النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده (اعتُرِض) على قوله: وروينا عن الشَّافعي ويحيى بن أبي كثير، والمعروف في جميعِ الكتب إِنَّما هو الأوزاعي، كذا رواه ابن عبد البر في كتاب: ((جامع بيان العلم)) من روايةٍ بقية عن الأَوْزاعي، ومن طريق ابن عبد البر رواه القاضى عياض فى ((الإِماع)» بإسناده، ومنه يَأْخُذُ المصنّفُ كثيرًا. وكأَنَّهُ سبق ( فَلَمْ)(١) من الأَوْزاعى إِلى الشَّافعي، أو غلطٌ مِن الناسخ. وأَمّا قول يحيى بن أبي كثيرٍ؛ فرواه ابن عبد البر أيضًا، والخطيب في ((الكفاية)) وفي كتابِ ((الجامع)) من روايةٍ أَبَان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير. وقال القاضي عياض: مقابلةُ النسخة بأصلِ السّماع متعينة لابدَّ منها، ثم قال: ولا يَحل للمسلمِ التَّقِي الرواية مّا لم يُقَابل بأصلِ شيخِهِ أو نسخةٍ تحقَّقَ وَوَثِقَ بمقابلتِها بالأصلِ، وتكون مقابلتُه لذلك مع الثقةِ المأمون على ما يَنْظُر فيه، فإذا جاء حرفٌ مُشْكِلٌ نَظَرَ معه حتَّى يُحَقِّقُوا ذلكَ. قال: الحادي عشر: المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي - ويسمى اللحَقَ، بفتح الحاء - (وهو) (٢) أن يخط من (موضع)(٣) سقوطه من السَّطر خطًا صاعدًا إلى فوق، ثم يعطفه بين السطرين عطفةً يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق. ويبدأ في الحاشية بكتبة اللحق مقابلا للخط المنعطف، وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين. وإن كانت تلي وسطَ الوَرقة إن اتسعَتْ له، (وليكتبه)(٤) صاعدًا إلى أعلى الورقة لا نازلاً به إلى أسفل. قلت: وإذا كانَ اللحَق سطرين أو سطورًا فلا يَبتدئ بسطوره من أسفل إلى أعلى، (بل يبتدئ بها)(٥) من أعلى إلى أسفل، بحيثُ يكون منتهاها إلى (جهة باطن)(٦) الورقة إذا كان التخريج فى جهة اليمين، وإذا كان فى جهة الشمال ، (١) هكذا في خط، وفي ع: ((قلمه)) بالهاء . (٢) من خط ، وليس في ش وع . (٣) من خط وع، وفي ش: ((موضوع)). (٤) من خط، وفي ش وع: ((فليكتبه)) بالفاء بدل الواو، وراجع حاشية ((المقدمة)) (ص ٣٧٨). (٥) من ش، وفي ع: ((بل و ..... ))، وفي خط: ((بل يبتدئها)). (٦) من ش وع، وفي خط: ((باطن جهة)). ٣٤٢ النوع الخامس والعشرون وقع منتهاها إلى جهة طرف الورقة. ثم يكتب عند انتهاء اللحق: ((صح)). ومنهم من يكتب مع (صح)): ((رجع)). ومنهم من يكتب في آخر اللحق الكلمةَ المتصلةَ به داخلَ الكتاب في موضع التخريج ليؤذنَ باتصال الكلام، وهذا اختيارُ بعض أهل الصنعةِ من أَهلِ المغرب، واختيارُ ((القاضي أبي محمد بن خلاد)) صاحب كتاب (الفاصل بين الراوي والواعي) من أهل المشرق مع طائفة. وليسَ ذلك بمرضيّ، إِذْ رُبَّ كلمة تجيء في الكلام مكررةً حقيقة، فهذا التكرير يُوقِعُ بعضَ الناسِ في توَهَّم مثلِ ذلك في بعضه. واختار ((القاضي ابنُ خلاد)) أيضًا في كتابه أن يمدَّ عَطْفةَ خطَّ التخريج من موضعه حتى يُلحقَه بأوَّل اللحَق بالحاشية. وهذا أيضًا غيرُ مرضي، فإنّه وإنْ كانَ فيه زيادة بيان، فهو تسخيمٌ للكتابِ وتسويد له، لا سيما عند كثرة الإلحاقات. وإنّما اخْتَرْنا كتبةَ اللحَق صاعدًا إلى أَعْلى الورقة، لئلاَ يخرج بعده نقصٌ آخرُ فلا يجد ما يقابله من الحاشيةَ فارغًا له، لو كان كتب الأولَ نازلاً إلى أسفلَ. وإذا كتبَ الأولَ صاعدًا فما (يجده)(١) بعد ذلك من نقص يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له. وقلنا أيضًا: يخرجه في جهة اليمين، لأنه لو (أخرجه)(٢) إلى جهة الشمال فربما ظهر بعده في السطر نفسه نقصٌ آخرُ، فإنْ خرّجه قُدّامَه إلى جهة الشّمالَ أيضًا وقعَ بين التخريجينَ إِشْكَال، وإن خرّج الثاني إلى جهة اليمين التَقَتْ عطفةٌ تخريج جهة الشمال وعطَفةُ تخريج جهة اليمين، أوَ تقابلتا، فأشبه ذلك الضرْبَ على ما بينهما، بخلاف ما إذا خرّج الأوّل إلَى جهة اليمين فإنه حينئذ يخرّج الثاني إلى جهة الشمال فلا يَلْتَقيان ولا يلزم إِشكال، اللَّهم إلا أن يتأخْرِ النَّقْصُ إلى آخر السطر، فَلا وجهَ حينئذ إلا تخريجُه إلى جهة الشمال القُرْبِه منها ولانتفاء العلَّةَ المذكورة، من حيثُ أَنَّا لاَّ نخشى ظهورَ نقص بعده. (١) هكذا في خط، وفي ش وع: (( يجد )) بدون الهاء. (٢) هكذا في خط، وفي ش وع: (( خرجه)). - ٣٤٣ = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده وإذا كان النقصُ في أول السطر، تأكّد تخريجُه إلى جهة اليمين، لما ذكرناه من القُرب مع ماسبق. وأمَّا ما يخرّج في الحواشي من شرح أو تنبيه على غلط أو اختلاف رواية أو نسخة أو نحو ذلك مما ليسٍ من الأصل، فقد ذهب ((القاضي عياض)) رحمه اله، إلى أنه لا يُخَرِّجُ لذلك خطَّ تخريج لئلاّ يدخل اللبسُ ويُحسَبَ من الأصل، وأنه لا يخرج إلا لما هو من نفس الأصلّ، لكن ربما جُعلَ على الحرف المقصود بذلك التخريج علامةٌ كالضبة أو التصحيح، إيذانًا به. قلت: التخريجُ أَوْلَى وأدَلَّ وفي نفس هذا المخرّجِ ما يمنع الإلباسَ. ثم هذا التخريج يخالف التخريجَ لما هو من نفسِ الأصل في أنّ خط ذلك التخريج يقع بين الكلمتين اللتين بينهما سقط الساقط، وَخط هذا التخريج يقع على نفس الكلمة التي من أجلها خُرِّجَ المخرَّجُ في الحاشية. انتهى أهلُ الحديث والكتابة يسمُّون ما سقطَ من أصلِ الكتاب وأُلْحِقَ بالحاشيةِ، أو بَيْن السطور ((لَحَقًا)) بفتح اللّم والحاء المهملة. قال الجوهري: واللَّحَق بالتحريك شئٌّ يلحق بالأوَّل، واللحق أيضًا من الثمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب ((المحكم)): اللحق كل شئ لحق شيئًا، أو أُلْحق به من الحيوان والنبات، وحمل النخل. وقيل: اللحق مأخوذٌ من الزيادة. قال صاحب ((المحكم)): واللحق الشئ الزائد. ومنهم من سكَّنَ الحاء كما وقع في شعرٍ لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنشده الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي : مَنْ طَلَبَ العِلْم والحديث فلا يَضْجَر من خمسة يُقَاسيها ـها دراهم للعلوم يجمـ وعند نَشْر الحديث يُفْنيهـ يضجره الضَّرْب في دفاترِهِ وكثرة اللَّحْق في حواشيها ٣٤٤ النوع الخامس والعشرون ـسل أثوابه وبِزَّتَهُ يغــ مِن أثرِ الحبر ليس يُنْقِيهـ ـا والظاهر أنَّهُ خفَّف حركة الحاء لضرورة الشعر. ولا يكتب ما سقطَ بين السطور؛ لأنه يضيقها (ويغلسها)(١) ولاسيما إذا كانت السطور ضيقة متلاصقة، بل الأَوْلَى أَنْ يكتب في الحاشيةِ، فإِنْ كانَ مايُقابله من الحاشية غير خال، لا يمكن كتابة اللَّحق فيه، وكتبه في موضع آخر، فيتعيَّن جَرّ الخطّ إِلَى أَوَّلَ اللَّحَقِ، أو يكتب قُبالة موضع السّقط: يتلُوه كذا وكذا في الموضعِ الفلاني، ونحو ذلك، (ليزول الإلْباس) (٢)، كمافعله غيرُ واحد ممن يُعتمد عليه، فيصل الخط باللَّحَق إِذَا بَعُدَ عن موضعٍ مقابله. قال: الثاني عشر: من شأن الحُذَّاق المتقنين، العنايةُ بالتصحيح والتضبيب والتمريض. أما التصحیحُ فھو کتابة (صح)) على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صحَّ روايةً ومعنى، غير أنه عرضةٌ للشكِّ أو الخلاف، فيكتب عليه: صح؛ ليُعرَفَ أنه (لم يُغفل)(٣) عنه، وأنه قد ضُبطَ وصحَّ على ذلك الوجه. وأما التضبيب، ويُسمى أيضا التمريض: فيُجعل على ما صحّ ورودُه كذلك من جهة النقل، غير أنه فاسدٌ لفظًا أو معنی، أو ضعيفٌ، أو ناقص؛ مثل أَنْ یکون غیر جائز من حيث العربيةُ، أو يكون شاذا عند أهله يأباه أكثرهم، أو مُصَحَّفًا، أو ينقُصَ من جملة الكلام كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، فَيُمَدَّ على ما هذا سبيلُه خطٌّ، أوَّلِه مثلُ الصاد؛ ولا يُلزق بالكلمة المعلَّم عليها كيلا يُظَنَّ ضَرْبًا، وكأنه صادُ التصحيح بمَدَّتها دون حائها، كُتبت كذلك ليفرق بين ما صحّ مطلقًا من جهة الرواية وغيرها، وبين ما صح من جهة الرواية دون غيرها، فلم يكمل عليه التصحيح. وكتب حرف ناقص على حرف ناقص، إشعارًا بنقصه ومرضه مع صحة نقله وروايته، وتنبيهًا بذلك لمن ينظر في كتابه على أنه قد وقفَ عليه ونقله على ما هو عليه، ولعلَّ غيره قد يُخرّج له وجهًا صحيحًا، أو يظهر له بعد ذلك في (١) هكذا صوبتها، وفي خط: ((ويغسلها))، وفي ((شرح الألفية)): ((ويغلس ما يقرأ) يُرِيد: عدم وضوحه (٢) هكذا في خط، وفي ((شرح الألفية): ((لزوال اللبس)). (٣) ضبط خط . ٣٤٥ = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده صحته مالم يظهر له الآن. ولو غَيَّرَ ذلك وأصلحه على ما عنده، لكان (متعرضًا)(١) لما وقع فيه غيرُ واحد من المتجاسرين الذين غَيّروا، وظهرَ الصوابُ فيما أنكروه والفساد فيما أَصْلَحوه. وأما تسمية ذلك ضبة، فقد بلغنا عن ((أبي القاسم إبراهيم بن محمد اللغوي المعروف بابن الإِفْليلي)) (٢) أن ذلك لكون الحرف مُقْفَلاً بها لايتجه لقراءة، كما أن الضَّبَّةَ مقفلٌ بها. قلت: ولأنها لما كانت على كلام فيه خَللِ أشبهت الضبةَ التي تُجعل على كسر أو خلل، فاسْتُعِيرَ لها اسمُها. ومثل ذلك غيرُ مستنكر في باب الاستعارات. ومن مواضع التضبيب أن يقعَ في الإسناد إرسالٌ أو انقطاع، فمن عادتهم تضبيب موضع الإرسال والانقطاع، وذلك من قبيلٍ ما سبق ذكره من التضبيب على الكلامِ الناقص. (١) من ش وع، وفي خط: ((تعرضاً)). (٢) في حاشية خط: ((الإِفْلِيلي هذا بالفاء وكسر الهمزة، ومن أهل الأندلس؛ كان صدرًا بها في علم الأدب، من أصحاب الزّبيدي)) اهـ وقال ابن خَلِّكان في ((الوفيات)) (٥١/١) (١٤): ((والإِفْلِيلي - بكر الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام ثانية - هذه النسبة إلى الإِفليل، وهي قرية بالشام کان أصله منھا، اهـ. وهكذا جاءت هذه النِّسْبة - بالكسر - في ((معجم المؤلفين)) لكحالة (٩٤/١)، وغيره. لكن ضبطها ياقوت في ((معجم البلدان)) (٣٣٢/١) بالفتح فقال: ((أَفْلِيلاء - بفتح الهمزة - قال ابن بشكوال: قرية من قرى الشام يُنْسَب إليها أبو القاسم إبراهيم بن محمد ... الأديب الفاضل الأندلسي .. )). تَرْجَمَهُ الحميدي في ((جذوة المقتبس)) (ص/ ١٥١ - ١٥٢) (٢٦٢)، وابن بشكوال في ((الصلة)) (٩٣/١) (٢٠٦)، وياقوت في ((معجم الأدباء)) (٤/٢)، وغيرهم. قال ابن بشكوال: ((قال الطّبني: أخبرني أن إفْلِيلا قرية من قرى الشام، كأنَّ هذا النَّسَب إليها» ! هـ. وأرَّخ وفاته ابن بشكوال، وابن العماد في ((الشذرات)) (٢٦٦/٣) وغيرهما في سنة ((إحدى وأربعين وأربعمائة». وقد تحرَّف في (ع)) إلى ((ابن الأقليلي)) بالقاف - كذا في ((المتن)) و ((التقييد))، وفي ((ل)): ((ابن الأقليلي)) بالفاء وفتح الهمزة. ساق الحُمَيدي في ((الجذوة)) بإسناده إلى ((ابن الإفليلي)) قال: ((كان شيوخنا من أهل الأدبِ يتعالمونَ أن الحرف= ٣٤٦ النوع الخامس والعشرون = ويُوجَدُ في بعض أصول الحديث القديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعةٌ معطوفة أسماؤهم (بعضًا)(١) على بعض، علامة تشبه الضبةَ فيما بين أسمائهم، فيتوهّم من لا خبرةَ له أنها ضبةٌ وليست بضبة، وكأنها علامةُ وصل فيما بينها، أَثْبتَتْ تأكيدًا للعطف، خوفًا من أَنْ تُجعلَ ((عن)) مکان الواو. ثم إِنّ بعضهم ربما اختصرَ علامة التصحيح، فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب والفطنةُ من خیر ما أوتیه الإنسانُ. انتھی (أُعْتُرض) على قوله: قلت: ولأَنَّها لمَّا كانت؛ أي: الضبة من حيث أنَّ ضبة القدح وُضُعَتْ جبرًا للكسرِ، والضبة على المكتوب ليست جابرة، وإنَّما جُعلت علامة على المكان المغلق وجهه، المستبهم أمره، فهي لضبة الباب أشبه كما قاله الإِفْليلي، لا بما قاله المصنّف. (ورُدَّ) بأَنَّ المصنِّف مامنعَ مقالة الإِفْليلي، بل جوّزها، وجوَّزَ وجهًا آخر له وجه مِن الاستعارة وغير بعيدٍ لمن تأمّله منصفًا . = إِذَا كُتِبَ عليه ((صَحَّ)(١) (بِصَادٍ وَحَاءٍ)، (أنّ)(٢) ذلك علامة لصحَّةً الحرف، لِثَلاَّ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ عليه خللاً (ولا)(٣) نقصًا، فوُضِعَ حَرْفٌ كاملٌ على حرفٍ صحيحٍ. وإذا كان عليه صادٌ مدودة دون حاء؛ كان علامةَ أنَّ الحرف سقيمٌ، إِذْ وُضِعَ عليه حرفٌ غيرُ تامٌّ، ليدلَّ نقصُ الحرفِ على اختلالِ الحرفِ، ويُسمَّى ذلك الحرف أيضًا: ((ضَبَّةً))؛ أي: إِنّ الحرف مُقْفَلٌ بها، (لا) (٤) يَتَّجه لقراءَةٍ، كما أنَّ((الضَّبَّةَ مُفْفَلٌ بها)) انتهى. ونقل ياقوت هذا الكلام في «معجم الأدباء)) (٥/٢ - ٦) ثم قال: ((وهذا كلامٌ على طلاوةٍ من غير فائدة تَامَّة، وإِنَّمَا قَصَدُوا بِكَنْبِهِمْ على الحرف ((صَحَّ)، أَنَّه كان شاكًا في صحَّةِ اللفظةِ، فلمَّا صَحَّتْ له بالبحث؛ خَشِيَ أن يُعَاودَهُ الشَّكُّ، فَكَتَبَ عليها ((صَحَّ)، ليزول شَكُهُ فيما بعدُ، ويعلمَ هو أنّه لم يكتبْ عليها ((صَحَّ) إلاّ وقد انقضى اجتهادُهُ في تصحيحها، وأما («الضبّةُ)) التي صورتُها (ص) فإنما هو نصفُ (صَحَّ)، كتبَهُ على شيءٍ فيه شكٌ، ليبحثَ عنه فيما يَسْأِفُهُ، فإِذا صحَّتْ له أَتَمَّهَا بحادِ، فيصيرُ ((صَحَ)، ولو عَلَّمَ عليها بغير هذه العلامة؛ لتكَلَّفَ الكَشْطَ، وإعادةَ كَتْبِهِ (صَحَّ) مكانها)). انتهى (١) هكذا في خط، وفي ش وع: (( بعضها)) (١) من ((معجم الأدباء))، وفي ((الجذوة)): ((بصح)). (٢) في ((المعجم)): ((كان)). (٣) في ((المعجم)): (أو)). (٤) في ((المعجم)): ((لم)). ٣٤٧ في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده واعلم أنَّ الإفْليلي حكى ما حكاه المصنّف عن شيوخه من ((أهل الأدب)) وحكاه عنه القاضي عياض في ((الإلماع)) عن شيوخه من ((أهل المغرب))، بدل: ((أهل الأدب)). قال: الثالث عشر: إذا وقعَ في الكتاب ما ليس منه، فإنه يُنْفَى عنه بالضرب، أو الحكِّ أو المحو، أو غير ذلك. والضربُ خيرٌ من الحَكِّ والمحو. روينا عن ((القاضي أبي محمد بن خلاد رحمه الله)) (قال)(١): ((قال أصحابنا: الحك تهمة)). (وأخبرني)(٢) من (أُخبر) (٣)عن ((القاضي عياض)) قال: ((سمعت شيخنا أبا بحر سفيانَ بن العاصي الأسدي، يحكي عن بعض شيوخه أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السّكّين مجلسَ السماع. حتى لا يُبْشَر شئ، لأنّ ما يُبشر (منه) (٤) ربما يصح في رواية أخرى)). وقد يُسمع الكتابُ مرةً أخرى على شيخ آخرَ يكون ما بُشرَ وحُكّ مِن رواية هذا، صحیحًا في رواية الآخر فیحتاج إلى إلحاقهً بعد أن بشر، وهَو إذا خُطَّ عليه من رواية الأول وصَحّ عند الآخرِ، اكتفى بعلامة الآخر علیه بصحته)). ثم إنهم اختلفوا في كيفية الضَّرْب؛ (فرُوّينا)(٣) عن ((أبي محمد بن خلاد)) قال: ((أجودُ الضرب أن لا يطمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطًا جيدًا بَيِّنَا، يدلّ على إبطالهَ، ويُقرأ من تحته ما خُطُ عليه.)) وروينا عن ((القاضي عياض)) مامعناه، أن اختيارات الضابطين اختلفَتْ في الضرب، فأكثرُهم على مدّ الخطِّ على المضروب عليه مختلَطًا بالكلمات المضروب عليها، وَيسمّى ذلك: الشّقّ أيضًا. ومنهم من لا يخلطه ويُثبته فوقه، لكنه يَعطف طرفي الخط على (أول)(٥) المضروب علیه وآخره. ومنهم من يستقبحُ هذا ويراه تسويدًاً وتطليسًا، بل يُحوِّقُ على أول الكلام المضروب عليه بنصف دائرة، وكذلك في آخره. (١) وضع الناسخ عليها: ((صح)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((فأخبرني)) بالفاء، ووقع في ((شرح الألفية)): ((وقد أنبئت عمن أنبأني ))- كذا. (٣) ضبط خط . (٤) هكذا في خط وع، وفي ش: (( فيه )). (٥) من ش وع ، وليس في خط . ٣٤٨ النوع الخامس والعشرون = وإذا كثُر الكَلامُ المضروبُ عليه فقد يفعل ذلك في أول كلِّ سطر منه وآخره، وقد يكتفي بالتحويق على أول الكلام وآخرِه أجمعَ. ومن الأشياخ من يستقبح الضربَ والتحويقَ ويكتفي بدائرة صغيرة أولَ الزيادة وآخرها، ويسميها صفْرًا كما يسميها أهلُ الحسابِ. وربما كتب بعضهم عليه ((لا))(١) في أولِه و ((إلى)) في آخرِه. ومثلُ هذا یحسن فیما صحَّ في رواية، وسقطَ في رواية أخرى. وأما الضربُ على الحرف المُكرَّر، فقد تقدم بالكلام فيه ((القاضي أبو محمد ابن خلاد الرامهرمزي)) رحمه الله على (تقدمه)(٢). فروينا عنه (قال)(٣): ((قال بعض أصحابنا: أَوْلاَهما بأَنْ يُبْطَلَ الثاني، لأنَّ الأولَ كُتُبَ على صواب، والثاني كُتبَ على الخطأ، فالخطأ أوْلىَ بالإبطال. وقال آخرون: إنما الكتاب علامةٌ لما يُقرأ، فأوَّلَى الحرفِيْن بالإبقاء أدَلُّهمَا عليه وأجودُهما صورةً» وجاء ((القاضي عياض)) آخراً، ففصَّل تفصيلاً حسنًا، فرأى أَنَّ تَكْرَارَ الحرف إنْ كان (أول)(٤) سطر فليضربْ على الثاني، صيانةً لأول السطر عن التسويد والتشويه؛ وإنْ كان فيّ آخر سطر فليُضرَبْ على أولهما صيانةً لآخَر السطر فإنَّ سلامةً أوائل السطور وأواخرها عن ذلك أَوْلى؛ فإن اتفق أحدُهمَا في آخَر (سطر)(٥) والآخرُ في أول سطر آخرَ فليُضرَبْ على الذي في آخر السطر، فإنَّ أولَّ السطر أوْلى بالمراعاة؛ فإنَّ كان (التكرار)(٦) في المضاف أو المضاف إليه أو في الصفة أو الموصوف أو نحو ذلك، لم نراع حينئذ أول السطر وآخره، بل نراعي (١) أو: ((من)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((مقدمته)). (٣) من ش وع، وليس في خط. (٤) هكذا في خط، وفي ش: ((إن تكرَر الحرف إن كان في أول))، ومثله في ع غير أن فيه ((أن)) بفتح الهمزة . (٥) من خط وع، وفي ش: ((السطر)). (٦) من خط، وفي ش وع: ((التكرر)) وضبط في ش بتشديد الراء مع الضم. ٣٤٩ = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده الاتصالَ بين المضاف والمضاف إليه ونحوهما في الخط، فلا نفصل بالضرب بينهما، (ونضرب)(١) على الحرف المتطرف من المتكرر، دون المتوسط. وأما المحو فيقارب الكشطَ في حُكْمه الذي تقدم ذكره. وتتنوع طرُّقُه، ومن (أغربها)(٢) - مع أنه أسلمُها - ما رُوِيَ عن ((سَحْنونَ بنِ سعيد التنوخي الإمام المالكي)) أنه كان ربما كَتب الشئَّ ثم لَعِقَه. وإلى هذا يومئُ ماروينا عن ((إبراهيم النخعي)) رضي الله عنه، أنه كان يقول: ((من المروءة أن يُرى في ثوبِ الرجلِ وشفتیه مدادٌ)). انتهى لمَّا تقدمَ إِلحاق الساقط؛ ناسب أن يعقبه بإبطالِ الزائد. ويبطله إِمَّ بالكَشْطِ، وهو الحك، وإِمَّا بِالمحْوِ، بأنْ تكون الكتابة في لوحٍ أَوْ رقّ أَوْ ورق صقيل جداً في حال رطوبةِ المكتوب، كما رُوى من لَعْقِ سحنون لذلك. وفي كيفية الضرب خمسة أقوال: الأكثرون على مَدِّ الخَطِّ إلى آخره(٣). (قال): يُسَمَّى الشَّقّ؛ أَيْ: بفتح الشين وتشديد القاف، وهذا لا يعرفه أهل المشرق، بل أهل المغرب، ولم يذكره الخطيب في ((الجامع)) ولا في ((الكفاية))، بل ذكرَهُ القاضي عياض في ((الإلماع))، ومنه (أخذ)(٤) المصنّف، وهو مأخوذٌ من الشَّقّ، وهو الصَّدع، أو مِن شَقّ العصا، وهو التَّغْرِيق، وكأنَّهُ فرَّقَ بين الكلمة الزائدة وبين ما قبلها وبعدها(٥) من الصحيح الثابت بالضَّرْب عليها . ويوجد في بعضِ النُّسَخ (٦): ((النَّشْق)) بزيادة نون مفتوحة في أوله وسكون الشين، فإِنْ لم يكن تَصْحيفًا وتغييراً من النُّسَّاخ؛ فيكون مأخوذًا من نشق (الطير) (٧) في حبالته إذا علق فيها، وكأنَّه إبطالٌ لحركة الكلمة، وإهمالها يجعلها (١) من ش وع، وفي خط: ((يضرب)) بمثناة من تحت. (٢) من ش وع، وفي خط: (( أضربها)) بالضاد المعجمة . (٣) لم يكمل الأقوال الخمسة، وهي في ((شرح الألفية)). (٤) هكذا في خط، وفي ع: ((أخذه )) بالهاء . (٥) هكذا في خط وع . (٦) يعني نسخ((علوم الحديث)) كما في ((التقييد)). (٧) هكذا في خط: ((الطير))، وفي ع: ((الظبي)). ٣٥٠ النوع الخامس والعشرون = في صورةٍ وثاقٍ يمنعها من التصرف. قال: الرابع عشر: ليكُنْ فيما (تختلف فيه الرواياتُ) (١) قائمًا بضبط ما تختلف فيه في كتابه، جيدَ التمييز بينها كيلا تختلطَ وتشتبه فيفسُدَ عليه أمرُها. وسبيلُه أَنْ يجعل أَوَّلاَ مَتْنَ كتابه على رواية خاصة، ثم ما كانت من زيادة لرواية أخرى ألحقها أو من نقص أعلم عليه، أو منّ خلاف كتبه، إما في الحاشية وإما في غيرها؛ مُعَيِّنَا في (كلِّ ذلكٌ) (٢) من رواه، ذاكرًا اسمَّه بتمامه، فإنْ رمزَ إليهَ بحرف أو أكثر، فعليه ما قدمنا ذكرَه، من أنه يبيِّن المرادَ بذلك في أول كتابه أو آخره كيّلا يطولَ عهدهُ به فينسى، أو يقَع كتابه إلي غيرِه، فيقعَ من رموزه في حيرة وعَمَى. وقد يُدْفَعُ إلى الاقتصار على الرموز عند كثرة الروايات المختلفة. واكتفى بعضُهم في التمييز بأَنْ خصَّ الرواية الملحقةَ بالحمرة فعل ذلك ((أبو ذر الهروي)) من المشارقة، و((أبو الحسن القابسي)) من المغاربة، مع كثير من المشايخ وأهلِ التقييد. فإذا كانت في الرواية الملحقة زيادةٌ على التي في متن الكتاب كتبها بالحُمَرَة، وإنْ كان فيها نقصٌ والزيادةُ في الرواية التي فِي مَتْنِ الكتابَ، حَوَّقَ عليها بالحمرة. ثم على فاعلٍ ذلك تبيينُ من له الروايةُ المعلمةُ بالحمرة، في أول الكتابِ أو آخره على ماسبق. انتھی أَيْ: إِذا كانَ الكتاب مرويًا بروايتين أو أكثر، ويقع الاختلاف في بعضها؛ فينبغي لمن أَرادَ الجمع بين الرواياتِ في كتابٍ واحد أن يميز بينها، فيبني الكتاب على روايةٍ واحدةٍ، ويميز الأخرى، بأَنْ يكتبها على الحاشيةِ، ويكتب اسم راويها، ے أو غير ذلك مما ذكره. قال القاضي عياض: ولايتساهل في ذلك ولا يهمله. قال: الخامس عشر: غلبَ على كتَبة الحديث الاقتصارُ على الرمز في قولهم : ((حدثنا، و: أخبرنا)) غير أنه شاعَ ذلك وظهرَ حتى (كاد)(٣) لا یکاد یلتبس. (١) من ش وع، وفي خط: ((يختلف فيه الروايان)). (٢) من خط وع، وفي ش ((ذلك كلَّ). (٣) كذا في خط ، وليس في ش وع . ٣٥١ = فى كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده أما ((حدثنا)) فيكتب منها شطرها الأخير وهو الثاء والنون والألف، وربما اقتُصرَ على الضمير منها وهو النون والألف. وأما ((أخبرنا))، فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولا. وليس (بحسَن)(١) ما تفعله طائفة من كتابة ((أخبرنا)) بألف، مع علامة ((حدثنا)) المذكورة أولا، وإن كان ((الحافظُ البيهقي)) ممن فعله. وقد يكتب (في)(٢) علامة ((أخبرنا)): راء بعد الألف، وفي علامة ((حدثنا)): دال في أولها. وممن رأيت (في)(٣) خطه الدال في علامة ((حدثنا)): ((أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السّلَمي، والحافظ أحمد البيهقي رضي الله عنهم)). وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد، ما صورته(ح)) (٤) وهي حاء مفردةٌ مهملة (٥). ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتمَدُ، بيانٌ لأمرها. غير (أَنِّي) وجدت بخط ((الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عُمر بن علي الليثي البخاري، والفقيه المحدِّث أبي سعد الخليلي)) - رحمهم الله - في مكانها بدلا عنها: ((صح)) صريحةً. وهذا يُشعرُ بكونها رمزًا إلى: ((صحِ))؛ وحَسُن إثباتُ ((صح)) ههنا لئلاً (يُتُوهَّمَ) (٦) أَنَّ حديَثَ هذا الإسناد سَقَط، ولئلاَّ يركّبَ الإسنادُ الثاني على الإسنادِ الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا. وحكى لي بعضُ من جمعتني وإِيَّاهُ الرحلةُ بخُراسانَ عمن وصفه بالفضل من (الأصفهانيين)(٧) أنها حاءٌّ مهملة من: التحويل، أَيْ من إسناد إلى إسناد آخرَ. ء (١) من ش وع، وفي خط: ((يحسن)) بمثناة من تحت، وراجع: ((شرح الألفية)). (٢) من ش وع ، وليس في خط . (٣) من ش وع ، وليس في خط . (٤) هكذا في خط بعلامة المد . (٥) من خط وع، وفي ش: (( أنني)). (٦) من ش وع، وفي خط: ((يوهم)). (٧) هكذا في خط بالفاء، وفي ش وع و((الشرح)): ((الأصبهانيين)) بالباء الموحدة. ٣٥٢ النوع الخامس والعشرون = وذاكرتُ فيها بعض أهل العلم من أهل (الغرب)(١) وحکیتُ له عن بعض من لقيتُ من أهل الحديث أنها حاءٌ مهملة، إشارة إلى قولنا: الحديث، فقال لي: «أهلَ (الغرب)(٢) وما عرفتُ بينهم اختلافًا، يجعلونها حاءًّ مهملة، ويقول أحدهم إذا وصلَ إليها: الحديث)). (وذكر) (٣) لي أنه سَمعَ بعضَ البغداديين يذكر أيضًا أنها حاءٌّ مهملة، وأَنَّ منهم من يقول، إذا انتهى إليها في القراءة: ((حا)) ويمر. وسألت أنا الحافظَ الرحال («أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الرّهاوي رحمه الله)) عنها، فذكرَ أنها ((حاء)) من: حائل، أي تحول بين إسنادين. قال: ولا يُلَفَظ بشئ عند الانتهاء إليها في القراءة. وأنكرَ كونَها من: الحديث، وغير ذلك، ولم يَعْرِفُ غيرَ هذا عن أحد من مشايخه، وفيهم عددٌ كانوا حفّاظَ الحديث في وقته. وأختار أنا - والله الموفق - أن يقولَ القارئ عند الانتهاء إليها: ((حا)) ويمر، فإنه أحوطُ الوجوه وأعدلها. انتهى قال (ابن) (٤) كثير: ومنهم من يتوهّم أنها ((خاء)) معجمة، أَيْ: إسناد آخر، والمشهور الأَوّلُ، بل حكى بعضهم فيه الإجماع. وأما حذف لفظة: ((قال))؛ فذكرها بعضهم هنا، والمصنّف أخَّرها فذكرها في ((الثالث عشر)) من تفريعات ((النوع السادس والعشرين)). قال: السادس عشر: ذكر ((الخطيبُ الحافظُ)) أنه ينبغي للطالب أن يكتبَ بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الکتاب منه و کنیته ونسبه، ثم یسوق ما سمعه منه على لفظه. قال: وإذا كتبَ الكتابَ المسموعَ فينبغي أَنْ يكتبَ فوق سطر التسمية أسماءَ مَن سمع معه وتاريخَ وقتِ السماعِ، وإِنْ أحبّ كتبَ ذلك في حاشية أولَ (١) هكذا في خط وبعض نسخ ((المقدمة)) و(الشرح)): ((وفي باقي نسخ المقدمة وع: ((المغرب)). بإثبات الميم. (٢) هكذا في خط، وفي ش وع و ((الشرح)) ((المغرب)). (٣) من ش وع، وفي خط: ((فذكر)). (٤) ليس في خط، فأثبتها. وراجع: ((الباعث)) (٢ / ٣٩٣). = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ٣٥٣ ورقة من الكتاب، فكُلاً قد فعله شيوخُنا. قلتُ: كَتْبَةُ (التسميع) (١) حيث ذَكَره، أحوَطُ وأحْرَى بأنْ لا يخفي على من يحتاجُ إليهَ، ولا بأسَ بكتبته آخرَ الكتابِ وفي ظهره، وحيث لا يخفي موضعهُ. وينبغي أنْ يكونَ (التسميع)(١) بخطِّ شخَصٍ موثوق به غير مجهول (الخطّ)(٢) ولا ضيرَ حينئذ في أَنْ لا يكتبَ الشيخُ المسمعُ خَطَّه بالتّصحيح. وهكذا لا (بأس)(٣) على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به، أن يقتصرَ على إثبات سماعه بخطِّ نفسه، فطال ما فعلَ الثقاتُ ذلك. وقد حدثني بمروَ ((الشيخُ أبو المظفرِ بنُ الحافظ أبي سعد المروزي)) عن أبيه عمن حدثه من الأصبهانية، أَنّ ((عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مَنْده)) قرأ ببغدادَ جزءاً على ((أبي أحمدَ الفرضي)) وسأله خطَّ ليكون حُجةً له. فقال له أبو أحمد: يابني، عليكَ بالصدق، فإنك إذا عُرفْتَ به لا يكذبك أحدٌ، وتُصدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك، فلو قيل لك: ما هذا خط أَبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟ ثم إِنَّ على كاتب التسميع التحرِّي والاحتياطَ، وبيانَ السامع (والمسموع والمسموع) (٤) منه، بلفظ غير محتمل، ومجانبةَ التساهل فيمن يثبت اسمه، والحذر من إسقاط اسم أحد منَّهم لغرض فاسد. فإنْ كان مُثْبِتُ السماع غيرَ حاضرٍ في جميعه، لكن أثبتَهُ معتمدا على إخبارِ مَن يثق بخبره من حاضريه، فلا بأس بذلك إن شاء الله. ثم إن من ثبَتَ سماعُهُ فِي كتابِهِ، فقبيحٌ به كتمانُه إيَّهُ ومنعهُ من نقل سماعه ومن نَسخِ الكتاب، وإذا أعاره إيّاهُ فلا يبطئ به. روينا عن ((الزهري)) أَنَّهُ قال: «إِيَّاك وغُلُولَ الكُتب. قيل له: وما غُلُول الكتب؟ قال: حَبْسُها (على) (٥) أصحابها)). (١) من ش وع، وفي خط: ((السمع)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((الخطأ)). (٣) تحرفت في ع إلى: (( يأس )) بمثناة من تحت . (٤) وضع الناسخ علي كل منهما علامة: ((صح))، وسقطت إحداهما من ((ع)) وراجع حاشية ((المقدمة)). (٥) كذا في خط: ((علي))، ورسم الناسخ عليها علامة: ((صح))، وفي ش وع و((الشرح)): ((عن)). ٣٥٤ النوع الخامس والعشرون = وروينا عن «الفُضيل بن عياض رضي الله عنه أنه قال: ليس من فعال أهل الورع ولا من فعال الحكماء، أن يأخذَ سَماعَ رجل فيحبسَه عنه، ومن فعلَ ذلك فقد ظلمَ نفسه وفي رواية: ولا من فعال العلماء أن يأخذَ سماعَ رجل و كتابه فیحبسه علیه )). فإنْ منعَه إِيَّاهُ، فقد روينا أَنَّ رجلا ادَّعى على رجل بالكوفة سماعًا منعه إيَّاه فتحاكما إلى قاضيها ((حفص بن غياث)) فقال لصاحب الكتاب: ((أخرج إلَینا كُتُبَك، فما كانَ من سماع هذا الرجلِ بخطٍّ يدك ألزمناكَ، وما كان بخطِّه أعفيناك منه)) . قال ((ابنُ خلاد)): ((سألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا، فقال: لا يجئ في هذا الباب حُكْمٌ أحسن من هذا، لأنَّ خطَّ صاحب الكتاب دالٌّ على رضاه باستماع صاحبه معه)). قال ابن خلاد: وقال غیرہ: لیس بشئ. (وروي)(١) ((الخطيبُ أبو بكر الحافظ)) عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، أنه تُحوكِمَ إليه في ذلك فأطرقَ مليًا ثم قال للمدَّعي عليه: «إنْ كان سماعُه في كتابك بخطكَ فيلزمك أنْ تعيره، وإن (كان بخطٍ)(٢) غيرك فأنت أعلم)). قلت: ((حفصُ بن غياث)) معدود في الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة، و((أبو عبد الله الزبيري)) من أئمة أصحاب الشافعي، و((إسماعيل بن إسحاق)) لسانُ أصحاب مالك وإمامهم، وقد تعاضدت أقوالُهم في ذلكَ، ويرجع حاصلُها إلى أَنَّ سماعَ غَيره إِذًا ثبتَ (في) (٣) كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه. وقد كانَ لا يبين لي وجهُه، ثم وجّهتُه بأَنَّ ذلك بمنزلة شهادة له عنده، فعليه أداؤها بما حَوَتّه، وإنْ كان فيه بذلُ ماله، كما يلزم مُتُحمِّل الشهادة أداؤها وإنْ كان فيه بذلُ نفسه، بالسعي إلى مجلسِ (الحاكم) (٤) لأدائها؛ والعلم عند الله تبارك تعالی. (١) من ش وع ول، وفي خط: (( فروي )) بالفاء بدل الواو . (٢) هكذا في خط ول ، وفي ش وع: (( كان سماعه في كتابك بخط)) (٣) من ش وع ول ، وليس في خط. (٤) هكذا في خط ، وفي ش وع ول: ((الحكم)). ٣٥٥ = في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ثم إذا نسخَ الكتابَ فلا ينقل سماعَه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية. وهكذا لا ينبغي لأحد أن ينقل سماعًا إلى شئ من النَّسَخَ أو يثبته فيها عند السماع ابتداءً، إلا بعدَ المقابلةً المرضية بالمسموع، كيلاً يغتر أحدٌ بتلك النسخة غير المقابلة؛ إلا أن يبيّن مع النقلِ وعنده، كونَ النسخة غیر مقابلة. انتهى (اعتُرض) على قوله: فيلزمه إعارته؛ بأنَّ الشخص لايجب عليه إعارة ملكه، وأَنّ كلَّ من أَعَارَ شيئًا يجوزُ له أَنْ يرجعَ فيما أَعارَه، وإِنْ لم يستوف المستعير المنفعة المأذون فيها، وكذلك يرجع، وإِنْ شرطَ أَنْ لا يرجع. (ورُدّ) بأنَّ العارية قد تجب كما يجب بذل المال في بعضِ الصور كمسألة المضطر، واختلاط الثِّمار، وحَمَام البرج، وغير ذلك، على خلاف فيه. وكذلكَ يمتنع الرجوع في العاريةَ في مسألة دفن الميت، وإعارة الجدار، وغير ذلك، مما هو مبيّن في ((كتب الفقه)) . نعم؛ في قياس ذلك على أداء الشهادة نظرٌ، لأَنَّه يمكنه هناك أَنْ يكتبَ سماعه في ورقة يملكها، أو كتاب، أو نحو ذلك، فهو مقصر، وأَمَّا أداء الشهادة فإنّه متعين على المتحمّل، لأنّه تحمَّلَ ليؤدِّي، وليسَ الكاتب كتبَ ليعير. ٣٥٦ النوع (١) السادس والعشرون في صفة رواية الحديث وشرط أدائه وما يتعلق بذلك وقد سبق بيانُ كثير منه في ضمن النوعين قبلَه. شدّد قومٌ في الرواية فأفرطوا، وتساهلَ فيها آخرون ففرّطوا؛ ومن مذاهب التشديد مذهبُ من قال: لا حُجةَ إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره. وذلك مروىًّ عن مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما. (وذهب إليه)(٢) من أصحاب الشافعي ((أبو بكر الصيدلاني المروزي)). ومنها مذهبُ من أجازَ الاعتمادَ في الرواية على كتابه، غير أنه لو أعارَ كتابَه وأخرجه من يده لم ير الروايةَ (منه)(٣) لغيبته عنه. وقد سبقت حكايتنا لمذاهبَ عن أهل التساهل، وإبطالُها، في ضمن ما تقدم من شرحٍ وجوه الأخذ والتحمّل. ومن أهلِ التساهل قوم سمعوا كتبًا مصنفةً وتهاونوا، حتى إذا طَعَنُوا في السِّنِّ واحتيج إليهم، حملهم الجهلُ والشَرَه على أَنْ رَوَوْها من نُسَخ مشتراة أو مستعارة (غيرٍ مقابلة)(٤)، فعَدّهم (الحاكم أبو عبد الله)) في طبقات المجروحينَّ. قال: وهمّ يتوهمون أنهم في روايتها صادقون. (وقال: هذا)(٥) مما كثُر في الناسِ وتعاطاه قومٌ من أكابر العلماء والمعروفين بالصلاح. قلت: ومن المتساهلين ((عبدُ الله بن لَهيعةَ المصري)) تُركَ الاحتجاجُ بروايتهِ، مع (١) كذا في خط، لم يذكر: ((قال)) قبل ذكر كلام ابن الصلاح كما هى العادة . (٢) من ش وع، وفي خط: ((وإليه ذهب)). (٣) من ش وع ، وليس في خط. (٤) هكذا في خط وع، وفي ش: ((غير صحيحة ولا مقابلة)). (٥) هكذا في خط، وفي ش: ((وقال: وهذا)) وفي ع: ((قال وهذا)). ٣٥٧ -- في صفة رواية الحديث وشرط أدائهً وما يتعلق بذلك جلالته، لتساهله. ذُكرَ عن ((يحيى بن حسان)) أنه رأى قومًا معهم جزء سمعوه من (ابن لهيعة)) فنظرَ فيه فإذا ليس فيه حديثٌ واحد من حديث ابن لهيعة، فجاء (إلى)(١) ابن لهيعة فأخبره بذلك فقال: ما أصنع؟ يجيئوني بكتاب فيقولُون: هذا من حديثك، فأحدثهم به. ومثلُ هذا واقعٌ من شيوخ زماننا، يجئ إلى أحدهم الطالب بجزء أو كتاب فيقولَ: هذا روايتُك. فيمكنه من قراءته عليه مقلدًا له، من غير أن يبحّثَ بحيثً تحصل له الثقةُ بصحة ذلك. والصواب ما عليه الجمهور، وهو التوسطُ بينِ الإِفْرَاط والتَّفْريط. فإذا قامَ الراوي في الأخذِ والتحمّل بالشرطِ الذي تقدَّمَ شرحُه، وقابَل كتابَه وَضَبطَ سماعَه على الوجه الذي سبقَ ذكرُهُ، جازَتْ له الروايةُ منه، وإنْ أعاره وغابَ عنه، إذا كان الغالبُ من أمره سلامته من التغيير والتبديل. لا سيما إذا كانَ ممن لا يخفى عليه في الغالب، لو غَيّرَ شيء منه وبُدِّل، تغييرُهُ وتبديلُه. وذاكَ لأنَّ الاعتمادَ في باب الرواية علی غالب الظنِّ، فإذا حصل أجزاً، ولم يُشترط مزید علیه. انتهى عبد الله بن ◌َهِيعَة بن عُقْبة الحَضْرَمي، ويقال: الغَافِقِي قاضى مصر، سَمع عبد الرحمن بن هُرْمز الأَعْرج، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السََّائِي(٢)، وَأَبَا الزَّبير المكي، وخَلَقًا غيرهم. قال روح بن صلاح: لَقِي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا . ضَعَّقَهُ يحيى بن مَعين والنَّسائي، قال ابن أبي مريم: رأيتُ ابن لهيعة يَعرض عليه ناسٌ أحاديث من أحاديث العراقيين فيجيزها لهم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! هذه الأحاديث ليست من أحاديثك! فقالَ: هي أحاديث قد مرّت على مسامعي. وقيل لابن مهدي: (تَحْمِلُ)(٣) عن عبد الله بن يزيد القصير عن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلاً ولا كثيراً. وقيل لابن معين: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة. فقال: هو ضعيفٌ (١) من خط وع، وليس في ش، وتحرف ((ابن لهيعة)) في هذا الموضع من ((ع)) إلى: ((أبي لهيعة)). (٢) بفتح المهملة والموحدة ثم همزة مقصورة من رجال ((التهذيب)) وفي ((الأنساب)) (٢٠٩/٣): ((السبتى)) (٣) من ((تهذيب الكمال)) (٤٩١/١٥ - ترجمة: ابن لهيعة)، وفي خط: ((يحمل)) بمثناة من تحت .. ٣٥٨ النوع السادس والعشرون قبل أن تُحْرَق وبعدما احْتَرَقَتْ. وقال السعدي(١): لا يحتج بروايته، وكانوا يَقْرَأُون عليه ماليس من حديثه، فقيل له في ذلك، فقال: وما ذَنْبِي إِنَّما يجيئُون بكتابٍ يقرأونه ويقومون، ولو سألُونى لأخبرتُهم أَنَّه ليسَ من حديثي(٢). مات سنة أربع وسبعين ومائة، في خلافة هارون، وصلَّى عليه داود بن يزيد الأمير، ومولده سنة سبع وتسعين. (١) كذا في خط، ولم أَرَ السَّعْدي قولاً في ابن لهيعة، والصواب: ((ابن سعد))؛ راجع: ((طبقات ابن سعد)) (٥١٦/٧). (٢) وفي ((التهذيب)): ((قال يعقوب بن سفيان سمعت أحمد بن صالح ، وكان من أخيار المتقنين ، يثنى عليه. وقال لى : كنت أكتب حديث أبي الأسود في الرِّق، ما أحسن حديثه عن أبن لهيعة. قال : فقلت له : يقولون سماعٌ قديم وحديث ، فقال : ليس من هذا شىء. ابن لهيعة صحيح الكتاب، أخرج كُتبه فأملى على الناس، حتى كتبوا حديثه إملاءً، فمن ضبطَ كان حديثه حسنًا ، إلا أنه كان يحضر من لا يحسن ولا يضبط ولا يُصحِّح، ثم لم يُخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا ، ولم يُر له كتابٌ، وكان من أراد السماع منه استنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأ عليه، فمن وقع على نسخةٍ صحيحة؛ فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخةٍ لم تضبط؛ جاء فيه خلل كثير، وكل من روى عنه عن عطاء بن أبي رباح، فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل عن عطاء، وعن رجلين عن عطاء ، وعن ثلاثة عن عطاء ، فتركوا مَن بينه وبين عطاء، وجعلوه عن عطاء(١). وذكر أحمد بن صالح أنَّ ابن لهيعة «كان من الثقات إلّ أنه إذا لُقْنَ شيئًا حدَّثَ به)). وقال ابن معين: «کان ضعيفًا لا يحتج بحديثه، کان من شاء یقول له حدثنا)). وقال ابن خراش: (( كان يكتب حديثه ، احترقت كتبه ، فكان مَن جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه)). قال الخطيب: (( فمِن ثَمَّ كَثُرت المناكير في روايته لتساهله )). وذكر ابن حبان : أنه كان لا يبالى ما دفع إليه قرأه سواء أكان من حديثه أو لم يكن. وذلك بعد احتراق كتبه ، وأما قبل احتراق كتبه؛ فرماه ابن حبان بالتدليس ، وسيأتى الكلام على ذلك إن شاء الله . هذا .. وعلماء العلل يعنون بصحة مخرج الحديث ، ويُدقِّقون في هذا الباب ، حتى لا يُسْنَد الحديث إلى غير مخرجه . ومن ثَمَّ قالوا : هذا حديث فلان ، وهذا لم يُحدِّث به فلان ، أو ليس من حديثه. فقد يكون أُدْخِلَ عليه، أو علی کُبه. وقد وقع ذلك لابن لهيعة، فأُدْخِلَتْ عليه أحاديث لُقّنها فحدَّث بها ، وأُدْخِلَتْ على كتبه أشياء لعدم الضبط = (١) وراجع: ((تهذيب الكمال)) (٤٩٦/١٥ - ٤٩٧). ٣٥٩ = في صفة رواية الحديث وشرط أدائه وما يتعلق بذلك حدث عن ابن لهيعة: سفيان الثوري، ومحمد بن رُمْح، وبَيْن وفاتَيْهما(١) إحْدى وثمانون سنة، وحدَّث عنه: (عمرو بن الحريث ومحمد بن رمح وبين = والتصحيح لها من قِبَل الرُّواة عنه ، وتساهله هو أيضًا، وجاءه الناس بهذه الكتب- على ما فيها من خلل - فأجازها وقرأها لخفة ضبطه، وعدم حفظه لحديثه وتساهله فكثرت المناكير في روايته ، ومِن ثَمَّ صار الاعتماد في رواية ابن لهيعة على ما في أصوله وكتبه ، لأَن هذه الأحاديث التى أُدْخِلَتْ عليه ليست من حديثه ، وإنْ لُقِّنْها فَأَجارَها وقرأَها غلطًا ووهمًا ، فلا يصح إسنادها لابن لهيعة وعزوها إليه على أنها من روايته عن شيوخه. ومن ثَمَّ يظهر معنى قولهم: (( ما رواه ابن المبارك - مثلاً - عن ابن لهيعة ، فهو من صحيح حديثه))، أَو: ((ما رواه ابن المبارك - مثلاً - عن ابن لهيعة صحيح)). فالصحة هنا لا تعنى تصحيح الحديث إلى رسول الله وَّ وإنما تعني صحة هذا الحديث من رواية ابن لهيعة عن شيوخه ووجوده في أصول ابن لهيعة . أى: لم يُدخل عليه أو على كتبه ، وإنما تلقَّاه عن شيوخه، فهو صحيح الأصل، أما هذه الأحاديث التي لُقّنها أو أُدْخِلَتْ عليه فلا أصل لها من رواية ابن لهيعة عن شيوخه. وتُقَّاد الحديث قد يطلقون الصحة ويريدون بها صحة المخرج، لا صحة نسبة الحديث إلى النبيِّ وََّ(١). هذا .. ولا يصح وصف ابن حبان لابن لهيعة بالتدليس؛ فقد مضى في كلام أحمد بن صالح المصرى رحمه الله أنَّ إسقاط الواسطة بين ابن لهيعة ومَن فوقه مِن تلامذة ابن لهيعة ، وليس منه. وقال ابن مهدى : كَتَبَ لى ابنُ لهيعة كتابًا فيه: (( (ثنا ) عمرو بن شعيب ، قال عبد الرحمن : فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلىَّ ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، قال: أخبرنى إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب))؛ كما في ((شرح العلل)) لابن رجب (٤٢٠/١) وفيه أيضًا: ((قال أحمد: كان ابن لهيعة يحدث عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، وكان بَعْدُ يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه)). ففي قول ابن مهدى وأحمد رحمهما الله أنَّ ذلك من ابن لهيعة نفسه ، فيُحمل ذلك على أنَّ بعضَ ما وقع من ذلك منه هو، وبعضه من تلامذته ، فما كان من تلامذته فظاهرٌ أَنْ لا ذنب له فيه، ولا يُرْمی بالتدليس بسبب ذلك، وما كان منه هوفمردّه إلى ضعفه وسوء حفظه . ولذلك قال الحاكم: ((لم يقصد الكذب وإنماحدَّثَ من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ )). ولابد في التدليس من قصد الإيهام، أما ابن لهيعة فقد أُتِى من سوء ضبطه وضعفه فلا يصح إذًا اتهامه بالتدليس . وكلامهم في ترجمته يُظْهِر لك ضعفه من بدايته لكن احتمل في أول أمره لاعتماده على كتبه، فلما احترقت كتبه صارَ يحدث على الوهم والغلط ، فجاءت المناكير في روايته بعضها من قِبَلِهِ وبعضها مِن قِبَل تلامذته والله تعالى أعلم وهو حسبى . (١) يعنى: الثورى وابن رُمْح. وراجع: تاريخ وفاتيهما في ((التهذيب)) .. (١) وراجع: ((الصحيحة)) العلامة الألباني حفظه الله (رقم/ ٥٢٠) ٣٦٠ النوع السادس والعشرون وفاتيهما أربع وسبعون سنة)(١). روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة. قال: تفريعات: أحدُها: إذا كانَ الراوي ضريرًا ولم يحفظ حديثَه من فم مَن حدثه، واستعانَ بالمأمونين (في)(٢) ضبط سماعه وحفظ كتابه ثم عند روايته في القراءة منه عليه، واحتاطَ في ذلك على حسب حاله، بحيث يحَصلُ معه الظنّ بالسلامة من التغيير، صَحَّتْ روايتُه. غيرَ أنه أَوْلى بالخلافِ والمنعِ من مثلِ ذلك من البصيرِ. قال ((الخطيب الحافظ)): ((والسماعُ من البصير الأُميِّ والضرير اللذين لم يحفظا من المحدّث ما سمعاه منه، لکنه کتب لهما، بمثابة واحدة، قد منع منه غیر واحد من العلماء، ورخَّصَ فیه بعضُهم)). الثاني: إذا سَمِعَ كتابًا ثم أرادَ روايتَه من نسخة ليس فيها سماعُه، ولا هي مقابلة بنسخة سماعه، غير أنه سُمع منها على شيخِهِ، لَمْ يَجُزْ له ذلك. قطع به ((الأمامُ أبو نصر بن الصباغ الفقيه)) فيما بلغنا عنه. وكذلك لو كان فيها سماعُ شيخه أو روى منها ثقةٌ عن شيخه، فلا يجوز له الروايةُ منها اعتماداً على مجرد ذلكَ، إذ لا يُؤْمَنُ أَنْ يكونَ فیھا زَوائدُ لیست في نسخة سماعه. ثم وجدتُ ((الخطيب)) قد حكى مصداقَ ذلك عن أكثر أهل الحديث، فذكرَ فيما إِذا وجَدَ أَصِلَ المحدِّث ولم يُكْتَبْ فَيَه سماعُه، أو وجدَ نَسِخَةً كُتْبَتْ عن الشيخ تَسكُن نفسُه إلى صحّتَها، أَنَّ عامةَ أصحاب الحديث مَنَعُوا منٍ روايته من ذلك. وجاءَ عن ((أيوبَ السَّخْتَيَاني، ومحمد بن بَكْر البُرْسَاني)) الترخّصُ فيه. قلت: اللهم إلاَّ أن يكونَ له إجازةٌ من شيخه عامة لمروياته أو نحو ذلك، فيجوز (١) كذا في خط ((بن الحُريث)) وضبطها في خط- ضبط قلم - بضم الحاء المهملة وكرر ذكر ((محمد بن رمح)) وذكر أنَّ بَيْن وفاتيهما ((أربع وسبعون سنة)). والذى في ترجمة ابن لهيعة: ((عَمْرو بن الحارثِ)) وهو المصري، روى عن ابن لهيعة ، ومات قبله ، وتوفي عمرو سنة (١٤٨) على ما ذكره يحيى بن بكير وغيره، فيكون بين وفاته ووفاة ابن رُمْح: ((٩٤)) سنة، وصَحَّفَها الناسخ إلى (( أربع وسبعين)) بدلاً من ((أربع وتسعين)). والله أعلم. (٢) من ش وع، وفي خط: ((و)).