النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، ثم قال: أنا خيركم قبيلاً وخيركم بيتاً». وأخرج
الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: قال ((رسول الله وض يقو قال لي
جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد أجد بني أب أفضل
من بني هاشم)). قال الحافظ ابن حجر في أماليه: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا
المتن، ومن المعلوم أن الخيرية، والاصطفاء، والاختيار من الله. والأفضلية عنده لا تكون
مع الشرك.
ذكر أدلة المقدمة الثانية: قال عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن ابن جريج قال:
قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة
مسلمون فصاعداً فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها - هذا إسناد صحيح على شرط
الشيخين - ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره
عن الدبري عن عبد الرزاق.
وأخرج ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب قال: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة
عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده. وأخرج
ابن المنذر في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أَهِْطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُمْ مِنِّى هُدَى
فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: ٣٨] الآية قال: ما زال الله في الأرض أولياء منذ هبط آدم ما أخلى
الله الأرض لإبليس إلا وفيها أولياء له يعلمون الله بطاعته، وقال الحافظ أبو عمر بن
عبد البر: روى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني عن ابن عباس أنه قال: لا يزال الله تعالى
في الأرض ولي ما دام فيها للشيطان ولي.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد، والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح
على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله
بهم عن أهل الأرض هذا أيضاً له حكم الرفع - وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن
محمد قال: لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً لولا ذلك لأهلكت الأرض
ومن عليها. وأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال: لم يزل على الأرض سبعة
مسلمون فصاعداً لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها. وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن
كعب قال: لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع بهم العذاب. وأخرج الخلال في
كرامات الأولياء عن زاذان قال: ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً يدفع الله
بهم عن أهل الأرض.
وأخرج ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ
الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِيَّتِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم وَّ ناس على الفطرة
يعبدون الله، وإنما وقع التقييد في هذه الآثار الثلاثة بقوله من بعد نوح لأنه من قبل نوح كان
الناس كلهم على الهدى.
وأخرج البزار في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم،
٢٠٢
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
والحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾
[البقرة: ٢١٣] قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا
فبعث الله النبيين قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود كان الناس أمة واحدة
فاختلفوا. وأخرج أبو يعلى، والطبراني، وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس في
قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ قال: على الإسلام كلهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في
الآية قال: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من
الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحاً وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض،
وأخرج ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن ابن عباس قال: ما بين نوح إلى آدم من
الآباء كانوا على الإسلام.
وأخرج ابن سعد من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين
آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وفي التنزيل حكاية عن نوح عليه السلام ﴿رَبِّ
أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] وولد نوح سام مؤمن بالإجماع والنص
لأنه نجا مع أبيه في السفينة ولم ينج فيها إلا مؤمن، وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
[الصافات: ٧٧] بل ورد في أثر أنه كان نبياً - أخرجه ابن سعد في الطبقات،
والزبير بن بكار في الموفقيات، وابن عساكر في تاريخه عن الكلبي - وولده أرفخشد صرح
بإيمانه في أثر عن ابن عباس أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر - وفيه أنه أدرك جده
نوحاً وأنه دعا أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده ولد أرفخشد إلى تارح - ورد التصريح
بإيمانهم - في أثر، وأخرج ابن سعد في الطبقات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابنٍ
عباس أن نوحاً عليه السلام لما هبط من السفينة هبط إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً
فسميت سوق الثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على
الإسلام، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها فكثروا بها حتى بلغوا مائة
ألف وهم على الإسلام ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن
كنعان بن حام بن نوح فدعاهم نمروذ إلى عبادة الأوثان ففعلوا - هذا لفظ هذا الأثر.
فعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبي و # كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن
نمروذ، وفي زمنه كان إبراهيم عليه السلام وآزر، فإن كان آزر والد إبراهيم فيستثنى من
سلسلة النسب، وإن كان عمه فلا استثناء، وهذا القول - أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم - ورد
عن جماعة من السلف - أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ
قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قال: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان [اسمه]
تارح، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح عن
مجاهد قال: لیس آزر أبا إبراهيم.
وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِهِ مَازَرَ﴾
قال: ليس آزر بأبيه إنما هو إبراهيم بن تيرح - أو تارح - بن شاروخ بن ناحور بن فالخ،
٢٠٣
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر فقال: بل
اسمه تارح، وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً
وإن كان مجازاً، وفي التنزيل: ﴿أَ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ◌َابَآيَكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
فأطلق على إسماعيل لفظ الأب وهو عم يعقوب كما أطلق على إبراهيم وهو جده؛ أخرج
ابن أبي حاتم عن ابن عباس - أنه كان يقول: الجد أب ويتلو: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ
ءَابَآَبِكَ﴾ الآية. وأخرج عن أبي العالية في قوله: ﴿وَإِلَهَ ءَابَآَيِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ﴾ قال:
سمي العم أباً، وأخرج عن محمد بن كعب القرظي قال: الخال والد، والعم والد وتلا هذه
الآية .
فهذه أقوال السلف من الصحابة، والتابعين في ذلك، ويرشحه أيضاً ما أخرجه ابن
المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في
النار جعلوا يجمعون الحطب حتى أن كانت العجوز لتجمع الحطب، فلما أن أرادوا أن يلقوه
في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما ألقوه قال الله: ﴿يَنَارُ كُنِى بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَى
إِنَزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فقال عم إبراهيم: من أجلي دفع عنه فأرسل الله عليه شرارة من النار
فوقعت على قدمه فأحرقته، فقد صرح في هذا الأثر بعم إبراهيم - وفيه فائدة أخرى - وهو
أنه هلك في أيام إلقاء إبراهيم في النار، وقد أخبر الله سبحانه في القرآن بأن إبراهيم ترك
الاستغفار له لما تبين له أنه عدو الله، ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركاً وأنه لم
يستغفر له بعد ذلك.
أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى
مات فلما مات تبين له أنه عدو الله فلم يستغفر له. وأخرج عن محمد بن كعب، وقتادة،
ومجاهد، والحسن، وغيرهم قالوا: كان يرجوه في حياته فلما مات على شركه تبرأ منه، ثم
هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك في القرآن، ثم بعد مدة من
مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة وأخدمه هاجر ثم رجع إلى
الشام ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة فنقلهما ودعا فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنْتُ
مِن ذُرِيَّقِ بِوَادٍ غَيْرٍ ذِى زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى قوله: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ
﴾ [إبراهيم: ٤١] فاستغفر لوالديه وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة -
يَقُومُ الْحِسَابُ (4)
فيستنبط من هذا - أن الذكر في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له هو عمه لا أبوه
الحقيقي فلله الحمد على ما ألهم.
روى ابن سعد في الطبقات عن الكلبي قال: هاجر إبراهيم من بابل إلى الشام - وهو
يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة - فأتى حران فأقام بها زماناً، ثم أتى الأردن فأقام بها زماناً، ثم
خرج إلى مصر فأقام بها زماناً، ثم خرج إلى الشام فنزل السبع أرضاً بين إيلياء وفلسطين،
ثم إن بعض أهل البلد آذوه فتحول من عندهم فنزل منزلاً بين الرملة وإيلياء، وروى ابن
٢٠٤
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
سعد عن الواقدي قال: ولد لإبراهيم إسماعيل - وهو ابن تسعين سنة - فعرف من هذين
الأثرين أن بين هجرته من بابل عقب واقعة النار وبين الدعوة التي دعا بها بمكة بضعاً
و خمسين سنة .
تتميم: ثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم، وإسماعيل، قال الشهرستاني في الملل
والنحل: كان دين إبراهيم قائماً والتوحيد في صدر العرب شائعاً وأول من غيره واتخذ عبادة
الأصنام عمرو بن لحي. قلت: وقد صح بذلك الحديث، أخرج البخاري، ومسلم عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَّالر: ((رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان
أول من سيب السوائب)). وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي ◌َّ قال:
((إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه
في النار)).
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّ :
((رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه بالنار أنه أول من غير دين إبراهيم)).
ولفظ ابن إسحاق: ((إنه كان أول من غير دين إسماعيل)) - ونصب الأوثان وبحر البحيرة
وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي - وله طريق أخرى، وأخرج البزار في مسنده
بسند صحيح عن أنس قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام وكان الشيطان يحدث
الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك
لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، قال: فما زال حتى أخرجهم عن
الإسلام إلى الشرك - قال السهيلي في الروض الأنف: كان عمرو بن لحي حين غلبت
خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة قد جعلته العرب رباً لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها
شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل
الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها، وكانت التلبية من عهد إبراهيم: لبيك اللهم لبيك
لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة
شيخ يلي معه فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكاً هو لك، فأنكر
ذلك عمرو وقال: وما هذا؟ فقال. الشيخ: قل تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا فقالها
عمرو ودانت بها العرب، انتهى كلام السهيلي، وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في
تاريخه: كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن ولي عمرو بن عامر الخزاعي مكة وانتزع
ولاية البيت من أجداد النبي 18 فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام وشرع للعرب
الضلالات من السوائب وغيرها - وزاد في التلبية بعد قوله لبيك لا شريك لك - قوله: إلا
شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فهو أول من قال ذلك، وتبعته العرب على الشرط فشابهوا
بذلك قوم نوح وسائر الأمم المتقدمة وفيهم على ذلك بقايا من دين إبراهيم، وكانت مدة
ولاية خزاعة على البيت ثلاثمائة سنة، وكانت ولايتهم مشؤومة إلى أن جاء قصي جد
النبي وَ ل فقاتلهم واستعان على حربهم بالعرب وانتزع ولاية البيت منهم، إلا أن العرب بعد
٢٠٥
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
ذلك لم ترجع عما كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام وغير ذلك لأنهم رأوا
ذلك ديناً في نفسه لا ينبغي أن يغير انتهى.
فثبت أن آباء النبي ◌ّ من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو [المذكور] كلهم مؤمنون بيقين،
ونأخذ في الكلام على الباقي وعلى زيادة توضيح لهذا القدر. الأمر الثاني: مما ينتصر به
لهذا المسلك آيات. وآثار وردت في ذرية إبراهيم وعقبه، الآية الأولى وهي أصرحها قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَِّى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
(٧٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] أخرج عبد بن
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةٌ فِى عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
حميد في تفسيره بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ فِى عَقِيِهِ،﴾ قال: لا إله
إلا الله باقية في عقب إبراهيم، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد
في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فی عَقِپهِ﴾ قال: لا إله إلا الله. وقال عبد بن حميد: حدثنا
يونس عن شيبان عن قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى عَقِهِ﴾ قال: شهادة أن لا إله
إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده، وقال عبد الرزاق في تفسيره عن
معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ فِى عَقِبِهِ﴾ قال: الإخلاص والتوحيد لا يزال
في ذريته من يوحد الله ويعبده أخرجه ابن المنذر ثم قال: وقال ابن جريج في الآية في عقب
إبراهيم: فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يوحد الله ويعبده - أخرجه ابن المنذر - ثم قال:
وقال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم: فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يقول لا إله
إلا الله، قال وقول آخر: فلم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله حتى تقوم الساعة.
وأخرج عبد بن حميد عن الزهري في الآية قال: العقب ولده الذكور والإناث وأولاد
الذكور .
وأخرج عن عطاء قال: العقب ولده وعصبته، الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ
[إبراهيم: ٣٥]، أخرج ابن
١٣٥
رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَفِىَ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ
جرير في تفسيره عن مجاهد في هذه الآية قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلن
يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته، واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله من
الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان
عن وهب بن منبه أن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فذكر الحديث بطوله في قصة
البيت الحرام - وفيه من قول الله لآدم في حق إبراهيم عليهما السلام - واجعله أمة واحداً قانتاً
بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم - استجيب دعوته في ولده وذريته
من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته - الحديث.
هذا الأثر موافق لقول مجاهد المذكور آنفاً، ولا شك أن ولاية البيت كانت معروفة
بأجداد النبي ◌َّو خاصة دون سائر ذرية إبراهيم إلى أن انتزعها منهم عمرو الخزاعي ثم
عادت إليهم فعرف أن كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم، فإن أولى الناس به سلسلة الأجداد
الشريفة الذين خصوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحداً بعد واحد، فهم أولى بأن
٢٠٦
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
يكونوا هم البعض المشار إليهم في قوله: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيٍَِّ﴾ [إبراهيم:
٤٠]، وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل
الأصنام؟ قال: لا ألم تسمع قوله: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَفِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]؟ قيل
فكيف لم يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم؟ قال: لأنه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا
- إذا أسكنهم إياه فقال: ﴿أَجْعَلْ هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ ولم يدع لجميع البلدان بذلك فقال:
﴿وَأَجْتُبْنِىِ وَبَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ فيه وقد خص أهله وقال: ﴿َزَّيَّناً إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ
غَيْرِ ذِى زَرْعُ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فانظر إلى هذا الجواب من
سفيان بن عيينة - وهو أحد الأئمة المجتهدين، وهو شيخ إمامنا الإمام الشافعي رضي الله
عنهما - الآية الثالثة: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوْةِ
وَمِن ذُرِّيَّقْ﴾ أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن
ذُرِّيَّتِى﴾ قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله. آية رابعة: أخرج أبو
الشيخ في تفسيره عن زيد ابن علي قال: قالت سارة لما بشرتها الملائكة: ﴿يَوَيَِّ ءَأَلُِّ وَأَنَّا
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] فقالت الملائكة [ترد على سارة
أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد؟ قال: فهو كقوله:
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾ محمد وآله من نسبه عقب إبراهيم داخل في ذلك].
وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال: كان عدنان، ومعد، وربيعة،
ومضر، وخزيمة، وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وذكر أبو جعفر الطبري
وغيره أن الله أوحى إلى أرميا أن اذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب،
وأمر الله أرميا أن يحتمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فإني مستخرج
من صلبه نبياً كريماً أختم به الرسل، ففعل أرميا ذلك واحتمل معد إلى أرض الشام فنشأ مع
بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن، وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله
ابن خالد قال: قال رسول الله وَالر: ((لا تسبوا مضر فإنه كان قد أسلم)). وقال السهيلي في
الروض الأنف في الحديث المروي: لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين.
قلت: وقفت عليه مسنداً فأخرجه أبو بكر محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في
كتاب الغرر من الأخبار قال: حدثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي ثنا أبو يعقوب
الشعراني ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عثمان بن قايد عن يحيى بن طلحة بن
عبيد الله عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق عن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مسلمين)). وأخرج
بسنده عن عائشة أن رسول الله وَالقر قال: ((لا تسبوا تميماً وضبة فإنهما كانا مسلمين)).
وأخرج بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً)). ثم
قال السهيلي: ويذكر عن النبي وَهو أنه قال: ((لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمناً» وذكر أنه كان
يسمع في صلبه تلبية النبي ◌َ ﴿ بالحج - قال: وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة -
٢٠٧
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
وقيل: هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم
بمبعث النبي 18ّ ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم باتباعه والإيمان به وينشدهم في هذا أبياتاً
منها قوله :
يا ليتني شاهداً فحواء دعوته إذا قريش تبغي الحق خذلانا
قال: وقد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الأعلام له انتهى.
قلت: هذا الخبر أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة بسند عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف وفي آخره، وكان بين موت كعب ومبعث النبي ◌ّ خمسمائة سنة وستون سنة -
والماوردي المذكور هو أحد أئمة أصحابنا، وهو صاحب الحاوي الكبير - له كتاب أعلام
النبوة في مجلد كثير الفوائد وقد رأيته وسأنقل منه في هذا الكتاب، فحصل مما أوردناه أن
آباء النبي ◌ّلتر من عهد إبراهيم إلى كعب بن لؤي كانوا كلهم على دين إبراهيم وولد كعب
مرة الظاهر أنه كذلك لأن أباء أوصاه بالإيمان وبقي بينه وبين عبد المطلب أربعة آباء وهم:
كلاب، وقصي، وعبد مناف، وهاشم ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا، وأما
عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الأشبه - أنه لم تبلغه الدعوة لأجل الحديث
الذي في البخاري وغيره، والثاني أنه كان على التوحيد وملة إبراهيم - وهو ظاهر عموم كلام
الإمام فخر الدين - وما تقدم عن مجاهد، وسفيان بن عيينة، وغيرهما في تفسير الآيات
السابقة، والثالث أن الله أحياه بعد بعثة النبي (18 حتى آمن به وأسلم ثم مات - حكاه ابن
سيد الناس - وهذا أضعف الأقوال وأسقطها وأوهاها لأنه لا دليل عليه، ولم يرد قط في
حديث لا ضعيف ولا غيره، ولا قال هذا القول أحد من أئمة السنة إنما حكوه عن بعض
الشيعة، ولهذا اقتصر غالب المصنفين على حكاية القولين الأولين وسكتوا عن حكاية الثالث
لأن خلاف الشيعة لا يعتد به، قال السهيلي في الروض الأنف: وفي الصحيح: ((أن
رسول الله ** دخل علي أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل، وابن أبي أمية فقال: يا عم
قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال له أبو جهل، وابن أبي أمية: أترغب عن
ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب)). قال: فظاهر هذا الحديث يقتضي أن
عبد المطلب مات على الشرك قال: ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافاً في
عبد المطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلماً لما رأى من الدلائل على نبوة محمد وَالر وعلم أنه
لا يبعث إلا بالتوحيد فالله أعلم غير أن في مسند البزار، وكتاب النسائي من حديث
عبد الله بن عمرو: ((أن رسول الله في قال لفاطمة وقد عزت قوماً من الأنصار عن ميتهم:
لعلك بلغت معهم الكدى (١)؟ فقالت لا، فقال: لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة
حتی یراها جد أبیك)). قال: وقد خرجه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك، قال:
(١) الكدى بضم الكاف المقابر قال ابن الأثير: وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع صلبة وهي جمع كدية
ویروی بالراء.
٢٠٨
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
وفي قوله: جد أبيك ولم يقل جدك تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا
أباه وأمه وآمنا به فالله أعلم.
قال: ويحتمل أنه أراد تخويفها بذلك لأن قوله {وَ ر حق وبلوغها معهم الكدى لا يوجب
خلوداً في النار، هذا كله كلام السهيلي بحروفه، وقال الشهرستاني في الملل والنحل: ظهر
نور النبي ◌ّلير في أسارير عبد المطلب بعض الظهور وببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده
وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات
الأمور، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه
وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكر وقال :
والله إن وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء باساءته، وببركة
ذلك النور قال لأبرهة: إن لهذا البيت رباً یحفظه، ومنه قال وقد صعد أبا قبیس :
لا هم أن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم يوماً محالك
وعابديه اليوم الك
وانصر على آل الصليب
انتهى كلام الشهرستاني - ويناسق ما ذكره - ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس
قال: كانت الدية عشراً من الإبل وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل
فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل وأقرها رسول الله وَّر، وينضم إلى ذلك أن
النبي ◌َّر انتسب إليه يوم حنين فقال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وهذا أقوى ما تقوى به مقالة الإمام فخر الدين ومن وافقه لأن الأحاديث وردت في
النهي عن الانتساب إلى الآباء الكفار، روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي بن
كعب، ومعاذ بن جبل أن رجلين انتسبا على عهد رسول الله وَ﴿ فقال أحدهما: أنا فلان بن
فلان أنا فلان بن فلان فقال رسول الله : ((انتسب رجلان على عهد موسى فقال أحدهما
أنا فلان بن فلان إلى تسعة وقال الآخر أنا فلان بن فلان ابن الإسلام فأوحى الله إلى موسى
هذان المنتسبان أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة آباء في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما
أنت أيها المنتسب إلى اثنين فأنت ثالثهما في الجنة)). وروى البيهقي أيضاً عن أبي ريحانة
عن النبي و ﴿ قال: ((من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وشرفاً فهو عاشرهم في
النار)). وروى البيهقي أيضاً عن ابن عباس أن رسول الله وَ لاغير قال: ((لا تفتخروا بآبائكم الذين
ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحدح الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في
الجاهلية)). وروى البيهقي أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ◌َّي قال: ((إن الله قد أذهب عنكم
عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو
ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها)).
٢٠٩
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وأوضح من ذلك في التقرير أن البيهقي أورد في
شعب الإيمان حديث مسلم إن في أمتي أربعاً من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيهن الفخر في
الأحساب - الحديث، وقال عقبة: فإن عورض هذا بحديث النبي وَّ في اصطفائه من بني
هاشم فقد قال الحليمي: لم يرد بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم
كرجل يقول: كان أبي فقيهاً لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، قال:
وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر وليس ذلك من
الاستطالة - والفخر في شيء انتهى، فقوله: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم أو
الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر فيه تقوية لمقالة الإمام وإجرائها على
عمومها كما لا يخفى، إذ الاصطفاء لا يكون إلا لمن هو على التوحيد، ولا شك أن
الترجيح في عبد المطلب بخصوصه عسر جداً لأن حديث البخاري مصادم قوي، وإن أخذ
في تأويله لم يوجد تأويل قريب، والتأويل البعيد يأباه أهل الأصول، ولهذا لما رأى السهيلي
تصادم الأدلة فيه لم يقدر على الترجيح فوقف وقال: فالله أعلم - وهذا يصلح أن يعد قولاً
رابعاً فيه - وهو الموقف، وأكثر ما خطر لي في تأويل الحديث وجهان بعيدان فتركتهما،
وأما حديث النسائي فتأويله قريب وقد فتح السهيلي بابه وإن لم يستوفه، وإنما سهل الترجيح
في جانب عبد الله مع أن فيه معارضاً قوياً وهو حديث مسلم لأن ذاك سهل تأويله بتأويل
قريب في غاية الجلاء والوضوح، وقامت الأدلة على رجحان جانب التأويل فسهل المصير
والله أعلم.
ثم رأيت الإمام أبا الحسن الماوردي أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين إلا أنه لم
يصرح كتصريحه فقال في كتابه أعلام النبوة: لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما
كلفهم من القيام بحقه والإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر واجتباهم بمحكم
الأواصر(١) فلم يكن لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون القلوب لهم أصفى
والنفوس لهم أوطا، فيكون الناس إلى اجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وأن الله استخلص
رسوله ◌َ﴾ من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى
(٢٩) [الشعراء:
أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله: ﴿وَتَقُلُّكَ فِ السَِّدِينَ
٢١٩] أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبياً، فكان نور النبوة
ظاهراً في آبائه، ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور
نسبهما عليه ليكون مختصاً بنسب جعله الله للنبوة غاية ولتفرده نهاية، فينزل عنه أن يشارك
فيه ويماثل فيه فلذلك مات عنه أبواه في صغره. فأمان أبوه فمات - وهو حمل - وأما أمه
فماتت - وهو ابن ست سنين - وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة
آباء كرام ليس في آبائه مسترذل ولا مغموز مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب
(١) الأواصر: العهود.
٢١٠
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
وطهارة المولد من شروط النبوة، انتهى كلام الماوردي بحروفه، وقال أبو جعفر النحاس في
معاني القرآن في قوله: ﴿وَتَقَّلُبَكَ فِ السََّجِدِينَ (19)﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: تقلبه في
الظهور حتى أخرجه نبياً. وما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي
رحمه الله تعالى :
تنقل أحمد نوراً عظيماً تلألأ في جباه الساجدينا
تقلب فيهم قرناً فقرناً إلى أن جاء خير المرسلينا
وقال أيضاً:
حفظ الإله كرامة لمحمد
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره
وقال الشرف البوصيري صاحب البردة:
كيف ترقى رقيك الأنبياء
.لم يساووك في علاك وقد حال
إنما مثلوا صفاتك للناس
أنت مصباح كل فضل فما تصدر
لك ذات العلوم عن عالم الغيب
لم تزل في ضمائر الغيب تختار
ما مضت فترة من الرسل إلا
تتباهى بك العصور وتسمو
وبدا للوجود منك كريم
نسب تحسب العلا بحلاه
ومنها :
آباءه الأمجاد صوناً لاسمه
من آدم حتى أبيه وأمه
يا سماء ما طاولتها سماء
سني منك دونهم وسناء
كما مثل النجوم الماء
إلا عن ضوئك الأضواء
ومنها لآدم الأسماء
لك الأمهات والآباء
بشرت قومها بك الأنبياء
بك علياء بعدها علياء
من كريم آباؤه كرماء
قلدتها نجومها الجوزاء
الذي شرفت به حواء
أو أنها به نفساء
من فخار ما لم تنله النساء
قد أتت قبل مريم العذراء
فهنيئاً به لآمنة الفضل
من لحواء أنها حملت أحمد
يوم نالت بوضعه ابنة وهب
وأتت قومها بأفضل مما
فائدة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ضمرة
عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: بين النبي ◌َ ﴿ وبين آدم تسعة وأربعون أباً.
الأمر الثالث: أثر ورد في أم النبي و ﴿ خاصة، أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة بسند
ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت: شهدت آمنة أم
٢١١
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
رسول الله وَّل في علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت
إلی وجھه ثم قالت:
يا ابن الذي من حومة الحمام
بارك فيك الله من غلام
فودى غداة الضرب بالسهام
نجابعون الملك المنعام
إن صح ما أبصرت في المنام
بمائة من إيل سوام
من عند ذي الجلال والإكرام
فأنت مبعوث إلى الأنام
تبعث بالتحقيق والإسلام
تبعث في الحل وفي الحرام
فالله أنهاك عن الأصنام
دين أبيك البر ابراهام
أن لا تواليها مع الأقوام
ثم قالت: کل حي ميت وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد
تركت خيراً، وولدت طهراً ثم ماتت، فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك:
نبكي الفتاة البرة الأمينه
ذات الجمال العفة الرزينه
زوجة عبد الله والقرينه
أم نبي الله ذي السكينه
صارت لدى حفرتها رهينه
وصاحب المنبر بالمدينة
فأنت ترى هذا الكلام منها صريحاً في النهي عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف
بدين إبراهيم ويبعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام. وهذه الألفاظ
منافية للشرك، وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو
بالتخفيف، ثم إني استقرأت أمهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات؛ فأم إسحاق،
وموسى، وهارون، وعيسى، وحواء أم شيث مذكورات في القرآن بل قيل بنبوتهن، ووردت
الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل، وأم يعقوب، وأمهات أولاده، وأم داود، وسليمان،
وزكريا، ويحيى، وشمويل، وشمعون، وذي الكفل، ونص بعض المفسرين على إيمان أم
نوح، وأم إبراهيم - ورجحه أبو حيان في تفسيره - وقد تقدم عن ابن عباس أنه لم يكن بين
نوح وآدم والد كافر ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]
وقال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (4)﴾ [إبراهيم: ٤١] ولم
يعتذر عن استغفار إبراهيم في القرآن إلا لأبيه خاصة دون أمه فدل على أنها كانت مؤمنة،
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال: كانت الأنبياء من بني إسرائيل
إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم. وإسماعيل، وإسحاق،
ويعقوب، ومحمد عليهم السلام، وبنو إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى
أن بعث عيسى فكفر به من كفر ـ فأمهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلهن مؤمنات -
وأيضاً فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم، فإن النبوة كانت تكون
٢١٢
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم، وأما العشرة المذكورون من غير بني
إسرائيل فقد ثبت إيمان أم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وبقي أم هود،
وصالح، ولوط، وشعيب يحتاج إلى نقل أو دليل والظاهر - إن شاء الله تعالى - إيمانهن
فكذلك أم النبي ◌َّ وكان السر في ذلك ما يرينه من النور كما ورد في الحديث.
أخرج أحمد، والبزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن العرباض بن سارية أن
رسول الله وَ ي قال: ((إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن
ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت)). وكذلك أمهات النبيين يرين وأن
أم رسول الله ◌َو رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام، ولا شك أن الذي رأته أم
النبي ◌َّر في حال حملها به وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمهات الأنبياء
كما سقنا الأخبار بذلك في كتاب المعجزات، وقد ذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا
أسلمت قال: ومرضعاته أربع: أمه، وحليمة السعدية، وثويبة، وأم أيمن انتهى.
فإن قلت: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرها وأنها في النار وهي حديث أنه وَلت
قال: ((ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت: ﴿وَلَا تُشْشَلُ عَنْ أَصْحَبِ لَلَْحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]))
وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً،
وحديث أنه نزل فيها: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]،
وحديث أنه قال لابني مليكة: ((أمكما في النار - فشق عليهما فدعاهما - فقال: إن أمي مع
أمكما)». قلت: الجواب أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي واَلل
سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له، ولم يصح أيضاً في أبيه إلا حديث
مسلم خاصة - وسيأتي الجواب عنهما - وأما الأحاديث التي ذكرت فحديث: ((ليت شعري ما
فعل أبواي)) فنزلت الآية لم يخرج في شيء من كتب [الحديث] المعتمدة - وإنما ذكر في
بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه، ولو جئنا نحتج بالأحاديث الواهية
لعارضناك بحديث واه أخرجه ابن الجوزي من حديث علي مرفوعاً - هبط جبريل عليّ فقال:
إن الله يقرئك السلام ويقول: إني حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك
- ويكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلا أنا لا نرى ذلك ولا نحتج به.
ثم إن هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول، والبلاغة، وأسرار البيان -
وذلك أن الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها - كلها في اليهود من قوله تعالى: ﴿يَبَِّىّ
﴾ [البقرة: ٤٠]
إِسْرَهِ يَ أَذْكُرُوا نِعْمَغِىَ الَّتِّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِنََّىَ فَارْهَبُونِ
إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] ولهذا ختمت القصة بمثل ما صدرت
به وهو قوله تعالى ﴿يَُّنِىِّ إِسْرَوِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَقِىَ أَلَّتِىِ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُر﴾ الآيتين فتبين أن المراد
بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب، وقد ورد ذلك مصرحاً به في الأثر - أخرج عبد بن
حميد، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال: من أول البقرة
أربع آيات في نعت المؤمنين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى
٢١٣
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
عشرين ومائة في بني إسرائيل إسناده صحيح، ومما يؤكد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما
خوطب فيها اليهود، ويرشح ذلك من حيث المناسبة أن الجحيم اسم لما عظم من النار كما
هو مقتضى اللغة والآثار - أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿أَضْحَبٍ
الْجَحِيمِ﴾ قال: الجحيم ما عظم من النار، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في
قوله تعالى: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم
السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، قال: والجحيم فيها أبو جهل - إسناده صحيح
أيضاً - فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره واشتد وزره وعاند عند الدعوة وبدل وحرف
وجحد بعد علم لا من هو بمظنة التخفيف، وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل
النار عذاباً لقرابته منه 98 وبره به مع إدراكه الدعوة وامتناعه من الإجابة وطول عمره فما
ظنك بأبويه اللذين هما أشد منه قرباً وأكد حباً وأبسط عذراً وأقصر عمراً، فمعاذ الله أن يظن
بهما أنهما في طبقة الجحيم، وأن يشدد عليهما العذاب العظيم، هذا لا يفهمه من له أدنى
ذوق سليم، وأما حديث أن جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً -
فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف - وأما حديث نزول الآية في ذلك، - فضعيف أيضاً
- والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب وقوله وّليس له: «لأستغفرن لك ما لم أنه
عنك)). وأما حديث: ((أمي مع أمكما)) فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح وشأن
المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده
بالتصحيح، ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم
صحيح قال عقبه: قلت لا والله فعثمان بن عمير ضعفه الدارقطني، فبين الذهبي ضعف
الحديث وحلف عليه يميناً شرعياً، وإذا لم يكن في المسألة إلا أحاديث ضعيفة كان للنظر
في غيرها مجال.
الأمر الرابع: مما ينتصر به لهذا المسلك أنه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهلية
أنهم تحنفوا وتدينوا بدين إبراهيم عليه السلام وتركوا الشرك فما المانع أن يكون أبوا
النبي ◌َّ﴿ سلكوا سبيلهم في ذلك؟ قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في التلقيح: تسمية
من رفض عبادة الأصنام في الجاهلية. أبو بكر الصديق، زيد بن عمرو بن نفيل،
عبيد الله بن جحش، عثمان بن الحويرث، ورقة بن نوفل، رباب بن البراء، أسعد أبو
كريب الحميري، قس بن ساعدة الأيادي، أبو قيس بن صرمة انتهى.
وقد وردت الأحادیث بتحنف زید بن عمرو، وورقة، وقیس، وقد روى ابن إسحاق
وأصله في الصحيح تعليقاً عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل
مستنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري
ثم يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم. قلت: وهذا
يؤيد ما تقدم في المسلك الأول أنه لم يبق إذ ذاك من يبلغ الدعوة ويعرف حقيقتها على
وجهها .
٢١٤
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن عمرو بن عبسة السلمي قال: رغبت عن آلهة قومي
في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة، وأخرج البيهقي، وأبو نعيم كلاهما في
الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أن عمير بن حبيب الجهني ترك الشرك في
الجاهلية وصلى الله وعاش حتى أدرك الإسلام، وقال إمام الأشاعرة الشيخ أبو الحسن
الأشعري، وأبو بكر: ما زال بعين الرضا منه فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقال
بعضهم: إن الأشعري يقول: إن أبا بكر الصديق كان مؤمناً قبل البعثة. وقال آخرون: بل
أراد أنه لم يزل يحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة
الأبرار، قال الشيخ تقي الدين السبكي: لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر الصحابة
في ذلك، وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق لم تحفظ عنه في حق غيره
فالصواب أن يقال: إن الصديق لم يثبت عنه حالة كفر بالله فلعل حاله قبل البعث كحال زيد
ابن عمرو بن نفيل وأقرانه فلهذا خصص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة، انتهى كلام
السبكي .
قلت: وكذلك نقول في حق أبوي النبي ◌ّلتر أنهما لم يثبت عنهما حالة كفر بالله فلعل
حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بكر الصديق، وأضرابهما مع أن الصديق، وزيد
ابن عمرو إنما حصل لهما التحنف في الجاهلية ببركة النبي صل18 فإنهما كانا صدیقین له قبل
البعثة وكانا يوادانه كثيراً فأبواه أولى بعود بركته عليهما وحفظهما مما كان عليه أهل
الجاهلية .
فإن قلت: بقيت عقدة واحدة وهي ما رواه مسلم عن أنس ((أن رجلاً قال: يا رسول الله
أين أبي؟ قال: في النار فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)). وحديث مسلم، وأبي
داود عن أبي هريرة أنه وي لتر استأذن في الاستغفار لأمة فلم يؤذن له فاحلل هذه العقدة.
قلت: على الرأس والعين. الجواب: أن هذه اللفظة وهي قوله: إن أبي وأباك في النار
لم يتفق على ذكرها الرواة وإنما ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس - وهي الطريق
التي رواه مسلم منها - وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر أن أبي وأباك في النار ولكن قال
له: إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار. وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده وَّر بأمر البتة وهو
أثبت من حيث الرواية فإن معمراً أثبت من حماد، فإن حماداً تكلم في حفظه ووقع في
أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها،
ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت
قال الحاكم في المدخل: ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد
خرج له في الشواهد عن طائفة، وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه
واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث
سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس فأخرج البزار، والطبراني،
والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن أعرابياً قال
٢١٥
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
لرسول الله ولو: ((أين أبي؟ قال: في النار قال: فأين أبوك؟ قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره
بالنار)) وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره - وقد
زاد الطبراني، والبيهقي في آخره - قال فأسلم الأعرابي بعد فقال: لقد كلفني رسول الله وَلقال تعباً
ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار، وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري
عن سالم عن أبيه قال: ((جاء أعرابي إلى النبي وَ لاّ فقال: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم
وكان فأين هو؟ قال: في النار - قال: فكأنه وجد من ذلك ــ فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال
رسول الله وَالر: حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار - قال: فأسلم الأعرابي بعد - قال: لقد
كلفني رسول الله وَ ال# تعباً ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار)).
فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه وَّر ورآه الأعرابي
بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم
يكن فيه أمر بشيء البته، فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الرواي رواه بالمعنى على
حسب فهمه، وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه
الراوي وغيره أثبت منه كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعله الإمام
الشافعي رضي الله عنه بذلك وقال: إن الثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي
نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فاخطأ، ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام
بنظير ما أجاب به إمامنا [الإمام] الشافعي رضي الله عنه عن حديث مسلم في نفي قراءة
البسملة. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضاً بما تقدم من الأدلة
والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة
عليه كما هو مقرر في الأصول، وبهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الإذن في
الاستغفار لأمه على أنه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة بدليل أنه كان في صدر الإسلام
ممنوعاً من الصلاة على من عليه دين وهو مسلم، فلعله كانت عليها تبعات غير الكفر فمنع
من الاستغفار لها بسببها - والجواب الأول أقعد وهذا تأويل في الجملة - ثم رأيت طريقاً
أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحاً وذلك أنه صرح فيه بأن السائل أراد أن
يسأل عن أبيه ◌َ ل﴿ فعدل عن ذلك تجملاً وتأدباً. فأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن
لقيط بن عامر ((أنه خرج وافداً إلى رسول الله وَّر ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن
المنتفق فقال: قدمنا المدينة الانسلاخ رجب فصلينا معه صلاة الغداة فقام رسول الله و القر في
الناس خطيباً - فذكر الحديث إلى أن قال - فقلت يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في
جاهلية من خير؟ فقال رجل من عرض قريش أن أباك المنتفق في النار فكأنه وقع حربين
جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله
ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل فقلت وأهلك يا رسول الله فقال: ما أتيت عليه من قبر قرشي
أو عامري مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوءك)) هذه رواية لا إشكال فيها وهي
أوضح الروایات وأبينها .
٢١٦
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
تقرير آخر: ما المانع أن يكون قول السائل فأين أبوك؟ وقوله وَ لّ في حديث أنس أن
أبي إن ثبت المراد به عمه أبو طالب لا أبوه عبد الله؟ [كما] قال بذلك الإمام فخر الدين في
أبي إبراهيم أنه عمه وقد تقدم نقله عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، والسدي -
ويرشحه هنا أمران - الأول: أن إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعاً في زمن النبي وَليه
ولذا كانوا يقولون له قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا، وقال لهم أبو طالب مرة - لما قالوا له
أعطنا ابنك نقتله وخذ هذا الولد مكانه - أعطيكم ابني تقتلونه وآخذ ابنكم أكفله لكم، ولما
سافر أبو طالب إلى الشام ومعه النبي ◌َّير نزل له بحيرا فقال له ما هذا منك؟ قال هو ابني
فقال: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً، فكانت تسمية أبي طالب أباً للنبي بَّ شائعة
عندهم لكونه عمه وكونه رباه وكفله من صغره، وكان يحوطه ويحفظه وينصره فكان مظنة
السؤال عنه. والأمر الثاني: أنه وقع في حديث يشبه هذا ذكر أبي طالب في ذيل القصة -
أخرج الطبراني عن أم سلمة ((أن الحارث بن هشام أتى النبي ◌ُّر يوم حجة الوداع فقال:
يا رسول الله إنك تحث على صلة الرحم والإحسان إلى الجار وإيواء اليتيم وإطعام الضيف
وإطعام المسكين وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة فما ظنك به يا رسول الله؟ فقال
رسول الله وَّ ر: كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار وقد وجدت
عمي أبا طالب في طمطام من النار فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إلي فجعله في ضحضاح
من النار)).
تنبيه: قد استراح جماعة من هذه الأجوبة كلها وأجابوا عن الأحاديث الوادرة [فيهما
بأنها منسوخة كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة] في أطفال المشركين أنهم في النار
وقالوا: الناسخ لأحاديث أطفال المشركين قوله تعالى: ﴿وَلَ نَِّدُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:
١٦٤] ولأحاديث الأبوين قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ومن
اللطائف كون الجملتين في الفريقين مقترنتين في آية واحدة متعاطفتين متناسقتين في النظم،
وهذا الجواب مختصر مفيد يغني عن كل جواب إلا أنه إنما يتأتى على المسلك الأول دون
الثاني كما هو واضح فلهذا احتجنا إلى تحرير الأجوبة عنها على المسلك الثاني.
تتمة: قد ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وأنه في
ضحضاح من النار في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهذا مما يدل على أن أبوي
النبي ◌َ ◌ّ ليسا في النار لأنهما لو كانا فيها لكانا أهون عذاباً من أبي طالب لأنهما أقرب منه
مكاناً وأبسط عذراً، فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي
طالب، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذاباً فليس أبواه من أهلها، وهذا
يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.
نصب ميدان جدلي: المجادلون في هذا الزمان كثير خصوصاً في هذه المسألة وأكثرهم
ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال فالكلام معهم ضائع، غير أني أنظر الذي يجادل وأكلمه
بطريقة تقرب من ذهنه، فإنه أكثر ما عنده أن يقول الذي ثبت في صحيح مسلم يدل على
٢١٧
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
خلاف ما تقول، فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب أقول له: قد
ثبت في صحيح مسلم أنه ◌َّ لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وأنت لا تصحح
الصلاة بدون البسملة، وثبت في الصحيحين أنه وَّر قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا
تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك
الحمد وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)). وأنت إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده
تقول سمع الله لمن حمده مثله، وإذا صلى جالساً لعذر وأنت قادر تصلي خلفه قائماً لا
جالساً، وثبت في الصحيحين في حديث التيمم: ((إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم
ضرب بيديه ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه)) وأنت لا تكتفي في
التيمم بضربة واحدة ولا بالمسح إلى الكوعين فكيف خالفت الأحاديث التي ثبتت في
الصحيحين أو أحدهما؟ فلا بد إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول قامت أدلة أخرى
معارضة لهذه فقدمت عليها. فأقول له: وهذا مثله لا يحتج عليه إلا بهذه الطريقة فإنها ملزمة
له ولأمثاله، وإن كان المجادل مالكي المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيحين «البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا)) وأنت لا تثبت خيار المجلس، وثبت في صحيح مسلم - أنه وَّ توضأ
ولم يمسح كل رأسه - وأنت توجب في الوضوء مسح كل الرأس فكيف خالفت ما ثبت في
الصحيح؟ فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له فقدمت عليه. فأقول له: وهذا مثله، وإن كان
المجادل حنفي المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيح - ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
فليغسله سبعاً) وأنت لا تشترط في النجاسة الكلبية سبعاً - وثبت في الصحيحين: ((لا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وأنت تصحح الصلاة بدونها - وثبت في الصحيحين: ((ثم ارفع
رأسك حتى تعتدل قائماً)) وأنت تصحح الصلاة بدون الطمأنينة في الاعتدال - وصح في
الحديث: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً) وأنت لا تعتبر القلتين وصح في الصحيحين
أنه وَّيه - باع المدبر - وأنت لا تقول ببيع المدبر خالفت هذه الأحاديث الصحيحة؟ فيقول
قامت أدلة أخرى معارضة لها تقدمت عليها. فأقول له: وهذا مثله، وإن كان المجادل حنبلي
المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيحين: ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم)) وثبت
فيهما ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)) وأنت تقول بصيام يوم الشك فكيف خالفت
ما ثبت في الصحيحين؟ فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له تقدمت عليه فأقول له: وهذا
مثله .
هذا أقرب ما يقرب به لأذهان الناس اليوم، وإن كان المجادل مما يكتب الحديث ولا
فقه عنده يقال له: قد قالت الأقدمون المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب فالأدوية حاصلة في
دكانه ولا يدري لماذا تصلح - والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار - يعرف ما تصلح له
الأدوية إلا أنها ليست عنده، وإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث، والفقه، والأصول،
وسائر الآلات من العربية، والمعاني، والبيان، وغير ذلك، فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف
٢١٨
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
أقول وكيف أستدل وكيف أرجح، وأما أنت يا أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك
لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئاً من الآلات والكلام في الحديث والاستدلال به
ليس بالهين، ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن يجمع هذه العلوم فاقتصر على ما آتاك
الله وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه وضعفوه،
ولا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وثم أمر آخر أخاطب به كل ذي مذهب من مقلدي المذاهب الأربعة وذلك أن مسلماً
روى في صحيحه عن ابن عباس أن الطلاق الثلاث كان يجعل واحدة في عهد
رسول الله وَّل﴾، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر. فأقول لكل طالب علم: هل تقول أنت
بمقتضى هذا الحديث وأن من قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً تطلق واحدة فقط؟ فإن قال نعم
أعرضت عنه وإن قال لا أقول له: فكيف تخالف ما ثبت في صحيح مسلم؟ فإن قال لما
عارضه أقول له: فاجعل هذا مثله والمقصود من سياق هذا كله أنه ليس كل حديث في
صحيح مسلم يقال بمقتضاه لوجود المعارض له.
المسلك الثالث: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة
من حفاظ المحدثين وغيرهم. منهم ابن شاهين، والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي،
والسهيلي، والقرطبي، والمحب الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، وغيرهم -
واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في السابق
واللاحق، والدارقطني، وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة
قالت : - حج بنا رسول الله ◌َ لقر حجة الوداع فمر بي على عقبة بالحجون وهو باك حزين
مغتم فنزل فمكث عني طويلاً ثم عاد إليّ وهو فرح متبسم فقلت له فقال ذهبت لقبر أمي
فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله - هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين
بل قيل إنه موضوع لكن الصواب ضعفه لا وضعه، وقد ألفت في بيان ذلك جزءاً مفرداً،
وأورد السهيلي في الروض الأنف بسند قال: إن فيه مجهولين عن عائشة أن رسول الله واله
سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما، وقال السهيلي بعد إيراده: الله قادر
على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ونبيه وّلفي أهل أن يختص بما شاء من
فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته، وقال القرطبي: لا تعارض بين حديث الإحياء
وحديث النهي عن الاستغفار، فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل حديث عائشة
أن ذلك كان في حجة الوداع ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذكر من الأخبار، وقال
العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي في كتاب المقتفى في شرف المصطفى: قد وقع
لنبينا * إحياء الموتى نظير ما وفع لعيسى ابن مريم - إلى أن قال: وجاء في حديث أن
النبي ◌َّ لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحيي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا
وماتا مؤمنين، وقال القرطبي: فضائل النبي ◌ِّ لم تزل تتوالى وتتتابع إلى حين مماته فيكون
٢١٩
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً فقد
ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام [يحيي الموتى
وكذلك نبينا ◌َ*3] أحيا الله على يديه جماعة من الموتى قال: وإذا ثبت هذا فما يمتنع من
إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته، وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في
سيرته بعد ذكر قصة الإحياء: والأحاديث الواردة في التعذيب، وذكر بعض أهل العلم في
الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي ولو لم يزل راقياً في المقامات السنية صاعداً
في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة
حين القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له وَ لقول بعد أن لم تكن وأن
يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تعارض انتهى، وقد أشار إلى ذلك
بعض العلماء فقال بعد إيراده خبر حليمة وما أسداه ◌َ ل# إليها حين قدومها عليه:
لكن جزاء الله عنه عظيم
هذا جزاء الأم عن إرضاعه
عن ذاك آمنة يد ونعيم
وكذاك أرجو أن يكون لأمه
ويكون أحياها الإله وآمنت
بمحمد فحديثها معلوم
سعدت به بعد الشقاء حليم
فلربما سعدت به أيضاً كما
وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في
مولد الهادي بعد إيراد الحديث المذكور منشداً لنفسه:
حبا الله النبي مزيد فضل
على فضل وكان به رؤوفا
لإيمان به فضلاً لطيفا
فأحيا أمه وكذا أبوه
وإن كان الحديث به ضعيفا
فسلم فالقديم بذا قدير
خاتمة: وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم. ونحوهما
على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن
يذكر ذلك، قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم: وليس لنا نحن أن
نقول ذلك في أبويه وَّ لقوله: ((لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات)) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية، وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة
المالكية عن رجل قال: إن أبا النبي ◌َ# في النار - فأجاب بأن من قال ذلك - فهو ملعون
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةَ﴾ قال: ولا أذى أعظم
من أن يقال عن أبيه أنه في النار، ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس - وهو الوقف - قال
الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير: الله أعلم بحال أبويه، وقال الباجي في
شرح الموطأ: قال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤذى النبي ◌َّ* بفعل مباح ولا غيره،
وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح وليس لنا المنع منه ولا يأثم فاعل المباح وإن
وصل بذلك أذى إلى غيره، قال: ولذلك قال النبي ◌َّر: ((إذا أراد علي بن أبي طالب أن
٢٢٠
الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد
يتزوج ابنة أبي جهل إنما فاطمة بضعة مني وإني لا أحرم ما أحل الله ولكن والله لا تجتمع ابنة
رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبداً» فجعل حكمهما في ذلك أنه لا يجوز أن يؤذى بمباح
واحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيتين فشرط على
المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا وأطلق الأذى في خاصة النبي ◌َّطهر من غير شرط انتهى.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال: حدثنا
نوفل بن الفرات - وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز - قال: كان رجل من كتاب الشام مأموناً
عندهم استعمل رجلاً على كورة الشام وكان أبوه يزن بالمنانية(١) فبلغ ذلك عمر بن
عبد العزيز فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين كان أبوه
يزن بالمنانية؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين وما عليّ كان أبو النبي وَلّ مشركاً فقال: عمر
آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال: أأقطع لسانه؟ أأقطع يده ورجله؟ أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا
تلي لي شيئاً ما بقيت، وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتاً أختم بها هذا التأليف
فقلت :
أنجى به الثقلين مما يجحف
إن الذي بعث النبي محمداً
أبداه أهل العلم فيما صنفوا
لم يأته خبر الدعاة المسعف
أن لا عذاب عليه حكم يؤلف
والأشعرية ما بهم متوقف
وبنحو ذا في الذكر آي تعرف
معنى أرق من النسيم وألطف
منحى به للسامعين تشنف
يظهر عناد منهم وتخلف
كل على التوحيد إذ يتحنف
فيهم أخو شرك ولا مستنكف
نجس وكلهم بطهر يوصف
في الساجدين فكلهم متحنف
أسراره هطلت عليه الذرف
وحباه جنات النعيم تزخرف
فرقة دين الهدى وتحنفوا
ولأمه وأبيه حكم شائع
فجماعة أجروهما مجرى الذي
والحكم فيمن لم تجئه دعوة
فبذاك قال الشافعية كلهم
وبسورة الإسراء فيه حجة
ولبعض أهل الفقه في تعليله
ونحا الإمام الفخر رازي الورى
إذ هم على الفطرة التي ولدوا ولم
قال الأولى ولدوا النبي المصطفى
من آدم لأبيه عبد الله ما
فالمشركون كما بسورة توبة
وبسورة الشعراء فيه تقلب
هذا كلام الشيخ فخر الدين في
فجزاه رب العرش خير جزائه
فلقد تدين في زمان الجاهلية
(١) المنانية: المجوسية .