن)).
(٣) كذا رسمه بإثبات الياء في ((خالى ... عالى)) ورسم على الأخيرة منهما ((صح)).

٤٢٠
النوع التاسع والعشرون =
((قرب الإِسناد، قربٌ أو قربةٌ، إلى الله عز وجل)).
وهذا كما قال، لأنَّ قربَ الإسناد قربٌ إلى رسول الله وََّ، والقرب إليه قربٌ
من الله عز وجل.
الثاني: وهو الذي ذكره ((الحاكم أبو عبد الله الحافظ)): القرب من إمام من أئمة
الحديث، وإن كثر العددُ من ذلك الإمام إلى رسول الله وَعليه. فإذا وجدُ ذلك في
إسناد، وُصفَ بالعُلوِّ نظرًا إلى قُربه من ذلك الإِمام، وإن لم يكن عاليًا بالنسبة إلى
رسوَّل الله وَّة.
وكلام ((الحاكم) يُوهم أنَّ القرب من رسول الله وٍَّ لا يُعَدُّ من العلوِّ المطلوب
أصلا؛ وهذا غلطٌ من قائله، لأنّ القرب منه وَلّه بإسناد نظيف غير ضعيف، أَوْلى
بذلك؛ ولا ينازع في هذا مَن له مُسْكَةٌ من معرفة.
وكأَنَّ ((الحاكم)) أراد بكلامه ذلك إثباتَ العُلو للإسناد (بقربه)(١) من إمام، وإن
لم يكن قريبًا إلى رسول الله وَّةِ، والإنكار على مَن يراعي في ذلك مجردَ قربِ
الإسناد إلى رسول الله وَله، وإن كان إسنادًا ضعيفًا، ولهذا مثّل ذلك بحديثَ
(أَبِي هُدْبةَ، ودينار، والأَشجِ) وأشباهِهم.
ء
الثالث: العُلَّو بالنسبة إلى رواية ((الصحيحين)) أو أحدهما، أو غيرهما من الكتب
المعروفة المعتمَدة، وذلك ما اشتهر أَخراً من الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة.
وقد كثر اعتناءُ المحدِّثين المتأخرين بهذا النوع. وثمَّن وجدتُ هذا النوعِ في
كلامه: ((أبو بكر الخطيب)) وبعض شيوخه، و ((أبو نصر ابن ماكولا، وأبو عبد الله
a
الحميدي)) وغيرهم من طبقتهم، وممن جاء بعدهم.
أما الموافقة: فهي أَنْ يقع لك الحديثُ عن شيخِ ((مسلم)) (٢) فيه مثلا، عاليًا بعدد أقلّ
من العدد الذي يقع لك به الحدیث عن ذلك الشیخ إذا رویته عن (مسلم))، عنه.
وأما البدلُ: فمثلُ أَنْ يقعَ لك مثلُ هذا العلو عن شيخٍ غير شيخ ((مسلم)) (مثل
شيخ مسلم)(٣) في ذلك الحديث.
(١) هكذا في خط، وفي ش: ((لقربه)) باللام، ووقع في ع ((يقربه ))بمثناة من تحت.
(٢) من ش وع و(( التقريب مع شرحه))، وليس في خط.
(٣) من خط و ((التقريب / مع شرحه))، وفي ع: ((هو مثل شيخ مسلم))، وليس في ش.