النص المفهرس
صفحات 201-220
=
معرفة الأفراد
٢٠١
قال الشيخ علاء الدين التركماني: مداره عليه، واحترز بالثقات عما رواه
الدار قطني من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن
عائشة(١) عن النبي وَلّ؛ وابن لهيعة ضعَّفه الجمهور.
ومثال ما انفرد به أهل بلد: ما رواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي عن همام
عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: ((أمرَنَا رسول الله وَلَّ أن نقرأ بفاتحة
الکتاب وما تیسر)).
قال الحاكم: تفرّد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره ولم
يشركهم في هذا اللفظ سواهم.
ونحو حديث عبد الله بن (زيد)(٢) في ((صفة وضوء النبي (وَاللّه): ((ومسح رأسه
بماء غير فضل يده)). رواه مسلم وأبو داود والترمذي. قال الحاكم: هذه سنّة غريبة
تفرَّد بها أهل مصر ولم يشركهم فيها أحد.
ومثال قوله: إلاَّ أن يُطْلِقَ قائلٌ قوله .. إلى آخره؛ ما سبق في المنكر من رواية
أبي (زُكير) (٣) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: ((كلوا البلح
بالتمر .. الحديث)). قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرّد به أبو
زكير عن هشام بن عروة (٤).
فجعلَه من أفراد البصريين وأرادَ به واحدًا منهم.
(١) سنن الدارقطني (٢ / ٤٦)، وراجع: نصب الراية (٢ / ٢١٦).
(٢) هكذا في ((صحيح مسلم)) (٢٣٦) و ((تحفة الأشراف)) (٤/ ٣٤١)، وغيرهما. وفي خط: ((يزيد)).
((٣) هكذا في خط، وزُكِيْر بضم الزاي، واسمه: يحيى بن محمد بن قيس؛ ترجمته في ((التهذيب)).
ووقع في ((المستدرك)) و ((التلخيص)): ((زكريا)).
(٤) قال الذهبي في تلخيص ((المستدرك)) (٤/ ١٢١): ((حديث منكر ولم يصحّحه المؤلّف)) - يعني: الحاكم-
فإنه لم یتکلّم عليه.
٢٠٢
النوع الثامن عشر
معرفة الحديث المعلل
ويسمِّيه أهلُ الحديث: المعلول. وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب
القياس: العلة والمعلول مرذولٌ عند أهل العربية واللغة.
اعلم أن معرفةَ عَلِ الحديث من أجَلِّ علوم الحديث وأدقّها وأشرفها، وإنما
(يطلع عليه)(١) أَهلُ الحفظَ والفهم الثاقب. وهي عبارةٌ عن أسباب خفية
(غامضة)(٢) قادحة فيه. فالحديثُ المعلَّل (هو)(٣) الذي اطّلع فيه على علة تقدح
في صحتّه، (إذْ)(٤) ظاهره السلامة منها. ويتطرقُ ذلك إلى الإسناد الذي رجالَه
ثقاتٌ، الجامع شروط الصحة من حيثُ الظاهر، ويُستعان على إدراكها بتفرِّد
الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائنَ تنضم إلى ذلك تُنَبه العارفَ بهذا الشأن على
إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حدیث في حدیث، أو وهم
واهمٍ (لغير) (٥) ذلك؛ بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به، أو يتردَّدُ فيتوقَّفُ فيه،
وكلّ ذلك مانعٌ من الحكم بصحة ما وُجدَ ذلك فيه.
وكثيراً ما يُعللون الموصولَ بالمرسَل، مثل أن يجىء الحديثُ بإسناد موصول،
ويجيءَ أيضًا بإسناد منقطعٍ أقوى من إسناد الموصول.
ولهذا اشتملت كتبُ علَلِ الحديثِ على جميعٍ طرقهِ.
(١) في ش وع: ((يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة ... )).
(٢) هكذا في خط وع، وليست في ش.
(٣) في ش وع: ((هو الحديث ... )).
(٤) في ش وع: ((مع أنّ)).
(٥) هكذا في ش وع، وفي خط: ((بغير)) بالباء بدل («اللام)).
٢٠٣
معرفة الحديث المعلل
قال ((الخطيب أبو بكر)): السبيلُ إلى معرفة علة الحديث أن يُجمع بين طُرقه
ويُنظَر في اختلافِ رُوَاتِه ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.
ورُوي عن ((عليٍّ ابن المديني)) قال: البابُ إذا لم تُجْمَعَ طُرِقُه، لم يُتُبَّنْ خُطؤه.
ثم قد تقع العلةُ في إسناد الحديث، وهو الأكثرُ؛ وقد تقع في متّنه. ثم ما يقع في
الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، (كما في التعليل بالإرسال
والوقف وقد)(١) يقدح في صحة الإسناد خاصةً من غير قدحٍ في صحة المتن.
فمن أمثلة ما وقعت العلةُ في إسناده من غير قدح في صحة المْن، ما رواه الثقةُ
يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينارَ، عن ابن عمر، عن النبي
قال: ((البيعان بالخيار .. )) الحديث.
فهذا إسنادٌ متصلٌ بنقل العدل عن العدل. وهو معلَّلٌ غيرُ صحيح، والمتنُ على
كلِّ حال صحيح. والعلَّة في قوله: ((عن عمرو بن دينار))؛ إنما هو عن ((عبد الله بن
دينار عن ابن عمر)) هكذا رواه الأئمة من أصحاب ((سفيان)) عنه فَوَهِمَ ((يَعلى بنُ
عُبَيد)) وعدَلَ عن عبد الله بن دينار، إلى عمرو بن دينار وكلاهما ثقة.
ومثالُ العلة في المتْنِ: ما انفرد ((مسلمٌ)) بإخراجِه في حديث (أنَس)) من اللفظ
المصرِّح بنفي قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فعلِّل قومٌ روايةَ اللفظ المذكور، لَمَّا
رأَوْا الأكثرين إنما قالوا فيه: ((فكانوا يستفتحون القراءةَ بالحمد لله رب العالمين)) من
غير تعرَّض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق ((البخاري، ومسلم)) على إخراجه في
الصحيح ورأوا أن مَنْ رَواه باللفظ المذكور، رواه بالمعنى الذي وقع له، (وفَهِمَ)(٢)
من قوله: ((كانوا يستفتحون بالحمد لله)) أنهم كانوا لا يُبَسْمِلُون، فرواه على ما فهم،
وأخطأ؛ لأن معناه أن السورةَ التي كانوا يفتتحون بها من السوَرِ هي الفاتحة، وليس
فيه تعرض لذكر (البَسْمَلَة)(٣) وانضم إلى ذلك أمورٌ، منها: أنه ثبت عن ((أنس)) أنه
(١) هكذا في ش وع، وفي خط تداخلت السطور في هذا الموضع فلم يتبيَّن.
(٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((ففهم)).
(٣) هكذا في خط، وفي ش وع: ((التسمية)).
٢٠٤
=
النوع الثامن عشر
سُئل عن الافتتاح بالتسمية، فَذَكَر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله وَل.
ثم اعلم أنه قد يُطَلَقُ اسمُ العلّة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة
في الحديث، المخرجة له من حالَ الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به
على ما هو مُقْتضَىَ لفظ العلة فَي الأصلَ، ولذلكَ (نجد)(١) في (كتب علل
الحديث الكثير) (٢) من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك منَ
أنواع الجرح، وسَمَّى ((الترمذيّ) النسخَ عِلَّةً من عللِ الحديث.
ثم إن بعضهم أطلقَ اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو
إرسال مَن أرسل الحديث الذي أسنده الثقةُ الضابطُ حتى قال: من أقسام الصحيح ما
هو صحیحٌ معلول، کما قال بعضهم: من الصحیح ما هو صحيحٌ شاذ. انتهى.
قوله: إن لفظة ((معلول)) مرذولة عند أهل العربية واللغة، وتبعه على ذلك
النووي، وجعلَهُ لحنّا؛ اعتُرضَ عليه؛ بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم:
قطرب؛ فيما حكاه: اللَّيْلِي(٣) والجوهري والمطرزي في ((المغرب)).
وجوابه: أنه لا شك في ضعفه وإن كان ابن القوطية ذكره في الأفعال، فقد
أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيده والحريري وغيرهما.
قال صاحب ((المحكم)): واستعمل أبو إسحاق لفظة ((المعلول)) في المتقارب من
العروض، والمتكلّمون يستعملون لفظة ((المعلول)) في مثل هذا كثيرًا.
وبالجملة فلستُ منها على ثقة ولا ثلج، لأن المعروف إنما هو أعلَّه الله فهو
معلّ، اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من
أنهما جاءا على جننته وسللته، وإن لم يستعملا في الكلام استغنى عنهما بأفْعَلْتُ.
(١) هكذا في خط وع، وفي ش: ((تجد)» بمثناة فوقية مكان ((النون)).
(٢) هكذا في خط وش، وفي ع: ((كتاب علل الكثير)).
(٣) نِسْبَةً إلى لَبْلَة؛ قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٣٣٦/٤): ((لَيْلَةُ بفتح أوله ثم السكون ولام أخرى قصبة
كورة بالأندلس كبيرة، يتّصل عملها بعمل أَكْشُونية، وهي شرق من أكشونية، وغرب من قرطبة، بينها وبين
٠ ٠ ٠ ٠ ٠ ٠ ٠).
قرطبة على طريق إشبيلية خمسة أيام أربعة وأربعون فرسخًا .
٢٠٥
معرفة الحديث المعلل
وإذا قالوا: جُنَّ وسُلَّ، أي: جعل فيه الجنون والسّلّ كما قالوا: حرق وفسل،
وأنكره الحريري أيضًا في ((درة الغواص)).
والأحسن أن يقال فيه: مُعَلّ بلامٍ واحدة، لا معلّل بلامين، كما قاله المصنّف،
فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى الْهَاهُ (بالشيء)(١) وشغله به من تعليل
الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة فهو كثير كقول المحدثين: أعلَّه فلان بكذا،
وقياسه مُعلّ، وفي ((المحكم)): أعلَّه الله فهو مُعل، وفي الجوهري: لا أعلّك الله
أي: لا أصابك بعّة .
نعم التعبير بالمعلول وُجِد في كلام كثير من المحدثين كالترمذي والدارقطني
وأبي أحمد بن عدي والحاكم وأبي يعلى الخليلي.
وفي (٢) الحديث الذي يصلح أن يكون مثالاً لما وقعت العلة فيه رواه الترمذي
وحسنه أو صححه، وابن حبان، والحاكم وصححه، من رواية ابن جريج عن
موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من
جلسَ في مجلس فكثر فيه لغطه .. الحديث)).
قال الحاكم في ((علوم الحديث)): هذا حديث من تأمّله لم يشك أنه من شرط
الصحيح، وله علة فاحشة، ثم روى أنَّ مسلماً جاء إلى البخاري فسأله عن علَّته
فقال: هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد
إلاَّ أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون
عن عبد الله قوله.
قال البخاري: هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعًا من سهيل، فقام
إليه مسلم وقبَّلَ يده.
هكذا أعلَّ الحاكم في ((علوم الحديث)) هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على
الظنّ عدم صحتها فإن راويها عن مسلم: أحمد بن حمدون القصّار متكلم فيه
(١) هكذا في ع، وفي خط: ((بالمشي)).
(٢) راجع: ((التقييد)) (ص/ ١١٨).
٢٠٦
النوع الثامن عشر
ويبعد أن البخاري يقول: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه
قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم: أبو برزة الأسلمي،
ورافع بن خديج، ومطعم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن
عَمْرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، رضي الله عنهم.
قوله: ومثال العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه؛ اعتُرِض عليه بأنه قال
قبل ذلك: ما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته، فكيف يجعل ما انفرد به
ضعيفًا؟! وأيضًا فإنه لم يُعين (مَن أعلَّهُ من أهل العلم)(١) وما محله، مع أنّ ابن
الجوزي قال: إن الأئمة اتفقوا على صحته.
والجواب: أن هذا من الأحرف اليسيرة التي (استثناها)(٢) بقوله: سوى أحرف
يسيرة تكلّم عليها بعض أهل (النقد)(٣) من الحفاظ كالدار قطني وغيره، وقد أعلّه
الشافعي والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من الحفاظ، وعبارة الشافعي
في ((حرملة)) (٤): ((فإن قال قائل: قد روى مالك عن حميد عن أنس قال: ((صليت
وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)) قيل
له: خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية
(متفقين)(٥) مخالفين له، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
ثم رجَّح روايتهم بما رواه سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: ((كان النبي
(١) في خط: ((من أعلّه حتى ينظر وهو من أهل العلم .. )) وما أثبته أشبه، وقد يكون المراد: ((من أعلَّه حتى
ينظر هل هو من أهل العلم))؛ فالله أعلم.
(٢) هكذا في ع، وفي خط: ((استثناها مسلم)).
(٣) هكذا في ع، وفي خط: ((النقل)) باللام، وما في ع هو الموافق لما سبق في ((متن المقدمة)) في ((الفائدة
السابعة - النوع الأول / معرفة الصحيح)).
(٤) يعني: سنن حرملة، وراجع: ((التقييد)) (ص/ ١١٩).
(٥) هكذا في ((المعرفة)) للبيهقي (٢/ ٣٨٠) (٣١١٧ - ط: قلعجي)، وفي خط: ((مؤتفقين))، وفي ع:
«مؤمنین)).
٢٠٧
معرفة الحديث المعلل
وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله ربّ العالمين)).
قال الشافعي: يعني يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يُقرأ بعدها، ولا يعني أنهم
يتركون بسم الله الرحمن الرحيم.
وحكى الترمذي عن الشافعيّ؛ معناه: أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب
قبل السورة لا أنهم كانوا لا يبسملون.
وقد صرَّح الدارقطني في روايته بما أوّله به الشافعي: كانوا يستفتحون بأم القرآن
فیما یجهر به.
قال الدارقطني: وهذا صحيح والمحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس: أنهم كانوا
يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ليس فيه تعرض لنفي البسملة.
وقال البيهقي: أكثر أصحاب قتادة رَوَوْا عنه كذلك، وهكذا رواه إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس.
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): ((اختُلِف عليهم في لفظه اختلافًا كبيرًاً
مضطربًا متدافعًا، منهم مَن يقول: صليت خلف رسول الله وَّله وأبي بكر وعمر،
ومنهم من يذكر عثمان، ومنهم مَن لا يذكر: فكانوا لا يقرأون البسملة، ومنهم
من قال: فكانوا لا يجهرون بها، وقال كثير منهم: وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد
لله رب العالمين، وقال بعضهم: كانوا يجهرون بالبسملة، وقال بعضهم كانوا
يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم.
قال: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة للذي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
ولا للذي لا يقرأها، لكنه قال في كتاب ((الإنصاف)) (١) بعد أن رواه من رواية
أيوب وشعبة وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة وأبي
عوانة: فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب
سقوط بسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب. انتهى.
(١) هكذا في ع، وفي خط: ((الانتصاف)).
٢٠٨
النوع الثامن عشر
فكيف يقول ابن الجوزي: إن الأئمة اتفقوا على صحته؟.
وحينئذ فلا بد من بيان علل الرواية التي فيها نفي البسملة، وقد ذُكِرَ تركها في
حديث أنس من ثلاثة طرقٍ وهي: رواية حميد عن أنس، ورواية قتادة عن أنس،
ورواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس.
فأما رواية حميد؛ فقد تقدَّم أنّ مالكًا رواها في ((الموطأ)) عنه، وأنَّ الشافعي
تكلّم فيها لمخالفة سبعة أو ثمانية من شيوخه لمالك في ذلك.
وأيضًا فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب ((الإنصاف)) ما يقتضي انقطاعه بين حميد
وأنس، فقال: ويقولون إن أكثر رواية حميد عن أنس أنه سمعها من قتادة وثابت
عن أنس .
وقد ورد التصريح بذكر قتادة بينهما فيما رواه ابن أبي عدي عن حميد عن
قتادة عن أنس، فآلَتْ رواية حميد إلى رواية قتادة.
وأما رواية قتادة؛ فرواها مسلم في ((صحيحه)) من رواية الوليد بن مسلم حدثنا
الأوزاعي عن قتادة أنه كتبَ إليه يخبره عن أنس أنه حدثه قال: ((صليت خلف
النبي ◌َّله وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا
يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)).
فقد بيَّن الأوزاعي في روايته أنه لم يسمعه من قتادة وإنما كتب إليه به، وفي
الكتابة ما فيها، وعلى تقدير صحتها فأصحاب قتادة الذين سمعوا منه: أيوب وأبو
عوانة وغيرهما لم يتعرَّضوا لنفي البسملة.
وأيضًا؛ ففي طريق مسلم: الوليد بن مسلم وهو مدلّس وإن كان قد صرَّح
بسماعه من الأوزاعي فإنه يدلّس تدليس التسوية، أي: يسقط شيخ شيخه الضعيف
کما تقدّم نقله عنه.
نعم؛ لمسلم من رواية شعبة عن قتادة عن أنس: ((فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم
الله الرحمن الرحيم)) ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع، بخلاف الرواية المتقدمة.
وأما رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فهي عند مسلم أيضًا، ولم يسق
لفظها، وإنما ذكرها بعد رواية الأوزاعي عن قتادة عن أنس .
١
٢٠٩
معرفة الحديث المعلل
فقال: حدثنا محمد بن مِهْرَان ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أخبرني إسحاق
بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، فاقتضى إيراد مسلم
لهذه الرواية أن لفظها مثل الرواية التي قبلها، وليس كذلك فقد رواها ابن عبد البر
في ((الإنصاف)) من رواية محمد بن كثير قال: حدثنا الأوزاعي، فذكرها بلفظ:
((كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)) ليس فيها تعرَّض لنفي البسملة،
موافقًا لرواية الأكثرين، وهذا موافق لما تقدَّم عن البيهقي من أنَّ رواية إسحاق بن
عبد الله عن أنس لهذا الحديث كرواية أكثر أصحاب قتادة أنه ليس فيها تعرُّض
لنفي البسملة .
فقد اتّفق ابن عبد البر والبيهقي على مخالفة رواية إسحاق للرواية التي فيها نفي
البسملة، وعلى هذا فما فعله مسلم رحمه الله هنا ليس بجيد لأنه أحال بحديث
على آخر وهو مخالف له (بلفظه)(١) فذكر ذلك لم يقل: نحو ذلك ولا غيره.
فإن كانت الرواية التي وقعت لمسلم لفظها كالتي قبلها التي أحال عليها فترجح
رواية ابن عبد البر عليها لأن رواية مسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي
معنعنًا ورواية ابن عبد البر من طريق محمد بن كثير ثنا الأوزاعي، وصرَّح بلفظ
الرواية فهي أولى بالصحة ممّن أبهم اللفظ، وفي طريقه مدلّس عَنْعَنَهُ.
واعترض ابن عبد البر في ((الإنصاف)) على قوله: إنه ثبت عن أنس أنه سُئل
عن الافتتاح بالتسمية؛ فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا؛ فقال: من حفظه عنه حجة
على من سأله في حال نسيانه.
وأجاب أبو شامة بأنهما مسألتان، فسؤال أبي مَسْلمة عن البسملة وتركها،
وسؤال قتادة عن الاستفتاح بأي سورة.
وفي ((صحيح مسلم)) أن قتادة قال: نحن سأَلْناهُ عنه، أي عن البسملة وتركها،
ولوتمسكنا بما اعترض به ابن عبد البر من أن (من)(٢) حفظه عنه حجة على من سأله
في حال نسيانه؛ لقلنا: قد حفظ عن قتادة وَصْفُه لقراءة رسول الله وَّلَه؛ كما رواه
(١) هكذا في خط، ووقع في ع: ((بلفظ)) بدون الهاء.
(٢) هكذا في ع، وليست في خط.
٢١٠
=
النوع الثامن عشر
البخاري من طريقين عن قتادة عن أنس قال: سُئل أنس كيف كانت قراءة رسول
الله وَّة؟ قال: ((كانت مَدًا ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد (بسم الله) ويمد
(الرحمن) ويمد (الرحيم).
قال الدارقطني: حديث صحيح رجاله ثقات.
وقال الحازميّ: صحيح لا يُعرف له عّة.
وفيه دلالة على الجهر مطلقًا، وإن لم يقيد بحالة الصلاة فيتناول الصلاة وغيرها .
قال أبو شامة: ولو كانت قراءته وَ له تختلف بالصلاة وخارجها كان أنس يقول لمن
سأله: عن أيّ قراءتَيْه تسأل؟ التي في الصلاة أم التي خارجها؟ لكنه لمَّا أجاب مطلقًا
عُلِمَ أنّ الحال لم يختلف في ذلك، حيث أجاب بالبسملة دون غيرها من الآيات.
قال: ولنا أن نقول: الظاهر أن السؤال كان عن الصلاة، فإنّ الراوي قتادة وهو
راوي حديث أنس، وقال فيه: نحن سألْناهُ عنه.
واعترض ابن الجوزي في ((التحقيق))؛ بأن حديث أبي مَسْلمة(١) ليس في
الصحاح فلا يعارض بما فيها، فإن الأئمة اتفقوا على صحة حديث أنس.
وجوابه: أن الشافعي والدارقطني والبيهقي لا يقولون بصحة حديث أنس الذي
فيه نفي البسملة فلا يصح نقل الاتّفاق عليه.
وأيضًا: فلا يلزم من كونه ليس في واحد من الصحيحين أن يكون غير
صحیح، لأنهما لم يستوعبا إخراج كل صحيح.
مع أن حديث أبي مسلمة خرّجه من التزمَ الصحة، خرّجه ابن خزيمة في
((صحيحه)) من رواية أبي مسلمة: سعيد بن يزيد قال: ((سألت أنس بن مالك:
أكان رسول الله وَل يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟
فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك)).
قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح.
وقال البيهقي في ((المعرفة)»: فيه دلالة على ما قاله الشافعي.
فإن أرادَ ابن الجوزي أنَّ ما في الصحيحين مقدَّم على ما في غيرهما عند
(١) من ((التهذيب))، وفي خط: ((سلمة)).
١
١
٢١١
معرفة الحديث المعلل
التعارض؛ فجوابه: أن ذلك إذا لم يمكن الجمع، فإن أمكن الجمع؛ فالعمل بهما
أَوْلى، وهنا قد حمل بعض الحفاظ حديث الصحيحين على أن المراد به ابتداء
الفاتحة لا نفي البسملة، وحمل هذا على نفيها فلا تعارض.
وأيضًا: إنما يرجح بما في أحد ((الصحيحين)) على غيرهما إذا كان ما في
أحدهما لم يضعّف وهنا قد ضعّف حديث أنس بعدم الاتّصال، فإنّ قتادة كتب به
إلى الأوزاعي، وأعلّه الشافعي بخطأ الراوي في فهمه، وأعلَّه ابن عبد البر
بالاضطراب، وقد تقدّم جميع ذلك.
وقوله: ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة؛ أشار به إلى أبي يعلى الخليلي فإنه قال
في كتاب ((الإرشاد)): الأحاديث على أقسام كثيرة؛ صحيح متفق عليه، وصحيح
معلول، وصحيح مختلف فيه.
ثم مثّل الصحيح المعلّ بحديث رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام
عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَّل قال:
«للمملوك طعامه وشرابه)).
وقد رواه أصحاب مالك كلهم في ((الموطأ)) عن مالك قال: بلغنا عن أبي هريرة.
قال الخليلي: فقد صار الحديث بتبيّن الإسناد صحيحاً يعتمد عليه، وهذا من
الصحيح المبيّن بحجة ظهرت .
قال: وكان مالك يرسل أحاديث لا يبيّن إسنادها وإذا استقصى عليه من
يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد.
٢١٢
النوع التاسع عشر
معرفة المضطرب من الحديث
(هو)(١) الذي تَختلفُ الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وجهِ، وبعضُهم على
وجه آخرَ مخالف له.
وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجَّحتْ إحداهما بحيث لا
تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحْفَظَ أو أكثرَ صحبةً للمرويِّ عنه، أو غير ذلك
من وجوه الترجيحات المعتمَدة، فالحُكُمُ للراجَحة، ولا يُطلَقُ عليه حينئذ وصف
المضطرب، ولا له حُكْمُه.
ثم قد يقع الاضطراب في مَتْنِ الحديث، وقد يقع في الإسناد؛ وقد يقع ذلك من
راو واحد، وقد يقع بين رواة له جماعة.
والاضطرابُ يوجبُ ضعَفَ الحديث، لإشعاره بأنه لم يُضْبَط.
ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن
حريث، عن جَدِّه حريث، عن أبي هريرةَ، عن رسول اللهِوَّ في المُصَلَّى: ((إذا لم
يجد عصا ينصبها بين يديه، فَلْيَخُطْ خَطًا)).
فرواه ((بشرُ بنُ المفضَّل، وروحُ بنُ القاسم)) عن إسماعيلَ، هكذا.
ورواه (سفيان الثوري)) عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه «حميد بن الأسود)) عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن
سليم عن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه «وهيبٌ، وعبدُ الوارث)) عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث، عن
جدِّ حريث. وقال ((عبدُ الرزاق)) عن ابنِ جَرَيَج: سمع إسماعيل، عن حريث بن
(١) في ش وع: (( .. المضطرب من الحديث هو .. )).
٢١٣
= معرفة المضطرب من الحديث
عمار عن أبي هريرة. وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه. انتهى.
(واعتُرضَ عليه)؛ بأنه قال: إذا ترجّحت إحدى الرّوايتين على الأخرى فإنه
يُعمل بها وَلا يُسمى مضطربًا، وهنا ترجَّحت رواية سفيان لأنه أحفظ ممن ذكر،
وأيضًا: فإن الحاكم وغيره صحَّحَ الحديث.
والجواب: وإن كان سفيان أحفظ إلا أنه تفرَّد بقوله ((أبي عمرو بن حريث عن
أبيه)) وأكثر الرواة يقولون: ((عن جدّه))، وهم: بشر بن المفضل وروح بن القاسم
ووهيب بن خالد وعبد الوارث بن سعيد وهم من أئمة البصريين وثقاتهم،
ووافقهم على ذلك (من)(١) حفاظ الكوفيين: سفيان بن عيينة فيرجح قولهم
للكثرة، ولأن إسماعيل بن أمية مكي وابن عيينة مكي أقام بمكة .
وخالف الكل: ابن جريج، وهو مكي أيضًا ومولى آل خالد بن سعيد الأموي،
وإسماعيل بن أمية هو ابن عَمْرو بن سعيد الأموي المذكور، فيقتضي ذلك ترجيح
روايته، فتعارضت الوجوه المقتضية للترجيح.
وانضمّ إلى ذلك: جهالة راوي الحديث، وهو شيخ إسماعيل بن أمية، فإنه لم
يرو عنه غيره مع هذا الخلاف في اسمه واسم أبيه وهل يرويه عن أبيه أو عن جدّه
أو هو نفسه عن أبي هريرة.
وقال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجيء إلا من
هذا الوجه، حكاه أبو داود عنه، وضعَّفه أيضًا: الشافعي والبيهقي، وضَعْفُهُ أَوْلى
من تصحيح الحاكم له لاضطرابه وجهالة راويه.
قال النووي في ((الخلاصة)): ضعَّفه الحفاظ لاضطرابه.
وقوله في رواية حميد بن الأسود: ((عن أبيه))؛ فيه نظر، والذي قاله حميد:
((عن جدّه)) كما رواه ابن ماجة قال: ثنا بكر بن خلف أبو بشر ثنا حميد بن
الأسودح، وحدثنا عمار بن خالد ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن
أبي عمرو (بن)(٢) محمد بن عمرو بن حريث عن جده حُرَيَث بن سليم عن
(١) من ع، وهو في خط ملحق، لكن وضع الناسخ علامة الإلحاق بين ((على)) و((ذلك)) ..
(٢) هكذا في ع، و((سنن ابن ماجه)) (٩٤٣)، وليست في خط، وراجع لهذا الحديث: ((تحفة الأشراف)) (٩)
٣١٤ - ٣١٥).
٢١٤
=
النوع التاسع عشر
أبي هريرة .. فذكره.
ولكن المصنّف اعتمد على رواية البيهقي ففيها: ((عن أبيه)) فيحتمل أن يكون قد
اختلف فيه على حميد في قوله: ((عن أبيه)) أو ((عن جده)) أو يكون ابن ماجه
حمل رواية حميد على رواية سفيان ولم يبيّن الاختلاف بينهما .
على أنه قد اختُلِفَ فيه أيضًا على سفيان كما سيأتي.
قوله: وفيه من الاضطراب أكثر؛ ولم يبيّنه، فمن ذلك ما رواه أيضًا عن
إسماعيل بن أمية سفيان بن عيينة فاختلف عليه فيه، فرواه محمد بن (سلام)(١)
البيكندي عن سفيان بن عيينة كرواية بِشْر، وروح المتقدّمة .
وهكذا رواه علي بن المديني عنه، فيما رواه البخاري عنه في غير الصحيح.
ورواه مسدّد عن سفيان كرواية سفيان الثوري المتقدّمة.
ورواه الشافعي والحميدي عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو
ابن حريث عن جده حريث (العُذْري)(٢).
ورواه عمار بن خالد عن ابن عيينة فقال: عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو
بن حريث بن سليم، رواه ابن ماجه عن عمار، وقد تقدم.
واختُلفَ فيه أيضًا على عليّ بن المديني؛ فرواه البخاري في غير الصحيح عنه
عن ابن عيينة كما تقدم.
ورواه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس عن ابن المديني عن ابن عيينة عن
إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث، رجل من بني
(١) كتب عليها في خط: ((خف)) إشارة إلى تخفيف اللام في (سلام)، وراجع «تلخيص المتشابه)) (١/ ١٢٧)
و ((الإكمال)) لابن ماكولا (٤/ ٤٠٥)، وترجمة البيكندي من ((الجرح)) و((التهذيب)) وغيرهما، وأيضًا: ((فتح
الباري شرح صحيح البخاري)) لابن رجب الحنبلي رحمه الله (٣٤٧/ ط: الغرباء).
(٢) هكذا في ترجمة ((أبي عمرو بن محمد بن حريث)) أو ((أبي محمد بن عمرو بن حريث))، و((المعرفة))
للبيهقي (٣/ ١٩١) (٤٢٢٦ - ط: قلعجي)، وغير ذلك، وفي خط: ((العبدري)).
٢١٥
= معرفة المضطرب من الحديث
عذرة، ورواه أيضًا دواد بن (عُلْبَة)(١) عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن
محمد عن جده حریث بن سليمان.
قال أبو زرعة الدمشقي: لا نعلم أحدًا بيَّنْه ونسبه غير (دواد بن علبة)(١).
ورُدَّ بأنّ ابن عيينة نسبه أيضًا في رواية ابن ماجه إلا أنه قال: ((ابن سُليم)) كما
تقدم .
(ولم يمثّل المصنّف الاضطراب في المتن)، ومثاله: حديث فاطمة بنت قيس
قالت: سألتُ - أو سُئل - النبيِ وَّجله عن الزكاة؟ فقال: ((إنّ في المال لحقًا سوى
الزكاة)) .
وهذا حديث قد اضطرب لفظه ومعناه، فرواه الترمذي هكذا من رواية شريك
عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة.
ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) وهذا
احتمال لا يقبل التأويل.
وقول البيهقي: إنه لا يحفظ لهذا اللفظ الثاني إسناد؛ معارَض بما رواه ابن
ماجه هكذا.
(١) هكذا في ع، و ((التهذيب))، وفي خط: ((ذُوَّاد بن عُلَيَة)).
٢١٦
النوع العشرون
معرفة المدرج في الحديث
وهو أقسام: منها ما أُدْرِج في حديث رسول الله ێژ من كلام بعض رواته، بأن
يذكر الصحابيّ أو مَنْ بَعْدَه، (عَقيب)(١) ما يَرويه من الحديثَ: كلامًا من عند
نفسه، فیرویه من بعده موصولاً بالحدیث غیرَ فاصل بينهما بذکر قائله، فیلتبس
الأمرُ فيه على من لا يعلم حقيقةَ الحال، ويتوهم أن الجَمِّيعَ عن رسول الله ◌َيٍِّ.
ومن أمثلته المشهورة: ما رويناه في التشهَّد عن أبي خيثمةَ زهير بن معاوية عن
الحسن بن الحُرِّ، عن القاسم بن مُخَيْمرةَ، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أن
رسول الله وٌَّ علَّمَهُ التشهدَّ في الصلاة فقال: ((قل: التحياتُ لله)) - فذكر التشهدَ،
وفي آخره: ((أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)) ((فإذا قلت هذا
فقد قضيتَ صلاتَك، إن شئت أن تقُومَ فقُم، وإن شئت أن تَقْعُدَ فَاقْعُدْ)).
هكذا رواه أبو خيثمةَ عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله: «فإذا قلت
هذا)) إلى آخره، وإنما هذا من كلام ((ابن مسعود)) لا من كلام رسولَ الله وَالت . .
ومن الدليل عليه: أن الثقةَ الزاهدَ ((عبد الرحمن بنَ ثابت بن ثَوْبانَ)) رواه عن
(روايه)(٢) ((الحسن بن الحر)) (على ترك)(٣) ذكر هذا الكلام في آخرِ الحديث، مع
اتفاق كلٌّ مَنْ روَى التَشَهدَ عن ((علقمةَ)) وعن غَيْره، عن ((ابن مسعود)) على ذلك.
(١) هكذا في خط وع، وهو الذي في أصول ((المقدمة))، وكتب على هامش بعض نسخ المقدمة: ((صوابه: عَقِب)).
(٢) من بعض نسخ ((المقدمة))، وفي خط وع وبعض نسخ ((المقدمة)): ((روايج)).
وراجع: ((علل الدارقطني)) (١٢٧/٥ - ١٢٨) (رقم / ٧٦٦) ..
(٣) هكذا في خط، وفي ش وع (( .. الحسن بن الحر كذلك، واتّفق (حسين الجعفي، وابن عجلان)
وغيرهما في روايتهم عن (الحسن بن الحر) على ترك ... )).
٢١٧
معرفة المدرج في الحديث
=
ورواه ((شَبابة)) عن أبي خيثمة، فَفَصَلَه أيضًا.
ومن أقسام المدرَج: أن يكونَ متنُ الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفًا منه،
فإنه عنده بإسناد ثان، فيدرجه مَن رواه عنه على الإسناد الأول، ويَحذف الإسنادَ
الثاني، ویروی جمیعَه بالإسناد الأول.
مثالُه: حديثُ ابن عيينة، وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن کلیب، عن أبيه، عن
وائل بن حُجْر، في صفة صلاة رسول الله وَلي، وفي آخره: ((أنه جاء في الشتاء
فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب)).
والصوابُ روايةٌ مَن رَوَى عن ((عاصم بن كليب)) بهذا الإسناد صفةَ الصلاة
خاصة، وفصَلَ ذكرَ رفع الأيدي عنه، فرواه عن عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن
بعض أهلهِ عن وائل بن حجر.
ومنها، أن يُدْرَجَ (في حديث)(١) بعضُ متن حديث آخرَ مخالف للأول في الإسناد.
مثالُهُ: روايةُ سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله
وَّه قال: ((لا تَبَاغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا ... )) الحديث.
فقوله: ((لا تنافسوا)) أَدْرَجَهُ ((ابنُ أبي مريم)) من مَتْن حديث آخر، رواه مالكٌ،
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فيه: ((لا تَجَسَّسُواً ولا تَحَسّسوا، ولا
تنافسوا ولا تحاسدوا».
ومنها: أن يَرْوي الراوي حديثًا عن جماعة بينهم اختلافٌ في إسناده، فلا يَذكر
الاختلافَ، بل يُدرِجَ روايتَهم على الاتفاق.
مثالُه: روايةُ عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن الثوري، عن
منصور والأعمشَ وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شَرحبيل، عن
ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ ... )) الحديث.
وواصلٌ إنما رواه عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عمرو بن شَرَحبيل
١
بینھما.
واعلمْ أنه لا يجوزُ تعمّدُ شيءٍ من الإدراجِ المذكور.
(١) في ش وع: ((في متن حدیث)).
٢١٨
النوع العشرون
وهذا النوع قد صَنَّفَ فيه ((الخطيبُ أبو بكر)) كتابه الموسوم (بالفَصل للوصلِ
المُدَرَج في النقل) فشَفَی و کفی. انتهى.
الحديث الأول: رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال:
حدثنا زهير، قال: (حدثه)(١) الحسن بن الحر، عن (القاسم بن مُخَيْمرة)(٢)، قال:
(أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده)(٣)، وإن رسول الله
وَاللّ أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمنا التشهّد في الصلاة قال: فذكر مثل حديث
الأعمش: ((إذا قلت هذا، أو قضيت هذا؟ فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم
فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)).
وَصَلَهُ زهيرٌ بالحديث المرفوع، والصواب أنه مدرج وأنه من كلام ابن مسعود،
كذا قال الحاكم والبيهقي.
وقال النووي في ((الخلاصة)): اتَّفق الحفاظ على أنها مدرجة.
وقد اختُلف على زهير فيه، فرواه النفيلي وأبو النضر هاشم بن القاسم وموسى
بن داود الضبي وأحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي وعلي بن الجعد ويحيى بن
يحيى النيسابوري وعاصم بن علي وأبو داود الطيالسي ويحيى بن أبي بكير
الكرماني ومالك بن إسماعيل النهدي عنه هكذا مدرجاً .
ورواه شبابة بن سوار عنه فَفَصَلَهُ وبَيَّن أنه من قول عبد الله، فقال: قال عبد
الله: ((فإذا قلتَ ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم،
وإن شئت أن تقعد فاقعد)) رواه الدارقطني، وقال: شبابة ثقة وقد فصلَ آخر
الحديث جَعَلَهُ من قول ابن مسعود وهو أصح من رواية من أدرجَ آخره وقوله أشبه
بالصواب.
(١) كذا في خط، وفي ((سنن أبي داود)) (٩٧٠): ((ثنا»، والمصنِّف - الأبناسي - رحمه الله يزيد في الإسناد
لفظ: ((قال)) قبل أداة التحديث.
(٢) من ((السنن)) و((تحفة الأشراف)) (٧/ ١١٥)، وفي خط: ((القاسم عن مخيمر)).
(٣) هكذا في ((السُّنَن))، وفي خط: (( .. أخذ علقمة بيدي محمد بن عبد الله بن مسعود وأخذ بيده وأن
رسول الله {وَ لا أخذ بيد عبد الله بن مسعود ... )).
٢١٩
معرفة المدرج في الحديث
=
(واعتُرضَ على قوله): عقيب ما يرويه من الحديث، مع أنّ المدرج قد يكون
عقبه كما مثّل، وهو الأكثر، وقد يكون في أوله، وقد يكون في وسطه.
(فمثال)(١) ما وصل بأوله وهو مدرج ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن
وشبابة - فرّقهما - عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله وَيقول: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)).
فقوله: ((أسبغوا الوضوء)) من قول أبي هريرة، وُصل بالحديث في أوله، كذلك
رواه البخاري في ((صحيحه)) عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد
عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم وَخلّ قال: ((ويل للأعقاب من
النار)).
قال الخطيب: وهم أبو قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا
الحديث عن شعبة على ما سقناه، وذلك أن قوله: ((أسبغوا الوضوء))، كلام
أبي هريرة، وقوله: ((ويل للأعقاب من النار)) كلام النبي وَل.
وقد رواه أبو داود الطيالسي (ووهب)(٢) بن جرير وآدم بن أبي إياس وعاصم
بن علي وعلي بن الجعد وغندر وهشيم ويزيد بن زريع والنضر بن شميل ووكيع
وعيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة وجعلوا الكلام الأول من قول
أبي هريرة، والكلام الثاني مرفوعًا.
وفي رواية الطيالسي وأحمد والنسائي: ((ويل للعقب من النار)).
ومثال المدرج في وسط الحديث: ما رواه الدارقطني في ((سننه)) من رواية عبد
الحميد ابن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بُسْرَة بنت صفوان قالت:
سمعت رسول الله وَّله يقول: ((من مسّ ذكره أو أنثييه أو (رفعه)(٣) فليتوضّاً)).
(١) هكذا في ع، وفي خط: ((فقال)).
(٢) في خط: ((ووهَيْب)) مصغّرًا، وفي ع: ((وذهب)).
(٣) هكذا في خط بالإفراد، وفي سنن الدارقطني (١٠ / ١٤٨): ((رفغيه)) بالتثنية.
٢٢٠
النوع العشرون
قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام ووهم في ذكر (الأنثيين
والرفغ)(١) وإدراجه ذلك في حديث بُسْرة، قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة
غير مرفوع (و) كذلك رواه الثقات عن هشام منهم: أيوب السّختياني وحماد بن
زید وغيرهما .
ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: ((من مسَّ ذكره فليتوضّا)).
قال: وكان عروة يقول: ((إذا مسَّ رفغيه أو أُنثييه أو ذكره فليتوضأ)).
وقال الخطيب: عبد الحميد تفرّد بذكر ((الأنثيين والرفغين))، وليس من كلام
رسول الله وَّة، وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث،
وقد بيَّن ذلك حماد وأيوب.
مع أنّ عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في ((الكبير)) من رواية أبي كامل
الجحدري ولفظه: ((إذا مسّ أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفعه فليتوضأ)).
ورواه الدارقطني أيضًا من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه
((الرفغ)) .
وضعّف ابن دقيق العيد حكم الإدراج في نحو هذا فقال في ((الاقتراح)): ((ومما
يضعف فيه أن يكون مدرجًا ولا سيما إن كان مقدمًا على اللفظ المروي أو معطوفًا
عليه كما لو قال: ((من مسّ أنثييه أو ذكره فليتوضّا)) بتقديم ((الأنثيين)) على
(الذّكر))، فها هنا ضعف الإدراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة بالعامل الذي هو
من لفظ ((الرسول وَالآ)).
مع أن جميع طرقه ليس في شيء منها تقديم ((الأنثيين)) على ((الذكر)) وإنما ذكره
مثالاً .
قوله: مثاله؛ حديث ابن عيينة، الحديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك -
(١) هكذا في خط وسنن الدارقطني، وفي ع: ((الأنثيين والرفغين)) بالتثنية في كليهما.