النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
لا يحذف معهما من حروف الجر، إلا ما دل عليه الفعل السابق لكونه يعدي بذلك
الحرف فيقال مثلاً: عجبت أن تقوم فيقدر من لأن عجبت يتعدى بمن، وفرحت أن تقوم
فتقدر الباء لأن فرح يتعدى بالباء، ورغبت أن تجيء فيقدر في لأن رغبت يتعدى بفي،
وهذا البيت فيه من الأفعال يخاف وهو إنما يتعدى بمن لا بإلى ومن المعدية له موجودة
فلا يجوز تقدير إلى فيما بعده لأن الفعل لا يدل عليها، وهذه قاعدة نفيسة ينبغي أن
تحفظ .
مسألة :
وزان أهل النهي في الخبر والخبر
يا عالماً فاق أهل العصر والأثر
بذاك ذاكرها في البدو والحضر
هل لام يطلع مضموم ويضبطها
كما تفوه شخص من أولي الفكر
وصنفوا كتباً في الصرف للبشر
بالعز والنصر والإقبال والظفر
أو ينصبوها وضم اللام ذا خطأ
وما تحقق من قول الذين مضوا
لا زال مجدك محروساً بأربعة
الجواب:
ثم الصلاة على المختار من مضر
تطلع على قوم المقروء في الزبر
الحمد لله مزجي السحب بالمطر
بالضم يطلع منقول وشاهده
مسألة :
يا عالماً زاده رب العلا شرفاً
هل رسم أرجو وأشباه لها كتبوا
أو واوها آخراً فاكشف لنا كرباً
الجواب:
على رجال سموا بالفضل والأدب
بالواو مع ألف أمضوه في الحقب
لا زلت تنجدنا في السلم والحرب
لله حمداً دائماً أبدا ثم الصلاة على خير الـ
ما كان فعلاً لفرد ما به ألف وفعل جمع به زد هذه تصب
مسألة: خطيب قال في خطبته: والله لتشربن كأساً أمالت الرؤوس ودقت عنقاً قالها بضم
الدال فاعترضه معترض وقال إنما هي بفتح الدال مبني وعنقاً مفعول.
الجواب: الخطيب مصيب والمعترض مخطىء، ودقت بضم الدال مبني للمفعول،
وعنقاً تمييز محول عن النائب عن الفاعل وكان الأصل أمالت الرؤوس ودقت أعناقها، فلما
حول أسند دقت إلى ضمير الرؤوس وانتصب ما بعده تمييزاً فأفرد كما هو من قواعد التمييز
ويوهي كونه بالفتح ونصب عنقاً مفعولاً الذي جنح إليه المعترض كون العنق بصيغة الإفراد
والكأس لم تدق عنقاً واحدة بل دقت أعناقاً كثيرة كما أمالت رؤوساً كثيرة فذكر العنق
بالإفراد على أنها مفعول في مقابلة الرؤوس التي هي جمع ركيك.

٢٦٢
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
مسألة: حدیث: «کما تکونوا یولی علیکم، لم حذفت النون من تكونوا دون ناصب
وجازم؟ .
الجواب: هذا الحديث روي هكذا بلا نون في شعب الإيمان للبيهقي وغيره، وقد خرج
على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على لغة من يحذف النون دون ناصب وجازم كقول الشاعر:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي(١). وخرج على هذه اللغة من الحديث قوله وَلجر: ((لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)). الثاني: وهو رأي الكوفيين، والمبرد أنه منصوب
أورده شاهداً على مذهبهم أن كما تنصب وعدوها من نواصب المضارع وهو مذهب
ضعيف. والثالث: أنه من تغييرات الرواة.
مسألة: قول الموثقين زوجاً باب ما مدلول هذا اللفظ؟ .
الجواب: مدلوله كمدلول مصراعي الباب وهما الفردتان المركبتان عليه، قال في
الصحاح: الزوج خلاف الفرد وكل منهما يسمى زوجا يقال هما زوجان للاثنين وهما زوج
كما يقال هما سيان وهما سواء، وتقول اشتريت زوجي حمام وأنت تعني ذكراً وأنثى،
وعندي زوجا نعل وقال تعالى: ﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠].
مسألة: في إعراب تركيب وقع في بعض الكتب نصه يقضي بالشفعة دافعاً عهدتها الدفع
إلى ذي اليد هل دافعا حال من الفاعل وهو الدفع أو من النائب عنه وهو بالشفعة؟.
الجواب: الوجه إعرابه حالاً من النائب عن الفاعل وهو بالشفعة لا من الدفع الذي هو
فاعل اسم الفاعل وهو دافع، والذي ذكر أنه حال منه إنما هو تفسير معنى لا تفسير إعراب،
وتفسير المعنى يتسمح فيه من غير مراعاة ما تقتضيه الصناعة الإعرابية، والذي تقتضيه
الصناعة قطعاً هو كونه حالاً من بالشفعة وإن كان في المعنى إنما هو صفة للدفع فهو حال
سببية جارية على غير من هي له كالصفة السببية والخبر السببي فهو كقولك: جيء بهند
ضارباً أبوها عمراً، فضارباً حال من بهند لا من أبوها الفاعل به وإن كان في المعنى له،
ونظيره في الصفة: مررت بامرأة ضارب أبوها عمراً، وفي الخبر هند ضارب أبوها عمراً،
فضارب صفة لامرأة لا لأبيها وخبر عن هند لا عن أبيها وإن كان في المعنى إنما هو للأب،
وتفكيك العبارة يقضي بالشفعة حال كونها دافعاً عهدتها الدفع إلى آخره، ولو أعرب حالاً
من الدفع لكان حقه التأخير، وحينئذ يصير التركيب يقضي بالشفعة الدفع إلى ذي اليد دافعاً
عهدتها وهذا تركيب مفلت غير ملتئم، وأعجب من ذلك أن يظن أن دافعاً حال من الدفع
وهو فاعل به - وفي ذلك محذوران من جهة العربية - أحدهما: أنه باعتبار كونه حالاً منه
حقه التأخير عنه، وباعتبار كونه عاملاً في الدفع الفاعلية حقه التقدم عليه وهذان أمران
متناقضان. الثاني: أن اسم الفاعل هنا وهو دافع إنما سوغ عمله الفاعلية والمفعولية كونه
حالاً كما تقرر في العربية أنه إنما يعمل في مواضع مخصوصة منها كونه حالاً، فلا بد أن
(١) ذكر تمام البيت في شواهد كتاب الشافية. وجهك بالعنبر والمسك الزاكي

٢٦٣
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
يكون حالاً قبل العمل حتى يصح عمله، فلا يصح أن يعمل الفاعلية ثم يصير حالاً من
الفاعل لأنه عمل قبل وجود الشرط وذلك باطل بالإجماع.
مسألة: في قول القاضي عياض في الفصل الخامس عقب الكلام على آيات النجم:
اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته وسر وعصمتها من الآفات في هذا
المسرى فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه وقع في بعض النسخ فزكى قلبه بقوله تعالى: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ [النجم: ١١] الآية بالفاء وفي بعضها بالواو فهل يتعين الإتيان بالفاء أو الواو؟
فإن قلتم بالأول فما وجهه أو بالثاني فما وجهه؟.
الجواب: يتعين في مثل التعبير بالفاء وهي تفسيرية ولا يجوز التعبير بالواو، ومن أمعن
النظر في القرآن، والحديث، وكلام العرب، والعلماء، والبلغاء لم يمتر في ذلك، فمن
أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتَهَا فَجَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] فإن قوله: فجاءها بأسنا تفسير
لأهلكنا والفاء تفسيرية، وفي صحيح البخاري أنهم شكوا سعداً فشكوا أنه لا يحسن أن
يصلي قال شراحه: الفاء هنا تفسيرية، وقال جماعة في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَأَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إن الفاء في فاقتلوا تفسيرية لأن توبتهم كانت نفس القتل، وكذا قول
صاحب الشفاء فزكى قلبه بقوله إلى آخره تفسير لقوله قبله فزکی فؤاده، وقوله فزكى فؤاده
ولسانه وجوارحه تفسير لقوله اشتملت هذه الآيات على إعلام الله بتزكية جملته والتعبير في
مثل ذلك بالواو مخل بالمعنى والله أعلم.
مسألة: في تعريف اللفظ بالصوت المشتمل على بعض الحروف هل هو غير جامع؟
وإذا قلتم إنه غير جامع فلم اقتصر عليه الموضح وغيره من النحاة مع أنه زاده في موضع
آخر فقال: هو الصوت المشتمل على بعض الحروف أو ما هو في قوة ذلك وهو المراد
بقول بعضهم بالفعل أو بالقوة؟.
الجواب: نعم هو جامع لأنه يخرج عنه الحرف الواحد كواو العطف وفائه وباء الجر
ولامه إذ لا يقال في الجر إنه مشتمل على نفسه، وقد اعترض المحققون بذلك على ابن
المصنف في حياته وسلمه - قال بعضهم: فالأحسن تعريف اللفظ بالصوت المعتمد على
مقطع فإنه تعريف سالم من كل إيراد ولهذا عبرت به في شرحي.
مسألة: يا حبذا أنت الوسيلة والقصدا - هل هو تركيب صحيح أو لا؟ وإذا كان صحيحاً
فما وجه نصب الوسيلة والقصد وهل يجوز رفعهما؟ .
الجواب: النصب في مثل هذا واجب لكن شرطه أن يقع نكرة، واختلف هل هو حال
أو تمييز كقول الشاعر :
ألا حبذا قوما سليم فإنه
وقول الآخر :
حبذا الصبر شيمة لامرىء رام مباراة مولع بالمعالي

٢٦٤
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
فتعريفه إما على حد تعريف الحال في قراءة من قرأ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلِّ﴾
[المنافقون: ٨] أو التمييز في قوله: وطبت النفس يا قيس عن عمرو. لكن يحتاج إلى ثبوت
أن النحاة يجيزون وقوع المعروف بعد حبذا قبل مخصوصها أو بعده وهو شيء لم يصرحوا
به .
مسألة: في قول بعض الشعراء:
خذوا قودي من أسير الكلل فوا عجباً من أسير قتل
هل المراد به الجفون؟.
الجواب: الكلل هنا جمع كلة وهي ستر مربع، وقال الهروي: هو ستر رقيق يخاط
كالبيت ويطلق أيضاً على الهودج والصوامع والقباب، ولا يصح إرادة الجفون هنا لأن
الشاعر أراد بالأسير هنا المرأة المخدرة المحجوبة ولا يصح أن تكون أسيرة لجفونها وإنما
أسير جفونها هو الشاعر نفسه:
مسألة:
وحاز ما فيه منقولاً ومعقولا
يا من غدا بمراح الصرف مشغولا
أفده من لغة بقيت منقولا
من فاضل صار بالأفضال مشمولا
بأجوف في بناء الفعل مجهولا
حد ويقصر ذا عن حده طولا
ومن يرى عن خفايا العلم مسؤولا
بالحق يعلم ما تبديه منقولا
ما الراح سابق رحراح بخطبته
موافقاً قال الشروح فكم
وقوله قيل مردوفاً بآخره
فإن معلومه قد صرفوه إلى
في بادىء الرأي يا من لا نظير له
لا زلت في نعمة تبدي العلوم لمن
الجواب:
لله حمداً أتى بالذكر مشمولا
ثم الصلاة على الهادي وعترته
الراح لفظ أتى في النقل مشتركاً
منها الأراضي ذوات الاستواء بها
وقيل صرفه كالمعلوم لا حذر
لا زال فضلك منشوراً بلا كدر
مسألة: ما قولكم في جواب قول القائل؟ :
يا بحر علم طافح رأينا
بالرفع مضبوطاً لمنشيه وقد
من مخلص لا يرى بالغش معلولا
وصحبه الغر والتسليم منحولا
له معان حكاها ذو يد طولى
نبت رأيناه في القاموس منقولا
كالكلمتان أيا أهل النهي قيلا
مؤيداً برداء العز مشمولا
مقرونة بالغسل في المنهاج
جوز فيه النصب للمحتاج

٢٦٥
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
والقصد توجيه لكل منهما ليرتوي من بحرك العجاج
الجواب :
قد خصه الوهاب بالمعراج
الله حمد والصلاة للذي
نكرة تجري على المنهاج
معمولة المذكور في المنهاج
الرفع وصف نية لأنها
والنصف وصف نية محذوفة
مسألة :
أيا علماء النحو هل مثل كافر
لتحكم فيما بعد الإله تلت
فقد جاء في المنهاج ما هو موهم
فأنت لها كهف وأنت ملاذنا
ونولي صلاة تستدام على الرضا
الجواب :
ألا الحمد لله العلي المقدر
محلی بلام الجنس تجري کجمعهم
فإن كان في نفي فابدله متبعاً
وخرج على هذا الذي في عبارة النواوي
وما صح في إلا هنا الوصف ظاهراً
محلى بلام مثل جمع منكر
بجر لوصف يا أخا المتفكر
وإن جاز غير النصب فامنن وذكر
فحمداً وشكراً للمليك الميسر
وآل وصحب للنبي المبشر
وأثنى على الهادي النبي المبشر
وتتلى بالاستثناء من غير تنكر
وإن شئت فانصبه بغير المشهر
في المرتد والجر واذكر
فإن شروط الوصف منها هنا عري
٧٢ - فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِمَةِ
مسألة: سئل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي في سنة أربع وسبعين وثمانمائة عن
قول القائل: الحمد لله أكمل الحمد هل أكمل متعين النصب أو يجوز الجر؟ فإن ثم من قال
بجوازه فوافقه الشيخ على جوازه بل وزاد ترجيحه، وألف في المسألة مؤلفاً قال فيه ما
ملخصه: أنه وصف سببي لله محول أصله أكمل حمده فحول بالإضافة، وأنه نظير قولك
مررت بالرجل قائم الأب فإن أصله قبل التحويل مررت برجل قائم أبوه فحول إلى ما ترى،
فاستتر الضمير في اسم الفاعل وأضيف إلى الأب، وقولك مررت بالرجل حسن الوجه فإن
أصله مررت برجل حسن وجهه، وعلل ترجيحه بأنه لا يحتاج إلى إضمار والنصب يحتاج
إلى إضمار، هذا حاصل ما ذكره الشيخ. وأقول: المتعين في هذا التركيب النصب ولا
يجوز الجر، ووجهه أنه نائب مناب المصدر المحذوف الذي هو في الأصل وصف له

٢٦٦
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
تقديره حمداً أكمل الحمد، قال النحاة في باب المفعول المطلق ومنهم ابن مالك في شرح
الكافية، وابن هشام في التوضيح يقوم مقام المصدر وصفه مضافاً إليه كسرت أحسن السير
ومثل غيرهما بقولك ضربته أشد الضرب، ومثله في شرح التسهيل بقول ليلى الأخيلية:
نظرت ودوني من عماية منكب وبطن رداء أي نظرة ناظر
ويقول الآخر: وضائع أي جرى ما أردت به. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ
اُلْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فهذه الأمثلة كلها منصوبة على النيابة عن المصدر والمثال مثلها،
وعلم من ذلك دفع محذورين واردين أحدهما الإضمار الذي فرّ منه الشيخ فإنه إذا كان على
وجه النيابة لا إضمار بل يكون المصدر محذوفاً وهذا قائم مقامه نيابة عنه. والثاني أنه قد
يقال إن المصدر المقدر نكرة فكيف يوصف بالمعرف بالإضافة وقد علم أنه لا تقدير ولا
إضمار، وإنما حذف أصلاً وأقيم مقامه وصفه مضافاً إليه للبيان وكان أصله الحمد لله حمداً
كمل بلا إضافة هذا توجيه النصب، وأما امتناع الجر فيكاد يكون بديهياً لا يقام عليه دليل
فإن أكمل صفة للحمد قطعاً لا لله: أما أولاً فلأن أوصافه تعالى توقيفية ولم يرد هذا الوصف
فيها .. وأما ثانياً فلأن الأصل عدم إطلاق أفعل التفضيل في حق الله إلا ما ورد مثل أكبر
وأحسن الخالقين لما يشعر بالمشاركة. وأما ثالثاً فلأن المقصود وصف الحمد المثبت لله
بالأكملية والبلوغ نهاية التمام لا وصف الله بذلك. وأما رابعاً فلأن العلماء عبروا بما يدل
على أنه وصف للحمد لا لله، ألا ترى إلى قول النووي في المنهاج: أحمده أبلع حمد
وأكمله وأزكاه وأشمله، فأتى بالجميع صفات للحمد ومصادر له. وقول الشيخ إنه نظير
قولك مررت بالرجل قائم الأب مخالف لقواعد العربية من أربعة أوجه: الأول: أن هذا
التركيب فاسد لا يقول أحد بصحته لأن الرجل معرفة وقائم الأب نكرة فإن إضافته لفظية لا
تفيد التعريف فلا يصح وصف الرجل به وإنما توصف به النكرة كقوله تعالى: ﴿هَدّيًا بَلَغَ
اُلْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وإنما يستقيم أن يقال مثلاً برجل قائم الأب وحينئذ تستحيل المسألة،
و کذا مررت بالرجل حسن الوجه.
الثاني: ما قاله من التحويل والإضافة إلى المرفوع لا يجوز في اسم الفاعل إجماعاً هو
من خواص الصفة المشبهة وألحق بها في ذلك اسم المفعول نص عليه ابن مالك في كتبه
وقال في الألفية: وقد يضاف ذا ــ أي اسم المفعول - إلى اسم مرتفع معنى كمحمود
المقاصد الورع، وقال في شرح الكافية: تفرد اسم المفعول بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع
- معنى نحو زيد يكسو العبد ومحمود المقاصد - وقال أبو حيان في شرح التسهيل: انفرد
اسم المفعول بجواز إضافته إلى مرفوع بخلاف اسم الفاعل فإنه لا يجوز إضافته إلى فاعله لا
تقول في مررت برجل ضارب أبوه زيداً برجل ضارب أبيه زيداً، قال: الصحيح أنها أيضاً
في اسم المفعول إضافة من منصوب لا من مرفوع. الثالث: أن قوله أصله أكمل حمده
يؤدي إلى استعمال أكمل مقطوعاً عن الإضافة ومن وهو أمر لا يعرف في أفعل التفضيل.
الرابع: أن قوله أن الأصل أكمل حمده وأن الحمد فاعل وأنه حول عن الفاعلية ثم أضيف

٢٦٧
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
إليه فاستتر الضمير غفلة عظيمة عن قواعد العربية فإن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر أصلاً إلا
في مسألة الكحل، وهذا المثال ليس من ضابطها بالإجماع فبطل هذا القول بلا نزاع والله
تعالى أعلم.
٧٣ - ألوية النصر في خصيصى بالقصر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
مسألة: قرأ قارىء عليّ في ختم كتاب الشفا بالخانقاه الشيخونية قوله: ويخصنا
بخصيصي زمرة نبينا وجماعته فقرأها بخصيصي بالياء الساكنة آخرها على أن الكلمة مثناة
مضافة لما بعدها فرددت عليه وقلت له: قل بخصيصي - أعني بألف القصر - وذلك بحضرة
شيخنا الإمام العلامة محيي الدين الكافيجي فقال الشيخ: نعم بخصيصي - يعني بالألف -
فقال القارىء المذكور: فيها الوجهان فقلت: ليس فيها إلا وجه واحد فذهب فكتب صورة
سؤال وأخذ عليه خطوط جماعة بتصويب ما قاله وهم الشيخ أمين الدين الاقصرائي،
والشيخ زين الدين قاسم الحنفي، والشيخ سراج الدين العبادي، والحافظ فخر الدين
الديمي، والمحدث المؤرخ شمس الدين السخاوي، فجمعت نقول أئمة العربية واللغة
وأرسلتها إلى الجماعة المذكورين ما عدا السخاري فعرفوا الصواب في ذلك ورجعوا عما
كتبوه أولاً وكتبوا ثانياً بتصويب ما قلته بالألف المقصورة فذهب القارىء إلى السخاوي
يستنجد به فكتب له على سؤال آخر كتابة طويلة عريضة مضمونها أنه لا يرجع كما رجع
هؤلاء وأن مستنده في ذلك أن عنده نسخة من الشفا صحيحة قرئت على شيوخ عدة وفيها
صورة السكون مرقومة بالقلم على الياء فقلت كفى بهذا الكلام جهلاً ومن هذا مبلغ علمه
فهو غني عن الرد عليه.
أطبقت أئمة اللغة والعربية على أخصيصي بألف القصر وقد تمد شذوذاً فيقال خصيصاء
مصدر بمعنى الخصوصية يقال خصه بالشيء خصوصاً وخصوصية وخصيصي وخصيصاء في
لغة وخاصة نص على ذلك سيبويه في كتابه، والسيرافي في شرحه، والقالي في كتابه
المقصور والممدود، والفارابي في ديوان الأدب، وابن فارس في المجمل، ونشوان
الحميري في شمس العلوم، وابن دريد في الجمهرة، والجوهري في الصحاح، وابن سيده
في المحكم، والخفاف في شرح الجمل، وأبو البقاء العكبري في اللباب، والزمخشري في
كتاب المصادر، والعبسي في الخلاصة، والصغاني في العباب، وابن عصفور في الممتع،
والأزدي في الدرر، وابن مالك في منظومته وشرحها، وابنه في شرح الألفية وفي شرح
لامية الأفعال، وأبو حيان في شرح التسهيل، وابن هشام في التوضيح. وابن جابر في
منظومته، والفيروزباذي في القاموس وخلائق، ومن نظائرها الحثيثي، والخطيبي والدليلي،
والزليلي، والمكيني في ألفاظ عدة ولم يرد خصيص البته حتى يقال في تثنيته خصيصان،
وقد عقد ابن دريد في الجمهرة باباً لفعيل وفعيلى فذكر ما جاء منهما ثم قال بعد ذلك ليس

٢٦٨
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
لمولد أن يبني فعيلاً إلا ما بينت العرب وتكلمت به ولو أجيز ذلك لقلب أكثر الكلام فلا
تلتفت إلى ما جاء على فعيل مما لا تسمعه إلا أن يجيء به شعر فصيح.
٧٤ - الزند الوري في الجواب عن السؤال السكندري
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
مسألة: ورد من الإسكندرية سؤال صورته - روي في صحيح مسلم أن النبي بَّ قال:
((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن
بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) قال الشيخ محيي الدين النووي في شرحه لصحيح
مسلم: قوله وَير: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى
يوم القيامة - فكلهم ممن يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً
على من سواهما، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى.
قلت: وقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس من جهة تنزيل المقصود منه على
القواعد النحوية، فإن المقصود من الحديث أنه من سمع بنبينا عليه الصلاة والسلام ممن
شملته بعثته العامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار، وفي تنزيل لفظ
الحديث على هذا المقصود قلق كما سيأتي؛ وهذا الإشكال يعرض كثيراً في غير لفظ
الحديث أيضاً كقولك: ما جاءني زيد إلا أكرمته، وما أحسنت إلى لئيم إلا أساء إلي، وما
أنعمت على عمرو إلا شكر، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب، والسنة، وكلام العرب،
والغرض في الجميع أن يكون الواقع بعداً لا مرتباً مضمونه على مضمون ما بعد حرف النفي
أي مهما جاءني زيد أكرمته، ومهما أحسنت إلى لئيم أساء إلى، ومهما أنعمت على عمرو
شكر، وهكذا في سائر الأمثلة التي بهذه المثابة، وتطبيق اللفظ على هذا الغرض غير متأت
بحسب الظاهر، فإن غاية ما يتخيل في هذا الاستثناء أن يكون مفرغاً باعتبار الأحوال،
فتكون الجملة الواقعة بعد إلا في محل نصب على أنها حال من الفاعل أو من المفعول
المتقدم ذكره، أي ما جاءني زيد إلا في حال كوني مكرماً له، وما أحسنت إلى لئيم إلا في
حال كونه مسيئاً إلي، وما أنعمت على عمرو إلا في حال كونه شاكراً للنعمة، وهذا مشكل
فإن الحال مقيدة لعاملها ومقارنة له وليس إلا كرام مقيداً بمجيء زيد بحسب المقصود ولا
مقارناً له في الزمن وكذا بقية الأمثلة.
فإن قلت: اجعل الحال مقدرة كما في قولهم: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً أي
مريداً الصيد به فكذا في الأمثلة أي ما جاءني زيد إلا في حال كوني مريداً لإكرامه، وما
أحسنت إلى لئيم إلا في حال كونه مريداً الإساءة إلي، وما أنعمت على عمرو إلا في حال
كونه مريداً الشكر، وعلى هذا تتأتى المقارنة والتقييد ولا إشكال.

٢٦٩
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
قلت: هذا وإن كان في نفسه معنى ممكن الاستقامة فهو غير مفيد للغرض المصوغ لهذا
الكلام، إذ المقصود كما سبق وقوع مضمون ما بعد حرف الاستثناء مرتباً على مضمون ما
بعد حرف النفي، ولا يلزم من إنعامك على عمرو في حال إرادته للشكر أن يكون الشكر
وقع بالفعل مرتباً على الإنعام عليه لجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها، وكذا الكلام
في بقية الأمثلة، فقد ظهر امتناع جعل ما بعد إلا حالاً لا من قبيل الحال المحققة ولا من
قبيل الحال المقدرة، ولا مساغ لغير الحال فيه فيما يظهر ببادىء الرأي فتقرر الإشكال.
فإن قلت: لم لا تجعل التفريع باعتبار ظرف الزمان أي ما جاءني زيد في حين من
الأحيان إلا في حين أكرمته فحذف الحين كما في قولهم جئتك صلاة العصر أي حين صلاة
العصر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قلت: يمتنع ذلك لفظاً ومعنى أما لفظاً
فلأن الظرف في مسألتنا على زعمك مضاف إلى الجملة ولا يحذف مضاف إلى الجملة
وتقوم الجملة مقامه، وإنما ذلك إذا كان المضاف إليه مفرداً كما في جئتك في صلاة
العصر، وما أجازه أبو حيان في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَمْزِى نَفْسٌّ عَن نَّفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]
من أن الأصل يوماً يوم لا تجزى نفس فأبدل يوم الثاني من الأول ثم حذف المضاف
مردود، قال ابن هشام: لا نعلم هذا واقعاً في الكلام، ثم إن ادعى على أن الجملة باقية
على محلها من الجر فشاذ أو أنها أنيبت عن المضاف فلا تكون الجملة مفعولاً في مثل هذا
الموضع، وأما معنى فيظهر مما أبطلنا به وجهي الحال المحققة والمقدرة إذ ليس المراد أن
زيداً لم يجىء إلا في حال إكرامك له أو حال إرادتك لإكرامه، وإنما حينئذ المقصود ما
أسلفناه والكلام في تنزيل اللفظ عليه فالإشكال بحاله.
وفي الحديث إشكال من جهة أخرى وهو أنه يقدم الاستثناء الواقع فيه جمل، فإن أعدته
إلى الجميع وبنينا على أن العامل في المستثنى هو من قبل إلا من فعل أو معناه بواسطة إلا
كما يراه البصريون لزم اجتماع عوامل على معمول واحد وهو باطل على ما تقرر في علم
النحو، وإن أعدته إلى الجملة الأولى فقط لزم الخلف في الخبر، وذلك أن التقدير حينئذ لا
يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني إلا كان من أصحاب النار، وكم من يهودي
ونصراني يسمع به بعد البعثة ولا يكون من أصحاب النار بأن يسلم ويموت على الإسلام،
وإن جعلته راجعاً إلى ما بعد الجملة الأولى فقط على ما فيه صارت الجملة الأولى لا
تعرض فيها إلا الاستثناء فيلزم الخلف أيضاً، إذ كثير من اليهود والنصارى يسمع به بعد
البعثة - هذا آخر السؤال.
الجواب: قال ابن مالك في التسهيل في تقرير القاعدة التي من أفرادها هذا الحديث
ويليها أي إلا في النفي فعل مضارع بلا شرط وماض مسبوق بفعل أو مقرون بقد، وقال في
شرحه: مثال المضارع ما كان زيد إلا يفعل كذا، وما خرج زيد إلا يجر ثوبه، وما زيد إلا
يفعل كذا، ومثال الماضي مسبوقاً بفعل قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ﴾ [يس:
٣٠] ومقروناً بقد قول الشاعر:

٢٧٠
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
ما المجد إلا قد تبين أنه تندى وحلم لا يزال مؤثلا
قال: وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل، لأن قد تقرّ به من الحال فيكون
بذلك شبيهاً بالمضارع، وإنما كان المضارع مستغنياً عن شرط لأنه شبيه بالاسم، وإنما ساغ
بتقديم الفعل مقروناً بالنفي لجعل الكلام بمعنى كلما كان كذا فكان فيه فعلان كما كان مع
كلما، فلو قلت ما زيد إلا قائم لم يجز لأنه ليس مما ذكر، وعلة ذلك أن المستثنى لا يكون
إلا اسماً أو مؤولاً باسم، والماضي المجرد من قد بعيد من شبه الاسم، وأما قولهم أنشدك
بالله إلا فعلت فإنه في معنى النفي كقولهم شر أهر ذا ناب أي ما أسألك إلا فعلك انتهى،
وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلَّا كَانُواْ﴾ أن الجملة حال من ضمير
المفعول في يأتيهم وفي حال مقدرة، ويجوز أن تكون صفة لرسول على اللفظ أو الموضع
انتھی .
فعلم من ذلك تخريج الحديث على الوجهين، والأرجح الحالية لأمرين: أحدهما: أن
وقوع ما بعد إلا وصفاً لما قبلها رأي ضعيف في العربية بل قال ابن مالك: إنه لا يعرف
لبصري ولا لكوفي وأن الزمخشري تفرد بذلك وإن ما أوهم خلاف ذلك فمؤول على الحال
- وكأن أبا البقاء تابع في ذلك الزمخشري.
الثاني: أن الحالية تطرد في جميع الأمثلة، والوصفية لا تطرد بل تختص بما إذا كان
الاسم السابق نكرة كالحديث، أما نحو ما جاءني زيد إلا أكرمته فلا يمكن فيه الوصفية كما
لا يخفى، فعلم بذلك ترجيح الحالية وكأنها مقدرة كما صرح به أبو البقاء، وما أورد على
ذلك من عدم الملازمة وجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها، فهو وإن كان كلاماً
صحيحاً في نفسه إلا أنه لا يقدح في التخريج، ولو روعي هذا المعنى لم يكن يصح لنا حال
مقدرة، وكم من قاعدة نحوية قدرت ولم يبال بمخالفتها للقواعد العقلية، فإن من النحو
والفقه معقول من منقول كما ذكر ذلك ابن جني، فتارة يلاحظ فيها الأمر العقلية وتارة
يلاحظ الأمر النقلي، على أن ما ذكر من الترتيب وما أورد عليه من عدم الملازمة إنما يتجه
لو كان الترتيب المذكور عقلياً لا يتخلف وليس الأمر كذلك فإن الترتيب الذي في الحديث
شرعي لا عقلي، والذي في الأمثلة أيضاً ليس بعقلي بل عادي خاص أي بحسب عادة
المتكلم أو من تعلق به فعله ومثل ذلك يكتفي به في الحال المقدرة.
وأمر آخر: وهو أن ما ذكر في وجه الترتيب تفسير معنى، وما ذكر في تقرير الحال
تفسير إعراب، وهم يفرقون بين تفسير المعنى وتفسير الإعراب ولا يلتزمون توافقهما كما
وقع ذلك كثيراً لسيبويه، والزمخشري وغيرهما، وأما الإشكال الثاني ففي غاية السقوط لأن
الجمل السابقة ليست مستقلة بل جملة ثم يموت ولا يؤمن مرتبطة بالجملة الأولى على أنها
قيد فيها - وثم - هنا واقعة موقع الفاء فإنها لمجرد الربط لا للتراخي كما في قوله: جرى في
الأنابيب ثم اضطرب. وفي بعض طرق الحديث: لا يسمع بي من يهودي ولا نصراني فلم
يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار. فعلم أن جملة يؤمن مرتبطة بالأولى وفاء الربط تصير

٢٧١
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
الجملتين في حكم جملة واحدة كما قرره النحاة في باب العطف في مسألة الذي يطير
فيغضب زيد الذباب، فقوله إن أعدته إلى الجملة الأولى لزم الخلف إلى آخره مدفوع بأنه إذا
أعيد إليها مقيدة بمضمون ما بعدها لا يلزم ما ذكر والله تعالى أعلم.
٧٥ - رفع السنة في نصب الزنة
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله الذي لا تأخذه سنة ولا يقدر لعرشه زنة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الذي نزل عليه أفصح الحديث وأحسنه. وبعد فقد سئلت عن وجه النصب في قول وخطير:
(«سبحان الله وبحمده زنة عرشه ورضا نفسه وعدد خلقه ومداد كلماته)) والجواب عندي أن
هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف والتقدير قدر زنة عرشه وكذا البواقي،
فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه، فهذا الإعراب هو المتجه المطرد
السالم من الانتقاض، وقد ذكر السائل أنه هل يصح أن يكون منصوباً على المصدر أو على
الحال أو على حذف الخافض؟.
وأقول: أما النصب على المصدر فقد ذكره المظهري في شرح المصابيح قال: عدد
خلقه منصوب على المصدر أي أعد تسبيحه وتحميده بعدد خلقه وبمقدار ما ترضاه خالصاً
ويثقل عرشه ومقداره وبمقدار كلماته، وسبقه إلى ذلك الأشرقي في شرحه قال: عدد خلقه
وكذلك ما بعده منصوب على المصدر أي سبحته تسبيحاً يساوي خلقه عند التعداد وزنة
عرشه ومداد كلماته في المقدار يوجب رضا نفسه انتهى، فإن أراد بذلك أنه نفسه مصدر وأنه
منصوب على أنه مفعول مطلق فلا يخفى ما فيه فإنه لا يكون مصدراً للتسبيح كما هو واضح
بل يكون مصدراً لفعل من الزنة ويكون التقدير: سبحان الله أزنه زنة عرشه، ولا يخفى فساد
هذا التقدير لأنه ليس المراد إنشاء وزن التسبيح بل المراد إنشاء قول التسبيح، والمعنى أقول
سبحان الله قولاً كثيراً مقدار زنة عرشه في الكثرة والعظم، وعلى تقدير فعل الزنة يكون
المعنى أزن التسبيح زنة عرشه وهو ظاهر الفساد، ثم إذا قدر في الأخرى أعده عدد خلقه
كما أفصح به المظهري أدى إلى أن المعنى إنشاء عد التسبيح وليس مراداً بل المراد أقوله
قولاً عدد خلقه ثم لا یمکنه ذلك في رضا نفسه.
فإن قيل: يقدر أرضيه رضا نفسه. قلنا: حينئذ يعود الضمير على غير التسبيح وهي في
أزنه وأعده عائد على التسبيح فيختل التناسق في الكلمات ثم لا يمكن ذلك في مداد كلماته
بلا مرية ويبقى على [كلام] المظهري تعقبان: أحدهما: أن عدداً لو كان مصدراً لم يجىء
بالفك لأن مصدر عد على فعل بسكون العين فيجب أن يدغم فيقال عد بالتشديد کرد ومد
وشد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا﴾ [مريم: ٨٤]. والثاني: أنه قال: منصوب على
المصدر ثم قال: أي أعد تسبيحه بعدد خلقه فأدخل عليه الباء وليس هذا شأن المصدر الذي

٢٧٢
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
هو مفعول مطلق لا يقال ضربت زيداً يضرب في موضع ضربته ضرباً، ثم قال: وبمقدار ما
يرضاه وبثقل عرشه ومقداره وبمقدار كلماته وهذا كله يبطل القول بأنه منصوب على المصدر
ويؤول إلى نزع الخافض أو الظرفية، فإن النصب على الظرفية ونزع الخافض متقاربان، فإن
الظرف منصوب على إسقاط الخافض الذي هو في غير أنه باب مطرد والنصب بنزع
الخافض في غير الظرف غير مطرد فاتجه بذلك أنه منصوب على الظرف بتقدير قدر، وقد
صرح بذلك الخطابي في معالم السنن. [فقال] قوله: ومداد كلماته أي قدر ما يوازنها في
العدد والكثرة. وقال ابن الأثير في النهاية: ومداد كلماته أي مثل عددها، وقيل قدر ما
يوازنها في الكثرة عيار كيل أو وزن أو ما أشبهه، وهذا تمثيل يراد به التقريب انتهى - فأشار
بقوله مثل - إلى المصدر أو الوصف، وبقوله وقيل قدر إلى الظرف، وقال الشيخ أكمل
الدين في شرح المشارق: قوله عدد خلقه أي عدداً كعدد خلقه، وزنة عرشه أي بمقدار
وزنه، ورضا نفسه أي غير منقطع، فأشار إلى أن لكل واحدة إعراباً على حدة: الأولى
مصدر، والثانية ظرف، والثالثة حال، ولا شك أن تساوي الكل في الإعراب حيث أمكن
أولى وتقدير قدر في كل منهما صحيح فاتجه نصب الكل على الظرف بتقدير قدر. فإن
قيل: لم يصرح أحد بأن قدر انتصب على الظرف. قلت: ذلك لعدم اطلاعك في أمهات
الكتب، وقد صرح الخطيب التبريزي، والمرزوقي كلاهما في شرح الحماسة في قول
الشاعر:
فسايرته مقدار ميل وليتني
وفي قوله:
هل الوجد إلا أن قلبي لودنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
بأن نصب مقدار وقيد كلاهما على الظرف وقيد - بمعنى قدر - قال ابن شمعون في شرح
الإيضاح في قول الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار
يجوز نصب خمسة الأشبار نصب الظرف بسما بتقدير مضاف أي سما مقدار خمسة
الأشبار، وقال جماعة في حديث أن موسى سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية
بحجر: أن رمية نصب على الظرف بتقدير قدر أي قدر رمية بحجر، وقال الطيبي في شرح
المشكاة في حديث فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها: سبعين
ضعفاً قوله: سبعين مفعول مطلق أو ظرف - أي تفضل مقدار سبعين - وقال أبو البقاء في
حديث: من فارق الجماعة شبراً - هو منصوب على الظرف والتقدير قدر شبر - وقال الطيبي
في حديث: ((من تقرب إليّ شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً)):
شبراً وذرعاً وباعاً في الشرط والجزاء منصوبان على الظرفية أي من تقرب إليّ مقدار شبر،
وقال أيضاً في حديث: من ظلم شبراً من أرض: المفعول به محذوف وشبراً يجوز أن يكون

٢٧٣
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
مفعولاً [مطلقاً] أي ظلم شبراً ومفعولاً فيه أي مقدار شبر، وقال أيضاً في حديث إنه وَ﴾
أقطع الزبير حضر فرسه: نصب حضر على حذف المضاف أي قدر ما يعدو عدوة واحدة،
ثم إن المسألة منصوصة في كتب النحو قال ابن مالك في التسهيل: الصالح للظرفية القياسية
ما دل على مقدار، وقال في الألفية:
وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر
وقال ابن هشام في التوضيح: ينوب المصدر عن الظرف إذا كان معيناً لمقدار نحو
انتظرتك حلب ناقة، وقال أبو حيان في شرح التسهيل: قال الصفار في شرح الكتاب: اعلم
أن المصدر إذا استعمل في معنى الظرف جاز أن يضاف إلى الفعل، تقول: أتيتك ريث قيام
زيد أي قدر بطء قيامه، فلما خرجت إلى الظرف جاز فيها ما جاز في الظرف، ثم إن نصب
زنة بخصوصها على الظرفية منصوص عليه من سيبويه وأئمة النحو، قال ابن مالك في شرح
التسهيل: من الجاري مجرى ظرف الزمان باطراد مصادر قامت مقام مضاف إليها تقديراً نحو
قولهم هو قرب الدار ووزن الجبل وزنته، والمراد بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما
كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه انتهى، وقال أبو حيان في شرح التسهيل:
وذكر سيبويه من المنتصب ظرفاً صددك وصفيك ووزن الجبل وزنة الجبل وأقطار البلاد
وهذه كلها ينصبها الفعل اللازم لإبهامها انتهى، وقال في الارتشاف: فرق سيبويه بين وزن
الجبل وزنة الجبل، فمعنى وزن الجبل ناحية توازنه أي تقابله قريبة كانت منه أو بعيدة، وزنة
الجبل حذاؤه أي متصلة به وكلاهما مبهم يصل إليهما الفعل وينتصب ظرفاً انتهى، وقد قال
التوربشتي شارح المصابيح في هذا الحديث: زنة عرشه ما يوازنه في القدر يقال هو زنة
الجبل أي حذاؤه في الثقل والوزانة انتهى - وهذا منه إيماء إلى تخريج الحديث على الظرفية
- وقد خرجوا على الظرفية ما هو أبلغ من ذلك، روي أن معاوية استعمل ابن أخيه عمرو بن
عتبة بن أبي سفيان على صدقات كلب فاعتدى عليهم فقال ابن العداء الكلبي:
سعى عقالاً فلم يترك لنا سندا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
قال ابن الأثير في النهاية: نصب عقالاً على الظرف أراد مدة عقال والعقال صدقة عام،
وقال ابن يعيش في شرح المفصل: من المنصوب على الظرف قولهم سير عليه ترويحتين
وانتظر به نحو جزورين والمراد مدة ذلك - والترويحتين تثنية الترويحة واحدة التروايح في
الصلاة - وقال أبو البقاء في قوله {وَلاير: ((ليصل أحدكم نشاطه)) أنه منصوب على تقدير
الظرف أي مدة نشاطه فحذفه وأقام المصدر مقامه، وقال الأشرقي في شرح المصابيح:
يجوز أن يكون نشاطه بمعنى الوقت وأن يراد به الصلاة التي نشط لها. فإن قلت: فما تقول
في نصبه على الصفة للمصدر؟.
قلت: هذا ذكره طائفة، وأقول: لا يخلو إما أن يجعل صفة للمصدر المذكور وهو
سبحان أو لمقدر. فأما الأول فيعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله وبحمده وذلك
ضعيف أو ممنوع، مع أن عندي في جواز وصف سبحان وقفة فإنه غير متصرف ولم

٢٧٤
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
يستعمل إلا علماً للتسبيح منصوباً ولم يتصرف فيه بشيء، وأما الثاني وهو أن يجعل التقدير
سبحان الله تسبيحاً زنة عرشه ففيه وقفة من وجوه: الأول: أنه تقدير ما لا حاجة إليه لأن
المصدر يصرح به في اللفظ فأي حاجة إلى تقدير مصدر آخر. الثاني: أن المصدر المذكور
منصوب بفعل مقدر فإذا قدر مصدر آخر لزم منه تقدير لثلاثة: فعل المصدر الظاهر،
والمصدر المقدر، وفعل آخر له لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين ولا ضرورة تدعو إلى
ذلك. الثالث: أن الكلام لا يصح إلا بتقدير شيء آخر لأن التسبيح ليس نفس الزنة، فيكون
التقدير مثل زنة عرشه، وإذا آل الأمر إلى تقدير مثل فالمراد المثلية في المقدار فرجع إلى ما
قلناه من الظرفية خصوصاً أن قوله رضا نفسه لا يصح فيه تقدير المثلية - ولهذا قال
الأشرقي: يساوي خلقه عند التعداد وزنة عرشه في المقدار ويوجب رضا نفسه فأخرجه عن
حيز المساواة وتقدیر قدر صحیح فيه أي قدراً يبلغ رضا نفسه.
فإن قلت: بقي وجه إبطال الحال. قلت: إذا قدر أسبح أو أقول سبحان الله موازناً
لعرشه فإن جعل حالاً من الفاعل نافره [كون زنة عرشه وما بعده جارياً على سبحان لا على
قائله أو من المفعول نافره] إن المفعول هنا مطلق والمعهود مجيء الحال من المفعول به،
ولا يمكن كونه من المضاف إليه كما لا يخفى ولا يطرف التقدير بالمشتق في مداد كلماته
كما هو ظاهر فبطل الحال. وبقي من الوجوه الممكنة في إعرابه أربعة: أحدها: أن يجعل
مفعولاً به لفعل أو وصف مقدر أي يبلغ زنة عرشه أو بالغاً زنة عرشه. الثاني: أن يكون
القول مقدراً وسبحان الله مفعول أول وزنة عرشه مفعول ثان على لغة من يجري القول
مجرى ظن بلا شرط .
الثالث: أن يكون خبراً لكان مقدرة هي واسمها ضميراً راجعاً إلى التسبيح وتقدر إما
بصيغة المضارع أو اسم الفاعل. الرابع: وهو خاص برضا نفسه أن يجعل مفعولاً له على
جعل الرضا بمعنى الإرضاء كقولك: سبحت ابتغاء وجه الله وكلها لا يعول عليها والعمدة
على الأول والله أعلم آخره والحمد لله.
مسألة: وقع السؤال عن حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا
مريض أو امرأة أو مسافر أو صبي أو مملوك)). رواه الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله،
فإن هذا الاستثناء من كلام تام موجب فيكون ما بعد إلا واجب النصب فما وجه رفعه
وخاض الناس في توجيه ذلك، والذي عندي في الجواب أن هذه الكلمات الواقعة بعد إلا
منصوبة ولكن كتبت بلا ألف وهذا ذكره الأئمة في أحاديث كثيرة - قال النووي في شرح
مسلم في حديث ابن عباس في الإسراء - وأرى مالكاً خازن النار وقع في أكثر الأصول مالك
بالرفع وهذا قد ينكر ويقال هذا لحن لا يجوز في العربية، ولكن عندي عنه جواب حسن
وهو أن لفظة مالك منصوبة ولكن أسقطت الألف في الكتابة وهذا يفعله المحدثون كثيراً
فيكتبون سمعت أنساً بغير ألف ويقرؤونه بالنصب، فكذلك مالك كتبوه بغير ألف ويقرؤونه
بالنصب، فهذا - إن شاء الله من أحسن ما يقال فيه هذا كلام النووي - وقال أيضاً في باب

٢٧٥
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
الحج: وقت رسول الله ◌َو لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن
- هكذا وقع في أكثر النسخ قرن بغير ألف بعد النون وهو مصروف لأنه اسم لجبل ويقرأ
منوناً وإنما حذفوا الألف منه كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون سمعت أنس بغير ألف
ويقرأ بالتنوين، وقال القرطبي في شرح مسلم في كتاب النكاح في قول عائشة: كان صداقه
لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونش، قوله: ونش - هو معرب منون - غير أنه وقع هنا نش على
لغة من يقف على المنون بالسكون بغير ألف، وقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن
أبي داود قوله: سمعت خلاس الهجري كذا في أصلنا بغير ألف فقد يتوهم أنه غير مصروف
وليس كذلك إذ لا مانع له من الصرف، وهذا اصطلاح لبعضهم أنه يستغنى عن كتابة الألف
بجعل فتحتين فوق آخر الكلمة، لكن قد يغفل الكاتب تلك الفتحتين فيقع في الإبهام، وقال
أيضاً في حديث عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن فسمعت تكبيره مع الفجر
رجل أجش الصوت، يجوز في قوله أجش الصوت النصب على الحال والرفع على أنه خبر
مبتدأ محذوف. وقد ضبطناه في أصلنا بالوجهين قوله أجش الصوت. وأما قوله رجل فهو
مكتوب في أصلنا بغير ألف، فإما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً، وكتبه بغير ألف وكثير من
النساخ يفعل ذلك والله أعلم.
٧٦ - الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
ورد على شيخنا الإمام العالم العلامة عبد الرحمن نجل الإمام كمال الدين أبي بكر
السيوطي الشافعي عامله الله بلطفه ورحم سلفه الكريم في سادس شهر رمضان سنة ست
وسبعين وثمانمائة أوراق مكتوب فيها ما صورته - الحمد لله رب العالمين - وبعد فقد وقف
العبد كاتب هذه الأحرف فقير رحمة ربه ذي اللطف الخفي محمد بن علي بن سودون
الحنفي على سؤال كتب قاضي القضاة شيخ الإسلام تاج الدين أبو نصر السبكي في ثاني
عشر ذي قعدة الحرام سنة إحدى وستين وسبعمائة إلى الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك
الصفدي الشاعر المشهور:
للمشكلات إذا ما احتطن بالفكر
وكدرت صافي الأكدار عندك يا
فما سؤالات من وافاك يسأل ما
وأي شكل به البرهان منتهض
وأي بيت على بحرين منتظم
وأي ميت من الأموات ما طلعت
من عد من أمراء المؤمنين ولم
والمعضلات إذا أظلمن في النظر
أبا الصفاء جلاء القلب والبصر
حرف هو الاسم فعلاً غير معتبر
ولا يعد من الأشكال والصور
بيت من الشعر لا بيت من الشعر
بموته روحه في ثابت الخبر
يحكم على الناس من بدو ومن حضر

٢٧٦
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
يجوز أن يتولى إمرة البشر
شيخ الصحاب أبي بكر ومن عمر
من أمة المصطفى المبعوث من مضر
مصوراً وهو منحوت من الحجر
مياه غير زلال ثم منهمر
ولم يقل هو ذنب غير مغتفر
تقوى الإله مقالاً غير مبتكر
أوجبه الرحمن في الزبر
غريب ما صح مما جاء في الأثر
عن البعض من هم تحظ بالظفر
محمد في المغازي جاء والسير
تزوجت ثالثاً حلا بلا نكر
فعاد وهو على حال من الغير
زوج تزوجته فاخدمه واعتبر
ما ناله بالزنا شيء من الضرر
وزع في الباقين فاعتبر
من لم يرع عند إشكال ولم يحر
ولم يكن قرشياً حين عد ولا
من باتفاق جميع الخلق أفضل من
ومن علي ومن عثمان وهو فتى
من أبصرت في دمشق عينه صنماً
إن جاع يأكل وإن يعطش تضلع من
من قال إن الزنا والشرب مصلحة
من قال إن نكاح الأم يقرب من
من قال سفك دماء المسلمين على الصلاة
وما اللفيفة جاءت والسخينة في
وهات قل لي إبراهيم أربعة بعض
وهكذا خلف من الرواة كذا
وعن فتاة لها زوجان ما برحا
وآخر راح يشري طعم زوجته
قالت له أنت عبدي قد وهبتك من
وخمسة من زناة الناس خامسهم
والقتل والرجم والجلد الأليم كذا التغريب
أجب فأنت جزاك الله صالحة
فكتب إليه أبياتاً يمدح فيها وذكر في أثنائها أنه يجيب عن ذلك نثراً، ولم ير العبد له
جواباً عن ذلك لا نظماً ولا نثراً، والمسؤول من صدقات سيدنا ومولانا أبقاه الله في خير
ورحمة الجواب عن ذلك نظماً ونثراً فكتب شيخنا ما صورته - الحمد لله وسلام على عباده
الذين اصطفى.
الجواب نثراً: أما الحرف الذي يكون أيضاً اسماً وفعلاً فهو على فإنه يكون حرف جر
واسماً بمعنى فوق فيدخل عليه حرف الجر كقول الشاعر: غدت من عليه. وفعلا من العلو
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] هكذا ذكر جماعة من العلماء إن على
استكملت أقسام الكلمة ولم يذكروا غيرها وقد استدركت عليهم قديماً لفظتين أيضاً:
الأولى: من فإنها تكون حرف جر وفعل أمر من مان يمين واسماً قال الزمخشري في
الكشاف في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] إذا كانت من للتبعيض
فهي في موضع المفعول به ورزقاً مفعول من أجله ولكم مفعول به لرزقاً لأنه حينئذ مصدر. قال
الطيبي: وإذا قدرت من مفعولاً كانت اسماً كعن في قوله: من عن يميني مرة وأمامي.

٢٧٧
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
الثانية: في فإنها تقع حرف جر واسماً بمعنى الضم في حالة الجر كقوله وَالقر: ((حتى ما
تجعل في في امرأتك)» وفعل أمر من الوفاء باشباع. وقوله: وأي شكل إلى آخره هذا أمر
يتعلق بعلم المنطق وهو علم حرام خبيث لا أخوض فيه. وقد سئل الشرف بن المقري
بأسئلة نظم فيها:
وما عكس السوالب يا مرجي أي الجزئي منها في النظام
فأجاب عن الأسئلة بيتاً بيتاً وقال في هذا البيت:
وعن عكس السوالب لا تسلني فذاك مقدم العلم الحرام
قوله: وأي بيت على بحرين منتظم هذا نوع معروف من أنواع البديع يسمى التشريع أول
من أخترعه الحريري وهو أن يكون البيت مبنياً على بحرين وقافيتين يصح الوقوف على كل
منهما كقوله :
شرك الردى وقرارة الأكدار
يا طالب الدنيا الدنية إنها
أبكت غداً بعداً لها من دار
دار متى ما أضحكت في يومها
فإنه يصح أن يقول:
يا طالب الدنيا إنها شرك الردى دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا
قوله: وأي ميت إلى آخره الظاهر أنه أراد به ما في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَحْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي نطفاً في الأصلاب فأطلق عليها الموت مع عدم وجود روح فيها
خرجت منها. قوله من عد من أمراء المؤمنين إلى آخره - هو أسامة بن زيد مولى النبي ◌َّر
- أمره على جيش فيه أبو بكر، وعمر فلم ينفد حتى توفي وَ ا فبعثه أبو بكر إلى الشام وكان
الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير المؤمنين، وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أنه كان إذا رأى أسامة بن زيد قال: السلام عليك أيها الأمير فيقول أسامة: غفر الله لك
يا أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير؛ مات رسول الله القادم
وأنت علي أمير - ولم يكن أسامة من قريش بل من الموالي - قوله: من باتفاق إلى آخره من
فيه استفهام نفي أو إنكار، وكذا من قال: إن الزنا والبيتان بعده أي لم يقل ذلك أحد كذا
رأيت صاحب النظم الشيخ تاج الدين السبكي فسره في بعض تعاليقه وجوز في قوله من
قال: إن الزنا من مبتدأ خبره غير مغتفر أي لا يغتفر له هذا القول بل يؤاخذ به، قوله: من
أبصرت إلى آخره أراد بهذا ما رواه الحاكم في تاريخ نيسابور بسنده إلى عبد الله البوشنجي
عن أبي عبد الله بن يزيد الدمشقي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: رأيت ببغداد
صنماً من نحاس إذا عطش نزل فشرب قال البوشنجي: ربما تكلمت العلماء على قدر فهم
الحاضرين تأديباً وامتحاناً فهذا الرجل ابن جابر أحد علماء الشام ومعنى كلامه أن الصنم لا
يعطش ولو عطش نزل فشرب فنفى عنه النزول والعطش. قوله: وما اللفيف إلى آخره قال
ابن الأثير في النهاية: قال معاوية للأحنف بن قيس - وهو يمازحه - ما الشيء الملفف في

٢٧٨
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
البجاد؟ قال: هو السخينة يا أمير المؤمنين، قال ابن الأثير: الملفف في البجاد وطب اللبن
يلف فيه ليحمي ويدرك وكانت تميم تعير به، والسخينة حساء يعمل من دقيق وسمن يؤكل
في الجدب وكانت قريش تعير بها، فلما مازحه معاوية بما يعاب به قومه مازحه الأحنف
بمثله، قوله: وهات قل لي إلى آخره هذا نوع من أنواع علوم الحديث وهو من اتفق اسمه
واسم شيخه فصاعداً والأربعة الذين رووا بعضهم عن بعض وكل منهم وكل منهم يسمى
إبراهيم كثير منهم إبراهيم بن شماس السمرقندي عن إبراهيم بن محمد الفزاري الكوفي عن
إبراهيم بن أدهم الزاهد عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، والأربعة الذين كل منهم اسمه خلف
وقع ذلك في علوم الحديث للحاكم في إسناد واحد بل خمسة فقال: ثنا خلف ثنا خلف ثنا
خلف ثنا خلف ثنا خلف. الأول الأمير خلف بن أحمد السجزي. والثاني أبو صالح
خلف بن محمد البخاري. والثالث خلف بن سليمان النسفي. والرابع خلف بن محمد
الواسطي. والخامس خلف بن موسى بن خلف، وأما المحمدون في إسناد واحد ففي
صحيح البخاري من ذلك شيء کثیر، وقد وقع لي حديث كل رواته يسمى محمداً من شيخنا
إلى النبي ◌َله، قوله: وعن قتادة إلى آخره رأيت بخط صاحب النظم الشيخ تاج الدين في
تذكرته ما صورته - امرأة لها زوجان ويجوز أن يتزوجها ثالث هذه امرأة لها عبد وأمة زوجت
أحدهما بالآخر فصدق أنها امرأة لها زوجان وإذا جاء ثالث حر فله نكاحها، قوله وآخر راح
إلى آخره رأيت بخطه أيضاً أن صورتها عبد زوجه مولاه بابنته ودخل بها ثم مات مولاه
ووقعت الفرقة لأنها ملكت زوجها بالإرث وكانت حاملاً فوضعت فانقضت العدة فتزوجت
ووهبت ذلك العبد لزوجها، وقوله: وخمسة إلى آخره رأيت بخطه أيضاً قيل إن محمد بن
الحسن سأل الشافعي عن خمسة زنوا بامرأة فوجب على واحد القتل، وآخر الرجم، والثالث
الجلد، والرابع نصفه ولم يجب على الخامس شيء، فقال الشافعي: الأول ذمي زنى
بمسلمة فانتقض عهده فيقتل. والثاني محصن. والثالث بكر، والرابع عبد. والخامس
مجنون انتهى.
الجواب: ولم أقف على شيء من أجوبة هذه المسائل لغيري إلا هذه المواضع الثلاثة
التي نقلتها عن الشيخ تاج الدين والموضع السابق في من وباقي المسائل مما أخذته بالفهم.
وقلت في الجواب نظماً:
ثم الصلاة على المختار من مضر
الحمد لله ربي بارىء البشر
نصر عليه همت هطالة الدرر
هذا جواب سؤالات الإمام أبي
أيضاً وفعلاً مقالاً غير ذي نكر
أما الذي هو حرف ثم جاء سمى
واسماً كفوق وزد من غير مقتصر
على أتت حرف جر ثم فعل علا
ولا يليق بأهل الشرع والأثر
فذاك تشريعهم ما فيه من حصر
ثم الذي هو شکل من علوم ردي
والبيت ينظم من بحرين ناظمه

٢٧٩
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
والمیت من غير روح منه قد خرجت
ثم المسمى أمير المؤمنين ولم
أسامة حين ولاه النبي على
و ((من)) في الأربعة الأبيات نافية
فصاحب النظم هذا القصد بين في
وبعضهم قال في الأصنام إن عطشت
ثم اللفيفة أكل والسخينة في
ثم المسمون إبراهيم أربعة
السمرقندي عن الكوفي عن العجلي
وهكذا خلف خمس أتت نسقاً
ومن محمد يدعى عدة نسقا
ومرأة ملكت زوجين لا ريب
والعبد زوجه مولاه بابنته
ألقت جنيناً فوفت عدة نكحت
ثم الذين زنوا ذمي بمسلمة
والبكر فاحدد وعبداً نصفه أبداً
ثم الجواب ولا لبس يخالطه
وقاله عابد الرحمن نجل أبي
ما كان في صلبه من نطفة البشر
يحكم على الناس من بدو ولا حضر
سرية لقبوه ذاك في السفر
أي لم يقل ذاك شخص أي معتبر
تعليق تذكرة يا طيب مذكر
تنزل كلاً ذاك لا يلقى المختبر
جدب بها عيب أهل البدو والحضر
عن بعضهم قد رووا في صادق الخبر
عن ابن ميمون فاحفظه ولا تحر
في مسند قد رواه الحاكم الأثري
في جملة أسانيد من الأثر
فإن أرادت نكاحاً غير محتظر
فمات تملكه بانت بلا ضرر
فملكته له ضرب من القدر
فاقتل ومحصنهم فارجمه بالمدر
ومن خلا من صفات العاقلين ذر
فالحمد لله حمداً غير منحصر
بكر السيوطي يرجو عفو مقتدر
ثم بعد اثنتي عشرة سنة وذلك في ذي العقدة سنة ثمان وثمانين وقفت على كراسة بخط
الإمام علم الدين العراقي قال فيها ما ملخصه: قال مولانا القاضي الفاضل كريم الدين
عبد الله الشافعي: وبعد فإن بعض أكابر العلماء السادة المعروفين بزيادة التحقيق وكثرة
الإفادة وضع سبع عشرة مسألة من المعاني المحكمة بالسؤالات المشكلة وجعلها نظماً
لتكون أعسر فهماً تحار فيها عقول أولي الألباب ويعجزون عن أن يأتوا لها بجواب، فلما
وقفت عليها أردت أن أجرب ذهني الكليل فأجبت عنها غير مسألة تعذر لإشكال معناها وهي
هذه :
الأولى:
من باتفاق جميع الخلق أفضل من شيخ الصحاب أبي بكر ومن عمر
من أمة المصطفى المختار من مضر
ومن علي ومن عثمان وهو فتى
الجواب: إن كان عنى بالفتى عيسى ابن مريم فلا يطلق اسم الفتى على الأنبياء وإنما

٢٨٠
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
يسمى بذلك الصبيان، والعبيد، والخدم، والإماء. وإن كان أراد إبراهيم ولد النبي ◌َّ فلا
يطلق عليه فتى فقد نص الأزهري على أن الصبي لا يسمى فتى حتى يراهق. وإن كان أراد
الحسن فأبو بكر أفضل منه فلو قال بدل فتى شخص صح على عيسى عليه السلام وعلى
إبراهيم ولد النبي ◌َّر وعلى فاطمة رضي الله عنها لقول النبي ◌َّر: فاطمة بضعة مني، قال
مالك رضي الله عنه: لا أفضل على بضعة من النبي ◌َّ أحداً.
الثانية :
من كان والدها ابنا في البنين لها وذاك غير عجيب عند ذي نظر
الجواب: تلك عائشة زوج النبي ◌ّيقر فإنها أم المؤمنين وابنة أبي بكر فهي أمه وابنته.
الثالثة :
من الفتاة لها زوجان ما برحا تزوجت ثالثاً حل بلا نكر
الجواب: لها زوجان من بقر أو غنم أو غير ذلك قال تعالى: ﴿قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ
زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣].
الرابعة :
من طلقت فتلقت أربعاً عدداً
عن الوجوب بدار أي مبتدر
الجواب: هذه كانت حاملاً فولدت أربعة من الأولاد فإن العدة لا تنقضي إلا بانفصال
الأربعة، هذا إن كان قوله عدداً بفتح العين، فإن كان بكسرها فهذه أمة دون البلوغ طلقت
فاعتدت بالأشهر ثم حاضت في أثناء ذلك فانتقلت إلى الإقراء ثم عتقت فانتقلت إلى عدة
الحرائر ثم مات الزوج فانتقلت إلى عدة الوفاة.
الخامسة :
من إن يزد جرمه تنقص مؤاخذة ويفتدي بعض ما يجنيه كالهدر
الجواب: إن كان جرمه - بضم الجيم - فهذا رجل ارتكب صغيرة ثم عزم على ارتكاب
كبيرة ثم تركها خوفاً من الله فكان تركه للكبيرة بعد العزم عليها مكفراً لتلك الصغيرة التي
ارتكبها، وإن كان جرمه بكسر الجيم ــ فهو الميزاب الخارج عن الحائط والروشن إذا وقع
نصفه على إنسان فقتله كان على المالك الدية كاملة، وإن وقع بجملته كان عليه نصف
الدية .
السادسة :
من إن تلا في صلاة آية فيبوء بالإثم والصمت منه ليس من حصر
الجواب: تلا آية في الصلاة فغلط فيها أو لحن وكان معه من يصلي فرد عليه فأصر على
غلطه الأول وهو يظن ما يقرؤه صحيحاً، فأعاد ذلك الراد عليه فتوقف وسكت وبطلت
الصلاة، وكان سكوته لا عن حصر وهو عدم القدرة على الكلام وإنما سكت للعجز عن