النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
الارجاء عن أبي حنيفة ويَعُدُّه من المرجئة ، وهو افتراء عليه ،
قَصَدَ به غسَّانُ ترويجَ مذهبِهِ بنسبته إلى هذا الامام الجليل .
وأمَّا نابأ: فقد قال الآمديّ: إِنَّ المنزلة كانوا في الصدر
الأول يُلَقِّبون(١) مَنْ خالفَهم في القَدَرُ مْجِئاً، أَوْ لانه
لمَّا قال: الإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقص ◌ُنَّ بِه الارباء بتأخير العمل
عن الايمان. انتهى .
وخلاصةُ الحرام في هذا المقام أنَّ الارجاء:
قرُ لقَوء على أهل السنة والجماعة من مخالفهم الممنزلة
الزاعمين بالخلود الناريّ لصاحب الكبيرة .
وقر يُطْلَقُ على الأئمةِ القائلين بأن الأعمالَ ليست
بداخلة في الايمان ، وبعدم الزيادة فيه والنقصان ، وهو مذهبُ أبي
حنيفة وأتباعِهِ مِنْ جانبٍ المحرتين القائلين بالزيادة والنقصان ،
وبدخول الأعمال في الايمان . وهذا النزاع وإن كان لفظياً كما حقَّقه
المحققون من الأولين والآخِرِين ، لكنه لمَّا طال وآلَ الأمرُ
إلى بسط كلام الفريقين من المتقدّمين والمتأخِرِين، أدَّى ذلك إلى
(١) لفظ ( يُلقبون) سقط من الأصلين. وهو موجود في ((الخيرات
الحسان )) .
١٦٢
أن أطلقوا الارجاء على مخالفيهم، وشنَّعوا بذلك عليهم ، وهو ليس
بطعن في الحقيقة على ما لا يخفى على مَهرة الشريعة .
وإِذا انتقش هذا كلّه على صحيفة خاطرك فاعرف أنه لا
تنبغي المبادرةُ - نظراً إلى قولٍ أحدٍ من أئمة النقد وإِن كان من
أجلّة المحدّتِين في حقٍّ أَحَدٍ من الراوين: إِنه من المُرْجِئِين -
بالمعاقِ القولِ بكونه من فِرق الضلالة، وجَرْحِهِ بالبدعة
الاعتقادية، بل الواجبُ التنقيح، والحكمُ بما يظهر بالوجه الرجيح
نَعَمْ إِنْ دِلَّت قرينةٌ حَالِيَّةٌ أو مقاليَّة على أنَّ مراد الجارح
بالارجاء ما هو ضلالة ، فلا بأس بالحكم بكونه ذا ضلالة ، وإلاّ
فيُحَتَمَلُ أن يكون إِطلاقُ ذلك القولِ على ذلك الراوي من
معتزليٍ، ومنه أَخَذ ذلك الجارحُ ، واعتمد على اشتهاره من دون
وقوف على الواضعِ، وُيُجتَمَلُ أن يكون الراوي ممن لا يقول
بزيادة الايمان ونقصانه، ولا بدخول العمل في حقيقته، فأطلق عليه
الجارحُ المحدّثُ الأرجاء تبعاً لأهل طريقته .
ويشهد لما ذكر نا ما في ((لسان الميزان)» لابن حجر العسقلاني
في ترجمة ( محمد بن الحسن (١) ) تلميذ أبي حنيفة: فَقَل ابنُ
(١) : (٥ / ١٢١ ) ..
١٦٣
عَدِيّ عن إسحاق بن راهويه ، سمعتُ يحي بنَ آدم يقول : كان
شَريكٌ لا يجيز شهادة المُرْجئة، فشهد عنده محمدُ بن الحسَن
فردً شهادته! فقيل له في ذلك ؟!فقال: أنا لا أجيزُ شهادة من يقول:
الصلاةُ ليست من الإيمان . انتهى . فانَّ هذا صريحٌ في أنه إِما
أَطلق على (محمّد) الارجاء لكونه لا يرى الصلاة جزءاً من حقيقة
الايمان، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس بضلال وطغيان .
وكذا قولُ الذهبي في ((ميزانه)) في ترجمة (مِسْعَر بن
كِدَامٍ(١)) - بعدذكرِ وَ تَافتِه -: ولا عبرةَ بقول السُلَيماني(٢):
كان من المُرْجئةِ مِسْمَرٌ، وحمادُ بن أبي سليمان، والنعمانُ، وعمرُ و
ابنُمرَّةٌ، وعبدُ العزيز بن أبي رُوّاد، وأبو معاوية، وُعُمَرُ بن
ذَرَ، وسَرَدَ جماعةً. قلتُ: الارجاء مذهبٌ لعدة من أجلّة
العلماء ، ولا ينبغي التحاملُ على قائله. انتهى .
وكذا قولُ الشَّهْرَ سْتاني في ((المِلِلَ والنّحَل (٣))) في
(١) : ( ٣ / ١٦٣ ) .
(٢) هو الحافظ المحدّثُ العمّر" أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو
البِيْكَنْدِي البُخاريّ، من أهل السنة، ولد سنة ٣١١، وتوفي سنة ٤٠٤.
له تصانيف كثيرة منها: تأليف في أسماء الرجال. كما في ترجمته في «تذكرة
الحفاظ)) الذهبي (ص ١٠٣٦ ) .
(٣) : (١ /١٣٠) .
١٦٤
آخر بحث المُرْجِئة: رجالُ المرجئة - كماُ نقِلَ - الحَسَنُ بنُ
محمد بن علي بن أبي طالبٍ، وسعيدُ بنُجَبَيْرٍ، وطَلْقُ بنُ حَبيب،
وعمرُوُ بنُرَّةٌ، وُمُحَارِبُ بنِ دِثَارَ(١)، وُمُقاتِلُ بن سليمان،
وذرٌُ(٢)، وعمرُ و بن ذَرّ، وحَمَّدُ بن أبي سُليمان، وأبو حنيفة.
وأبو يوسف، ومحمَّدُ بن الحَسَن، وقُدَيْدُ بنُ جعفر. وهؤلاء
كلْهم أئمةُ الحديث، لم يكفّروا أصحاب الكبائر بالكبيرة ، ولم
يَحْكَمُوا بتخليدم في النار، خلافاً للخوارجِ والقَّدَريَّة. انتهى.
فائدة
قد تَشبَّثَ بعضُ الشيعة - كصاحب ((الاستقصاء)»
وغيره - بقول السُلَيمائي(٢) المذكور في ((الميزان)) في أَنَّ أبا حنيفة
من المُرْجئة، ولم يَعْلمِ أنه قولٌ مردودٌ أو مؤوَّلُ عند جهابذةٍ
(١) هذا هو الصواب كما جاء في ((الملل والنحل)، طبعة سنة ١٣١٧
(١ / ١٩٤)، وكما في ((القاموس)): (دثر)، وكما في ترجمة ('نحارب بن
ديار) في ((تهذيب التهذيب، لابن حجر (١٠ /٤٩ - ٥٠). ووقع في
((الملل والنحل)) طبعة بدران الثانية (١٣٠/١): (محارب بن زياد) .
وهو تحريف !
(٢) هذا الاسم والذي بعده ليسا موجودين في الأصلين. وزدتها من
(((الملل والنحل)).
(٣) سبقت ترجمته قريباً في ( ص ١٦٣).
١٦٥
أهل السُّنَّة(١)، وقد عَدَّ السُّلَيمانيْ في موضعٍ آخر أبا حنيفة
من الشيعة، فلِمَ لم يَسْقند بهذا القولِ المردود، ليَدْخُل أبو حنيفة
في مذهبه المطرود ؟ !
قال الذهبي في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي حاتم) من «ميزانه(٢):
وما ذكرتهُ لولا ذكرُ أبي الفضل السُّلَيْماني(٣)، فبِئْسَ ما
صَنَع ! فانه قال: ذِكْرُ أسامي الشيعة من المحدّتِين الذين يُقدّمون
عليّاً على عثمان: الأعمشُ، والنعمانُ بن ثابت ، وشُعبةُ بن
الحجَّاج، وعبدُ الرزّاق، وعُبَيدُ الله بن موسى، وعبدُ الرحمن
ابن أبي حاتم . انتهى .
وبالجملة فكما أنَّ قولَ السُّلَيْماني هذا غيرُ مقبول، فانَّ أبا
حنيفة ليس من الشيعة باتفاق الفريقين ، فكذا قولهُ السابقُ غيرُ
مقبولٍ عند أماتلِ النَّقَلّين .
(١) لفظة ( أهل) زيادةٌ مني على الأصلين.
(٢) : (١١٦/٢).
(٣) هو الذي سبقت ترجمته قريباً في ( ص ١٦٣).
١٦٦
تذنيب نبيه
نافع لكلّ وجيه
أعلى أنه ذَكَرَ قطبُ الأقطاب، وغوتُ الأنجاب، رئيس
الصوفية الصافية ، رَأْسُ السلسلة القادرية مولانا السيد محي الدين
عبد القادر الجيلاني، دامَ مَنْ دخل في سِلْسِلَتِهِ مقبوطاً بالفضل
الرحمانيّ، في فصل من فصول كتابه: ((غنية الطالبين))، عند
ذكر فِرَق هذه الأُمَّةِ (١): فأصلُ ثلاثٍ وسبعين فرقة،
عشرةٌ: أهلُ السنة والجماعة، والخوارجُ، والشيعةُ، والمنزلةُ.
والمُرْجِئَةُ، والْمُشْبِّبَةُ، والجَهْعيةُ، والضّرارِيةُ، والنجَّارية.
والكُلاَّبِيةُ . إلى آخره
ثم ذكر حال كل فرقة وفروعها واختلاف مقالاتها
وقال عند ذكر المُرْجِئة: أمَّا المرجئة فقِرَقُها اثنتا عشرة(٢).
فِرقة: الْجَهْميَّة، والصَّالِحِيَّة، والشّمْريَّة، والبُونُسِيَّة،
واليُونَانيَّة(٣)، والنجَّارِيَّة، والغَيْلانيَّة، والشَّبِييَّة، والحَنِفِيَّة،
(١) : (١ / ٧٥ و ٨٠ ) .
(٢) وقع في الأصلين: ( اثنا عشر فرقة). وهو تحريف ناسخ .
(٣) وقع في الأصلين: (التونانية). وهو تحريف قلم، صوابه:
١٦٧
والمُعَاذِيَّة، والمَريسيَّة، والكَرَّامِيَّة. انتهى.
ثم ذَكَرَ عالَ كل فِرقة ومن نُسِبَتْ إليه، إلى أن قال:
وأمَّا الْخَنَفِيَّة فهم أصحابُ أبي حنيفة النعمان بن ثابت، زعموا أنَّ
الإيمان هو المعرفةُ والاقرارُ بالله ورسوله وبما جاء من عنده جملة
على ماذكره البَرَ هُوني (١) في ((كتاب الشجرة)). انتهى.
فهذا - كما ترى - يَدُلُّ على أنَّ الحَنَفِيةَ أتباعَ الملة
الحَنَيفيَّة: من المُرْجئة الضالة المبتدعة. وقد استند بهذه العبارة.
جمعٌ من الشيعة ، فطعنوا به إِلزاماً على أتباع أبي حنيفة ، وزعموا
= (اليونانية) نسبة الى (يونان) كما جاء في «الغنية)).
(١) هكذا جاء في الأصلين. ووقع في ((الغنية)) المطبوعة (البرهو في).
ولعله تحريف ? فقد بحثتُ عن النبتين فوجدت في ((معجم البلدان)):
(١٥٧/٢) و((القاموس)) و((شرحه)) في (برت) و (يره) ما خلاصته:
(( بَرَهُوت بفتح الياء والراء وضم الهاء، ويُقال أيضاً: بُرْهُوت بضم الياء
والهاء مع سكون الراء: بثرٌ بحضر موت، أو بثرُ أو بلدٌ بالسمتن)). أما
( برهو في) فلم أجد عنها شيئاً، وكذلك لم أجد شيئاً عن ((كتاب الشجرة))
ومؤلفه مع طول البحث ، ولكل شيء أجل .
ثم وأيتُ العلامة المؤرخ الكبير الشيخ محمود حسن النُّونَكي المندي
رحمه اله تعالى يقول في كتابه ((معجم المصنفين)): (١٥٨/٢ - ١٥٩)
تعقيباً على عبارة ((الغنية)): ((ولا ينبغي أن يعوَّل على البَرّهُوني و((كتابٍ.
الشجرة))، فإنها مجهولان جهالة في ذاتها وصفاتها، وكذا لا تعويل على
نقلِ الشيخ عنها، إذ كان غرضُه إحرازَ ما وَجَد)).
١٦٨
أنه من المرجئة الضالّة. واقتدى بهم في هذا الطعن كثيرٌ من أهل
السنة ممن له تعصبٌ وافر ، وتعنّتٌ ظاهر بأبي حنيفة ومُقلّديه
فأوردوا هذه العبارة في مَعْرِض معايبه ومتالبه إيذاء لمُقلده.
ولا تَجَبَ من الشيعة ، فانهم من أعداء أهل السنة، يسبُّون
أكابر الصحابة ، ويطعنون على سَلَفٍ أصحاب الهداية، فما بالك
بأبي حنيفة وطريقته المَرْضيَّة؟ إنما العَجَبُ من هؤلاء الذين هم
من أهل السنة ويدَّعون أنهم من مُتّبعي الكتاب والسنة ! ومع
ذلك يطعنون على أوَّل هذه الأمَّة ، وصدر الأئمة من دون
بصيرة وبصارة !
وقد طال البحث قديماً وحديثاً بين علماء المذاهب الأربعة في
عبارة (الغنية))، واستشكلوا وقوعها من مثلِ هذا الشيخ الجليل،
والصوفي النبيل ، وذلك لوجهين :
الأول: أنَّ كُتُبَ الإمام أبي حنيفة كـ((الفقه الأكبر))،
و (( كتابٍ الوصية)» ◌ُتُنادي بأعلى النداء على أنه ليس مذهَبُهُ - في
باب الايمان وفروعه - ما ذهبَتْ اليه المُرْجِئَةُ أصحابُ الاغواءِ،
وكذلك كتُبُ الحنفية تشهد بطلانٍ مذهب المُرْجئة، وأنَّ
الحنفية وإمامهم ليسوا منهم . فهذه النسبة الواقعة فِرْية بلا مِرية،
١٦٩
وصُدُورُها من مثل هذا الشيخ الذي هو سيدُ الطائفة
الرضيَّة: بِلِيَّةٌ أَيُّ بليَّة .
والثاني: أنَّ غوثَ الثقلين بنفسه ذَكَرَ في «غنيته)) أبا
حنيفة بلفظ الامام، وأورَدَ قولَه عند ذكر خلاف الأئمة
الأعلام .
فمن ذلك قولُهُ في بيان وقت الفجر (١)، بعد ذكرمَذهْب
إمامه أحمد بن حنبل من أنَّ التغليس أفضل: وقال الامامُ
أبو حنيفة: الاسفار أفضل. انتهى.
وِمِن ذلك قولُ في فضل الصلاة(٢)، عند ذكر كم
تارك الصلاة: وقال الامام أبو حنيفة: لاُ يُقْتَلُ، ولَكِنُ يُحْبَسُ
حتى يُصلّي فيتوبَ أو يموتَ في الحبس، وقال الامام الشافي:
"يُقْتَلُ بالسيف حدّاً ولاُ بِكَفَّر. انتهى.
فلو كان عنده أنَّ أبا حنيفة من المُرْجِئة الضالّة، لما ذَكَرَ
قولَهُ في الأمور الشرعية مع أقوال الأئمة الراضية .
وفر تَفَرَّقُوا في رفع هذين الاسكالين على مسالك، أكثرُها
(١) : ( ٢ /٨٧ ) .
(٢): (٢ /٩٦) .
١٧٠
لا تعجبُ طالب أحسنِ المسالك.
فحهم مَنْ قالٍ: إِنَّا لا نفهمُ كلام الشيخ الجيلاني ، بل
نَقْطعَ بكونه حقًا ، مع القطع بكون الحنفية ناجيةً حقًا .
ولا يخفى على الذكي أن هذا لا يُغني ولا يَشْفي.
ومنهم مَنْ قَالٍ: إِنَّ غوثَ التَّقْلَين لما أُدْخَل الحنفيةَ في
الفِرَق الغير (١) الناجية لَزِمَ من انتسب إلى إِرادتِهِ وسلسلتِهِ
أن يُخلع رِبْقةَ التحتّف عن رَقَبَتِهِ.
وأنت تعلمُ ما فيه من الفساد ، لا يَتَفوَّهُ به إلا ذو غباوة
وعناد، فإنَّ مجرد إطلاقِ المُرْجِئة من الحنفية من سيّد السلسلة
القادريَّة - مع مخالفة كتب إمام الحنفية وزُبر الحنفية - لا يجوّزُ
هذا الامرَ الذي ذَكَرَهُ هذا المجيبُ الغيرُ(١) المصيب، كيف
فانَّ مخالفة الواحد - ولو كان من أعظم المشاهير - أهونُ من
مخالفة الجماهير؟ وأيّ مُضَايقة في عدم اعتداد قولٍ غوث الثقلين
في هذا الباب؟ لكونه مخالفاً لجميع أولي الألباب، لا سيما إذا وُجِدَ
منه بنفسه ما يُعارضّه وُيخالفه، فإنَّ كلَّ أُحدٍ يُؤخذ من قولِهِ
(١) - بق في (ص ٧) بيان ما في هذا التركيب من مخالفةٍ لأسلوب
العربية .
١٧١
ويُتركُ إِلا الرسولَ وَجل، وليس كلُ قولِ كلّ معتمدٍ بمسلم،
فانّ العصمة عن الخطأ مطلقاً من خواص الأنبياء، ولا توجد في
الصحابة فضلاً عن الأولياء .
ونظيرهُ قولُ الشيخ محيي الدين بن العربي في ((الفصوص(١) )»
بإيمان فِرْ عون اللعين، فإنَّه لكونه مخالفاً للقرآن والسنةِ وأقوالٍ
الأئمة، ومخالفاً لما صَرَّح هو به في ((الفتوحات المكية(٢))) لم
يَقْبلهِ جمعٌ من فضلاء الدين، كما بَسَطه عليّ القاري المكي في
رسالته ((فرّ المَوْنِ مِنْ مُدَّعي إِيمانِ فِرْعون)» وابنُ حجرٍ المكي
في كتاب (( الزواجر عن اقتراف الكبائر (٣))) وغيرُهما في غيرِهما.
ومنهم من قال: إِنَّ الشيخ لم يَذْكر ذلك من عند نفسه،
بل نَقَلَه عن غيره ، والناقلُ ليس عليه إلا تصحيحُ النَّقْل، وإِنمَّا
العُهدةُ على ما مِنْهِ النَّقْل .
وفيه سخَافةٌ ظاهرة عند أهل الفضل، فإنَّ العالم الْمُتَبَحِرِ
(١) وذلك في «فص حكمة علوية في كلمة موسوية)): (ص ٣٩٢)
بشرح الشيخ بالي، و (ص٢٥٣) بشرح القاشاني، و(٢٧٦/٢) بشرح النابلي .
(٢) وذلك في «الباب الثاني والبتون في مراتب أهل النار)):
(٣٠١/١) .
(٣) وذلك في ((الكبيرة الأولى: الشرك الأكبر أعاذنا الله منه)»:
(١ /٣٤ -٣٦).
١٧٢
والصوفيَّ الْمُتَبَصِرِ، لا يُعْذَرُ في نقلِ مثلِ هذا الباطل ، بل لا
يحلُّ نقلُه إِلا للرد عليه والقدح فيه على الوجه الكافل. وإن شئت
تفصيل هذا فارجع إلى رسالتي: ((تذكرة الراشد بردّ بصرة
الناقد » .
ومنهم من قال: إِنَّ (الغنية)) ليس من تصانيف الشيخ
محي الدين (١) ، فلا قدْحَ عليه في ذلك عند علماء الدين، ويشهدُ له
قولُ الشيخ عبد الحقّ الدّهْلَوي(٢) في عنوان ترجمة ((الغنية))
بالفارسية : هركز ثابت نشده كه ابن از تصنيف انجناب است
اكرجه انتساب آن بانحضرت شهرت دارد ونظر برين كه
شایددران حرف آز آنجناب بود ترجمه کردم جناتجه علامهمیرحسين
مییذي در ديباچه دیوان كه نزد عوام منسوب بحضرة أمير المؤمنين
علي رضي الله عنه ست يرهمين اسلوب معذرت كرده. انتهى.
وحاصلُهُ: أنه لم يَتْبُت أنَّ ((الغنية)) مِن تصانيفهِ وإِن
(١) أي السيد عبد القادر الجيلاني.
(٢) هو مؤلّفُ ((مدارج النبوة))، و((شرح المشكاة)) العربي
والفارسي وغير ذلك، محدّثُ الهند: عبدُ الحقّ بن سيف الدين بن سعد الله
البخاريّ ثم الدّمْلوي، المتوفى سنة ١٠٥٢. وليُطلب تفصيلُ ترجمته من
رسالتي ((إنباء الخلان بأنباء علماء هندوستان)). منه رحمه الله تعالى.
١٧٣
اشتهر انتسابُها إليه .
وغيرُ خفيّ على كل نَقِيّ ما في هذا الجواب من النَّبَابِ:
أَمَّا أَوَّلاَ: فلأنَّ نسبتها إليه مذكورةُ في كُتُب ابنٍ
حجر وغيره من الأكابر، فانكارُ كونِها مِن تصانيفه غيرُ مقبولٍ
عند الأواخر .
وأَصَّاً ثانياً: فلانَّ مَنْ طالَعَ ((الغنية)) من أَوَّلها إلى آخرها
حرفاً حرفاً عَلِمَ كونها من تصانيفه قطعاً .
وأُمَّا ثالثاً: فلأنّه - على تقدير تسليم أنه ليس من تصانيفه
بل من تصانيف غيره - لا يَشُكُ مَنْ يُطالِعُها أنَّ مؤلِفِها
فاضلٌ رَبّاني ، وكاملٌ حَقّاني، وإِنْ كان غيرَ الشيخ الجِيلاني،
فلزومُ كونِ الخفية مُرْ جِئة، بتصريح من هو من الطائفة
المتقنة ، باقٍ إِلى الآن كما كان، وإن اندفع الطعنُ عن (١) الشيخ
الجيلاني قطب الزمان .
ومنهم من قال : إِنَّ هذه العبارة التي فيها ذكْرُ الحنفية
مِن المُرْجِئِة: ليست من الشيخ عبد القادر، وإِنما أدرَجَها أَحَدٌ
ممّنَ له ◌ُبُغْضُ وتعصُّبٌ ظاهر. وهذا مما اختاره عبد الغني
(١) وقع في الأصلين: (على ). وهو سبق قلم.
١٧٤
النابلسي (١) في كتابه « الردّ المتين على مُنتَقِصِ العارفِ محي
الدين)) حيث قال: الأولى في الجواب أنْ يقال: تلك العبارةُ
مدسوسةٌ مكذوبةٌ على الشيخ، وينبغي أن يُحفَظ هذا الأصل
في جميع ما وُجِدَ في كتب العلماء الصالحين من بعضِ العباراتِ
الفاسد معناها القبيح مرادُها، كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني
في كتابه ((الانتصار)) ما معناه: إِنَّ وجود مسألة في كتاب أو في
ألفٍ كتابٍ منسوبٍ إِلى إِمام: لا يَدُلُّ على أنه قالها حتى ينقل
ذلك نقلاً متوابراً يستوي فيه الطرفان والواسطة، وهذا عزيز
الوجود . انتهى .
وكذا قال الفاضل السّالكوني (٢) في ترجمة (( الغنية)):
بدانكة : ذكر حنفية در فرق مرجئه وكفتن كه ايمان نزدشان
معرفت است واقرار خلاف مذهب ابن طائفه است كه در كتب
(١) المتوفى سنة ١١٤٤، مؤلفُ ((الحديقة الندية شرح الطريقة
المحمدية))، والرسائل الكثيرة . منه رحمه الله تعالى.
(٢) هو عبد الحكيم بن شمس الدين، علامة الهند، مؤلف ((حواشي
المطوّل)، و((حواشي شرح المواقف))، و((حواشي تفسير البيضاوي))،
و «حاشية مقدمات التوضيح))، وغير ذلك، المتوفى سنة ١٠٦٧. وليطلب
تفصيلُ ترجمته من رسالتي ((إناء الجلان بأنباء علماء هندوستان)). منه
رحمه الله تعالى .
٠٠
١٧٥
مقررست وشايداين رابعض مبتدمان داخل كرده الد در كلام
شيخ. انتهى .
وأيّده بعضهُم بأنَّ إِدراج جملةٍ أو كلامٍ في كلام العلماء من
بعض الجهلاء غيرُ بعيدٍ عند العالمين، بل هو واقع في كلام الأولين
والآَخِرِين. قال الشَّمْراني (١) في ((اليواقيت والجواهر في بيان
عقائد الأكابر(٢))):
فروسيّ الزنادقةُ تحت وسادة الامام أحمد بن حنبل عقائد
زائفة، ولو لا أنَّ أصحابه يعلمون منه صحةَ الاعتقاد لافتقنوا
ما وجدوا .
وكذلك دَسُوا على شيخ الاسلام مجْد الدين الفيروزآبادي
صاحب ((القاموس)) كتاباً في الردّ على أبي حنيفة وتكفيره ،
ودَ فَعُوه إلى ابن (٣) الْحَيّاط اليمني، فأرسَلَ يلوم الشيخَ مَجْدَ
الدين على ذلك ، فَكتَبَ إليه: إن كان بكفّك هذا الكتاب فاحرقه.
فانه افتراء من الاعداء ، وأنا من أعظم المعتقدين في الامام أبي
(١) هو القطب عبد الوهاب بن أحمد الشمراني، المتوفى سنة ٩٧٣.
منه رحمه الله تعالى .
(٢): (٦/١ ) .
(٣) عبارة ((اليواقيت والجواهر)) المطبوعة: (إلى أبي بكر الخياط).
١٧٦
حنيفة ، وذکرتُ مناقبه في مجلّد
وكذلك دموا على الإمام الغزالي في ((الاحياء)» عدَّة (١)
مسائل، وظفِرَ القاضي عياض بنسخة من تلك النسخ فأمر بإحراقها.
وكذلك دستوا على الشيخ محي الدين عدة مسائل في
(( الفتوحات)) وقفتُ عليها وتوقفتُ، فذكرتُ ذلك للشيخ أبي
الطاهى المغربي نزيل مكة المشرّفة فأخرجَّ لي نسخةً من ((الفتوحات))
:
التي قابلها على نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة ((قوية)) فل أو
فيها شيئاً مما كنت توقفتُ فيه وحذَفَتْهُ حينَ اختصرتُ
((الفتوحات )» ..
وكذلك دَسُوا عليَّ أنا في كتابي المسمَّى بـ ((البحر المورود))
جملةً من العقائد الزائفة ، وأشاعوها في مصر ومكة ثلاث سنين !
وأنا بريء منها . انتهى.
ولا يذهَبُ على أهل الفطانة، ما في هذا الجواب من
السخافة ، فإنَّ مجرَّد احتمال كون تلك العبارة مدسوسةً لا يكفي
لدفع الخَدشة إلاّ إذا تأيّد ذلك بوجود نسخ ((الغنية)» الصحيحة
خالیة عن هذه البليَّة ، وإِذْ لیس فلیس
(١) لفظ ((عدة)) زيادة من ((اليواقيت والجواهر)).
١٧٧
ومنهم مَنْ قال: إِنَّ أبا حنيفة كنية لغير إِمامنا أيضاً، فرادُ
الشيخ من (أبي حنيفة) الذي جَعَل أتباعه مرجئة: غيرُهُ.
وفيه ضعفٌ ظاهر لوجوه:
الأول: أنَّه مجرَّدُ احتمالٍ فلا يُسمع.
الثاني : أنَّ ذِكْر نُعمان بن ثابت بعد ذكر أبي حنيفة
شاهدٌ عدلٌ على أنَّ المراد منْ هو معدودٌ من الأئمة الأربعة .
الثالث: أنَّ أبا حنيفة الذي هو غيرُ إِمامنا لم يَشْهر مذهبُه،
ولا شاعَتْ طريقتُه، ولاُ سمّي أتباعُه حنفية، فلفظُ الحنفيةِ في
عبارة الشيخ آب عن هذه القضية الحَمْليَّة .
ومنهم من قال: إنَّ الارجاء على قسمين: إرجاء البدعة،
وإرجاء السنة، كما مَرَّ تفصيلُه (١). ومَرَّ أيضً(٢) أن كثيراً من
أهل السنة سمَّم مخالفوم: ◌ُرْ جِئَة، فَكلامُ الشيخ محمولٌ على
الإرجاء السُّنّي لا على الارجاء البدعي. وهذا ممَّا اختاره عليّ
(٣)
القاري (٣).
(١) : (ص ١٥٤).
(٢): (ص ١٦١).
(٣) في شرح ((الفقه الاكبر)): (ص ٦٧). وكلامه يؤول إلى ما
قاله المؤلف هنا .
١٧٨
وفيه أيضاً خنَدْشَة واضحة من حيث إنّ الشيخ بصدد
بيان فِرَق الضلالة، وذكر منها المُرْجِئة ، ثم منها الحنفية،
فلا مجمَال هناك لهذا الاحتمال، وإنْ كان مستقيماً في عباراتٍ غيرِهِ
من أهل الإكمال، كما مَرّ، فيما مَرّ
ومنهم من قال: إِنَُّمرادَ الشيخ من الحنفية فِرقةٌ منهم:
وم المُرْجئة .
وتوضيحُهُ: أَنَّ الحنفية عبارةٌ عن فِرْقة تُقَلِّدِ الامام أبا
حنيفة في المسائل الفرعية، وتَسلُكُ مسلكَهُ في الأعمال الشرعية ،
سواء وافقته في أصول العقائد أم خالفَتْه، فانْ وافقته يقال لها :
(الحنفيَّةُ الكاملة)، وإِنْ لإ توافقه يقال لها: (الحنفية) مع قيد
يُوَضّحُ مسلكه في العقائد الكلامية، فكم من حنفي حنفيٌ في
الفروع، معتزلي عقيدة، كالزمخشري جار الله مؤلف «الكشاف))
وغيره، وكمؤلف (القنية))، و((الحاوي))، و((المجتبى)) شرح
(مختصر القدوري)): نجم الدين الزاهدي. وقد بسطنا ترجمتَهُما
في ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية(١)))، وكعبد الجبّار، وأبي
(١) ترجمة الزمخشري: (محمود بن عمر) فيها في ( ص ٢٠٩). وترجمة
الزاهدي: ( مختار بن محمود ) في ( ص ٢١٢ ).
١٧٩
هاشم، والجُبّاني، وغيرِيمٍ. وكم من حقيٍ حنفيٌ فرعاً من جراء
أو زَيْدِيٌّ أصلاً .
وبالجملة فالحنفية لها فروع باعتبار اختلاف العقيدة، فمنهم
الشيعة، ومنهم المعتزلة ، ومنهم المرجئة ، فالمراد بالحنفية ههنا م الحنفية
المُرْجئة الذين يتَّبعون أبا حنيفة في الفروع ويخالفونه في العقيدة ،
بل يوافقون فيها المُرْجِئَةَ الخالصة .
وهذا الجوابُ وإِنْ كان أحسَن من الأجوبة السابقة، لكن
لا يخلو عن سخافة قادحة، وذلك لأنَّ عبارة ((الغنية)» تحكُم
بأنَّ المُرْجِئِة أملُ ومِن فروعِهِ الحنفية ، ومقتضى (١) الجواب
أُنَّ الحنفية أصل، ومن فروعه المرجئة.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّ لفظ الحنفية عند ذكر فروع
المُرجئة وقع تصحيفاً سهواً أو عمداً من كُتَّاب (( الغنية)) موضع
الغَسَّايَّة، فإنَّ أصحاب المقالات ذكروا الغَسَّانيَّة من فروع
المُرْجِئِّة، ولم يذكروا الحنفية، و((الغنيةُ)) خاليةٌ عن ذكر
الغسانية.
وفيه أيضاً سخافة ظاهرة، فإنَّ مجرَّدَ احتمال التصحيف من
(١) وقع في أحد الأصلين: ( أو مقتضى ... ). وهو سبق فلم.
١٨٠
الكاتب من غير ◌ُحُجَّة: غيرُ مسموع عند أرباب التّصوحِ، مع أنَّ
تفسير الخفية الواقعَ في ((الغنية)) يأبى عن هذا الاحتمال، إِلاَّ أَنْ
"يُتَزِمَ أنَّ ذلك أيضاً تصحيفٌ وقع من الكاتب النقَّال، وهو
احتمال على احتمال، فلا يُصغي إليه ربّ الكال.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّ المرادِههنا بالحنفية؛ الحنفيةُ القائلون
بأنَّ الإيمان هو المعرفة بالله وحده ، ونحو ذلك من خرافات
المُرْجئةِ الخالصة .
وتوضيحُهُ على ما في ((الرسالة الفخرية)» أنَّ النسبةَ بين أهل
السُّنَّة - سواء كان حنفياً أو شافعياً أو حنبلياً أو مالكيا - وبين
المُرجئةِ الضالّةِ: نسبةُ التباين الُكلّي، والنسبةَ بين الخفية
- بمعنى المتابعين له أصلاً وفرعاً - وبين أهل السنة: عمومٌ
وخصوصٌ مطلقاً، فكلُ حنفيّ من أهل السنة، وليس أنَّ كلّ
أهلِ السنة حنفيٌ، والنسبةَ بين الخفية - بمعنى مُقَلِديه في الفروع
فقط ، وهذا المعنى أعمُ من الأول - وبين أهل السنة : عموم
وخصوصٌ من وجه ، فادَّةُ الافتراق: من يكون حنفياً ولا
يكون من أهل السنة ، - كالمُرجئة الحنفية والمُمنزلة الخفية -
وَمَنْ يكون من أهل السنة ويكون شافعياً مثلاً. ومادَّةُ الاجتماع: