النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
النوع الثامن
معرفة المقطوع
٩
وهو غيرُ المنقطع الذي يأتي ذكرُه إن شاء الله تعالى، ويقال في جمعه المقاطيعَ
والمقاطع، وهو ما جاء عن التابعين موقوفًا عليهم من أقوالهم وأفعالهم، قال
(الخطيب) في ((جامعه)): ((من الحديث، المقطوعُ)) وقال: ((المقاطِعُ هي الموقوفاتُ
على التابعين)).
قلتُ: وقد وجدتُ التعبير ((بالمقطوع)) عن المنقطع غير الموصول، في كلامٍ
((الشافعي))، و((أبي القاسم الطبراني))، وغيرهما.
تفريعات:
أحدُها: قولُ الصحابيّ: ((كنا نفعل كذا)) أو: «كنا نقول كذا)» إن لم يُضفه إلى
(زمان)(١) (رسول الله وَ ل، فهو من قبيل الموقوف، وإن أضافه إلى (زمنه)(٢)
فالذي قَطَعَ به ((ابن البَيِّع))، وغيره من أهلِ الحديث، وغيرهم: أن ذلك من قبيل
المرفوع.
وبلغني عن ((أبي بكر البرقاني)) أنه سأل ((أبا بكر الإسماعيلي)) عن ذلك، فأنكر
كونه من المرفوع، والأولُ (هو الذي عليه الاعتمادُ)(٣)؛ لأن ظاهرَ ذلك مُشعرٌ بأن
رسولَ اللهِ وَّ اطّلع على ذلك وقرّرهم عليه، وتقريرُه أحدُ وجوه السنَن المرفوعة؛
(١) هكذا في ش وع، وفي خط ((زمان من)) - خطأ.
(٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(٣) هكذا في خط وع، وفي ش ((هو الاعتماد)).

١٤٢
=
النوع الثامن
فإنها أنواع: (منها: ((أقوالُه))، ومنها: ((أفعاله))، ومنها: ((كنا لا نرى بأسًا))(١) بكذا
ورسولُ الله ◌َ له فينا؛ أو: ((كان يقال كذا وكذا على عهده))؛ أو: ((كانوا يفعلون كذا
وكذا في حياتِه))، فكلَّ ذلك وشبهه مرفوعٌ مُسنَدٌ، مُخَرَّجٌ في كتب المسانيد.
وذكر ((الحاكمُ أبو عبد الله)) فيما رويناه، عن ((المغيرة بن شعبة)) قال: ((كان
أصحابُ رسول الله ﴿ يَقْرَعُون بابَه بالأظافير))؛ أن هذا يتوهّمه من ليس من أهلِ
الصنعة مُسنَدًا، يعني: مرفوعًا، لذكْرِ رسولِ الله وَّل فيه، وليس بمُسنَد، بل هوَ
موقوفٌ.
وذكر ((الخطيب)) أيضًا (نحوه)(٢) في ((جامعه).
قلت: بل هو مرفوع كما (سبق)(٣)، وهو بأن يكونَ مرفوعًا أحْرَى لكونه أحْرَى
باطلاعه وَّر عليه، و((الحاكمُ)) معترفٌ بكون ذلك من قبيل المرفوع، وقد كنا عَدَدْنا
هذا فيما أخذناه عليه، ثم تأوَّلْناه له على أنه أرادَ أنه ليس بمسند لفظًا؛ بل هو
موقوفٌ لفظًا، وكذلك سائرُ ما سبق، موقوفٌ لفظًا، وإنما جعلناه مرفوعًا من حيث
المعنی. انتھی.
قوله: إن لم يُضفه؛ جزمَ بأنه موقوف تبعًا ((للخطيب)).
وقال ((الحاكم، والإمام فخر الدين)): هو مرفوع.
قال ابن الصباغ: وهو الظاهر؛ ومثَّلَهُ بقول عائشة رضي الله عنها: ((كانت اليد لا
تقطع في الشيء التافه)).
وحكاه في ((شرح المهذب)) عن كثير من الفقهاء؛ قال: وهو قويٌّ من حيثُ المعنى.
(١) هكذا في خط، وفي ش: («منها: أقواله صلى الله عليه وسلم، ومنها: تقريره وسكوته عن الإنكار بعد
اطلاعه. ومن هذا القبيل قول الصحابي: كُنَّا لا نرى بأسًا».
وفي ع: ((منها أقواله صلى الله عليه وسلم، ومنها أفعاله، ومنها تقريره وسكوته عن الإنكار بعد اطلاعه.
ومن هذا القبيل قول الصحابي كنا لا نرى بأسًا».
(٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((نحو ذلك)).
(٣) في ش وع: (( .. سبق ذكره)).

١٤٣
معرفة المقطوع
=
قوله: وإن أضافه إلى زمنه بَلّ؛ فهو من قبيل المرفوع، وهو الذي قطع به ((ابن
البيّع)) وغيره من أهل الحديث وغيرهم؛ وصحَّحَهُ الإمام فخر الدين والآمدي
وأتباعهما، كقول جابر في ((الصحيح)): ((كُنَّا نعزِل على عهد رسول الله وَلَّهِ))،
وفي النسائي وابن ماجه عن جابر: ((كنا نأكل لحوم الخيل على عهد النبي (وَلّ)).
فإن كان في القصّة اطلاع: فهو مرفوع إجماعًا؛ كقول ابن عمر: ((كنا نقول -
ورسول الله وَل حيّ - أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان،
ويسمع ذلك رسول الله وَل، ولا ينكره)).
رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) وأصله في ((الصحيح)) من غير زيادة
الاطلاع.
قال: الثاني: قولُ الصحابي: ((أُمَرْنا بكذا (و)(١) نُهينا عن كذا)) من نوع
المرفوع والمسنَد عند أصحاب الحديث، وهو قولُ أكثر أهل العلم، وخالفَ في
ذلك فريقٌ منهَم: ((أبو بكر الإسماعيلي))، والأولُ هو الصحيح، لأن مُطْلَقَ ذلك
ينصرف بظاهره إلى مَن إليه الأمرُ والنهيُ، وهو رسولُ اللهِ تَّةٍ .
وهكذا قولُ الصحابي: ((من السُّنَّةِ كذا)) فالأصحَّ أنه مسنَدٌ مرفوع، لأن الظاهر
أنه لا يريد به إلا سُنَّةَ رسول الله ◌َّهِ وَما يجبُ اتباعهُ.
وكذلك قولُ ((أنَس)) رضي الله عنه: ((أُمَرَ بلالٌ أَن يَشِفَعَ الأذانَ ويُوترَ الإقامَة)»
وسائر ما (جاء من)(١) ذلك، ولا فرق بين أن يقولَ ذلك في (زمنه وَليّ أو
بعده)(٣). انتھی.
قوله: ((أُمِرْنا أو نُهينا عن كذا))؛ كقول أم عطيّة: ((أُمِرْنا أن نُخْرِج في العيدين
العواتق وذوات الخُدُور))؛ وقولها: ((نُهينا عن اتِّباع الجنائز))، كلاهما في
((الصحیح)).
(١) في ش وع: ((أَوْ)).
(٢) هكذا في خط ((جاء من)) وفي ش وع: ((جانَسَ)).
(٣) في ش وع: ((زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو - [هكذا في ع وفي ش ((و)) بالواو فقط] - بعده
صلى الله عليه وسلم)).

١٤٤
النوع الثامن =
فلو صرَّح الصحابي بالآمر؛ كقوله: ((أَمَرَنَا رسول الله وَّر))؛ فلا خلاف أنه
حجة، إلاَّ ما حكاه ((ابن الصّباغ)) عن ((داودَ وبعض المتكلِّمين)): أنه لا يكون حجة
حتى يُصرِّح بالوجوب؛ لأن منهم من يقول: المباح والمندوب مأمورٌ بهما.
ومثال قوله: ((من السُّنة كذا))؛ قول علي رضي الله عنه: ((من السنة وضع
الكَفّ على الكَفّ في الصلاة تحت السّرّة)) .
رواه أبو داود وابن الأعرابي، والأصح أنه مسند مرفوع، وحكى ابن الصباغ
عن ((أبي بكر الصيرفيّ، وأبي الحسن الكَرْخِي))، وغيرهما: أنه يحتمل أن يريد به
سنة الخلفاء الراشدين.
قال: الثالث: ما قيل من أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ حديثٌ مسنَدٌ؛ فإنما ذلك في تفسير
يتعلَّق بسبب نزول آية يُخبر به الصحابي، أو نحو ذلك؛ كقول ((جابر)) رضي الله
عنه: ((كانت اليهودُ تقول: مَنْ أتى امرأته من دبرها في قُبُلها، جَاء الولدُ أحْوَلَ»
فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿نساؤكم حَرْثٌ لَكُم ... ) الآية.
فأما سائرُ تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله وَله ،
فمعدودةٌ في الموقوفات.
ء
الرابع: من قبيل المرفوع، الأحاديثُ التي قيل في (إسنادها)(١) عند ذكر
الصحابيُّ: ((يَرفعُ الحديثَ))، أو: ((يبلغُ به))، أو: ((يَنْميه))، أو: ((روايةً)).
مثال ذلك: سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
روايةً: ((تُقاتلون قومًا صغار الأعين ... )) الحديث.
وبه عن أبي هريرة، يبلغُ به، قال: ((الناسُ تَبَعٌ لقريش ... )) الحديث.
فكلُّ ذلك وأمثالُه كتابةٌ عن رفع الصحابيِّ الحديثَ إلى رسول الله ◌َيِ ؛ وحُكْمُ
ذلك عند أهلِ العلم حُكمُ المرفوعِ صريحًا.
قلت: وإذا قال الراوي عن التابعي: يَرفعُ الحديثَ، أو: يبلغ به؛ فذلك أيضًا
مرفوعٌ، ولكنه مرفوعٌ مرسَل. انتهى.
(١) هكذا في خط بالإفراد، وفي ش وع: ((أسانيدها)).

١٤٥
معرفة المقطوع
=
ذكر المصنّف فيما يتعلّق بالصحابي أربع مسائل؛ الأولى: ((كنّا نفعل كذا)) أو:
((كانوا يفعلون كذا)).
والثانية: (أُمِرْنا بكذا))، ونحوه.
الثالثة: ((مِن السَّنَّةَ كذا)».
والرابعة: ((يَرْفعه))، و ((يَبْلُغ به)) ونحوهما.
ولم يذكر حكم التابعي إذا قال ذلك، إلا في الرابعة؛ فقول التابعي: ((كنّا
نفعل))، ليس بمرفوع قطعًا، ثم إنه لم يُضفه إلى زمن الصحابة فليس بموقوف
أيضًا، بل هو مقطوع، وإن أضافه إلى زمنهم فيحتمل أن يقال: إنه موقوف؛
لأن الظاهر اطلاعهم على ذلك وتقريرهم، ويحتمل أن يقال: ليس بموقوف أيضًا؛
لأن تقرير الصحابي قد لا يُنْسَب إليه بخلاف تقرير النبي وَّ فإنه أحد وجوه
السُّنن، فأما إذا قال التابعي: ((كانوا يفعلُون كذا)) فقال النووي في ((شرح
مسلم)): إنه لا يدلَّ على فعل جميع الأمة، بل على البعض، فلا حجة فيه إلاّ
أن يُصرِّح بنقله عن أهل الإجماع، وفي ثبوت الإجماع بخبر الواحد خلاف.
وإذا قال التابعي: ((أُمِرنا بكذا)) أو ((نُهينا عن كذا))؛ فجزم ((ابن الصباغ)) بأنه
مرسلٌ، وحكى وجهين فيما إذا قاله ((سعيد بن المسيب)) هل هو حجة أم لا؟.
وفي ((المستصفى)) احتمالان من غير ترجيح، هل هو موقوف أو مرفوع مرسل؟.
وإذا قال التابعي: ((مِنَ السَّنَّة كذا))؛ كقول عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة ((السَّنَّةُ
تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع
تكبيرات)). رواه البيهقي في ((سُننه))؛ هل هو مرسل مرفوع أو موقوف متصل،
فيه وجهان، حكاهما في ((شرح مسلم)) و((المهذّب)) و ((الوسيط)) أصحّهما: أنه
موقوف، وحكى ((الداودي)) في ((شرح مختصر الْمُزَنَي)) قولاً قديمًا أنَّ ذلك مرفوع،
ثم رجع عنه لأنهم قد يُطلقونه ويُريدون به سُنّة البلد.
وذكر المصنّف: أنَّ من المرفوع قول الصحابي: ((يَرْفعِ الحديث))، أو ((يَبْلُغ به))،
أو ((يَنْمِيه))، أو ((رواية)) بخلاف قوله: ((مِنَ السَّنَّة))، لأنَّ في هذه الألفاظ تصريحًا
بالرفع بخلاف «السُّنة» فإنَّه قد يعني بها سنة الخلفاء أو البلد.

١٤٦
النوع الثامن =
ومثال (يَنْمي ذلك)): ما رواه مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ((كانَ
الناس يُؤْمرُون أن يضعَ الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)) قال
أبو حازم: ((لا أعلم إلا أنه يَنْمي ذلك)) قال مالك(١): ((يَرْفع ذلك».
ورواه البخاري عن القعنبي عن مالك فقال: ((يَنْمي ذلك إلى النّبِى وَجَد.
فصرّح برفعه)).
((
(١) لم أرَ هذا القول لمالك في ((الموطأ)) برواية يحيى (١ / ١٤٧)، ورواية محمد بن الحسن (رقم/ ٢٩١)، و
((الاستذكار)) (٦/ ١٨٩، ١٩٧)، وكذلك ((التمهيد» (٢١ / ٩٦) كلاهما لابن عبد البر رحمه الله، والحديث
عند البخاري (٧٤٠) بدون قول مالك أيضًا لكن حكى ابن حجر في الفتح هذا القول عن مالك من رواية ابن
وهب وغيره .
وقال ابن حجر (٢ / ٢٦٢): ((واعترض الدّاني في ((أطراف الموطأ)) فقال: هذا معلول، لأنه ظن من
أبي حازم، ورُدَّ بأن أبا حازم لو لم يقل: ((لا أعلمه .. إلخ)) لكان في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي كُنَّا
نُؤْمِر بكذا يُصْرَف بظاهره إلى من له الأمر وهو النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابي في مقام تعريف
الشرع فيحمل على من صدر عنه الشرع، ومثله قول عائشة: ((كنا نؤمر بقضاء الصوم))؛ فإنه محمول على أن
الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم. وأطلقَ البيهقي أنه لا خلاف في ذلك بَيْن أهل النقل والله أعلم))
اهـ.
1

١٤٧
النوع التاسع
معرفة المرسل
وصورتُه التي لا خلافَ فيها، حديثُ التابع الكبير الذي لقي جماعةً من
الصحابة وجالسَهم؛ كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما؛
إذا قال: ((قال رسول الله وَ لَه)). والمشهور التسويةُ بين التابعين أجمعين في ذَلك،
رضي الله عنهم.
وله صُوَرٌ اختلف فيها أهي من المرسل أم لا؟
(أحدها)(١): إذا انقطع الإسنادُ قبل الوصول إلى التابعيّ، فكان فيه رواية ڕاو لم
يسمعٍ من المذكور فوقه؛ فالذي قطع به ((الحاكم)) وغيرُه من أهل الحديث: أنَّ ذَلك
لا يُسمّى مرسلاً، وأن الإرسالَ مخصوصٌ بالتابعين بل إنْ كان مَنْ سقط ذكره قبل
الوصول إلى التابعي شخصًا واحدًا سُمِّي منقطعًا فحسْب، وإنْ كان أكثرَ من واحد
سُمِّي: مُعضَلاً، (ومنقطعًا، وسيأتي مثالُهُ)(٢).
والمعروفُ في ((الفقه وأصوله))، أن كلَّ ذلك يُسمى مُرْسلاً، (وبه قَطَعَ
(الخطيب))؛ قال): (٣) ((إلاَّ أنَّ أكثر ما يوصفُ بالإرسال من حيث الاستعمالُ ما رواه
التابعي عن النبي ◌َّرَ، وأما ما رواه تابع التابعيِّ عن النبي ◌ِّ، فيسمّونه
المعضل)) انتهى.
(اعتُرض)؛ بأن عبيد الله بن عديّ مذكور من جملة الصحابة.
(ورَدّ ) بأن ذلك جريًا على القاعدة الضعيفة: أنَّ من عاصره يكون صحابيًا؛
(١) في ش وع: «إحداها)).
(٢) في ش وع: ((ويسمّى أيضًا منقطعًا، وسيأتي مثال ذلك إن شاء الله تعالى)).
(٣) في ش وع: ((وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب وقطع به وقال :... )).

١٤٨
النوع التاسع =
كقيس بن أبي حازم، وأمثاله، وعبيد الله وُلِدَ في حياته وَُّلّ ولم تثبت له رواية،
وإنما روى عن عُمر، وعثمان، وعلي وغيرهم، ولم يرو عن أبي بكر شيئًا.
وقوله: قبل الوصول إلى التابعي؛ ليس بجيد، بل الصواب قبل الوصول إلى
الصحابي، فإنه لو سقط التابعي أيضًا كان منقطعًا لا مرسلاً عن من ذكر، ولكن
هكذا وقع في عبارة الحاكم فتَبِعَهُ المصنّف.
قال: الثانية: قولُ ((الزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري))
وأشباههم منٍ أصاغر التابعين: ((قال رسولُ اللّهِ وَِّ))؛ حَكَى ((ابنُ عبد البر)): أنَّ
قومًا لا يسمُّونه مُرَّسَلاً، بل مُنقطعًا، لكونهم لم يَلْقَوا من الصحابة إلا الواحدَ
والاثنين(١)، وأكثرُ روايتهم عن التابعين.
قلت: وهذا المذهبُ فرعٌ لمذهبِ مَن لا يُسَمِّي المنقطعَ قبل الوصولِ إلى
التابعي: مرسلاً. والمشهورُ التسويةُ بين التابعين في اسم الإرسال كما تقدم.
انتھی .
ملخّص الخلاف في المرسَلِ ثلاثة أقوال؛ المشهور ما رفعه التابعي إلى النبي
سواء التابعي الكبير والصغير.
صلى الله
وسيِلاَّ ،
والقول الثاني: ما رفعه الكبير فقط، أما الصغير فتكون روايته منقطعة على هذا
القول .
والثالث: ما سقط من إسناده راوٍ فأكثر من أيّ موضع كان، فعلى هذا المرسل
والمنقطع واحد.
واعتُرِضَ على قوله: لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد أو الاثنين؛ بأن الزهريّ
(١) في حاشية خط ((قوله: إلاَّ الواحد أو الاثنين كالمثال في قلّة ذلك، وإلاَّ فالزُّهري قد قيل: إنّه رأى عشرة
من الصحابة وسمع منهم: أنسًا، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وسُنَيْئًا أبا جميلة
وغيرهم، ومع ذلك أكثر روايته عن التابعين)). وهذه حاشية ابن الصلاح كما في ش وع، وستأتي الإشارة
إلى ذلك هنا إن شاء الله تعالى.
١
١

١٤٩
معرفة المرسل
لقي أكثر من ثلاثة عشر من الصحابة وهم: عبد الله بن عُمر، وسهل بن سعد،
وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر، وربيعة بن عِبَاية - بكسر العين وتخفيف
الموحدة، (وسُنَيْن)(١) أبو جميلة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة،
والمسْور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة،
ومحمود بن الربيع، وسَمِعَ منهم كلهم إلاَّ عبد الله بن جعفر فرآه رؤية، وإلاَّ عبد الله
ابن عُمر فقال أحمد ويحيى بن معين: لم يسمع منه، وخالفهما علي بن المديني،
وقيل: إنه سمع من جابر بن عبد الله.
وسمع من جماعة مختلف في صحبتهم؛ كمحمود بن لبيد، وعبد الله بن
الحارث بن نوفل، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وقد تنبّه المصنِّف لهذا الاعتراض
فأملى حاشية على كتابه فقال: الواحد والاثنَيْن كالمثال وإلاّ فالزهري قد قيل: إنه
رأى عشرة من الصحابة.
قال: الثالثُ: إذا قيل في الإسناد: فلانٌ عن رجل أو عن شیخ عن فلان، أو نحو
ذلك؛ فالذي ذكره ((الحاكم)) في ((معرفة علوم الحديث)) أنه لا يُسَمِّ مرسلاً بل
منقطعًا، وهو في بعض المصنفات المعتبرة في ((أصول الفقه)): معدود من أنواع
المرسَل.
ثم اعلم أن حُكْم المرسَلَ حُكْمُ الحديث الضعيف، إلا أن يصحَّ مخرجُهُ بمجيئه
من وجه آخر؛ (كما سبق بيانه)(٢)، ولهذا احتج ((الشافعيّ)) بمرسَلات ((سعيد بن
المسيب))؛ فإنها وُجدت مسانيدَ من وجوه أُخَرَ، ولا يختصّ ذلك عنده بإرسال ((ابن
المسيَب))(٣).
ومَنْ أنكر هذا زاعمًا أن الاعتماد حينئذ يقع على المسنّدِ دونَ المرسَلِ، فيقع لغواً
(١) هكذا في ع، و((محاسن الاصطلاح))، وحاشيتي خط وش، وهو الصواب، ووقع في خط ((سفيان))
هكذا رسمها الناسخ بالفاء ومثناة تحتانية بعدها ألف - خطأ.
(٢) في ش وع: (( .. كما سبق بيانه في نوع الحسن)).
(٣) زاد في ش، ع: ((كما سبق)).

١٥٠
=
النوع التاسع
لا حاجة إليه(١)؛ فجوابُه: أنه بالمسنَد یتبینُ صحةُ الإسناد الذي فيه الإرسال (حتى
يُحْكَمَ بأنه صحيحٌّ، وإنما)(٢) يُنكرُ هذَا مَنْ لا مذاقَ له في هذا الشأن.
وما ذكرناه منْ سقُوط الاحتجاج (بالمرسَل، وأنه ضعيف هو)(٣) المذهبُ الذي
استقر عليه آراء جماهير (الحُفَّاظ)(٤).
وفي صدرِ (صحيح مسلم): (المرسَلُ ليس بِحُجَّةٍ (٥).
(وحكاه ابنُ عبد البر عن جماعة أهل الحديث واحتجّ به مالك وأبو حنيفةً
وأصحابُهما)(٦) في طائفة.
ثم إنا لم نَعُدّ في أنواع المرسَلِ ونحوه، ما يُسَمَّى في ((أصول الفقه)) مرسَلَ
الصحابيّ، مثل ما يرويه ((ابنُ عباس)) وَغيرُه من أحداث الصحابة عن رسول الله
وَّر، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حُكم الموصول المسند؛ لأنّ روايتهم عن
الصحابة، والجهالةُ بالصحابيِّ غيرُ قادحة؛ لأن الصحابةَ کلّھم عدول. انتهى.
أهملَ المصنِّف قولاً ثالثًا؛ هو المشهور، حكاهُ ((الحافظ: رشيد الدين ابن العطار)):
(١) في حاشية خط: ((قال مالك رضي الله عنه: ويستثمر أن الحديث الذي يقع ذلك في إسناده يكون له
إسنادان صحيحان، أحدهما مرسل، فيكتسب بذلك قوة لا وجود لها على تقدير المصير إلى أنه لم يصح إلا
ذلك الإسناد المتصل الذي زعم المخالف أنه به يثبت الحديث لا غير فاعلم ذلك)».
(٢) في ش وع: (( .. حتى يحكم له مع إرساله بأنه إسناد صحيح تقوم به الحجة، على ما مهَدنا سبيلَه في
((النوع الثاني)). وإنما .. )).
(٣) في ش وع: (( .. بالمرسل والحكم بضعفه هو .. )).
(٤) في ش وع: ((حفاظ الحديث ونقّاد الأثر وقد تداولوه في تصانيفهم)).
(٥) في ش وع: ((المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّة)) وفي ((مقدمة مسلم)) : ...
والمرسلُ من الرّوايات في .... )).
(٦) في ش وع: ((وابن عبد البر: حافظ المغرب ممن حكى ذلك عن جماعة أصحاب الحديث والاحتجاجُ به
مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة وأصحابِهما .. )).

١٥١
= معرفة المرسل
أنه متّصل في إسناده مجهول، وليس بمرسل ولا بمنقطع، واختره هو والعلائي
صلاح الدين.
وأشار بقوله: ((المصنَّفات المعتبرة)) إلى: ((البرهان)) للإمام، فإنه قال فيه: وقول
الراوي أخبرني رجل أو عدل موثوق به من المرسل أيضًا.
وفي ((المحصول)): أنَّ الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يُعرف به فهو كالمرسل.
وروى البخاري عن ((الحميدي)): إذا صحّ الإسناد عن الثقات إلي رجل من
أصحاب النبي وَّ فهو حجة، وإن لم يُسم ذلك الرجل.
وكذلك قال ((أحمد))، وفرَّق أبو بكر الصيرفي الشافعي بين أن يرويه التابعي
عن الصحابي معنعنًا أو مع التصريح بالسماع، فإن قال: سمعتُ رجلاً من
أصحاب رسول الله وَلَّ قُبِل، وإن قال: عن رجلٍ فإنه لا يُقبل، وهو متّجه،
وعلى هذا التفصيل يحمل كلام من أطلق.
واعتُرِضَ على قوله: وفي صدر ((صحيح مسلم)) .. إلى آخره؛ أنّ ذلك ليس
من قول ((مسلم))، وإنما هو قول الخصم الذي نازعه في اشتراط اللّقى في الإسناد
المعنعن .
وجوابه: أن المصنّف ما عزاه إلى قول ((مسلم)) بل إلى ((كتابه)).
واعترض أيضًا على قوله: (ونَعُد)(١) المرسل في أصول الفقه، مع أنَّ المحدِّثين
يذكرون مراسيل الصحابة .
وجوابه: إنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، بخلاف الأصوليين، فإن الشيخ
أبا إسحاق الإسفراييني لا يحتج بها، وخالفه عامتهم، بل في بعض شروح (المنار))
في أصول الحنفية الاتفاق على الاحتجاج بها.
واعتُرِضَ على قوله: لأن روايتهم عن الصحابة؛ ينبغي أن يقول: لأن غالب
رواية التابعين عن الصحابة، وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين، وصنَّفَ
الخطيبُ في ذلك جزءًا، فبلغوا جمعًا كثيرًا، لكن غالبها ليست أحاديث مرفوعة،
(١) هكذا في خط هنا، وفي ع و ((متن المقدمة)): («ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ... )).

١٥٢
النوع التاسع ==
وإنما هي من الإسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات، كما روى ابن عباس
والعبادلة عن كعب الأحبار وهو تابعي.
وأنكر بعضهم أن يروي صحابي عن تابعي عن صحابي، وقد وُجِد ذلك في
أحاديث منها: حديث سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عن زيد بن ثابت: ((أن النبي
مَّ أَملَى عليه ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُون منَ المؤْمِنِين﴾ فجاء ابن أُمّ مكتوم ... الحديث.
رواه البخاري، والنسائي، والترمذي وقال: حسن صحيح.
هذا إن ثبت أن مروان ليست له صحبة كما قالهُ الذهبي، لأنه وُلِدَ في الثانية
من الهجرة، وقال الرشيد العطار في ((الغُرر)): هو معدود في الصحابة.
وحديث السائب بن يزيد عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب
عن النبيِ وَلّ قال: ((مَنْ نامَ عن حِزْبه، أو عن شيءٍ منه، فقرأهُ ما بين صلاة
الفجر إلى صلاة الظهر؛ كتب له كأنما قرأهُ من اللّيل)).
رواه مسلم، وأصحاب السَّنَن الأربعة.
وحديث جابر بن عبد الله عن أم مكتوم بنت أبي بكر الصديق عن عائشة: ((أنَّ
رجلاً سأل النبي وَّله عن الرجل يُجامع ثم يكسل هل عليهما من غُسْل؟ وعائشة
جالسة، فقال: ((إنِّي لأفعلُ ذلك أنا وهذه ثم نغتسل)).
أخرجه مسلم.
وحديث عمرو بن الحارث المصطلقي عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن
مسعود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: خطبنا رسول الله وَخلال فقال: ((يا
معشرَ النساء تصدَّقْنَ ولو من حُلِيكُنَّ فإنَّكُنَّ أكثر أهل جهنم يوم القيامة)).
رواه الترمذي، والنسائي.
وحديث يعلي بن أمية عن (عَنْبَسَة)(١) بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة عن
(١) تصحَّف في ع إلى ((عَبْسة)) بدون النون، وصحّفه بعض الرواة إلى ((عائشة)) راجع ((تحفة الأشراف)) للمزّي
(١١/ ٣١٠ - ٣١١).

١٥٣
معرفة المرسل
النبيِ وَّ قال: ((مَن صلَّى ثنتي عشرة ركعة بالنهار أو بالليل؛ بني له بيت في الجنة)).
رواه النسائي .
وحديث عبد الله بن عُمر عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قالت:
قال رسول الله وَله: ((ألم تري أن قومك حينَ بنوا الكعبة قصروا عن قواعد
إبراهيم .. الحديث)).
رواه الخطيب في كتابه ((رواية الصحابة عن التابعين)) بإسناد صحيح، والحديث
متّفق عليه من طريق مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن
محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة بذلك، فصحّ أن ابن عمر
سمعه من عبد الله عن عائشة. وحديث ابن عمر عن صفيّة بنت أبي عُبَيْد عن
عائشة: ((أن رسول الله وَّول رخَّص للنساء في الخُفْين عند الإحرام)).
رواه الخطيب في الكتاب المذكور، والحديث عند أبي داود من طريق ابن
إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب، فقال: حدثني سالم أن عبد الله كان يصنع
ذلك، يعني (قطع)(١) الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدَّثَنْه صفيَّة بنت أبي عُبيد أن
عائشة حدثتها: ((أن رسول الله وَّ جله كان رخَّص للنساء في الخُفَيْن)) فترك ذلك.
وحديث جابر بن عبد الله عن أبي عَمْرو مولى عائشة، واسمه ذكوان عن عائشة:
((أن النبي صَلّ كان يكون جنبًا (فيرد)(٢) الرّقاد فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يرقد)).
رواه أحمد في ((مسنده)) وفي إسناده ابن لهيعة.
وحديث ابن عباس قال: أَتَى عليَّ زمانٌ وأنا أقول: أولاد المسلمين مع
المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان: أن
رسول الله وَّ سُئل عنهم فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) قال: فلقيتُ
الرجل فأخبرني فأمسكتُ عن قولي .
رواه أحمد، والطيالسي في ((مسنديهما)) بسندٍ صحيح، وبيَّنَ راويه عن الطيالسي
(١) هكذا في خط وع، وفي ((السنن لأبي داود)) (١٨٣١): ((يقطع)).
(٢) هكذا في خط، وفي ع و ((مسند أحمد): ((فیرید)).

١٥٤
النوع التاسع =
وهو يونس بن حبيب أن الرجل الصحابي المذكور هو: أُبَيّ بن كعب، وكذا رواه
الخطيب عن عبد الله بن عباس عن صاحبٍ لأُبَيِّ بن كعب.
وحديث ابن عمر عن أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة بن
أبي عامر: ((أن رسول الله وَّل (أمر)(١) بالوضوء لكل صلاة طاهرًا (أو غير طاهر،
فلما شقّ ذلك (عليهم)(٢) أمرَ بالسِّواك لكل صلاة)) رواه أبو داود من طريق ابن
إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال:
قلت: أرأيت (توضّؤ)(٣) ابن عمر لكل صلاة طاهرًا (أو غير) (٤) طاهر عمّ
(ذلك)(٥)؟ فقال: (حدثته)(٦) أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة
حدّثها فذكره.
وفي رواية علّقها أبو داود وأسندها الخطيب: (عبيد الله)(٧) بن عبد الله بن
عمر، كذا أورده الخطيب في رواية ابن عمر عن أسماء.
والظاهر أنه من رواية ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أسماء، وإن كانت
حدثت به ابن عمر نفسه، (وكذا قاله المزي)(٨) أن الراوي عنها عبد الله بن عبد الله
ابن عُمر .
وحديث ابن عمر أيضًا عن أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة
(١) هكذا في ع وسنن أبي داود، وفي خط: ((أمرنا)).
(٢) هكذا في خط وع، وفي سنن أبي داود: ((عليه)).
(٣) هكذ في ع، وسنن أبي داود (٤٨)، وفي خط: ((توضأ)).
(٤) هكذا في خط وع، وفي سنن أبي داود: (وغير) بدون الهمزة.
(٥) هكذا في خط، وفي ع وسنن أبي داود: ((ذاك)).
(٦) هكذا في خط وع، وفي سنن أبي داود: ((حَدّثتنيه)).
(٧) هكذا في خط، وفي ع: (( .. إلى عبيد الله ..... )).
(٨) وقع في ع: (( .. وكذا جعل المزني في تهذيب الكمال .. )).

١٥٥
معرفة المرسل
أن رسول الله وَلَه قال: ((لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسّواك عند كل صلاة»
رواه الخطيب فيه.
وحديث سليمان بن صرد عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: ((تذاكروا
غسل الجنابة عند النبي ◌َّالر؛ فقال: ((أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا .. الحديث))
رواه الخطيب، وهو متّفق عليه من رواية سليمان عن جبير ليس فيه نافع.
وحديث أبي الطفيل عن بكر بن قِرْواش عن سعد بن أبي وقاص قال: قال
رسول الله وَله: ((شيطان الردهة (يحتدره)(١) رجل من بجيلة)) الحديث.
رواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده).
قال صاحب ((الميزان)): بكر بن قرواش لا يعرف والحديث منكر.
وحديث أبي هريرة عن أم عبد الله بن أبي ذباب عن أم سلمة سمعت رسول الله
وَ له يقول: ((ما ابتلى الله عبدًا ببلاء وهو على (طريقة)(٢) يكرهها إلا جعل الله ذلك
البلاء له كفارة)).
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((المرض والكفارات)) ومن طريقه الخطيب.
وحديث ابن عمر عن صفية بنت أبي عبيد عن حفصة عن النبي وَّهِ (قال)(٣):
((مَن لم يجمع الصوم قبل الصبح فلا صوم له)).
وحديث ابن عمر أيضًا عنها عن حفصة: ((لا يحرم من الرضاع إلا عشر
رضعات فصاعدًا)).
رواهما الخطيب وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي.
(١) هكذا في مسند أحمد (١٧٩/١) والحميدي (٧٤) و ((السنة)) لابن أبي عاصم (٩٢٠) والمستدرك:
(يَحْتَدِره)) بالدال المهملة، ووقع في خط: ((يحتذره)) بالذال المعجمة، ومثله في ((كشف الأستار)) (١٨٥٤)
وبعض نسخ مسند أحمد، وفي ع: ((يحذره)) بالمعجمة، وعند أبي يعلى (٧٥٣) (٧٨٤): ((يَحْدُرُهُ) بالمهملة،
وراجع: ((شرح المسند للشيخ شاكر رحمه الله/ ١٥٥١).
(٢) هكذا في خط وع، وفي («الترغيب)) (٤/ ٢٨٠): ((طريق)).
(٣) وضع الناسخ على اللام لفظ: ((خف)» - كذا.

١٥٦
النوع التاسع =
وحديث أنس عن وقاص بن ربيعة عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَخلال فيما
يرويه عن ربِّه عزّ وجلّ: ((ابن آدم إنّك إن دنوتَ منّي شبراً دنوتُ منك ذراعًا ..
الحديث)) .
وحديث أبي الطفيل عن عبد الملك بن أخي أبي ذر عن أبي ذر ((أن رسول الله
وَلّ أخبرني أنهم لن يسلطوا على قتلي ولن يفتنوني عن ديني .. الحديث)).
وحديث أبي أمامة عن عَنْبَسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة سمعت رسول الله
وَالله يقول: ((ما من رجل مسلم يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها
فتمسه النار)).
وحديث أبي الطفيل عن حلام بن جزل عن أبي ذر مرفوعًا: ((الناس ثلاث
طبقات .. الحديث)).
روى هذه الأحاديث أيضًا الخطيب بأسانيد ضعيفة.
فهذه عشرون حديثًا مرفوعة من رواية الصحابة عن التَّابعين عن الصحابة
جمعها الحافظ زين الدين العراقي أمتع الله به .
١

١٥٧
النوع العاشر
معرفة المنقطع
وفيه، وفي الفرق بينه وبين المرسَل، مذاهبُ لأهل الحديث وغيرهم، فمنها ما
سبق في نوع المرسل عن ((الحاكم)) (١) من أن المرسَلَ مخصوصٌ بالتابعي؛ وأن
المنقطع، منه: الإسنادُ الذي فيه قبل الوصولِ إلى التابعي راوٍ لم يسمع من الذي
فوقه، والساقط بينهما غيرُ مذكور لا مُعَيّنًا ولَا مُبْهمًا؛ ومنه الإسنادُ الذي ذُكر فيه
بعض رواته بلفظ مبهم، نحو: رجلٌ، أو شيخ، أو غيرهما.
ے
مثالُ الأول: ما رويناه عن عبد الرزاق، عن سُفيان الثوري، عن أبي إسحاق،
عن زيد بن يُشَيْع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن وليتموها أبا بكر
فقويٌّ أمين ... )) الحديث.
فهذا إسنادٌ إذا تأمله الحديثيّ وجد صورته صورة المتصل، وهو منقطع في
موضعين: لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي
شيبةَ الجَنَدي عن الثوري، ولم يسمعه الثوريّ أيضًا من أبي إسحاق، إنما سمعه من
شريك عن أبي إسحاق.
ومثال الثاني: الحديثُ الذي رويناه عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشِّخِير، عن
رجلين، عن شَدَّاد بن أوس، عن رسول الله وَّرَ، في الدعاء في الصلاة: ((اللهم
إني أسألك الثباتَ في الأمر ... )) الحديث.
ومنها، ما ذكره «ابنُ عبد البر)) وهو أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعين، والمنقطع
(١) زاد في ش وع: ((صاحب كتاب: معرفة أنواع علوم الحديث)).

١٥٨
النوع العاشر
شاملٌ له ولغيره؛ وهو عنده: «كل ما لا يتصل إسناده، سواء كان يُعزَى إلى
النبي ◌َّ، أو إلى غيره)).
ومنها: أن المنقطع مثلُ المرسل، وكلاهما شاملان لكلِّ ما لا يتصل إسناده. وهذا
المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب في
«کفایته)).
إلا أن أكثر ما يوصَف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن
النبي ◌َّله؛ وأكثر ما يوصف بالانقطاع: ما رواه مَنْ دونَ التابعين عن الصحابة،
مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك.
ومنها ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث: أن المنقطع ما رُوي عن
التابعي أو مَنْ دُونَه موقوفا علیه من قوله أو فعله.
وهذا غریب بعید. انتھی.
تقدَّم الكلام على المقطوع، وذكر المصنّف هناك أنه وُجد التعبير بالمقطوع عن
المنقطع في كلام الشافعي والطبراني وغيرهما، وكذلك هو في كلام الحميدي
والدار قطني .
وقوله: ومنها ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم؛ يريد بذلك الحافظ أبا بكر
أحمد بن هارون البَرْدِيجي البَرْذَعي قال ذلك في جزء له لطيف.
٠

١٥٩
النوع الحادي عشر
معرفة المعضل
وهو لقبٌ لنوع خاصٌّ من المنقطع: فكل معضَل منقطع، وليس كلٌّ منقطع معضَلاً؛
وقوم يسمونه مُرْسَلاً كما سبق، وهو عبارة عما سقطً من إسناده اثنان فصاعدًا.
وأصحابُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضل، بفتح الضاد، وهو اصطلاح
مُشكلُ المأخذ من حيث اللغة، وبحثت فوجدت له قولهم: أمر عضيل، أي مستغلَق
شديد. ولا التّفات في ذلك إلى: معضل، بكسر الضاد، وإن كان مثل عضيل في
المعنى.
ومثالُهُ ما يَرويه تابعيُّ التابعيِّ قائلاً فيه: قال رسولُ الله ◌ِيَّةِ، وكذلك ما يرويه
مَنْ دُونَ تابعي التابعي عن رسول الله بَّةٍ، أو عن أبي بكر وعمر وغيرهما، غير
ذاکر للوسائط بينه وبينهم.
وذكر ((أبو نصر السِّجزي الحافظُ)) قولَ الراوي: بلغني، نحو قول ((مالك)):
بلغني عن أبي هريرة أن رسول اللهِ وَ ل﴿ قال: ((للمملوك طعامه وكَسوتُه ... ))
الحديث. وقال: أصحابُ الحديث يسمَّونه المعضَل.
قلت: وقولُ المصنّفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله صل كذا وكذا،
ونحو ذلك؛ كلَّه من قبيل المعضل، لما تقدَّمَ، وسمّاه ((الخطيب) في بعض كلامه:
مرسلاً. وذلك على مذهب مَن يُسمِّ كلَّ ما لا يتصلُ مرسَلاً كما سبق.
وإذا رَوَى (تابع)(١) عن التابعِ حديثًا موقوفًا عليه، وهو حديثٌ متصلٌ مُسنَدٌ
(١) هكذا في خط، وفي ش وع: ((التابع)).

١٦٠
النوع الحادي عشر =
إلى رسول الله وَّة، فقد جعله ((الحاكم أبو عبد الله)) نوعًا من المعضل،
مثالُه: ما رويناه عن الأعمش، عن (الشّعبي)(١)، قال: ((يقال للرجل يوم القيامة:
عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: ما عملتُه، فيُخْتم على فيه ... )) الحديث؛ فقد أعضَلَهُ
الأعمشُ، وهو عند الشعبي: ((عن أنس عن رسول الله (وٍَّ)) متصلاً مسنداً.
ء
قلت: هذا جيد حسن، لأن هذا الانقطاع بواحد مضمومًا إلى الوقف، يشتمل
على الانقطاع باثنين: الصحابي، ورسول الله وَ﴾. فذلك باستحقاق اسم
الإعضال أَوْلَی. انتهى.
قال: تفريعات:
أحدُها: الإسناد المعنعَنُ، وهو الذي يقالُ فيه: فلان عن فلان؛ عَدَّه بعضُ الناس
من قبيل المرسَل والمنقطع، حتى يتبيَّن اتصالُه بغيره.
والصحيحُ والذي عليه العملُ، أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب
الجماهير من أئمة الحديث، وغيرهم، وأودعهِ المشترطون للصحيح في تصانيفهم
فيه وقَبلوه، وكاد ((أبو عمر ابن عبد البر)) يَدِّعي إجماع أئمة الحديث على ذلك،
وادّعى ((أبو عمرو الداني المقرىء الحافظُ)) إجماع أهل النقل على ذلك.
وهذا بشرط أن يكونَ الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتَتْ ملاقاةُ بعضهم بعضًا
مع براءتهم من وَصْمة التدليس، فحينئذ يُحملُ على ظاهر الاتصال، إلا أن يظهر
فيه خلاف ذلك.
وكثُر في عصرنا وما قاربه، بين المنتسبين إلى الحديث استعمالُ ((عن)) في
الإجازة، فإذا قال أحدهم: قرأتُ على فلان عن فلان؛ أو نحو ذلك، فَظُنَّ(٢) أنه
رواه عنه بالإجازة، ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على ما لا يخفى. انتهى.
اعترض على قوله: كاد ابن عبد البر يدعي إجماع أئمة الحديث، وموضع كاد
مقاربة اسمها (لخبرها)(٣) مع أن ابن عبد البر جزم بذلك في مقدمة ((التمهيد))
(١) هكذا في ش وع، وفي خط: ((السبيعي))، وراجع: ((تحفة الأشراف)) (١/ ٢٤٩).
(٢) في حاشية خط: ((فظُنَّ هنا أمر بالظن لا إخبار)). وقارن بحاشية ((المقدمة))
(٣) هكذا قرأتها ويحتمل أن تكون ((بخبرها)) فقد وضع الناسخ نقطة تحت الحرف الأول لكنه أشبه باللام منه بالباء الموحّدة.