النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
- معرفة الشاذ
نَھی عن بیع الولاء وهبته؛ تفرد به «عبد الله بن دینار».
وحديثُ: مالك عن الزهري عن أنس ((أن النبي وَلّ دخل مكة وعلى رأسه
المغفرُ))؛ تفرد به مالكٌ عن الزهري.
فكل هذه مُخرجَة في (الصحيحين)) مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقَةٌ.
وفي غرائب الصحيح أشباهٌ لذلك غيرُ قليلة.
وقد قال ((مسلمٌ): للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي ◌َّ لا يشاركه
(فيه)(١) أحدٌ، بأسانيدَ جياد(٢).
فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يُبيِّنُ لك أنه ليس الأمر في
ذلك على الإطلاق الذي أتى به ((الخليلي، والحاكم))؛ بل الأمر في ذلك على
تفصیل نبيِّته فنقول:
إذا انفرد الراوي بشيء، نُظْرَ فيه: فإن كان ما انفردَ به مخالفًا لما رواه مَنْ هو
أولى منه بالحفظ لذلك وأضبطُ، كان ما انفردَ به شاذًا مردودًا؛ وإن لم يكن فيه
مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فيُنْظَر في هذا الراوي
المنفرد: فإن كان عدلاً حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه؛ قُبلَ ما انفرد به ولم يقدح
الانفراد فيه، (كما سبق)(٣) وإن لم يكن ممن يوثَق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد
به؛ كان انفراده به خارمًا له مُزَحزحًا له عن حیز الصحیح.
ثم هو (مع) (٤) ذلك دائر بين مراتبَ متفاوتة بحسْب الحال فيه: فإن كان المنفرد
به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تَفردُه، استحسنًا حديثه ذلك، ولم
نحطّه إلى قبّيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيداً من ذلك، رَدَدْنَا ما انفردَ به، وكان
من قبيلِ الشاذ المنكر.
فخرج من ذلك أن الشاذ المردودَ قسمان:
(١) هكذا في خط و((صحيح مسلم))، وفي ش وع: ((فيها)).
(٢) راجع: صحيح مسلم (١٦٤٧).
(٣) هكذا في خط، وفي ش وع: «كما فيما سبق من الأمثلة)).
(٤) في ش وع: ((بعد)).

١٨٢
النوع الثالث عشر =
أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في (رواته) (١) من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه
التفرد والشذوذُ من النكارة والضعف. انتهى.
اعتُرِضَ عليه بأمرين؛ أحدهما: أنَّ الخليلي والحاكم إنما ذكرا تفرّد الثقة فلا يَرِد
عليهما تفرّد الحافظ لما بينهما من التفاوت.
الثاني: أنَّ حديث ((النية)) لم ينفرد به عُمر، بل رواه أبو سعيد الخدري وغيره
عن النبي وَّ فيما ذكره الدارقطني وغيره.
والجواب عن الأول: أن الخليلي والحاكم ذكرا تفرّد مطلق الثقة فيدخل فيه الثقة
الحافظ وغيره.
ءِ
وعن الثاني: أنه لم يصحّ من حديث أبي سعيد ولا غيره سوى عُمر، وقد
أشار المصنف إلى أنه قد قيل: إن له غير طريق عُمر بقوله: على ما هو الصحيح،
فلم يبق للاعتراض وجه.
ثم إن حديث أبي سعيد الذي ذكره هذا المعترض صرَّحوا بتغليط (ابن أبي
روّاد)(٢) الذي رواه عن مالك، ومَّن وهَّمَهُ في ذلك الدارقطني وغيره.
وأيضًا: فما الحكمة في اعتراضه بحديث عمر، دون الحديث الذي بعده؟،
وهو حديث عبد الله بن دينار عن ابن عُمر في ((النهي عن بيع الولاء وهبته))؟
ومما يُستغرب: ما حكاه عبد الرحمن بن مندة: أن حديث ((الأعمال بالنيات))
رواه سبعة عشر من الصحابة، وأنه رواه عن عُمر غير علقمة، وعن علقمة غير
محمد بن إبراهيم، وعن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد.
وسُئل الحافظ أبو الحجاج المزِّي عن كلام ابن مندة؟ فأنكره واستبعده، وهو
معذور، فإن أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الكتاب إنما لهم أحاديث أخرى
في مطلق ((النية))(٣)، كحديث: ((يُبعثون على نياتهم))، وكحديث: ((ليس له من
(١) في ش وع: ((راويه)) بتقديم الألف على الواو.
(٢) في ع: ((ابن أبي داود)).
(٣) وقع في ع: ((التية)) بمثناة فليصلح.
١

١٨٣
معرفة الشاذ
=
غزاته إلاَّ ما نوى))، ونحو ذلك.
وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لا يريد
ذلك الحديث المعيّن، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، فإن
كان حديثًا آخر غير الذي يرويه في أول الباب؛ فهو عمل صحيح، إلاَّ أن كثيراً
من الناس يفهمون من ذلك أنَّ مَن سمَّى من الصحابة يروون ذلك الحديث الذي
رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر كذلك، بل قد يكون كذلك، وقد يكون
حديثًا آخر يصح إيراده في ذلك الباب، وقد تتبّعْتُ الأحاديث التي ذكرها ابن مندة
(فلم يوجد)(١) منها بلفظ حديث عُمر، أو قريبًا من لفظه بمعناه، إلاَّ (حديث)(٢)
لأبي سعيد الخدري، وحديث(٢) لأبي هريرة، و(حديث)(٢) لأنس بن مالك،
وحديث)(٢) لعلي بن أبي طالب، وكلها ضعيفة.
ولهذا قال الحافظ أبو بكر البزار: لا يصح عن النبي ◌َّ إلا من حديث عُمر،
ولا عن عمر إلاَّ من حديث علقمة ولا عن علقمة إلا من حديث محمد بن
إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من حديث يحيى بن سعيد، وسيأتي في
(النوع الحادي والثلاثين)) .
قوله: وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عُمر أن
النبي وَ ل ((نهى عن بيع الولاء وهبته)) تفرّد به عبد الله بن دينار.
وحديث أنه عليه السلام ((دخل مكة وعلى رأسه المغفر)) تفرد به مالك عن الزهري.
أما حديث: ((النهي عن بيع الولاء))؛ فقد روي من غير حديث عبد الله بن دينار؛
رواه الترمذي في كتاب (العلل المفردة)) قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي
الشوارب ثنا يحيى بن سليم عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عُمر، فذكره.
ثم قال: والصحيح عن عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار قد تفرَّد بهذا
الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه، (وقال الترمذي:
وهم)(٣) انتهى.
(١) في ع: ((فلم أجد)).
(٢) في خط في أربعتهم: ((حديث)) وفي ع: ((حديثًا)).
(٣) في ع: ((وقال الترمذي أيضًا في (الجامع) أن يحيى بن سليم وهم في هذا الحديث ..... )).

١٨٤
النوع الثالث عشر =
وقد ورد أيضًا من غير رواية يحيى عن نافع؛ رواه ابن عدي في ((الكامل))
فقال: حدثنا عصمة بن (بجماك) (١) البخاري قال (ثنا إبراهيم بن فهد بن
حكيم)(٢) وقال: لم أسمعه إلا من عصمة عنه، ثم قال: وسائر أحاديث إبراهيم
بن فهد مناكير وهو مظلم الأمر، وحكى أن ابن صاعد كان إذا حدث عنه يقول:
حدثنا إبراهيم بن حكيم، ينسبه إلى جدّه لضعفه.
والجواب عن المصنف: أنه لا يصح أيضًا، إلاّ من رواية عبد الله بن دينار.
وأما حديث ((المغفر)) فقد ورد من عدة طرق غير طريق مالك؛ من رواية ابن
أخي الزهري، وأبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر، ومعمر والأوزاعي
كلهم عن الزهري.
فأما رواية ابن أخي الزهري عنه: فرواها أبو بكر البزار.
وأما رواية أبي أويس: فرواها ابن سعد في ((الطبقات)) وابن عدي في ((الكامل)).
وأما رواية معمر: فذكرها ابن عدي في ((الكامل)) أيضًا.
وأما رواية الأوزاعي: فذكرها المزّي في الأطراف.
وروى ابن مَسْدي في ((معجم شيوخه)) أن أبا بكر ابن العربي قال لأبي جعفر
ابن المرخي حين ذكر أنه لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري؛ قد رويته من
ثلاثة عشر طريقًا غير طريق مالك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد، فوعدهم فلم
یخرج لهم شيئًا .
ثم تعقّب ابن مسدي هذه الحكاية (بأن)(٣) شيخه فيها وهو: أبو العباس
العشاب كان متعصبًا على ابن العربي لكونه كان متعصّبًا على ابن حزم.
(١) مترجم في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٦٢٠/١١ - ٦٢١ - المخطوط)، ووقع في نشرة (الكامل - ط:
أولى / دار الفكر): ((الجمال)) - كذا.
(٢) هكذا في خط، وفي ع: « ... حدثنا إبراهيم بن فهد حدثنا مسلم عن محمد بن دينار عن يونس يعني
ابن عبيد عن نافع عن ابن عمر .. فذكره؛ أورده في ترجمة إبراهيم بن فهد بن حكيم .... )).
(٣) هكذا في ع، وفي خط: (بأنه)) بإثبات الهاء في آخره.

١٨٥
النوع الرابع عشر (١)
معرفة المنكر من الحديث
بلغنا عن ((أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي)) أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل
ولا يُعرف متنه من غیر روايته؛ لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر.
فأطلَق ((البرديجي)) ذلك ولم يفصِّل.
وإطلاقُ الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ: موجود في كلام كثير
من أهل الحديث، والصوابُ فيه التفصيلُ الذي بيناه آنفًا في شرح الشاذ.
وعند هذا (نقول)(٢): المنكرُ ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ، فإنه بمعناه.
مثال الأول؛ وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: روايةٌ مالك عن الزهري عن علي
بن حسين عن عُمَرَ بن عثمان عن أسامة بن زيد، عن رسول الله و الار قال: ((لا
يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ)) فخالف ((مالك)) غيرَه من الثقات في قوله:
(عَمَرَ بن عثمان)) بضمِّ العين.
وذكر ((مسلم)) (٣) في كتاب ((التمييز)): أنَّ كل من رواه من أصحاب الزهري قال
فيه: (عمرو بن عثمان)) يعني: بفتح العين.
وذكر أن ((مالكًا)) كان يشير بيده إلى دار عُمر بن عثمان، كأنه علم أنهم
يخالفونه. وعَمرو وعُمر جميعًا: (ولد) (٤) عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن
(١) لم يصدِّر الأبناسي رحمه الله هذا النوع بقوله: ((قال)) كما هي العادة.
(٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((القول)).
(٣) في ش وع: (( .. مسلم صاحب الصحيح)).
(٤) هكذا في خط وع، وفي ش: ((ولدا» بألف التثنية.

١٨٦
النوع الرابع عشر =
((عمرو))، بفتح العين، وحكمَ ((مسلمٌ)) وغيره على ((مالك)) بالوهم فيه.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في (رواته)(١) من الثقة والإتقان ما يحتمل
معه (تفرد)(٢): ما رويناه من حديث أبي زُكَير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة، أن رسول الله وسلم قال: ((كلوا البلح بالتمر، فإن
الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديدَ بالخَلق)) تفرد
به «أبو زُکَیر)) وهو شيخٌ صالح أخرج عنه (مسلمٌ)) في كتابه، غير أنه لم يبلغ مبلغ
من يُحْتَمَلُ تفردُه. انتهى.
اعتُرضَ عليه؛ بكونه جعلَ حديث مالك منكرًا، وهو: ((لا يرث المسلم
الكافر))؛ لكونه رواه عن عُمر بن عثمان - بضم العين - وإنما رواه أصحاب الزهري
عن عَمْرو بن عثمان - بفتح العين.
/ والحديث صحيح الإسناد وليس بمنكر، لأن عُمر وعَمْرًا كلاهما ثقة، والمصنّف
قد أشار إلى نحو ذلك في ((النوع الثامن عشر)) أن من أمثلة ما وقعت العلة في
إسناده من غير قدح في متنه: ما رواه الثقة يعلى بن عُبيد عن سفيان الثوري عن
عَمْرو بن دينار عن ابن عُمر عن النبي ◌َّهِ قال: ((البيعان بالخيار)) الحديث، قال:
فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلّل غير صحيح، والمتن على كل
حالٍ صحيح، والعلة في قوله: عن عمرو بن دينار، وإنما هو: عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى وعدل
عن ((عبد الله بن دينار)) إلى ((عَمْرو بن دينار)) وكلاهما ثقة، فجعلَ الوهم في
الإسناد بذكر ثقة آخر لا يخرج المتن عن كونه صحيحًا فكذا يكون الحكم هنا.
مع أن مالكًا اختُلف عليه أيضًا في ((عَمْرُو)) و ((عُمَر))، فروى النسائي في
((مسنده)) من رواية عبد الله بن المبارك وزيد بن الحباب ومعاوية بن هشام، ثلاثتهم
عن مالك عن عَمْرو بن عثمان، كما رواه أصحاب الزهري بفتح العين، لكن قال
النسائي: الصواب من حديث مالك عن ((عُمر)) بضمها، قال: ولا نعلم أحدًا تابع
(١) في ش وع: ((راويه)) بالأفراد.
(٢) في ش وع: ((تفرده)) بالهاء في آخره.

١٨٧
= معرفة المنكر من الحديث
مالگًا على ذلك.
قال ابن عبد البر: إن يحيى بن بكير رواه عن مالك على (الشك)(١) فقال: عن
((عَمْرو بن عثمان)) أو ((عُمَرَ)) والثابت عن مالك: ((عُمر)) بضمها، وتابعه القعنبي
وأكثر الرواة .
وقد رواه: سفيان الثوري وشعبة عن عبد الله بن عيسى عن الزهري فخالفا
الفريقين جميعًا وأسقطا ذكْر (عَمْرو بن عثمان)) وجعلاه من رواية علي بن حسين
(عن)(٢) أسامة، والصواب رواية الجمهور.
وإذا لم يصح هذا المثال للمنكر فالمثال له: ما رواه أصحاب السّنَن الأربعة من
رواية همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: ((كان النبي وَّ إذا
دخل الخلاء وضع خاتمه)).
قال أبو داود: حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن
الزهري عن أنس: ((أن النبي وَلَّ اتَّخَذَ خاتمًا من وَرِق ثم ألقاه)).
قال: والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا هو.
وقال النسائي: حديث غير محفوظ.
وأما قول الترمذي: حديث حسن صحيح غريب؛ فإنه أجرى حكمه على ظاهر
الإسناد.
وقول أبي داود والنسائي: أولى بالصواب، إلاّ أنه (قد ورد من)(٣) غير رواية همام.
رواه الحاكم والبيهقي من رواية يحيى بن المتوكّل عن ابن (جريج وصححه) (٤)
الحاكم وضعفه البيهقي فقال: هذا شاهد ضعيف، وكأنَّ البيهقي ظنَّ أن يحيى بن
(١) من ع، وليست في خط.
(٢) هكذا في ع، وفي خط: ((بن)).
(٣) من ع، وعليها طمس في خط.
(٤) من ع، وعليها طمس في خط.

١٨٨
=
النوع الرابع عشر
المتوكل هو أبو عقيل صاحب (بُهَيَّة)(١)، أي الراوي عن بُهَيَّة، وهو ضعيف،
وليس هو به، وإنما هو باهلي يكنّى أبا بكرة ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقول ابن معين: لا أعرفه؛ لا يقدح فيه، فقد روى عنه نحو من عشرين
نفسًا، إلا أنه اشتهر (تفرد همام)(٢) به عن ابن جريج.
وقوله في أبي زُكَيْر شيخ صالح؛ تَعَ فيه أبا يعلى الخليلي في كتابه ((الإرشاد)) .
ر وقوله: أخرج عنه مسلم، وهو إنما أخرج عنه في المتابعات لا فيما يحتج به،
مع أنَّ الجماعة ضعَّفُوه، فروى إسحاق الكوسج عن يحيى بن معين أنه ضعَّفَه،
وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له
ابن عدي: أربعة أحاديث مناكير.
*
*
*
F
(١) الضبط من خط .
(٢) من ع، وفي خط: «تفرّدهما)).

١٨٩
النوع الخامس عشر
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
هذه أمورٌ يتداولونها في نظرهم في حال الحديث، هل تفرّد به راويه أو لا؟
وهل هو معروف أو لا؟.
ذكر ((أبو حاتم محمد بن حبَّان)) (١) أن طريق الاعتبار في الأخبار مثالُه: أن
يَروي ((حمادُ بن سلمة)) حديثًا لم يتابَع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة، عن النبي وَّةٍ، فيُنْظَر: هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين، فإن
وُجد، عُلمَ أن للخبر أصلاً يرجع إليه؛ وإن لم يوجد ذلك، فثقة غير ابن سيرين
رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ◌َّر.
فأي ذلك وُجدَ، يعلم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه، وإلا فلا.
قلت: (مثال)(٢) المتابعة: أن يَرويَ ذلك الحديثَ بعينه عن أيوب (غيرُ)(٣)
حماد، فهذه المتابعة التامة.
فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب، لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين، أو عن أبي
هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن (النبي) (٤) بَِّيةِ، فذلك قد يُطلَقَ عليه اسمُ المتابعة
أيضًا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسْب بُعْدها منها، ويجوز أن يُسَمى ذلك
بالشاهد أيضاً.
و
فإن لم يُرْوَ ذلك الحديثُ أصلاً من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رَويَ
حديثٌ آخر بمعناه، فذلك الشاهدُ من غير متابعة.
(١) زاد في ش وع: ((التميمي الحافظ رحمه الله)).
(٢) في ش وع: ((فمثال)) بالفاء.
(٣) هكذا في ش وع، وفي خط ((عن)).
(٤) في ش وع: ((رسول الله)).

١٩٠
النوع الخامس عشر
فإن لم يُرْوَ أيضًا بمعناه حديثٌ آخر، فقد تحقَّق فيه التفرد المطلق حينئذ، وينقسم
عند ذلك إلى مردود منگر وغير مردود کما سبق.
وإذا قالوا في مثل هذا: ((تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عن أبي هريرة ابن سيرين،
وتفرد به عن ابن سيرين أيوب، وتفرد به عن أيوبَ حماد بن سلمة)) كان في ذلك
إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه.
ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد، روايةٌ من لا يُحتَجّ بحديثه
وحدَه بل يكون معدودًا في الضعفاء.
وفي (كتابَيْ: البخاري ومسلم) جماعة من الضعفاء ذكرَاهُم في المتابعات
والشواهد، وليس كل ضعيف يصلحُ لذلك ولهذا يقول ((الدارقطني)) وغيره في
الضعفاء: فلانٌ يُعْتَبر به، وفلانَ لا يُعتبر به. وقد تقدم التنبيه على نحو ذلك.
مثالُ (المتابع) (١) والشاهد: روينا من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار
عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن النبي ◌َّ- قال: ((لو أخذوا إهابها فدبغوه
فانتفعوا به)).
ورواه ابن جُرَيَج عن عمرو عن عطاء ولم يَذْكُر فيه الدباغ. فذكر ((الحافظ
أحمد البيهقي)) لحديث ابن عيينة متابعًا وشاهدًا.
أما المتابع، فإن أسامة بن زيد تابعه عن عطاء.
وروى بإسناده عن أسامة عن عطاء عن ابن عباس، أن رسول الله وَل قال: ((ألا
نَزَعْتُم جلدها فدبغتموه فاستمتعتم به)»؟.
وأما الشاهد، فحديثُ عبد الرحمن بن (وَعْلَة)(٢) عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله وَلٌ: ((أيما إهاب دُبغَ فَقد طهر))(٣). انتهى.
(١) هكذا في خط وع، وفي ش: ((للمتابع)) .
(٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((وَهْلة)) بالهاء مكان المهملة وضبطها الناسخ - ضبط قلم - بفتح الواو
وسکون الهاء.
(٣) على حاشية خط: ((طهر بفتح الهاء وضمّها، وإِهاب بكسر الهمزة والفتح أفصح))- كذا وفي حاشية
المقدمة: ((قال المؤلف رحمه الله: طهر: بالفتح والضم في الهاء، والفتح أفصح. وإهاب بكسر الهمزة
وفتحها، والكسر أفصح)).

١٩١
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
مثال ما عدمت فيه المتابعات من هذا الوجه من وجه يثبت: ما رواه الترمذي
من رواية حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، أراد رفعه؛
((أحبب حبيبك هونًا ما)) الحديث.
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه. انتهى.
أي: من وجه يثبت، وقد رواه الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث، عن ابن
سيرين عن أبي هريرة.
قال ابن عدي في ((الكامل)): ولا أعلم أحدًا قال: ((عن ابن سيرين عن أبي
هريرة)) إلاَّ الحسن بن دينار.
ومن حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، رواه حماد بن سلمة.
ويرويه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن
الحميري عن عليِّ مرفوعًا. قال البخاري: الحسن بن أبي جعفر منكر الحديث.
(واعتُرِضَ) على تمثيله للمتابع (والشاهد)(١) بما رواه ابن عيينة عن عمرو بن
دينار، وبما رواه ابن جريج عنه، أي: عن عَمْرو، بأن رواية ابن جريج ليست
كرواية ابن عيينة، فإن ابن جريج جعلَه من مسند ميمونة من رواية ابن عباس، لا
من مسند ابن عباس.
وقد رواه مسلم على الوجهين معًا من طريق ابن عيينة فجعله من مسند ابن
عباس، ومن طريق ابن جريج فجعله من مسند ميمونة، وكلام المصنّف يوهم
اتّفاقهما في المسند، وأن الاختلاف الذي بينهما في ذكر الدّباغ.
(وإِذَا)(٢) لم يتفقا في المسند فيحتاج إلى مثال يتّفق الراويان له في مسند،
ويختلفان في ذكر الدباغ.
ومثاله: ما رواه البيهقي من رواية إبراهيم بن نافع الصايغ عن عَمْرو بن دينار
عن عطاء عن ابن عباس ولم يذكر الدّباغ.
(١) من ع، وفي خط: (المشاهد)).
(٢) هكذا في خط وفي ع ((إِذْ).

١٩٢
النوع السادس عشر
معرفة زيادات الثقات وحكمها
وذلك فنّ لطيف تُستحسنُ العنايةُ به. وقد كان ((أبو بكر بن زياد النيسابوري،
وأبو نُعَيْم الجرجاني، وأبو الوليد القرشي الأئمة مذكورين)): بمعرفة زيادات
الألفاظ الفقهية في الأحاديث.
ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فيما حكاه ((الخطيب أبو
بكر)) أنَّ الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرّد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن
رواه ناقصًا مرةً ورواه مرةً أُخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من
رواه ناقصًا، خلافًا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا، وخلافًا لمن رَدَّ الزيادةَ منه
وقبلها من غيره.
وقد قدمنا عنه حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديثَ قومٌ
وأرسله قومٌ، أنَّ الحُكم لمن أرسله؛ مع أن وصلَه زيادةٌ من الثقة.
وقد رأيتُ تقسيم ما ينفرد به الثقةُ إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الردّ كما سبق
%3
في الشاذ.
الثاني: ألا یکون فیه منافاةٌ ومخالفة أصلاً لما رواه غيره، کالحديث الذي تفرد
برواية جملته ثقةٌ، ولا تَعرُّضَ فيه لما رواه الغيرُ بمخالفة أصلاً؛ فهذا مقبولٌ.
وقد ادَّعى ((الخطيبُ)) (فيه الاتفاق)(١). وسبق مثالُه في نوع الشاذ. انتهى.
ءُ
أبو بكر: هو عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل النيسابوري الحافظ الفقيه
الشافعي مولى آل عثمان بن عفان، سمع المُزَنَي والزعفراني وغيرهما، وعنه
(١) في ش وع: (( .. فيه اتِّفاق العلماء عليه .. )).

١٩٣
معرفة زيادات الثقات وحكمها
الشافعي مولى آل عثمان بن عفان، سمح المزني والزعفراني وغيرهما، وعنه ..
جماعة: أبو العباس بن عقدة وأبو علي النيسابوري والدارقطني وغيرهم من حفاظ
عصره .
قال الحاكم أبو عبد الله: كان إمام عصره من الشافعية بالعراق ومن أحفظ
الناس للفقهيات واختلاف الصحابة.
قال الدارقطني: ما رأيت أحفظ منه وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون،
قال: كنا في مجلسٍ فيه أبو طالب الحافظ والجعابي وغيرهما، فسأل فقيه: مَن
روى: ((وجُعِلَت تربتها طهورًا)) لم يجبه أحد، فسألوا أبا بكر بن زياد فساقه
بسنده من حفظه، وكان زاهدًا أقام أربعين سنة لم ينم الليل يصلّي الغداة بطهارة
العشاء يتقوّت كل يوم بخمس حبّات تُوفي رابع ربيع الآخر سنة أربع وعشرين
وثلاثمائة .
وأما أبونعيم الجرجاني فاسمه عبد الملك بن محمد بن عدي الإسْتِرَابَاذِي الفقيه
الحافظ الرحّال، سمع الربيع بن سليمان وسليمان بن يوسف وأبا حاتم وأبا زرعة
الرازيَيْن، وجماعة بالعراق ومصر والشام والجزيرة والحجاز وخراسان، روى عنه
ابن صاعد وأبو علي الحافظ (وأبو علي المخلدي)(١) وغيرهم.
قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، وسمعت الأستاذ أبو الوليد حسان بن
محمد الفقيه يقول: لم يكن في مصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقاويل
الصحابة بخراسان منه، ولا بالعراق من أبي بكر بن زياد النيسابوري.
وقال الحافظ أبو علي: ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة أحفظ منه، كان
يحفظ الموقوفات والمراسيل كما نحفظ نحن المسانيد.
(١) هكذا في خط وفي ((الأنساب)) في الرواة عن الإِسْتِرَابَاذِي: ((روي عنه ... وأبو محمد الحسن بن أحمد
المَخْلدي .... ))؛ ومثله في ترجمة ((أبي نعيم الجرجاني)) من ((السِّير)) للذهبي، و((أبو محمد المَخْلدي)) مترجمٌ
في ((السِّير)) للذهبي أيضًا (٥٣٩/١٦ - ٥٤١) وذكر هناك: رواية المخلدي عن أبي نعيم بن عدي؛ والله
أعلم.

١٩٤
النوع السادس عشر
مولده سنة اثنين وأربعين ومائتين، ومات سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة(١).
وأما أبو الوليد القرشي: فهو حسان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسّان
ابن عبد الله، ينسب إلى العاص بن أمية بن عبد شمس، أحد الأئمة الشافعية.
درس على ابن سُرَيْج، وروى عن أحمد بن الحسن الصوفي وغيره ببغداد
وخلق كثيرة.
وعنه: القاضي أبو بكر الخيري وأبو طاهر بن مَحْمش وأبو الفضل أحمد بن
محمد السهيلي الصفار وغيرهم كالحاكم وقال فيه: كان إمام أهل الحديث بخُراسان
وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم.
وله كتاب على ((صحيح مسلم)) وكتاب على ((مذهب الشافعي)) وله اختيارات
منها: أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم، وأن تكرير الفاتحة يبطل الصلاة،
كالقديم، وغير ذلك كالقنوت في جميع رمضان.
قال الحاكم: أرانا نقش خاتمه: الله ثقة حسان بن محمد، وقال: أرانا عبد الملك
ابن محمد بن عدي نقش خاتمه: الله ثقة عبد الملك بن محمد، وقال: أرانا الربيع
نقش خاتمه: الله ثقة الربيع بن سليمان، وقال: كان نقش خاتم الشافعي: الله ثقة
محمد بن إدريس.
توفي في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاثمائة عن ثنتين وسبعين سنة.
ومجموع ما في زيادة الثقة ستة أقوال:
أحدها: قبولها مطلقًا حكاه الخطيب عن الجمهور من الفقهاء والمحدثين سواء
تعلّق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيّرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت
نقصًا من أحكام ثبتت بخبر ليست فيه تلك الزيادة أم لا، وسواء أكان من شخص
واحدٍ أم لا، على ما ذكره.
قال ابن طاهر: ولا خلاف تجده بين أهل الصّنْعة أن الزيادة من الثقة مقبولة.
وشرط أبو بكر الصيرفي والخطيب: أن يكون راويها حافظًا .
(١) قيّد السمعاني وفاته في الأنساب في ((ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وكان ابن ثلاث وثمانين
سنة))، وهذا يعني أن ولادته سنة خمسين ومائتين، وهذا خلاف ما ذكره الأبناسي في مولده ووفاته؛ وراجع:
((سير أعلام النبلاء)) (١٤ / ٥٤٥ - ترجمة أبي نعيم الجرجاني) ..

١٩٥
معرفة زيادات الثقات وحكمها
وشرط ابن الصباغ في ((العدة)): أن لا يكون من نقل الزيادة واحدًا ومن رواه ناقصًا
جماعة لا يجوز عليهم الوهم، فإن كان كذلك؛ سقطت الزيادة، إن كان في
مجلسٍ، فإن كان في مجلسَيْن؛ كان خبَريْن وعمل بهما.
١
القول الثاني: أنها لا تقبل مطلقًا، لا ممن رواها ناقصًا، ولا من غيره، حكاه
الخطيب وابن الصباغ عن قومٍ من أهل الحديث.
الثالث: أنها لا تقبل ممن رواه ناقصًا، وتقبل من غيره من الثقات، حكاه
الخطيب عن فرقة من الشافعية.
قال في ((العدة)): إذا رواه ثانيًا بزيادة فإن قال سمعت كل واحد منهما في
مجلسٍ قُبِلَت الزيادة، وإن سمعها في مجلس واحد أو تكررت روايته بغير زيادة
ثم روى الزيادة فإن قال: كنت نسيت الزيادة؛ قُبلَت وإلا وجب التوقُّف فيها.
الرابع: إن كانت الزيادة مغيّرة للإعراب كان الخبران متعارضين، وإن لم تغيّره
قُبُلَتْ، حكاه ابن الصباغ عن بعض المتكلمين.
الخامس: أنها لا تقبل إلا إذا أفادت حكمًا.
السادس: أنها تقبل في اللفظ دون المعنى، حكاهما الخطيب(١).
قال: الثالث ما يقع بَيْن (هاتَيْن)(٢) المرتبتَيْن، مثل: زيادة لفظة في حديث لم
(١) وليس في واحدٍ مما ساقه من أقوالٍ ما يصح عزوه لأهل الحديث، وأرباب التحقيق فيهم؛ كيحيى القطان
وأحمد وابن معين والبخاري ومسلم والرازيَّيْن وغيرهم من المحدثين.
وقد شرح ابن رجب والعلائي وغيرهما مذهب النقاد في هذا الباب، وذكرت طرفًا منه في ((نقد الإجازة
لقراءة السورة في الجنازة))؛
وحاصل ذلك: أنها تدور مع القرآئن حيث دارت، وليس لهم منهج مطرد في قبولها أو ردّها، بل لكل
حديثٍ نقد خاصّ يخضع لما يحيط به من قرائن تؤيد قبوله، أو أخرى تمنع من قبوله واعتماده.
وقد صحَّح البخاري وغيره من السالفين زيادات كثيرة؛ وقالوا: ((الزيادة من الثقة مقبولة))، ومع ذلك توقَّفوا
عن تصحيح زيادات أخرى لم تتوفر فيها شروط القبول، مما يؤكد لك ما ذكرته سلفًا.
وقد غفل قوم عن ذلك فاضطربوا في أحكامهم وواقعهم العلمي؛ وسيأتي مزيد بيانٍ إن شاء الله تعالى في
غير هذا الموضع، والله الموفق والمستعان.
(٢) هكذا في ش وع، وفي خط ((هاذين)).

١٩٦
النوع السادس عشر ــ
يذكرها (سائر)(١) من روى ذلك الحديث.
مثالُهُ: ما رواه مالكٌ عن نافع عن ابن عمر، ((أنّ رسول الله وَّل فرض زكاةَ الفطر
من رمضانَ عل كلِّ حُرٍّ أو عبد،ً ذكر أو أنثى من المسلمين)).
فذكر ((أبو عيسى الترمذي)): أنَّ مالكًا تفرَّد من بين الثقات بزيادة قوله: من المسلمين.
وروَى عبيدُ الله ابن عمر وأيوبُ وغيرُهما، هذا الحديثَ عن نافع عن ابن عمر،
دونَ هذه الزيادة.
فأخذَ بها غيرُ واحد من الأئمة واحتجُّوا بها، منهم الشافعيُّ وأحمدُ.
ومن أمثلة ذلك، حديث: ((جُعَلَتْ لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعَلَتْ تربتُها لنا طهوراً.
فهذه الزيادةُ تفرد بها أبو مالك سَعدُ بن طارق الأشجعي. وسَائرُ الروايات لَفظُها:
((وجُعلت لنا الأرضُ مسجدًا وطهوراً».
فهذا وما أشبهه يُشبه القسم الأولَ، من حيث إن ما رواه الجماعةُ عامٌّ، وما رواه
المنفردُ بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوعٌ من المخالفة يختلف
به الحكمُ؛ ويشبهُ أيضًا القسمَ الثاني من حيث إنه لا منافاةَ بينهما(٢).
(١) هكذا في ش وع، وفي خط: ((سابق)).
(٢) في حاشية خط: ((ومما يصلح أن يكون مثالاً للزيادة من الثقة حديث أبي هريرة: ((إذا ولغَ الكلب في
الإناء يغسل سبعًا)).
روي بروايات مختلفة وليس في رواية منها لفظة: ((فَلْيُرِقِه))، وإنما روى هذه اللفظة من رواية (علي بن) مسهر
عن الأعمش عن أبي رَزِينٍ وأبي صالحٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((إذا (ولغ الكلب) في إناء
أحدكم فَلْيُرِقِه ثم لَيَغْسله سبع مرات)).
رواه مسلم وابن حبان، ورواه مسلم أيضًا من (رواية إسماعيل) بن زكريا عن الأعمش (لم يقل): ((فَلْيُرِقِه)).
وقال النسائي: ((لا أعلم) أحدًا تابع علي بن مسهر (على قوله) فَلْيُرِقِه))، فالزِّيادة (في هذا) الحديث قوله:
((فَلْيُرِقِه)) (هذه زيادة علي بن مسهر وهو ( ..... ) عند أهل النقل)).
انتهت الحاشية وما وضعته بين معكوفتين غير واضح نهائيًا في حاشية خط، وراجع: صحيح مسلم
(٢٧٩)، وسنن النسائي (٦٦ - ط: المعرفة)، وصحيح ابن حبان (١٢٩٦ - ط: الرسالة).

١٩٧
معرفة زيادات الثقات وحكمها
وأما زيادةُ الوصل مع الإرسال، فإن بين الوصلِ والإرسال من المخالفة نحوَ ما
ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوعُ قدح في الحدیث، فترجیحُه وتقديمه من قبیل
تقديم الجرح على التعديل، ويُجابُ عنَه بأنَّ الجرحَ قُدِّمَ لما فيه من زيادة العلم
والزیادة(ها هنا)(١) مع مَنْ وَصَلَ. انتھی.
اعتُرِضَ؛ بأن كلام الترمذي ليس فيه تصريح بتفرّد مالك بالزيادة، وعبارته:
ورُبّ حديث إنما يُسْتَغْرِب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصحّ إذا كانت الزيادة
ثمّن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك .. فذكر الحديث، ثم قال: وزاد مالك
في هذا الحديث ((من المسلمين))، وروى أيوب، وعبيد الله بن عُمر، وغير واحد
من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه: ((من المسلمين)).
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك تمّن لا يعتمد على حفظه. انتهى.
فلم يذكر التفرّد عن مالك مطلقًا، وإنما فيَّده بتفرُّد الحافظ كمالك، ثم صرَّح
بأنه رواه غيره عن نافع ممن لا يعتمد على حفظه، فأسقط المصنّف آخر كلامه.
وعلى كلِّ تقدير فمالك لم ينفرد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها جماعة من الثقات:
ابنه(٢) عُمر بن نافع، والضحاك، وكثير بن فرقد، ويونس بن يزيد، والمعلّى
ابن إسماعيل، وعبد الله بن عُمر العُمري.
واختلف في زيادتها على أخيه عُبيد الله بن عُمر العُمري، وعلى أيوب أيضاً.
فأما رواية ابنه عُمر عن نافع فأخرجها البخاري في ((صحيحه)) من رواية
إسماعيل بن (جعفر)(٣) عن عُمر بن نافع عن أبيه فقال فيه: ((من المسلمين)) .
وأما رواية الضحاك بن عثمان؛ فأخرجها مسلم في ((صحيحه)) من رواية ابن
أبي فديك أخبرنا الضحاك عن نافع فقال فيه أيضًا: ((من المسلمين)).
وأما رواية كثير بن فرقد؛ فأخرجها الدارقطني في ((سُننه)) والحاكم في
((المستدرك)) من رواية الليث بن سعد عن كثير بن فرقد عن نافع فقال فيها أيضًا:
((من المسلمين)).
(١) هكذا في خط وع، وفي ش: ((هنا)).
(٢) أي: ابن نافع .
(٣) هكذا في ((صحيح البخاري)) وغيره، وفي خط: ((حوض)).

١٩٨
النوع السادس عشر
قال الحاكم صحيح على شرطهما، وابن فرقد احتج به البخاري، ووثقه ابن
معين وأبو حاتم.
وأما رواية يونس بن يزيد؛ فأخرجها أبو جعفر الطحاوي في ((بيان المشكل)) من رواية
يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد أن نافعًا أخبره فذكر فيه أيضاً: ((من المسلمين)).
وأما رواية المعلّى بن إسماعيل؟ فأخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) والدارقطني
في ((سُننه)) من رواية أرطاة بن المنذر عن المعلَّى بن إسماعيل عن نافع فقال: ((عن
كل مسلم))، وأرطأة وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما.
والمعّى قال فيه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس صالح الحديث لم يرو عنه غير أرطاة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وأما رواية عبد الله بن عُمر؛ فأخرجها الدارقطني من رواية روح وعبد الوهاب
- فرَّقهما - كلاهما عن عبد الله بن عمر عن نافع فقال فيه: ((على كل مسلم)).
ورواه أبو محمد بن الجارود في ((المنتقى)) ففرَّق بينه وبين مالك، فرواه من
طريق ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عُمر، ومالك وقال فيه ((من المسلمين)).
وقوله: ومن أمثلة ذلك: حديث ((وجُعَلَتْ تربتها لنا طهورًا)) تفرّد به أبو مالك،
والذي تفرّد به أبو مالك تربة الأرض كما هو في ((مسلم)) من رواية أبي مالك
الأشجعي عن ربعي عن حذيفة.
واعتُرض على المصنّف؛ بأنه يحتمل أن يريد بالتربة الأرض نفسها لا التراب
فلا يبقى فيه زيادة ولا مخالفة لمن أطلق في سائر الروايات.
(والجواب): أنّ في بعض طرقه التصريح بالتراب كما في رواية البيهقي:
((وجُعَلَ ترابها لنا طهورًا)).
ولم يذكر المصنّف حديث حذيفة، وقد وردت هذه اللفظة أيضًا في ((مسند))
أحمد من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن على الأكبر أنه سمع
على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله وَالله: ((أُعطيت ما لم
يعطه أحد من الأنبياء .. الحديث)) وفيه: ((وجُعِل التراب لي طهورًا)).
إسناده حسن، ورواه البيهقي أيضًا من هذا الوجه.
1

١٩٩
النوع االسابع عشر
معرفة الأفراد
وقد سبق بيانُ المهمِّ من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لکنْ أفردته بترجمة
كما أفرده ((الحاكم أبو عبد الله))، ولمَا بَقِيَ منه، فنقولُ: الأفراد منقسمة إلى ما هوّ
فردٌ مطلقًا، وإلى ما هو فردٌ بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأوّل: فهو ما ينفرد به واحدٌ عن كلِّ أحد. وقد سبقت أقسامه وأحكامُه قريبًا.
وأما الثاني: وهو ما هو فردٌ بالنسبة، (فمثلُ) (١) ما ينفرد به ثقةٌ عن كلِّ ثقة،
وحكمُهُ قريبٌ من حُكم القسم الأول، ومثلُ ما يقال فيه: هذا (حديثٌ انفرد)(٢) به
أهلُ مكة، أو تفرد (به)(٣) أهلُ الشَام، أو أهلُ الكوفة، أو أهلُ خراسانَ، عن
غيرهم؛ أو: لم يروه عن فلان غيرُ فلان - وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان -
أو تفرّد به البصريون عن المدنيينَ، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.
ولسنا نُطَوِّلُ بأمثلة ذلك، فإنه مفهومٌ دونَها، وليس في شيء من هذا ما يقتضى
الْحُكْمَ بِضَعف الحديثَ، إلا أن (يُطلق) (٤) قائلٌ قولَه: تفرد به أَهلُ مكةَ، أو تفرد به
البصريون عنَ المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يَروِهِ إلا واحدٌ من أهل مكةَ أو واحدٌ
من البصريين ونحوه، ويضيفه إليهم كما يُضافُ فعلُ الواحد من القبيلة إليها مجازاً.
وقد فعل ((الحاكمُ)) هذا فيما نحن فيه، فيكون الحكم فيه على ما سبق في القسم
الأول. انتھی.
(١) هكذا في ش وع، وفي خط: ((قيل)).
(٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((حديث تفرّد)).
(٣) هكذا في خط وع، وفي ش: ((بها)».
(٤) هكذا في ش وع، وفي خط: ((مطلق)).

٢٠٠
=
النوع السابع عشر
لم يذكر المصنّف أمثلة ذلك، فمثال تقييد الأفراد بكونه لم يروه عن فلان إلا
فلان: حديث رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن
داود (ابنه)(١): بكر بن وائل عن الزهري عن أنس: ((أنَّ النبي ◌َّ أَوْلَم على
صفيَّة بسويقٍ وتمر)).
قال الترمذيُّ: حديث غريبٍ، وقال ابن طاهر في ((أطراف الغرائب)): غريب
من حديث بكر بن وائل عنه تفرَّد به: وائل بن داود ولم يروه عنه غير سفيان بن
عیینة. انتهى.
ولا يلزم من تفرُّد وائل عن (ابنه)(٢) بكْر تفرده به مطلقًا فقد ذكر الدارقطني في
((العلل)) أنه رواه محمد بن الصلت التوزي عن ابن عيينة عن زياد بن سعد عن
الزهري - قال: ولم يتابع عليه، والمحفوظ عن ابن عيينة عن وائل عن (ابنه)(٢)،
ورواه جماعة عن ابن عيينة عن الزهري بغير واسطة.
مثال تقييد الانفراد بالثقة: حديث ((أن النبي وَّل كان يقرأ في الأضحى والفطر
بقاف واقتربت الساعة)) .
رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن (سعيد)(٣) المازني عن عُبيد الله
ابن عبد الله عن أبي واقد الليثي (٤) عن النبي وَل.
وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة.
(١) راجع: سنن الترمذي (١٠٩٥ - ١٠٩٦) وابن ماجه (١٩٠٩)، وكذلك سنن أبي داود (٣٧٤٤) وتحفة
الأشراف (١/ ٣٧٧) و((صحيح ابن حبان)) (٤٠٦١) (٤٠٦٤).
وفي خط: ((عن أبيه)).
(٢) في خط: ((أبيه))، وراجع المصادر السابقة.
(٣) هكذا عند مسلم (٨٩١) وغيره، وفي خط ((سعد)» بإغفال الياء.
(٤) في ((صحيح مسلم)): (( ... أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله وَّ في
الأضحى والفطر؟ فقال :... )) وفي الرواية الأخرى: (( .. عن أبي واقد الليثي؛ قال: سألني عمر بن
الخطاب ... )).