النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ = معرفة من تقبل روايته وحديث ربيعة: رواه أيضًا الثلاثة أبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن (سهيل)(١) بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. زاد أبو داود في رواية: أنَّ عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرتُ ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة، وهو عندي ثقة، أنِّي حدَّته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلاً علة أذهَبَتْ بعض عقله، ونسى بعض حديثه، (فكان سهيل بَعْدُ يُحَدِّثُه عن ربيعة عنه عن أبيه)(٢). ورواه أبو داود أيضًا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيتُ سهيلاً فسألتُه عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به = وعنه ((السِّير)) للذهبي (١١/ ٧٦) ترجمة ((يحيى بن معين)): استنكر أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله حديثًا رواه ابن معين عن حفص بن غياث، وقال أبو بكر: ((من أين لابن معين هذا الحديث وهو ذا كتب حفص عندنا وكتب ابنه عمر عندنا وليس فيه من هذا شيء؟!)) اهـ. وردَّ ابن عدي رحمه الله هذه الحكاية واتهم الحسين في هذه الحكاية، وقال: ((وأما يحيى بن معين فهو أجل من أن يقال فيه شيء من هذا، لأن عامة الرواة به تسبر أحوالهم)) ا. هـ. ونصّ العبارة في ((السِّير)): ((ويحسيى أوثق وأجل من أن ينسب إليه شيء من ذلك، وبه يُسبر أحوال الضعفاء»اهـ. والمراد من هذه الحكاية قول ابن عديّ ((ويحيى أوثق وأجل .... )). وليس المراد إثبات صحة الحكاية. ومِن ثَمَّ يلوح لك أن عدم وجود الحديث في أصل الشيخ منهج من مناهج الأئمة رحمهم الله في الإعلال، وقد يُعلّون بعض الأحاديث مع وجودها في أصل الشيخ كما سبق إنكار ابن معين لحديث عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة مع اطلاعه عليه في أصل معاذ وذلك لقرائن تظهر في حينها . * وللحديث بقية تأتي في ((تيسير علل الحديث)) يسَّر الله إتمامه بخير. والسلام. (١) في خط ((سهل)) بدون الياء. (٢) هكذا في سنن أبي داود (٣٦١٠)، وفي خط: ((فكان سهيل بَعْدُ يحدّث عن ربيعة عن أبيه)»، ولم يرد هذا الجزء في ((تحفة الأشراف)» فليستدرك. ٢٦٢ النوع الثالث والعشرون = عنك، قال: فإنْ كان ربيعة أخبرك عنّي فحدَّث به عن ربيعة عنّي(١). وقد جمع غير واحد من الأئمة أحاديث مَن حدَّثَ فنسى، كالدار قطني والخطيب. وتمن كرِهَ التحديث عن الأحياء: الشّعبي، فإِنّه قال لابن عون: لا تحدِّثني عن الأحياء، وقال معمرٌ لعبد الرزاق: إِنّ قدرتَ أن لا تحدِّث عن رجُل حيٌّ فافعل. وفي رواية البيهقي في ((المدخل)) أنَّ الشافعي قال لابن عبد الحكم لَمّاحدَّثَه بحكاية فأنكرها ثم تذكرها: لا تحدِّثني عن حيٍّ، فإنَّ الحيَّ لا يُؤْمن عليه النسيان. قال: الثانية عشرة: مَن أخذ على التحدیث أجراً، منع ذلك من قبول روايته عند قومٍ من أئمة الحديث. روينا عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهَوَيه - أنه سُئل عن المحدِّث يُحدِّث بالأجر، فقال: لا يُكتَب عنه. وعن ((أحمدَ بن حنبل، وأبي حاتم الرازي)) نحو ذلك. وترخَّصَ «أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، وعليّ بن عبد العزيز المكي)) وآخرون، في أخذِ العِوَضِ على التحديث، وذلك شبيهٌ بأخذ الأجرة على تعليم القرآن (وغيره)(٢). غير أنَّ في هذا من حيثُ العرف خَرْمًا للمروءة، والظنَّ يُساءُ بفاعله، إلا أن يَقترنَ ذلك بعذر يَنْفِي ذلك عنه، كمثلٍ ما حدَّثنيه الشيخُ ((أبو المظفر، عن أبيه، الحافظ أبي سَعْد السمعاني))، أن أبا الفضل محمدَ بنَ ناصر السلامى، ذكرَ أنَّ ((أبا الحسين بن النقور)) فعل ذلك، لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاهُ بجواز أخذ (١) قال ابن أبي حاتم رحمه الله في ((العلل)) (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤) (١٣٩٢): «قيل لأبي: يصح حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّ في اليمين مع الشاهد؟ فوقف وقفة، فقال: ترى الدراوردي ما يقول؟ يعني قوله قلت لسهيل فلم يعرفه. قلت: فليس نسيان سهيل دافعًا لما حكى عنه ربيعة وربيعة ثقة والرجل يحدّث بالحديث وينسى. قال: أجل هكذا هو ولكن لم نَرَ أن يتبعه متابع على روايته وقد روى عن سهيل جماعة كثيرة ليس عند أحد منهم هذا الحديث. قلت: إنه يقول بخبر الواحد. قال: أجل غير أنّ لا أدري لهذا الحديث أصلاً عن أبي هريرة أعتبر به وهذا أصل من الأصول لم يتابع عليه ربيعة)). (٢) في ش وع: ((ونحوه)). ٢٦٣ معرفة من تقبل روايته = الأُجرة على التحديث، لأنَّ أصحابَ الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله. انتهى. عليّ بن عبد العزيز المكي هو البغوي. وتشبيهه ذلك بالأجرة على القرآن يشمل ما إذا كان التعليم واجبًا كالأحاديث المتعلّقة بواجباتِ الشَّرْع وشرائطها، فينبغي أن يجري فيه الخلاف فيمن يجب عليه تعليم الفاتحة إذا تعيَّنَ عليه، ومحل ذلك ((كُتُب الفقه)) . قال: الثالثة عشرة: لا تُقبَلُ روايةُ من عُرفَ بالتساهلِ في سماع الحديث أو إسماعه، كمن لا يُبالي بالنوم في مجلسِ السماع، وكمن يُحدِّثُ لا من أصل مقابَل صحيح. ومن هذا القبيلِ مَنْ عُرِف بقبولِ التلقين في الحديث. ولا تُقْبَلُ روايةُ من كثُرت الشواذُ والمناکیرُ في حديثه. جاء عن ((شُعبةَ)) أنه قال: ((لا يجيئك الحديثُ الشاذُّ إلا من الرجل الشاذِ). ولا تُقبَلُ روايةُ مَنْ عُرِفَ بكثرةِ السهوِ في رواياته، إذا لم يُحدِّثْ من أصلٍ صحيحٍ. وكلَّ هذا يخْرِم الثقة بالراوي ويضبطه. وورد عن «ابن المبارك، وأحمد والحميدي» وغيرهم، أنَّ من غَلط في حديث وبيِّنَ له غلطه فلم يَرْجع عنه وأصرّ على رواية ذلك الحديث، سقطتْ رواياته، ولمّ یُکتب عنه. وفي هذا نظرٌ، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك. انتھی. وما ذكره بحثًا هو ما نصَّ عليه ابن حبان، وقال: إن مَن بُيِّنَ له (خطأوه)(١) وعلم فلم يرجع عنه وتمادى في ذلك؛ كان كذَّابًا، بعلم صحيح(٢). فقيَّدَه بكونه علم (خطأوه)(٣)، وإنما يكون عنادًا إذا علم الحق وخالفه، وقيَّدَهُ بعضهم بأن يكون الذي بَيَّنَ له غلطه عالمًا عند المبيَّن له، أما إذا كان ليس بهذه (١) هكذا في خط وع، وفي ((المجروحين)): ((خطأ)). (٢) راجع: ((المجروحين)) (١/ ٧٨ - ٧٩) ((النوع السادس عشر)) من («أنواع جرح الضعفاء)). (٣) هكذا في خط وع. ٢٦٤ النوع الثالث والعشرون المثابة عنده، فإنه لا (جرح)(١) إذًا. ولا فرق بَيْن نوم القارىء أو الشيخ، وكذا لا فرق بَيْن أَنْ يكون الأصل المقروء منه مُقَابَلاً على أصل الشيخ أو على غيره، كما أنَّه لا فرق في التَّسَاهل في حالةِ التحمُّل أو الأداء. (قوله) ومِن هذا القبيل: مَن عُرِفَ بالتَّلْقين أي: كموسى بن دينار فكان يُلَقَّن الشيء فيحدِّث به، من غير أن يعلم أنّه من حديثه. وقيل لشعبة: مَن الذي يُتْرَك حديثه؟ قال: إذا (أكثر)(٢) عن المعروف من الرواية ما لا يعرف، وأكثر الغلط (٣). (١) هكذا في خط، وفي ع: ((حرج)) بالمهملة في أوله والجيم في آخره. (٢) في خط: (كثر) والصواب: ((أكثر)). (٣) هكذا في خط، ونصّ العبارة في ((المجروحين)) لابن حبان (١/ ٧٣ - ٧٤) (( ... سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: قلت لشعبة: من الذي تترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يعرف)). ونصّ ((الكفاية)) للخطيب (ص/ ٢٢٥ - ٢٢٦): (( .... نعيم بن حماد قال سمعت ابن مهدي يذكر عن شعبة قيل له: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر، طرح حدیثه)) . ثم وجدت النص في ((المجروحين)) لابن حبان (١/ ٧٧): بإسناده السابق إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: ((قلت لشعبة: من الذي تترك - [في ((المجروحين)): (يترك) - كذا]- الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يعرف أو أكثر الغلط)). وهذا نصّ عبارة الأبناسي سوى (وأكثر) فصوابها: (أَوْ أكثر) كما في ((المجروحين)) وفي ((الكفاية)) (ص/ ٢٢٩) (( .... نعيم بن حماد قال حدثني عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند شعبة فسئل يا أبا بسطام حديث مَن يُترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطىء في حديثٍ مجتمع عليه فيقيم على غلطه فلا يرجع، ومن روى عن المعروفين مالا يعرفه المعروفون)). وفي ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢/ ٣١ - ٣٢). من وجه آخر عن ابن مهدي قال: ((قيل لشعبة متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدَّثَ عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتهم بالكذب، وإذا روي حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه، طرح حديثه، وما كان غير ذلك فَارووا عنه)). ٢٦٥ معرفة من تقبل روايته = وكذلك تُردّ رواية مَن عُرِفَ بكثرة السَّهو، ولم يُحدِّث من أصلٍ صحيح، فإِنْ حدَّثَ منه؛ قُبل، لأنَّ العمدة إِنّما هي على الأصل، لا على حفظه(٢). قال الشَّافعي في ((الرسالة)): مَن كثر غلطه ولم يُكن له أصل؛ لم يُقبل، كمن كثر غلطه في الشهادة. وقال ابن مهدي لشعبة: مَن الذي (تُتْرك)(٢) الرواية عنه؟ قال: إذا تمادى في غلط مُجْمَعٍ عليه، ولم يتّهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه، أو رجل يتهم بالكذب(٣). قال: الرابعة عشرة: أعرَض الناسُ في هذه الأعصارِ المتأخرة عن اعتبار (ما بَيَّنَا)(٤) من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيّدوا بها في رواياتهم لتعذّر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وكان عليه مَنْ تَقَدَّم؛ ووجهُ ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود آل آخراً إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلَسلتها، فليُعتَبَرْ مَن الشروط المذكورة ما يليقُ بَهذا الغرَضِ عَلَى تجرَّدِهِ، وَلَيُكتَفَ في أهليَّة الشيخ: بكونه مسلمًا بالغًا عاقلاً، غيرَ متظاهر بالفسقَ والسخفَ؛ وفي ضبطه: بوجود سماعه مثبتًا بخط غير متَّهم، وبروايته من أصَّل موافق لأصلِ شيخه. وقد سبق إِلى نحو ما ذكرناه ((الحافظ أبو بكر البيهقي)) فإنه ذكر فيما رويناه عنه، توسّعَ مَنْ توسَّعَ في الَسماع من بعض محدّي زمانه الذين لا يحفظون حدثَهم، ولا يحسنون قراءتَه من كتبهم، ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم؛ ووجّه ذلك بأنَّ الأحاديثَ التي قد صَحَّتْ أوٍ (وقعت)(٥) ين الصحة وَالسقم، قد دُوِّنْتْ وكُتْبَتْ في الجوامع التي جمعها أئمةً (١) وهذا عامٌّ في كل من لا يحفظ، ولا يحدث من حفظه إلاَّ الثبت صاحب الحفظ واليقظة، والأمر على ماذكر ابن المديني رحمه الله: ((هذا أحد رجلين، إما رجل يحدِّث من كتابه، أو من حفظه)) اهـ راجع: ((تاريخ بغداد)» للخطيب رحمه الله (٢٢٩/٩ - ترجمة: سويد بن سعيد الحدثاني). (٢) وقع في ((المجروحين)) (١ / ٧٩): ((يترك)). (٣) هكذا في ((المجروحين))، وراجع ((الكفاية)) (ص/ ٢٢٩). (٤) هكذا في خط، وفي ش وع: ((مجموع ما بَيَّنً)). (٥) هكذا في خط وع بالعين المهملة، وفي ش: ((وقفت)) بالفاء. ٢٦٦ النوع الثالث والعشرون = الحديث. ولا يجوز أن يذهبَ شيءٌ منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب علىٍ بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال: فمَنَ جاء اليومَ بحديث لا يوجَدٍ عند جميعهم لمَ يُقْبَلْ مِنهَ. ومن جاءَ بحديث معروفٍ عندهم فالذي يرويهً لا ينفردُ بروايته، والحجة قائمةٌ بحديثه برواية غيره. والقصدٌ من روايته والسماع منه، أن يصيرَ الحديثُ مسلسلاً بحدثناَ، وأخبرنا. وَتَبْقى هذه الكرامةُ التي خُصّتْ بها هذه الأمةُ شرفًا لنبيِّنا المصطفى أَلتر. انتهى. قال السّلفي: إن الشيوخ الذين لا يعرفون حديثهم الاعتماد في روايتهم على الثقة المفيد عنهم لا عليهم، وإن هذا كله توسل من الحافظ إلى حفظ الأسانيد، إذ ليسوا من شرط الصحيح، إلا على وجه المتابعة، ولولا رخصة العلماء؛ لما جازت الكتابة عنهم، ولا الرواية إلا عن قوم منهم دون آخرين، وهذا هو الذي استقرّ عليه العمل. قال الذهبي في أول ((الميزان)): العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدِّثين والمفيدين الذين عُرِفَتْ عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. قال: ثم من (المعلوم)(١) أنَّه لا بد من صون الراوي وستره. قال: الخامسة عشرة: في بيان الألفاظ المستعملة (بَيْن)(٢) أهل هذا الشأن في الجرح والتعديل. وقد رتبها ((أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي)) في كتابه في (الجرح والتعديل) فأجاد وأحْسَنَ. ونحن نُرتبها كذلك، ونورد ما ذكره، ونضيف إليه ما بلَغنا في ذلك عن غيرِه، إن شاء الله تعالى. أما ألفاظ التعديل فَعلى مراتب: الأولى: (قال ((ابنُ أبي حاتم)))(٣) إذا قيل للواحد إنه (ثقةٌ أو متقنٌ) (٤)؛ فهو ممن یحتج بحديثه. (١) هكذا في ((الميزان)) و((اللسان))، وفي خط: ((العلوم)). (٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((من)). (٣) هكذا في ش وع، وليس في خط، وراجع ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٣٧). (٤) هكذا في ش وع وخط، وفي ((الجرح)): ((ثقة أو متقن ثبت)) ولعلّها (( ... أو ثبت)) ويؤيد ذلك سياق الكلام، وعزو الأبناسي الآتي إلى بعض نُسخ الجرح، والله أعلم. ٢٦٧ = معرفة من تقبل روايته قلت: وكذا إذا قيل: ثَبْتٌ، أو: حُجة. وكذا إذا قيل في العدل: إنه حافظٌ أو ضابط. انتهى. ما حكاه عن ابن أبي حاتم؛ قال به الحافظ أبو بكر الخطيب في ((الكفاية))، وزاد الذهبيّ في أول («الميزان)) درجةً أرفع من هذه، (وهي)(١) أن يكرّر هذه الألفاظ، كقوله: ثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثبت حجة، أو نحو ذلك، وما قاله صحيح، لأن التكرار له مزية التأکید. (واعتُرض) على المصنِّف في قوله: قلت: وكذا إذا قيل ثبت؛ مفهمًا كونها من زياداته على ابن أبي حاتم، مع أنها في بعض نُسَخه . قال: الثانية: قال ((ابنُ أبي حاتم): إذا قيل: إنه صدوق، أو: محلُّه الصدقُ، أو: لا بأس (به)(٢)؛ فهو ممن يُكتَبُ حديثُه وينظر فيه، وهي المنزلةُ الثانية. قلت: (هذا)(٣) كما قال، لأن هذه العبارات لا تشعرُ بشريطة الضبط، فينظرَ في حديثه، ويُختَبَر حتى يُعرَفَ ضبطُه؛ وقد تقدمَ بيان طَريقه في أَوَلِ هذا النوع. وإن لم نستوف النظرَ المعرِّفَ لكون ذلك المحدِّثَ في نفسه ضَابطًا مطلقًا، واحتجنا إلى حديث منَ حديثه، اعتبرنا ذلَك الحديثَ ونظرنا: هل له أصلٌ من رواية غيره؟ كما تقدم بيّانُ طريقِ الاعتبارِ في (النوع الخامس عشر). ومشهورٌ عن ((عبد الرحمن بن مهدي)) القدوة في هذا الشأن، أنه حدَّثَ فقال: ((حدثنا أبو خلدة)) فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: ((كَان صدوقًا وكان) خَیِّرًا، - وفي رواية: وكان خيارًا - الثقةُ شُعبةُ وسُفِيان)) (٤). (١) هكذا في ع، وفي خط: ((وهو)). (٢) هكذا في ش وع و ((الجرح))، وليست في خط. (٣) هكذا في ع وخط، وفي ش: ((هكذا)). (٤) هكذا في خط، وفي ش وع: ((كان صدوقًا وكان مأمونًا وكان خيِرًا ..... ))، وفي ((الجرح)) (٢/ ٣٧): ((كان صدوقًا وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة))، وفي ((المجروحين)) (١/ ٤٩): ((كان صدوقًا، وكان خيارًا، وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبَةً))، وفي ((الكفاية)) (ص/ ٦٠): ((كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيّرًا، وقال القاسم: وكان خيارًا، الثقة: شعبة وسفيان)). والنقل الذي في كتابنا عن ((الكفاية)) وفيها: (( .. وكان مأمونًا، .... )). ٢٦٨ النوع الثالث والعشرون ثم إن ذلك مخالفٌ لما وردَ عن ((ابن أبي خيثمة))، قال: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: فلانٌ ليس به بأس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلتُ لك: ليس به بأس؛ فهو ثقة وإذا قلت لك: هو ضعیف؛ فليس هو بثقة، لا تکتبْ حديثه. قلت: ليس في هذا حكايةُ ذلك عن غيره من أهلِ الحديث، فإنه نسبه إلى نفسه خاصَّةً بخلاف ما ذكره ((ابن أبي حاتم)). الثالثة: قال ((ابنُ أبي حاتم): إذا قيل: شيخ؛ فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَر فيه، إلا أنه دونَ الثانية. الرابعة: قال: إذا قيل: صالح الحديث؛ فإنه يُكتَبُ حديثُه للاعتبار. قلت: وجاء عن ((أبي جعفر أحمد بن سنان)) قال: كان ((عبد الرحمن بن مهدي)) ربما (جرَى ذكرُ حديث الرجل فيه ضعفٌ وهو رجل صدوق)(١) فيقول: «رجلٌ صالحٌ الحدیث(٢). انتھی. مراتب التعديل على أربع طبقات: أعلاها- ولم يذكرها ابن أبي حاتم، ولا المصنِّف- تكرير لفظ التوثيق كما تقدَّم، وسواءٌ كرَّر اللفظ بعينه كقوله: ثقة ثقة، أو مع غيره كقوله: ثبت ثقة، أو ثقة حجة. الثانية: أن يقول: ثقة أو ثبت أو حجة، ولم يكرر. الثالثة: ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدوق، أو مأمون، أو خيار وليس منها محله الصدق كما قاله المصنِّ تبعًا لابن أبي حاتم، والظاهر جعلها من المرتبة الرابعة؛ كما قاله صاحب ((الميزان)). الرابعة: محله الصدق، أو رَوَوْا عنه، أو إلى الصدق ما هو، أو شيخ وسط، أو وسط، أو شيخ صالح الحديث، أو مقارب الحديث، أو جيد الحديث، أو (١) هكذا في ش وع و ((الجرح)) (٢/ ٣٧) والكفاية (ص/ ٦٠)، وفي خط: ((جرى في ذكر ... )). (٢) هكذا في ش وع وخط والكفاية، وقال ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧): ((نا أحمد بن سنان الواسطي قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي وربما جرى ذكر رجل صدوق في حديثه ضعف فيقول: رجل صالح، الحديث يغلبه. يعني أن شهوة الحديث تغلبه)). وهذا أشبه؛ والله أعلم. ٢٦٩ = معرفة من تقبل روايته حسن الحديث، أو صُوَيْلح، أو صدوق إن شاء الله، أو (أرجو) (١) أنه ليس به بأس، أو نحو ذلك. وابن معين سوّى بين قوله: ثقة وبين قوله: ليس به بأس؛ لقوله: وإذا قلتُ ليس به بأس فهو ثقة، كذا فهم عنه المصنّف وغيره. وابن معين لم يقل: قولي وليس به بأس هو كقولي ثقة، حتى يلزم منه التساوي، وإن اشْتركا في مطلق الثقة، إلاَّ أنَّ قوله ثقة أرفع من قوله: لا بأس به، وفي كلام دُحیم ما يوافق ابن معين؛ قال أبو زرعة: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ قال: لا بأس به، قال: قلت: ولم لا تقول ثقة؟ ولا نعلم إلاَّ خيراً؟ قال: قد قلت لك إنه ثقة. وقال المرّوذي: سألت أحمد عن عبد الوهاب بن عطاء؛ ثقة؟ قال: تدري ما الثقة؟ إنما الثقة يحيى بن سعيد القطان. (وقول) المصنِّف: ((الثقة شعبة وسفيان))؛ مخالف لما في كتاب الخطيب وغيره، فإنَّ فيه: ((الثقة شعبة ومسعر))، ولم يذكر سفيان البتة، كذا اعترض عليه بعضهم. (وجوابه): أنّ المصنّف لم ينقله عن الخطيب(٢)، ومع هذا يحتمل غلط الناسخ، وهو أولى من تغليط الشيخ، مع أنَّ المشهور عن ابن مهدي ما ذكره المصنّف، كما حكاه عَمْرو بن علي الفلاّس وابن أبي حاتم والمزي في ((التهذيب)) في ((ترجمة أبي خلدة))، وخالفَ في ذلك في ترجمة ((مسعر)) فقال: ((الثقة شعبة ومسعر)) فيحتمل أنه سُئل عنه مرتين، ويحتمل أنه ذكر الثلاثة فاقتصر الفلاس على التمثيل باثنين، فمرة ذكر سفيان، ومرة ذكر مسعراً. قال: وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضًا على مراتب: (١) في خط: ((أرجوا)) بألف في آخره - خطأ . (٢) والذي عند الخطيب في الكفاية (ص/ ٥٩ - ٦٠) من وجوه عن الفلاس عن ابن مهدي: ((الثقة: شعبة وسفيان))، وهكذا عند ابن أبي حاتم وابن حبان كما سبق. ٢٧٠ النوع الثالث والعشرون أُولاها، قولهم: لِّن الحديث. قال ((ابنُ أبي حاتم): إذا أجابوا في الرجل بِلَيِّنِ الحديث، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه وینظَر فیه اعتباراً. قلت: وسأل ((حمزةُ بن يوسفَ السهمي)) ((أبا الحسن الدارقطني الإمامَ)) فقال له: إذا قلتَ: فلان لين أَيْش تريد به؟ قال: ((لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقطُ عن العدالة)). الثانية: قال ((ابنُ أبي حاتم): إذا قالوا: ليس بقويًّ؛ فهو بمنزلة الأول في كَتْب حديثه، إلا أنه دونه. الثالثة: قال: إذا قالوا: ضعیف الحدیث؛ فهو دون الثاني، لا يُطرح حدیثُه بل يُعتبر به. الرابعة، قال: إذا قالوا: متروك الحديث أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب؛ فهو ساقطُ الحديث لا يُكتَبُ حديثُه، وهي المنزلة الرابعة. قال ((الخطيب أبو بكر)): أرفعُ العبارات في أحوال الرواة أن يُقال: حجة، أو: ثقة. وأَدْوَنُها أن يُقال: كذاب ساقط. أخبرنا «أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي)) (١) قراءةً عليه بنيسابورَ: أنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعت أحمد بن صالح قال: لا يُتْرَكُ حديثُ رجل حتى يجتمعَ الجميعُ على ترك حديثه. قد يُقال: فلانٌ ضعيف، فأما أن يقال: فلانٌ متروك؛ فلا، إلا أن يُجمع الجميعُ على تركِ حدیثه)). ومما لم يشرحه ((ابنُ أبي حاتم)) وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب قولُهم: فلانٌ قد روى الناسُ عنه؛ فلانٌ وسَطٌ؛ فلانٌّ مقاربُ الحديث؛ فلانٌ (١) هكذا في ش وع، وفي خط: ((أبو بكر (الخطيب) بن (عبد الرحمن) المنعم الصاعدي الفراوي)). وضرب على لفظ: ((الخطيب)) وغفل عن الضرب على لفظ: ((عبد الرحمن)). ٢٧١ = معرفة من تقبل روايته مضطربُ الحديث؛ فلانٌ لا يُحتَجَّ به؛ فلانٌ مجهولٌ؛ فلانٌ لا شيء؛ فلانٌ ليس بذاكَ - وربما قيل: ليس بذاك القوي ــ فلانٌ فيه، أو: في حديثه ضعفٌ - وهو في الجرح أقلّ من قولهم: فلانٌ ضعيف الحديث - فلانٌ ما أعلمُ به بأسًا، وهو في التعديل دونَ قولهم: لا بأس به. وما من لفظة منها ومن أشباهها إلا ولها نظيرٌ شرحناه أو أصلٌّ أصَّلْناه، (يُتْنَبَّهُ)(١) إن شاءَ الله تعالى به عليها. انتهى. (قوله): ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره، أراد بعدم الشّرح أنهم لم يُبيّنُوا ألفاظ التوثيق من أيِّ رتبة هي، من الثانية أو الثالثة، مثلاً، وكذلك ألفاظ التجريح لم يبسيِّنوا من أي منزلة هي، وليس المراد أنهم لم يبينُوا هل هي من ألفاظ التوثيق أو التجريح، فإنَّ هذا أمر لا يخفى على أهل الحديث. وقد ذكر المصنّف إحدى عشرة لفظة، منها أربعة ألفاظ للتَّوثيق، وهي: فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وفلان ما أعلم به بأسًا. وهذه الأربعة من الرتبة الرابعة من التوثيق، وهي الأخيرة. ومنها سبعة ألفاظ للجرح، منها أربعة في الرتبة الأولى، وهي أَلْين ألفاظ الجرح: فلان ليس بذاك، فلان ليس بذاك القوي، فلان فيه ضعف، فلان في حديثه ضعف. وفي الرتبة الثانية؛ لفظتان، وهي أشد في الجرح من التي قبلها: فلان لا يحتج به(٢)، فلان مضطرب الحديث. وفي الثالثة؛ لفظة واحدة، وهي أشد من اللَّتين قبلها، وهي: فلان لا شيء. (١) هكذا في خط، وفي ش وع: ((نُنَبِهُ). (٢) قال ابن أبي حاتم (٢ / ١٣٣) في ترجمة ((إبراهيم بن مهاجر البجلي)): ((سمعت أبي يقول: إبراهيم = = بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم. قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: كانوا قومًا لا يحفظون فيحدّثون بمالا يحفظون فيغلطون ترى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئت)) اهـ. ٢٧٢ = النوع الثالث والعشرون وذكر فيها أيضًا: فلان مجهول، وقد تقدم ذكر المجهول، وأنه على ثلاثة أقسام، فلا حاجة إلى ذكره. وقوله: مقارب الحديث، بكسر الرّاء، كذا ضبطه النووي في ((مختصَريْه))(١) تبعًا للمصنّف فيما قُرِىء عليه. (واعتَرَضَ) بعضهم؛ بأن ابن السيد حكي فيه الوجهين، الكسر والفتح، وجعلَ الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ التجريح. (ورُدَّ) بأنَّ الوجهين معًا للتعديل، وممن حكى الوجهين: ابن العربي في ((الأحوذي شرح الترمذي))(٢)، وكذلك ضُبِطَ بالوجهين في نسخ البخاري الصحيحة . وممن (ذكرهما)(٣) في التوثيق الذهبي، وكأنّ المعترض فهم من فتح الراء أن الشيء المقارب هو الردي، وليس كذلك، وإنما هي لفظة عامية. نعم هي على الوجهين من قوله: ((سدِّدوا وقارِبُوا)) فمَن كسرَ قال: إنَّ معناه أن حديثه مقارب لحديث غيره، ومَن فتح قال: معناه أَنَّ حديثه (مقاربه) (٤) حديث غيره، إِذْ صيغة ((فاعل)) تقتضي المشاركة غالبًا. وقال الجوهري: رجل مقارب، ومتاع مقارب، أي: ولا يُقال بالفتح. (وأهمل المصنّف) من ألفاظ التوثيق من المرتبة الثانية - على رأي المصنّف لا على رأي الذهبي - قولهم: فلان مأمون، فلان خيار. ومن المرتبة الثالثة أو الرابعة: فلان إلى الصِّدق ما هو، فلان جيد الحديث، فلان حسن الحديث، فلان صُوَيْلح، فلان صدوق إن شاء الله، فلان أرجو أنه لا بأس به. (١) هكذا في خط بالتثنية يعني: ((الإرشاد، والتقريب))، وفي ع: ((مختصره)) بالإفراد. (٢) هكذا في خط وع والمراد به: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي. (٣) هكذا في خط على التثنية، وفي ع ((ذكره)). (٤) هكذا في خط، وفي ع: ((يقاربه)). ٢٧٣ معرفة من تقبل روايته وأما ألفاظ التجريح؛ فمن المرتبة الأولى، وهي ألين ألفاظ التجريح: فلان فيه مقال، فلان ضعِّف، فلان تعرف وتنكر، فلان ليس بالمتين، أو ليس بحجة، أو ليس بعمدة، أو ليس بالمرضى، وفلان للضعف ما هو، وسيئ الحفظ، وفيه خلف، وطعنُوا فيه، وتكلموا فيه. ومن المرتبة الثانية؛ وهي أشد من الأولى: فلان واه، فلان ضعَّفوه فلان منكر الحديث . ومن المرتبة الثالثة؛ وهي أشد منهما: فلان ضعيف جدًا، فلان واه بمرّة، فلان لا يساوي شيئًا، فلان مطرح، وطرحوا حديثه، (وارم)(١) به، وردّ حديثه. ومن المرتبة الرابعة: فلان متَّهم بالكذب، وهالك، وليس بثقة، ولا يُعتبر به، وفيه نظر، وسكتوا عنه. وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمَن تركوا حديثه. ومن المرتبة الخامسة، ولم يذكرها المصنّف: فلان وضَّاع، فلان دجَّال. ولهم ألفاظ أُخر يُسْتَدِلُّ بهذه عليها . (١) تحرف في ع إلى: ((ورام)). ٢٧٤ النوع الرابع والعشرون معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه اعلم أن طرقَ نقل الحديث وتحمَّله على أنواع متعددة، ولنقدِّمْ على بيانها بيان أُمور: أحدها: يَصحُ التحمُّلُ قبلَ وجودِ الأهليّة، فتُقَبلُ روايةُ من تَحمَّلَ قبلَ الإسلام وروی بعده، و كذلك روایةُ مَن سمع قبل البلوغ وروَی بعده. ومنع من ذلك قومٌ، فأخطئوا؛ لأن الناسَ قَبلوا روايةَ أحداث الصحابة: ((الحسن بن علي، وابن عباس، وابنِ الزّبَيْرِ، والنعمان بن بشير))، وأشباهَهم، من غير فرقَ بين ما تحمّلوه قبل البلوغ وما بعده. ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضرون الصبيانَ مجالسَ التحديثِ والسماعِ، ويعتدون بروایتهم لذلك. الثاني: قال ((أبو عبد الله الزّبَيْرِي)): يُستَحَبُّ كَتْبُ الحديث في العشرين؛ لأنها مُجْتَمع العقل؛ (قال)(١): وأُحبُّ أن يشتغلَ دونها بحفظ القرآنَ والفرائض. ووردَ عن ((سفيان الثوري)) قال: كان الرجلُ إذا أراد أن يطلبَ الحديثَ تعبَّد قبل ذلك عشرين سنة. وقيل ((لموسى بن إسحاق)): كيف لم تكتب عن أبي نُعَيْم؟ فقال: كان أهلُ الكوفة لا يُخرِجون أولادَهم في طلبِ الحديثِ صغارًا، حتى يستكملوا عشرين سنة. وقال ((موسى بن هارون)): أهلُ البصرة يكتبون لعَشر سنينَ، وأهلُ الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين. (١) هكذا في خط وع، وليس في ش. ٢٧٥ معرفة كيفية سماع الحديث قلت: وينبغي بعد أن صار الملحوظُ إبقاءَ سلسلة الإسناد، أن يُبَكَّر بإسماع الصغير في أول زمان یصحّ فیه سماعه. وأما الاشتغالُ بكتْبَة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده، فمن حين يتأهلُ لذلك ويستعد له. وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس ينحصر في سنَّ مخصوص كما سبق آنفًا عن قوم. انتهى. مثال من تحمَّل قبل الإسلام وروى بعده: حديث جبير بن مطعم، المتفق على صحّته، لمّا جاء في فداء أسارى بدر، قبل أن يُسلم، فسمع النبيّ بَّله يقرأ في المغرب بالطور. وفي البخاري: ((وذلك أوّل ما وَقَر الإيمان في قلبي)). وممن تحمَّل أيضًا قبل البلوغ: الحسن بن علي، والسائب بن يزيد، والمسور بن مخرمة، وغيرهم. قال: الثالث: اختلفوا في أولِ زمان يصحّ فيه سماعُ الصغير. ءِ فقال: إذا فرَّق بين البقرة والدابة - وفي رواية: بين البقرة والحمار. فروينا عن ((موسى بن هارون الحمَّال))(١) أنه سئل: متى يسمع الصبيّ الحديث؟ وعن ((أحمدَ) أنه سئل: متى يجوزُ سماعُ الصبِيِّ للحديث؟ فقال: إذا عَقَلَ وضبط، فذکرَ له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة. فأنكر قَولَه وقال: بئس القولُ. وأخبرني الشيخ أبو محمد عبدُ الرحمن بنُ عبد الله الأسدِي، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأشيري، عنِ القاضي عياض بن موسى السّبْتَي اليَحْصَبي، قال: حدّدَ أهلُ الصنعة في ذلك أن أقلّه سِنّ محمود بن الربيع. وذَكَرَ روايةَ البخاري في (صحيحه) بعد أن ترجم (متى يصح سماعُ الصغير) بإسناده عن ((محمود بن الربيع)) قال: ((عقلتُ من النبيّ وَلِّ مَجَةً مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنينَ، من دلو)). (١) زاد في ش وع: ((أحد الحفاظ النُّقَّاد)». ٢٧٦ النوع الرابع والعشرون = وفي رواية أخرى: أنه کان ابن أربع سنين. قلت: التحديدُ بخمس هو الذي استقر عليه عملُ أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدًا: سَمِعَ؛ ولمن لم يبلغ خَمْسًاً: حضَر، أو: أُحضر. والذي ينبغي فيّ ذلك أن نعتبرَ في كلِّ صغير حاله على الخصوص؛ فَإن وجدناه مرتفعًا عن حال مَن لا يَعقل فهمًا للخطابُ وردا (للجواب)(١) ونحو ذلك؛ صححنا سماعه وإن کان دون خمسٍ، وإن لم یکن کذلك، لم نُصحح سماعه وإن كان ابن خمسٍ، بل ابن خمسین. وقد بلغنا عن ((إبراهيم بن سعيد الجوهري)) قال: ((رأيتُ صبيًا ابن أربع سنين قد حُمِلَ إلى ((المأمون)) قد قرأ القرآن، ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي)). وعن ((القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني)) قال: ((حفظتُ القرآن ولي خمس سنين، وحُملتُ ((إلى أبي بكر المقرىء)) لأسمع منه، ولي أربع سنين، فقال بعض الحاضرين: لا تُسْمعوا له فيما قُرىء فإنه صغير. فقال لي ابن المقرىء: اقْرأ (سورة الكافرون) فقرأتُهاَ، فقال: اقرأ (سورة التكوير) فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ (سورة المرسلات) فقرأتها ولم أغلط فيها. قال ابن المقرىء: سَمِّعوا له (والعُهْدةُ)(٢) عليَّ)). ءُ وأما حديث ((محمود بن الربيع)): فيدلّ على صحة ذلك من ابن خمس (لمثل)(٣) محمود، ولا يدلّ على انتفاء الصحة فيمن لم (يكن) (٤) ابن خمس، ولاً على الصحة فيمن كان ابن خمسٍ ولم يميز تمييز محمود رضي الله عنه. انتهى. اختلفُوا في السِّنِّ الذي يصح فيه السماع على أربعة أقوال؛ أصحّها عند الجمهور: أَنَّ أقل ذلك خمس سنين، لما رواه البخاري والنسائي وابن ماجة من حدیث محمود بن الربيع . قال ابن عبد البر: حفظ ذلك عنه، وهو ابن أربع سنين، أو خمس سنين. (١) هكذا في ش وع، وفي خط: ((لجواب)) بلام واحدة. (٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((والعهد)). (٣) في ش وع: ((مثل)) بدون اللام. (٤) طمس في خط، وما هنا من ش وع. ٢٧٧ معرفة كيفية سماع الحديث والقول الثاني: اعتبار تمييزه على الخصوص. الثالث: خمس عشرة سنة. والرابع: إذا فرَّق بين البقرة والداب؛ قاله موسى بن هارون الحمَّال. وأما ما حكاه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن الصبي؛ فقد أجاد بقوله: وقد بلغنا إذْ لم يأت بصيغة الجزْم، لأنَّ الصغير كان (ضئيل)(١) الخلقة، فظنَّ أنَّه صغير ابن أربع سنين، وقد رواها الخطيب بسنده في ((كفايته)) وفي السند: أحمد ابن كامل القاضي؛ قال الدارقطني: كان متساهلاً، ربما حدَّث من حفظه بما ليس عنده في كتابه، وأهلكه العجب، فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء (الأئمة)(٢) أصلاً. وقال صاحب ((الميزان)): كان يعتمد على حفظه فيهم. (فائدة): كان ينبغي للمصنف أن يذكر حديث عبد الله بن الزَّبَيْر، فإنَّه أَوْلى من ذكر حديث محمود بن الربيع. ففي البخاري ثنا أحمد بن محمد أنا عبد الله بن المبارك أنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزَبَيْر قال كنت يوم الأحزاب جُعلتُ أنا وعُمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرتُ فإذا أنا بالزَبَيْر على فرسه يختلف إلى بني قريظة، مرّتين أو ثلاثًا، فلمّا رجعتُ قلت: يا (أبة)(٣) رأيتك تختلف! (قال: قال:)(٤) أوَ هل رأيتني يا بُنَيَّ؟ قلتُ: نعم، قال: كان (النبي)(٥) ◌ِّ﴿ قال: ((مَن (يَأْتي)(٦) بني قريظة فيَأْتِني بخبرهم؟)) فانطلقتُ فلمَّا رجعتُ جمعَ لي (النبي عليه السلام)(٧) أَبَوَيْهِ، فقال: ((فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)). قال البخاري وغيره: كانت الأحزاب - وهي غزوة الخندق - في شوال سنة أربع، ووُلِدَ عبد الله بن الزَّبَيْرِ، على ما ذَكَرَ البخاري وغيره؛ بعد الهجرة في (١) هكذا في ع، وفي خط: ((سييل)). (٢) من خط، وليس في ع. (٣) هكذا في خط، وفي صحيح البخاري ((أبت)) بالمفتوحة. (٤) هكذا في خط، وفي ((صحيح البخاري)) (٣٧٢٠): ((قال))، مرة واحدة. (٥) في صحيح البخاري: ((رسول الله)). (٦) في صحيح البخاري: ((يَأْتِ». (٧) في صحيح البخاري: ((رسول الله وَ ظاهر)). ٢٧٨ النوع الرابع والعشرون السنة الثانية، أو السَّنة الأولى، على خلاف فيه حكاه ابن عبد البر، فعلى هذا يكون حال تحمله لهذا الحديث أصغر سنًا من محمود بن الربيع. فانظر لأي شيءٍ لم يذكره البخاري - أيضًا - في باب: ((متى يصحّ سماع الصَّغير)) مع أنه أمضى في السماع من حديث محمود بن الربيع؟ . قال: بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، ومجامعها ثمانية أقسام: الأول: السماع من لفظ الشيخ، وهو ينقسم إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء (أكان)(١) من حفظه أو من كتابه. وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير. وفيما نرويه عن ((القاضي عياض))(٢) قوله: لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول (السامع)(٣) حدثنا وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان)). قلت: في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ - على ما نبينه إن شاء الله تعالى - أن لا يُطلق فيما سُمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإيهام والإلباس. وذكر «أبو بكر الخطيب)) أن أرفع العبارات في ذلك: سمعت، ثم حدثنا وحدثني. فإنه لا يكاد أحدٌ يقول: سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدلیس ما لم یسمعه. و کان بعض أهل العلم یقول فیما أجیز له: حدثنا. وروي عن ((الحسن)) أنه كان يقول حدثنا أبو هريرة. (ويتأول)(٤) أنه حدَّث أهل المدينة. وكان ((الحسن)) إذ ذاك بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئًا. قلت: ومنهم من أثبت له سماعًا من أبي هريرة. ثم يتلو ذلك قول: ((أخبرنا». وهو كثير في الاستعمال، حتى إن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يخبرون (فيما)(٥) سمعوه من لفظ من حدّثَهَم إلا بقولهم: (١) في ش وع: ((كان)) بدون الهمزة. (٢) في ش وع: ((القاضي عياض بن موسى السبتي أحد المتأخّرين المطلعين)). (٣) في ش وع: ((السامع منه)). (٤) هكذا في ش وع، وفي خط: ((وتأول)). (٥) في ش وع: ((عما)). ٢٧٩ معرفة كيفية سماع الحديث أخبرنا)؛ منهم: حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وهُشَيمُ بن بشير، وعُبيد الله بن موسی، وعبد الرزاق بن همام، ویزید بن هارون، وعمرو بن عون، ویحیی بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات ومحمد بن أيوب الرازيان، وغيرهم. وذكر ((الخطيب)) عن محمد بن رافع؛ قال: ((كان عبد الرزاق يقول: أخبرنا، حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقالا له: قل: حدثنا (لكُلِّ ما)(٢) سمعت مع هؤلاء؛ قال: حدثنا وما كان قبل ذلك، قال: أخبرنا)). وعن ((محمد بن أبي الفوارس الحافظ))؛ قال: هُشيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، لا يقولون إلا: ((أخبرنا)) فإذا رأيت ((حدثنا)) فهو من خطأ الكاتب. قلت: وكان هذا كلُّه قبل أن يشيع تخصيصُ ((أخبرنا)) بما قُرىء على الشيخ. ثم يتلُو قولَ: أخبرنا، قولُ: أنبأنا، وهو قليلٌ في الاستعمال. قلت: ((حدثنا، وأخبرنا)) أرفع من ((سمعت)) من جهة أخرى، وهي أنه ليس في ((سمعت)) دلالةٌ على أن الشيخ روّاهُ الحديث وخاطبه به، وفي ((حدثنا، وأخبرنا)) دلالةٌ على أنه خاطبه به، ورواه له، أو هو ممن فُعلَ به ذلك. سأل («الخطيبُ أبو بكر)) شيخَهُ ((أبا بكر البرقاني)) عن السرِّ فِي كونه يقولُ فيما رواه لهم عن ((أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الآبَنْدُونِّى (٣) سمعتُ، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا. فذكر له أن ((أبا القاسم)) كان مع ثقَته وصلاحِه، (عَسِرًا)(٤) في الرواية، (٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((فكل ما)) بالفاء. (٣) في حاشية خط: ((أَبَنْدُوْن من قُرى جرجان))، وراجع حاشية ((المقدمة)). قلت: وقد ضبطها السمعاني في ((الأنساب)): ((بفتح الألف الممدودة والباء الموحدة وسكون النون وضم الدال المهملة وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى آبندون وهي قرية من قرى جرجان، ... منها: أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الآبندوني الجرجاني ... )) ١ هـ وراجع: ((معجم البلدان)) (٥٧/١)، و ((السير)) (٢٦١/١٦). (٤) هكذا في خط، وفي ش وع: ((عسيرًا)). ٢٨٠ النوع الرابع والعشرون - فكان ((البرقاني)) يجلسُ بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، (ليسمع) (١) منه ما يُحدِّث به الشخص الداخل إلیه، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا، ولا: أخبرنا؛ لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. وأما قوله: قال لنا فلان، أو: ذكر لنا فلانٌ؛ فهو من قبيل قوله: حدثنا فلان؛ غير أنه لائقٌ بما سمعه منه في المذاكرة، وهو به أشبه من (حدثنا)). وقد حكينا في فصل التعليق عقيب (النوع الحادي عشر) عن كثير من المحدِّثين استعمال ذلك، مُعبّرين به عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات. وأوضعُ العبارات في ذلك أن يقول: ((قال فلانٌ) أو: ((ذكر فلانٌ)) من غير ذكر قوله: لي، ولنا؛ ونحو ذلك. وقد قدَّمنا في (فصل الإسناد المعنعن) أن ذلك وما أشبهه من الألفاظ: محمولٌ عندهم على السماع إذا عُرفَ لقاؤه له وسماعه منه على الجملة، لا سيما إذا عُرفَ من حاله أنه لا یقول «قال فلان)» إلا فیما سمعه منه. وقد كان ((حجاج بن محمد الأعور)) يروي عن ((ابن جريج)) كتبَهُ، ويقول فيها: ((قال ابن جريج)) فحملها الناس عنه، واحتجوا برواياته، وكان قد عُرفَ من حاله أنه لا یروی إلا ما سمعه. وقد خصَّصَ ((الخطيب أبو بكر)) القولَ بحمل ذلك على السماع بمن عُرِفَ من عادته مثلُ ذلك. والمحفوظ المعروف ما (قدمناه)(٢). انتھی (قوله): ومنهم من أثبتَ له؛ أي للحَسَنِ سماعًا من أبي هريرة، وهذا ضعيف جدًا، فقد قال أبو زرعة وأبو حاتم مَن قال: ((عن الحسن ثنا أبو هريرة))؛ فقد أخطأ، قالا: والذي عليه العمل؛ أَنَّ لم يَسمع منه شيئًا. وكذا قال أيوب، وبهز ابن أسد، والترمذي، والنسائي، والخطيب، وقال يونس ابن عبيد: ما رآه قط . (١) في ش وع: ((فيسمع)). (٢) في ش وع ((قدمنا ذكره)).