النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد غداً في الموقف فيمحص في البرزخ ليخرج من القبر وقد اقتص منه انتهى، وهذا وإن كان صورته صورة الموقوف على حذيفة فإن حكمه حكم المرفوع كما تقدم تقريره. وشاهده ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة أن رسول الله وَ ﴿ ﴿ قال: ((لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له يرى المسلم عمله في قبره)). وأخرج البزار، والحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي صل﴿ قال: ((اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر)). وأخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إن عذاب القبر من ثلاثة: من الغيبة والنميمة والبول فإياكم وذلك)) وله شواهد كثيرة قال ابن رجب: قد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول، والنميمة، والغيبة بعذاب القبر - وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب - والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق الله وحق لعباده، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء)) وأما البرزخ فيقضى فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والوقيعة في الأعراض - وهما أيسر أنواع الأذى - فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما انتهى، قال ابن رجب: وروى ابن عجلان عن عون بن عبد الله قال: يقال إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له صلاته نظر فيما سوى ذلك من عمله وإن لم يجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد. الوجه الثاني عشر: إن قيل: مقتضى كون الفتنة سبعة أيام مشروعية التلقين في الأيام السبعة. فالجواب: لا. أما أولاً فلأن التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة - وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وإنما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووي نظراً إلى أن الحديث الضعيف يتسامح به في فضائل الأعمال، وثانياً أن هذه أمور توقيفية لا مدخل للرأي فيها ولم يرد التلقين إلا ساعة الدفن خاصة وورد في سائر الأيام الإطعام فاتبع الوارد في ذلك. فإن قلت: هل يظهر لاختصاص التلقين باليوم الأول من حكمة؟ قلت: ظهر لي حكمتان: الأولى أن المخاطب بذلك من حضر الدفن من المؤمنين الشفعاء وذلك إنما يكون في اليوم الأول لأن الشرع لم يرد بتكليف الناس المشي مع الميت إلى قبره إلا لدفنه خاصة ولم يكلفهم التردد إلى قبره بعد ذلك فلم يشرع التلقين في سائر الأيام لما في تكليفهم التردد إليه طوال الأسبوع من المشقة فاقتصر على ساعة الدفن. الثانية: أن كل مبتدأ صعب وأول نزوله قبره ساعة لم يتقدم له مثلها قط فأنس بالتلقين وسؤال التثبيت، فإذا اعتاد بالسؤال أول يوم وألفه سهل عليه بقية الأيام فلم يحتج إليه وشرع الإطعام لأنه قد يكون له ذنوب يحتاج إلى ما يكفرها من صدقة ونحوها، فكان في الصدقة عنه معونة له على تخفيف الذنوب ليخفف عنه هول السؤال وصعوبة خطاب الملكين وإغلاظهما وانتهارهما. الوجه الثالث عشر: لم يرد تصريح ببيان الوقت الذي يجيء فيه الملكان في سائر الأيام ١٨٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وإنما ورد أنهما يأتيانه في اليوم الأول إذا انصرف الناس من دفنه، وقد يؤخذ من قول عبيد بن عمير يفتن المؤمن سبعاً والكافر أربعين صباحاً أنهما يأتيان في سائر الأيام أول النهار، وقد يكون أراد بقوله أربعين صباحاً أربعين يوماً كما جرت عادتهم بذلك أن يكنوا عن اليوم بالصباح إطلاقاً للجزء وإرادة للكل فلا يكون فيه دلالة على مجيئهما أول النهار، ويحتمل أن يأتيا في سائر الأيام في مثل الساعة التي جاء فيها أول يوم دفن والعلم في ذلك عند الله تعالى، وإذا كنا لم نعلم وقت مجيئهما من النهار لكون ذلك من المغيبات التي لا اطلاع لأحد عليها إلا بتوقيف من صاحب الوحي ولا طريق إلى الاستدلال عليها بالنظر فكيف يظن أن أخبار طاوس وغيره بوقوع الفتنة سبعة أيام صدر عنهم من غير توقيف أو سماع أو بلاغ ممن فوقهم عمن يأتيه الوحي؟ حاشا وكلا لا يظن ذلك من له أدنى تمييز. الوجه الرابع عشر: ورد في أحاديث السؤال المطلقة أن الملكين يعيدان عليه السؤال ثلاث مرات في المجلس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك ولم يرد في حديث الأيام السبعة تصريح بمثل ذلك، فيحتمل جريان ذلك كل يوم بناء على أن الأحاديث المتعددة إذا كان في كل واحد منها إطلاق من وجه وتقييد من وجه تقيد إطلاق كل حديث بتقييد الآخر كما هو قاعدة الأصول وهذا منه. الوجه الخامس عشر: قال قائل في حديث البخاري أنه يقال له عقب السؤال نم صالحاً فدل على أنه لا شيء بعده. والجواب أن هذا كلام من لم يتسع نظره في الحديث ولا اطلع على مصطلحات العلماء المتكلمين على الأحاديث حيث يجمعون طرق الأحاديث كلها ورواياته ويضمون بعضها إلى بعض، ويأخذون من كل حديث ما فيه من فائدة زائدة ويقولون فيما خلا من تلك الزيادة: هذا حديث مختصر ورد في غيره زيادة عليه، والحديث الذي في البخاري لفظه عن أسماء بنت أبي بكر أنها سمعت رسول الله وَ لي يقول: ((إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور فيقال ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن - أو الموقن - فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا فيقال له نم صالحاً قد علمنا أن كنت لمؤمناً، وأما المنافق - أو المرتاب - فيقول ما أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته» هذا لفظ البخاري من غير زيادة عليه وهو أخصر حديث ورد في السؤال، وقد ورد سواه أحاديث مطولة صحيحة فيها زيادات كثيرة اعتمدها الناس ولا يسعهم إلا اعتمادها، فإن أخذ هذا الرجل بهذا الحديث فقط وترك ما سواه لزمه رد ما ثبت في الأحادث الصحيحة ولا يقع في ذلك عاقل، من ذلك أنه لم يذكر في الحديث السؤال عن ربه ودينه وهو ثابت في غيره، وأن المؤمن يقول في الجواب ربي الله وديني الإسلام، ومن ذلك أنه لم يسم فيه الملكان بمنكر ونكير وهو ثابت في حديث الترمذي، وقد أطبق أهل السنة على اعتباره ولم يخالف فيه إلا المعتزلة فقالوا: لا يجوز أن تسمى الملائكة بمنكر ونكير، ولم يلتفت أهل السنة إلى قولهم اعتماداً على ما جاء في بعض طرق الحديث إلى غير ذلك من الزيادات الواقعة في أحاديث السؤال على كثرتها فإنها أكثر من سعبين حديثاً ما ١٨٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد من حديث منها إلا وفيه زيادة ليست في غيره، فمن لم يقف إلا على حديث واحد من سبعين حديثاً حقه أن يسكت مع الساكتين ولا يقدم على رد الأحاديث وإلغائها، وتأويل حديث البخاري أنه يقال له نم صالحاً عند آخر جواب يجيب به في آخر يوم يسأل فيه وذلك من المحذوفات المطوي ذكرها في الحديث كسائر ما حذف منه، وما أحسن ما وقع للحافظ أبي عمر بن عبد البر حيث تكلم على الحديث في الموطأ، وغيره أن جبريل لم يصل في وقت فرض الصلاة بالنبي ◌ّ# الصلوات الخمس إلا مرة واحدة فقال: والجواب عن ذلك أنه قد ثبت إمامة جبريل لوقتين، ما بين هذين وقت وهذه زيادة يجب قبولها والعمل بها لنقل العدول لها وليس ترك الإتيان بحجة وإنما الحجة في شهادة من شهد لا في رواية من أجمل واختصر، انتهى كلام ابن عبد البر. ووقع له أيضاً أنه تكلم على حديث ثم روي من طرق مرسلة زيادة عليه ثم قال: ومراسيل مثل هؤلاء عند مالك حجة وهو خلاف ظاهر حديث الموطأ وحديث هؤلاء بالصواب أولى لأنهم زادوا وأوضحوا وفسروا ما أجمله غيرهم وأهمله - هذه عبارته - وقال القرطبي في شرح مسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صومه وقيامه: هذا الحديث اشتهر وكثرت رواته فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده أنه مضطرب وليس كذلك فإنه إذا تتبع اختلافه وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف تناقض ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن بعضهم ذكر ما سكت عنه غيره وفصل بعض ما أجمله غيره انتهى، ولا شك في أنه لا منافاة بين حديث السبعة وحديث البخاري فإنه يجمع بينهما بأن معنى حديث البخاري قد أوحى إلى أنكم تفتنون في القبور فيقال ما علمك إلى آخره أن ذلك يقع في سبعة أيام لأنه لفظ مطلق صادق بالمرة وبأكثر، فإذا روى الثقة أن ذلك يقع سبعاً وجب قبوله وحمل آخر الحديث وهو قوله نم صالحاً على أن ذلك يقع عند انتهاء الفتنة وذلك بآخر يوم منها. ولنختم الكتاب بلطائف: الأولى: أن سنة الإطعام سبعة أيام بلغني أنها مستمرة إلى الآن بمكة والمدينة فالظاهر أنها لم تترك من عهد الصحابة إلى الآن وأنهم أخذوها خلفاً عن سلف إلى الصدر الأول. [ورأيت] في التواريخ كثيراً في تراجم الأئمة يقولون: وأقام الناس على قبره سبعة أيام يقرؤون القرآن، وأخرج الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في كتابه المسمى تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري سمعت الشيخ الفقيه أبا الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي يقول: توفي الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي في يوم الثلاثاء التاسع من المحرم سنة تسعين وأربعمائة بدمشق وأقمنا على قبره سبع ليال نقرأ كل ليلة عشرين ختمة. الثانية: قد عرف أنه يستثنى جماعة لا يسألون أصلاً كالصديق، والشهيد، والمرابط، ومن ألحق بهم، ومن اللطائف في ذلك ما أورده الجزولي من أئمة المالكية في شرح الرسالة قال: روي أن النبي وَ لّ قال: ((إن منكراً ونكيراً ينزلان بالميت في قبره وهما فظان غليظان ١٨٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد أسودان أزرقان يطان في شعورهما وينتحتان الأرض بأنيابهما يمشيان في الأرض كما يمشي أحدكم في الضباب بيد كل واحد منهما مرزبة من حديد لو وضعت على أعلى جبل في الدنيا لذاب كما يذوب الرصاص فيسألانه فقال له عمر: وأنا كما أنا الآن؟ قال: نعم فقال: إذن والله أخاصمهما فرآه ابنه عبد الله بعد موته فقال له: ما كان منك؟ فقال له: أتاني الملكان فقالا لي من ربك ومن نبيكن؟ فقلت ربي الله ونبي محمد وأنتما من ربكما فنظر أحدهما إلى الآخر فقال إنه عمر فوليا عني)) قال الجزولي: ومثله يروى عن أبي المعالي أنهما وقفا عليه وهابا أن يكلماه فقال لهما: ما شأنكما أنتما ملكا ربي أفنيت في ذكره عمري ويسرت لنصرته فما عسى أن تقولا وقد امتلأت الدنيا بأقوالي وسميت فيها أبا المعالي؟ فقالا: قد علمنا أنك أبو المعالي نم هنيئاً ولا تبالي. قلت: أبو المعالي هو إمام الحرمين وهذا الذي وقع له من بركة العلم، فلو لم يكن من بركة العلم إلا هذا الإكرام لكان فيه كفاية، ويشبه هذا ما أخرجه الحافظ أبو الطاهر السلفي في الطيوريات عن سهل بن عمار قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته فقلت ما فعل الله بك؟ قال: أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت لمثلي يقال وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا، وقال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في السنة: أخبرنا محمد بن المظفر بن حرب ثنا إبراهيم بن محمد بن عثمان النيسابوري قال: سمعت أحمد بن محمد الحيري المزكي يقول: حدثني عبد الله بن الحارث الصنعاني قال: سمعت حوثرة بن محمد المنقري البصري يقول رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عن السيئات ووهب لي التبعات، قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت: فبم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقول الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري على الفقر، قلت: ومنكر ونكير حق؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو لقد أقعداني وسألاني وقالا لي من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب فقلت مثلي يسأل أنا يزيد بن هارون الواسطي وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس، فقال أحدهما: صدق هو يزيد بن هارون نم نومة العروس فلا روعة عليك بعد اليوم، وقال الحافظ أبو طاهر السلفي في انتخابه لحديث الفراء: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمد، الأرتاحي أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء أنا أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري الحافظ ثنا القاضي أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي ثنا أحمد بن محمد بن مسروق ثنا محمد بن كثير ابن بنت يزيد بن هارون قال: رأيت جدي يزيد بن هارون في النوم فقلت له يا جدي كيف رأيت منكراً ونكيراً؟ فقال يا بني جاءاني فأجلساني في قبري وقالا لي من ربك؟ فقلت لهما إلي يقال هذا وقد كنت أعلم الناس الدين منذ ثمانين سنة؟. ١٨٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد الثالثة: عجبت ممن استغرب سؤال الميت سبعة أيام وقد صرح الغزالي بما هو أعظم من ذلك، ذكر الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات الوسطى في ترجمة الشيخ أبي الفتوح أخي الغزالي أنه حكى يوماً على رأس منبره قال: سمعت أخي حجة الإسلام قدس الله روحه يقول إن الميت من حين يوضع على النعش يوقف في أربعين موقفاً يسائله ربه عز وجل قال السبكي: فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه ويختم لنا بخير بمنه وكرمه. الرابعة: أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق ليث عن طاوس قال: ما تعلمت فتعلمه لنفسك فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة قال: وكان يعد الحديث حرفاً حرفاً. وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق ليث قال: قال لي طاوس: ما تعلمت فتعلمه لنفسك فإن الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس، وقال أبو محمد عبيد الله بن علي [بن عبد الرحمن بن منصور بن زياد الكاتب في أماليه ثنا الحسن بن علي] بن راشد قال: سمعت أبا الربيع العتكي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إني أخذت من كل طير ريشة ومن كل ثوب خرقة قال: وسمعت سفيان بن عيينة يقول لأصحاب الحديث: إني لأحرم جلسائي الحديث الغريب لموضع رجل واحد ثقيل. أحوال البعث مسألة: هل يمر إبليس وكفار الإنس والجن على الصراط؟. الجواب: صرح ابن برجان في الإرشاد بأن الكفار لا يمرون على الصراط، وفي الأحاديث ما يشهد له، وفي أحاديث أخر ما يقتضي خلاف ذلك وأنهم يمرون فحملت ذلك على المنافقين لكون بعض الروايات فيها ما يدل على ذلك، ثم رأيت القرطبي صرح بأن في الآخرة صراطين: صراط لعموم الخلق إلا من يدخل الجنة بغير حساب ومن يلتقطهم عنق النار، وصراط للمؤمنين خاصة وهذا جمع حسن وعرف منه أن من يلتقطهم عنق النار وهم طوائف مخصوصة من الكفار لا يمرون على الصراط أصلاً، وكذلك بعث النار الذي يخرج من الخلق إليها قبل نصب الصراط دلت الأحاديث على أنهم لا يمرون على الصراط أصلاً وهم طوائف من الكفار، والظاهر أنه لا يمر على الصراط من الكفار إلا المنافقون وأهل الكتابين اليهود والنصارى فإن هؤلاء الفرق الثلاث ورد في الحديث أنهم يحملون عليه فيسقطون منه في النار، وكذلك من ينصب له الميزان من الكفار وهم طائفة مخصوصة منهم يمرون عليه فيحضروا وزنهم فإن الميزان إنما هو على الصراط - هذان ملخص القول في ذلك - وبسطه في كتابنا المسمى - بالبدور السافرة في أمور الآخرة - والله أعلم. مسألة: قوله وَالر: ((يحشر الناس حفاة عراة)) هل هو على عمومه بدليل قوله: ((فيكون أول من يكسى إبراهيم» أو هو مخصوص بغير الأنبياء؟. الجواب: هو مخصوص وليس على عمومه فقد نص البيهقي على أن بعض الناس يحشر عارياً وبعضهم يحشر في أكفانه وحمل على ذلك قوله ◌َّيقول: ((يبعث الميت في ثيابه التي ١٨٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد يموت فيها)) رواه أبو داود، وابن حبان، والحاكم - وقول معاذ بن جبل - أحسنوا أكفان موتاكم فإن الناس يحشرون في أكفانهم - رواه ابن أبي الدنيا، وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب مثله، وهذان الموقوفان لهما حكم الرفع. ونص القرطبي على أن حديث الحشر عراة مخصوص بغير الشهداء، وأن حديث أبي داود ونحوه في الشهداء، وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحسن قال: يحشر الناس كلهم عراة ما خلا أهل الزهد، وإذا خص من الحديث الشهداء أو أهل الزهد فالأنبياء من باب أولى. مسألة: أحاديث الحشر عراة عارضها أحاديث أخر صرح فيها بأن الناس يحشرون في أكفانهم - واختلف العلماء في ذلك - فمنهم من سلك مسلك الترجيح فرجح أحاديث الحشر في الأكفان على أحاديث الحشر عراة وهذا رأي القليل، والأكثرون سلكوا مسلك الجمع فجمعوا بين الأحاديث بأن أحاديث الحشر في الأكفان خاصة بالشهداء وأحاديث الحشر عراة في غيرهم - هكذا نقله القرطبي - وجمع البيهقي بأن بعض الناس يحشر عارياً وبعضهم يحشر في أكفانه ولم يعين شهداء ولا غيرهم، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي ذر قال: حدثني الصادق المصدوق وَّر أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين. وفوج يمشون ويسعون. وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود، والترمذي، ومن حديث معاوية بن حيدة أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي. وفي المجالسة للدينوري عن الحسن قال: يحشر الناس كلهم عراة ما خلا أهل الزهد وهذا له حكم المرفوع المرسل. مسألة : سألتكمو رجال العلم عما هل الإيمان يوزن يوم حشر فإن قلتم بوزن هل تقولوا وإن قلتم مع الحسنات يبقى ويرجع بعد ذلك بسيئات من أهل الحق والتوحيد نفس أوزن مطلقاً أو لا تقولوا أجيبوا العبد فهو لكم محب فلا زلتم لمعضلة تحلوا الجواب: بدا لي حيث لا علم بذاكا بميزان وإلا ليس ذاكا؟ مع الحسنات أو ضد لذاكا؟ بأن لا وزن مع شيء يحاكى فلا للنار داخلة مناكا فسبحان اللطيف بنا هناكا بهذا أنتم أهل لذاكا؟ وفضلكم بمصر لا يحاكى وفي الجنات مأواكم هناكا لرب العرش حمداً لا يحاكى وأشكره وما أولى بذاكا ١٨٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وللمختار تسليم ثناه لقد نص الحكيم الترمذي في وعنه حكاه نقلاً قرطبي بأن الوزن مختص بحشر وما الإيمان موزوناً فإن المـ أيجمع واحد كفراً وضداً وفي خبر البطاقة جاء وزن فأولها بندب في أدكار ومن يقصد لبسط في اتزان وناظمه ابن الأسيوطي أبدى بنظم ناسج منوال حسن مسألة : ما قول حبر بحر أفكاره وفاض منه أنهراً بالهدى تأليفه صاغ لنا عسجدا حكى لنظم الدر في جيده في الطفل: إن مات صغيراً فهل وفي جنان الخلد يبقى كذا وهل له في الحور من زوجة وأمر ولدان حكاهم لنا أمن بني آدم أم خلقهم لكم علوم أعجزت من مضى وسلموا أن الذي نلتموا يثيبكم جناته مثل ما الجواب: الحمدلله على يسره الطفل يأتي مثل ما قد مضى وعندما يدخل جناته كعرف الزهر ينبت في رباكا نوادره التي حسنت حباكا بتذكرة تنمقها حياكا بأعمال فتنسلك انسلاكا ـموازن حاله ضد هناكا ليتزنا محال فرض ذاكا لتوحيد وأخبار كذاكا فحقا أعظم الحسنات ذاكا ففي تأليف بعث لي دراكا جواباً لم يغادره مساكا على نسق يحاك ولا يحاكى أبدى عجيباً عم في عصره في سائر الأقطار من دره عاطره قد ضاع في نشره وحاز حسن السبك في نثره يحشر في الأخرى على عمره أو بعد حشر زيد في قدره ينكحها ما القول في أمره؟ رب العلا الرحمن في ذكره كالحور يا من فاق في دهره ومن بقي قد صار في فكره منحة رب العرش من سره بذلتم الإجهاد في نصره وأشكر الهادي على نشره في خلقه والقدر في حشره يزداد كالبالغ في قدره ١٨٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد من بشر والحور في قصره وكم له في الخلد من زوجة ليسوا بني آدم فاستقره والحور والولدان جنس سوى ٦٧ - تحفة الجلساء برؤية الله للنساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: رؤية الله تعالى يوم القيامة في الموقف حاصلة لكل أحد الرجال، والنساء بلا نزاع، وذهب قوم من أهل السنة إلى أنها تحصل فيه للمنافقين أيضاً. وذهب آخرون منهم إلى أنها تحصل للكافرين أيضاً ثم يحجبون بعد ذلك ليكون عليهم حسرة، وله شاهد رويناه عن الحسن البصري، وأما الرؤية في الجنة فأجمع أهل السنة أنها حاصلة للأنبياء، والرسل، والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة، واختلف بعد ذلك في صور: إحداها النساء: من هذه الأمة وفيهن ثلاثة مذاهب للعلماء حكاها جماعة منهم الحافظ عماد الدين بن كثير في أواخر تاريخه: أحدها أنهن لا يرين لأنهن مقصورات في الخيام ولأنه لم يرد في أحاديث الرؤية تصريح برؤيتهن. والثاني أنهن يرين أخذاً من عمومات النصوص الواردة في الرؤية. والثالث أنهن يرين في مثل أيام الأعياد فإنه تعالى يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجلياً عاماً فيرينه [في مثل هذه الحال دون غيرها، قال ابن كثير: وهذا القول يحتاج] إلى دليل خاص عليه، وقال الحافظ ابن رجب في اللطائف: كل يوم كان للمسلمين عيداً في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه - ويوم الجمعة يدعى في الجنة يوم المزيد - ويوم الفطر، والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة، وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كنّ يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة - هذا لعموم أهل الجنة - فأما خواصهم فكل يوم لهم عید یزورون ربهم كل يوم بكرة وعشياً انتهى. قلت: الحديث الذي أشار إليه ابن رجب - ولم يقف عليه ابن كثير - أخرجه الدارقطني في كتاب الرؤية قال: حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن محمد ثنا مروان بن جعفر ثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم ثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَّر: ((إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فأحدثهم عهداً بالنظر إليه في كل جمعة ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر). الثانية: الملائكة: فذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى أنهم لا يرون ربهم لأنهم لم يثبت لهم ذلك كما ثبت للمؤمنين من البشر وقد قال تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] خرج منه مؤمنو البشر بالأدلة الثابتة فبقي على عمومه في الملائكة، ولأن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد، والصبر على البلايا، والمحن، والرزايا، ١٨٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وتحمل المشاق في العبادات لأجل الله، وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويسلم عليهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم أبداً ولم يثبت مثل هذا للملائكة انتهى؛ وقد نقله عنه جمع من المتأخرين ولم يتعقبوه بنكير. منهم الإمام بدر الدين الشبلي صاحب آكام المرجان في أحكام الجان. والعلامة عز الدين بن جماعة في شرح جمع الجوامع ولكن الأقوى أنهم يرونه - فقد نص على ذلك إمام أهل السنة والجماعة - الشيخ أبو الحسن الأشعري قال في كتابه الإبانة في أصول الديانة ومنه نقلت ما نصه: أفضل لذات الجنة رؤية الله تعالى ثم رؤية نبيه ◌َّ فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين، وملائكته المقربين، وجماعة المؤمنين، والصديقين النظر إلى وجهه عز وجل انتهى. وقد تابعه على ذلك الإمام الحافظ البيهقي قال في كتاب الرؤية - باب ما جاء في رؤية الملائكة ربهم - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأحمد بن الحسن قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث مروان بن الحكم قال: خلق الله الملائكة لعبادته أصنافاً وأن منهم لملائكة قياماً صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعاً خشوعاً من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجوداً منذ خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم تبارك وتعالى ونظروا إلى وجهه الكريم قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، وأخبرنا محمد بن عبد الله، وأحمد بن الحسن قال: ثنا أبو العباس ثنا محمد بن إسحاق ثنا روح بن عبادة ثنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة يخطب على منبر المدائن فجعل يعظنا حتى بكى وأبكانا ثم قال: كونوا كرجل قال لابنه وهو يعظه: يا بني أوصيك أن لا تصلي صلاة إلا ظننت أنك لا تصلي بعدها غيرها حتى تموت - ولقد سمعت فلاناً نسي عباد اسمه - ما بيني وبين رسول الله - * غيره قال: إن رسول الله و * قال: ((إن الله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ما منهم ملك تقطر دمعة من عينه إلا وقعت ملكاً يسبح قال: وملائكة سجوداً منذ خلق الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة [وركوعاً لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة] وصفوفاً لم ينصرفوا عن مصافهم ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إليه قالوا سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك)) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ولفظه: ((فإذا رفعوا ونظروا إلى وجه الله تعالى قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)). وممن قال برؤية الملائكة من المتأخرين العلامة شمس الدين بن القيم، وقاضي القضاة جلال الدين البلقيني وهو الأرجح بلا شك، ومنهم من قال إن جبريل عليه السلام يراه دون سائر الملائكة لأنه وقف على الحديث الذي ورد فيه رؤيته ولم يقف على الحديثين السابقين في رؤية الملائكة على العموم - ومشى عليه أبو إسحاق [إسماعيل] الصفار البخاري من الحنفية - فإني رأيت في أسئلته المشهورة ما نصه - سئل عن الملائكة هل يرون ربهم؟ فأجاب اعتماد والدي الشهيد [أنهم] لا يرون ربهم سوى ١٩٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد جبريل فإنه يرى ربه مرة واحدة ولا يرى أبداً انتهى. والصواب العموم، والحديث المذكور أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن جابر أن رسول الله وَالر قال: «تمد الأرض يوم القيامة مداً لعظمة الرحمن ثم لا يكون لبشر من بني آدم إلا موضع قدميه ثم أدعى أول الناس فأخر ساجداً ثم يؤذن لي فأقوم فأقول يا رب أخبرني هذا - لجبريل - وهو عن يمين الرحمن والله ما رآه جبريل قبلها قط إنك أرسلته إلي قال: وحبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله صدق ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض فبذلك المقام المحمود)). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين قال: لكن أرسله معمر عن ابن شهاب عن علي بن حسين بنحوه، وأخرجه الحاكم من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن رجل من أهل [العلم] ولم يسمه ((أن الأرض تمد يوم القيامة)) الحديث. وقال عبد الرزاق في تفسيره: أنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين أن النبي وَ لّم قال: ((إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه قال: فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين العرش والله ما رآه قبلها فأقول أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي فيقول الله عز وجل صدق ثم أشفع فأقول يا رب عبدوك في أطراف الأرض وهو المقام المحمود)) أخرجه ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب ثنا عمي ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن علي بن حسين قال: أخبرني رجل من أهل العلم أن النبي وَّ قال: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم لعظمة الرحمن ولا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدمه فأدعى أول الناس فأخر ساجداً ثم يؤذن لي فأقول يا رب أخبرني هذا - لجبريل - وجبريل عن يمين الرحمن والله ما رآه جبريل قط قبلها إنك أرسلته إليّ وجبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الرحمن تبارك وتعالى صدقت قال: ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول أي رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض فذلك المقام المحمود. الثالثة: الجن: وقد نقل صاحب آكام المرجان مقالة الشيخ عز الدين في الملائكة ثم قال: والجن أولى بالمنع منهم، وقال الجلال البلقيني لم أقف على كلام أحد من العلماء تعرض لهذه المسألة ولم تثبت الرؤية إلا للبشر، ثم نقل كلام الشيخ عز الدين في أن الملائكة لا يرون ثم قال: وإذا كان ذلك في الملائكة ففي الجن بطريق الأولى ثم قال: وقد يتوقف في الأولوية لأن الإيمان في عرف الشرع يشمل مؤمني الثقلين، ثم قرر ثبوت الرؤية للملائكة ثم قال: وعلى مقتضى استدلال الأئمة، والأشعري تثبت الرؤية لمؤمني الجن. الرابعة: مؤمنو الأمم السابقة: وفيهم احتمالان لابن أبي جمرة وقال: إن الأظهر مساواتهم لهذه الأمة في الرؤية والله أعلم. مسألة: قال الدارقطني: أخبرنا الحسن بن إسماعيل أنا أبو الحسن علي بن عبدة ثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال ١٩١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد رسول الله وَلقر: ((إن الله ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة)) في المغني للذهبي - علي بن عبدة وضاع - وقلتم في تأليفكم النكت البديعيات على الموضوعات إن للحديث طريقاً على شرط الحسن، وأخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ يتجلى للخلائق فلم لم تستدلوا به على رؤية الملائكة يوم القيامة مع ذينك الحديثين واللفظ الأول يستدل به على الرؤية لبني آدم مطلقاً الرجال والنساء في العيد وغيره وأنه ليس مقيداً بوقت معلوم لا سيما وهو حسن. الجواب: الاستدلال إنما يكون بالألفاظ التي لا يطرقها الاحتمال، ومتى طرق اللفظ الاحتمال سقط به الاستدلال، والخلائق يحتمل أن يحمل على بني آدم فلا يستدل به على الملائكة خصوصاً. وقد ورد بلفظ الناس الخاص ببني آدم وهذان التجلي العام يمكن حمله أولاً على الذكور الذين يحضرون الزيارة فيكون من خصوص الأفراد، ويمكن حمله على التجلي أيام الأعیاد فیکون من خصوص الأوقات ویشمل الإناث، ویمکن حمله - وهو الأظهر - على التجلي في الموقف وذلك شامل للخلق بأسرهم: الإنس، والجن، والملائكة، والذكور، والإناث، وإن ورد في بعض ألفاظه يوم القيامة قوى هذا الحمل الأخير فانزاح الإشكال والله أعلم. ٦٨ - مسالك الحنفا في والدي المصطفى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: الحكم في أبوي النبي ◌ّ# أنهما ناجيان وليسا في النار صرح بذلك جمع من العلماء ولهم في تقرير ذلك مسالك: المسلك الأول: أنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجياً وأنه لا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام، وأنه إذا قتل يضمن بالدية والكفارة - نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه وسائر الأصحاب - بل زاد بعض الأصحاب وقال: إنه يجب في قتله القصاص ولكن الصحيح خلافه لأنه ليس بمسلم حقيقي وشرط القصاص المكافأة، وقد علل بعض الفقهاء كونه إذا مات لا يعذب بأنه على أصل الفطرة ولم يقع منه عناد ولا جاءه رسول فكذبه، وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام نحن فيه من شيخنا - شيخ الإسلام - شرف الدين المناوي فإنه سئل عن والد النبي ◌ّر هل هو في النار؟ فزأر في السائل زارة شديدة فقال له السائل: هل ثبت إسلامه؟ فقال: إنه مات في الفترة ولا تعذيب قبل البعثة، ونقله سبط بن الجوزي في كتاب مرآة الزمان عن جماعة فإنه حكى كلام جده على حديث إحياء أمه وَّر ثم قال ما نصه: وقال قوم قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ ١٩٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد نَبَّعَثَ رَسُولًا﴾ والدعوة لم تبلغ أباه وأمه فما ذنبهما، وجزم به الأبي في شرح مسلم وسأذكر عبارته، وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم يمتحنون يوم القيامة وآيات مشيرة إلى عدم تعذيبهم وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر في بعض كتبه فقال: والظن بآله وَ ﴿ - يعني الذين ماتوا قبل البعثة - أنهم يطيعون عند الامتحان إكراماً له وَّ لتقرّ بهم عينه، ثم رأيته قال في الإصابة: ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم، ومن مات في الفترة، ومن ولد أكمه أعمى أصم، ومن ولد مجنوناً أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال ادخلوها فمن دخلها كانت له برداً وسلاماً ومن امتنع أدخلها كرهاً - هذا معنى ما ورد من ذلك - قال: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد قال: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت [في الصحيح] أنه في ضحضاح من نار، وقد جعلت قصة الامتحان داخلة في هذا المسلك مع أن الظاهر أنها مسلك مستقل لكني وجدت ذلك لمعنى دقيق لا يخفى على ذوي التحقيق. ذكر الآيات المشيرة إلى ذلك: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وهذه الآية هي التي أطبقت أئمة السنة على الاستدلال بها في أنه لا تعذيب قبل البعثة وردوا بها على المعتزلة ومن وافقهم في تحكم العقل - أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كَُّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قال: إن الله ليس بمعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ [الأنعام: ١٣١] أورد هذه الآية الزركشي في يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِطْرٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (َ)﴾ شرح جمع الجوامع استدلالاً على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلاً بل بالسمع. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ (٤)﴾ [القصص: ٤٧] أورد هذه الزركشي إِلَيْنَا رَسُولًا فَذَّبِعَ مَايَئِكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أيضاً، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَّلير: ((الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول - ثم قرأ هذه الآية)) ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّبِعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَغَخْزَى (٢)﴾ [طه: ١٣٤] أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية عن عطية العوفي قال: الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول وقرأ هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْتَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ﴾ إلى آخر الآيةِ. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَّ أَتَّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [القصص: ٥٩] أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقتادة في الآية قالا: لم يهلك الله ملة حتى يبعث إليهم محمداً # فلما كذبوا وظلموا بذلك هلكوا. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ ١٩٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٥) أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا (١٩٦)﴾ [الأنعام: ١٥٥، ١٥٦] السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ [الشعراء: ٢٠٨، ٢٠٩] أخرج عبد بن حميد، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ إِلَّا لَمَا مُنذِرُونَ وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن قتادة في الآية قال: ما أهلك الله من قرية إلا من بعد الحجة والبينة والعذر حتى يرسل الرسل وينزل الكتب تذكرة لهم وموعظة وحجة لله ذكرى وما كنا ظالمين، يقول: ما كنا لنعذبهم إلا من البينة والحجة. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِيُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٧] قال المفسرون: احتج عليهم ببعثة النبي محمد ◌َّ وهو المراد بالنذير في الآية. ذكر الأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع منهم أدخل الجنة ومن عصى أدخل النار. الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في مسنديهما، والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن الأسود بن سريع أن النبي ◌َّقر قال: ((أربعة يمتحنون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها)). الحديث الثاني: أخرج أحمد، وإسحاق بن راهويه في مسنديهما، وابن مردويه في تفسيره، والبيهقي في الاعتقاد عن أبي هريرة أن النبي ◌َّو قال: (أربعة يمتحنون)) فذكر مثل حديث الأسود بن سريع سواء. الحديث الثالث: أخرج البزار في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلقر: ((يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه أي رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود لم أدرك العمل، قال: فيرفع لهم نار فيقال لهم ردوها أو قال ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول تبارك وتعالى : إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب)) في إسناد عطية العوفي - فيه ضعف - والترمذي يحسن حديثه - وهذا الحديث له شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته. الحديث الرابع: أخرج البزار، وأبو يعلى في مسنديهما عن أنس قال: قال رسول الله ويل ر: ((يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته، فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم أبرزي فيقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه، فيقول من كتب الله عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً فيقول الله قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد ١٩٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد تكذيباً ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار)). الحديث الخامس: أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فيقولون كيف ولم تأتنا رسل؟ قال: وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] إسناده صحيح على شرط الشيخين، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع. الحديث السادس: أخرج البزار، والحاكم في مستدركه عن ثوبان أن النبي 18 قال: ((إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظاً وزفيراً فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أجرنا منها فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين، فقال النبي ◌َّ: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً) قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ومسلم. الحديث السابع: أخرج الطبراني، وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن النبي وَّ قال: (يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة بالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني، وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب: إني آمركم بأمر فتطيعون؟ فيقولون نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم فرائص فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعاً، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك فيقول الرب: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم». قال الكيا الهراسي في تعليقه في الأصول في مسألة شكر المنعم: اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبة أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول ولا يتلقى حكم من قضيات العقول، فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم فإنهم ذهبوا إلى أن الاحكام منقسمة. فمنها ما يتلقى من الشرع المنقول، ومنها ما يتلقى من قضيات العقول، قال: وأما نحن فنقول لا يجب شيء قبل مجيء الرسول، فإذا ظهر وأقام المعجزة تمكن العاقل من النظر فنقول لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع، فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر، وعند هذا يسأل المستطرفون فيقولون ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة؟ وجوابه إن النظر الذي هو أول الواجبات ١٩٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد طاعة وليس بقربة لأنه ينظر للمعرفة فهو مطيع وليس بمتقرب لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه، قال: وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئاً حسناً فقال: قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق إذا ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة وليس ذلك إلا بمجيء الرسول، وههنا قال الأستاذ أبو إسحاق: إن قول لا أدري نصف العلم ومعناه أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل - وهذا إنما يقوله من دقق في العلم وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده انتهى. وقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول: شكر المنعم لا يجب عقلاً خلافاً للمعتزلة لنا أنه لو تحقق الوجوب قبل البعثة لعذب تاركه فلا وجوب. أما الملازمة فبينة. وأما أنه لا تعذيب فلقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقََّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ نفى التعذيب إلى غاية البعثة فينتفي وإلا وقع الخلف في قول الله وهو محال انتهى، وذکر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل، والبيضاوي في منهاجه. وقال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب على مسألة شكر المنعم: تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة فعندنا يموت ناجياً ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وهو مضمون بالكفارة والدية ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح، وقال البغوي في التهذيب: أما من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام، فإن قتل قبل أن يدعى إلى السلام وجب في قتله الدية والكفارة، وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله، وأصله أنه عندهم محجوج عليه بعقله وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه لقوله: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقِّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فثبت أنه لا حجة عليه قبل مجيء الرسول انتهى. وقال الرافعي في الشرح: من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام ولو قتل كان مضموناً خلافاً لأبي حنيفة، وبني الخلاف على أنه محجوج عليه بالعقل عنده، وعندنا من لم تبلغه الدعوة لا تثبت عليه الحجة ولا تتوجه المؤاخذة قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ انتهى. وقال الغزالي في البسيط: من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية والكفارة لا بالقصاص على الصحيح لأنه ليس مسلماً على التحقيق وإنما هو في معنى المسلم، وقال ابن الرفعة في الكفاية: لأنه مولود على الفطرة ولم یظهر منه عناد. وقال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين: المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قال: وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى انتهى. فإن قلت: هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم؟ قلت: لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، كما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثم أصر على كفره فهو في النار قطعاً وهذا لا نزاع فيه. وأما الأبوان الشريفان فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه ١٩٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور، تأخر زمانهما، وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين، فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا وَلجر عيسى عليه السلام وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا نحو ستمائة سنة، ثم إنهما كانا في زمن جاهلية وقد طبق الجهل الأرض شرقاً وغرباً وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفراً يسيراً من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمر عمراً طويلاً بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش، فإن والد النبي ◌َّير لم يعش من العمر إلا قليلاً. قال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه الدرة السنية في مولد سيد البرية : كان سن عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله و 98 نحو ثمانية عشر عاماً ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمراً لأهله فمات بها عند أخواله من بني النجار - والنبي ◌َّ حمل - على الصحيح انتهى، وأمه قريبة من ذلك لا سيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال، والغالب على النساء أنهم لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع خصوصاً في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه، ولهذا لما بعث النبي وَ ﴿ تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقالوا: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَنَلَ مَلَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآيِنَا اُلْأَوَِّينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك، وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها، إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة فاتضح بذلك صحة دخولهما في هذا المسلك. ثم رأيت الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال في أماليه ما نصه: كل نبي أرسل إلى قومه إلا نبينا و98 قال: فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من أهل الفترة إلا ذرية النبي السابق فإنهم مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من أهل الفترة - هذا كلامه - فبان بذلك أن الوالدين الشريفين من أهل الفترة بلا شك لأنهما ليسا من ذرية عيسى ولا من قومه، ثم يرشح ما قال حافظ العصر أبو الفضل بن حجر: إن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان أمران: أحدهما ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن مسعود قال: ((قال شاب من الأنصار - لم أر رجلاً كان أكثر سؤالاً لرسول الله وَ لخير منه - يا رسول الله أرأيت أبواك في النار فقال: ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود)) فهذا الحديث يشعر بأنه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة، ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام سل تعط واشفع تشفع كما في الأحاديث الصحيحة فإذا سأل ذلك أعطيه، الأمر الثاني ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ ﴾ [الضحى: ٥] قال: من رضا محمد ول﴿ أن لا يدخل أحد من أهل يُقْلِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ١٩٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد بيته النار، ولهذا عمم الحافظ ابن حجر في قوله: الظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان، وحديث ثالث أخرج أبو سعيد في شرف النبوة، والملا في سيرته عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله وَلجر: ((سألت ربي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي فأعطاني ذلك)) أورده الحافظ محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى، وحديث رابع - أصرح من هذين - أخرج تمام الرازي في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالآتى: (إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية)) أورده المحب الطبري - وهو من الحفاظ والفقهاء - في كتابة ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى وقال: إن ثبت فهو مؤول في أبي طالب على ما ورد في الصحيح من تخفيف العذاب عنه بشفاعته انتهى، وإنما احتاج إلى تأويله في أبي طالب دون الثلاثة أبيه وأمه وأخيه - يعني من الرضاعة - لأن أبا طالب أدرك البعثة ولم يسلم والثلاثة ماتوا في الفترة، وقد ورد هذا الحديث من طريق آخر أضعف من هذا الطريق من حديث ابن عباس أخرجه أبو نعيم، وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة، فهذه أحاديث عدة يشد بعضها بعضاً، فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه، ومما يرشح ما نحن فيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا قال: ثنا القاسم بن هاشم السمسار ثنا مقاتل بن سليمان الرملي عن أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله والتر: ((سألت ربي أبناء العشرين من أمتي فوهبهم لي)). ومما ينضم إلى ذلك وإن لم يكن صريحاً في المقصود ما أخرجه الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّر: ((أول من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب)). وما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وعزاه لأحمد في المناقب عن علي قال: قال رسول الله وَّير: (يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم)) وهذا أخرجه الخطيب في تاريخه من حديث يغنم عن أنس وما أورده أيضاً وعزاه لأبي البختري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﴿ قال: ((ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا ينتفع بلى حتى تبلغ حكم - وهم أحد قبيلتين من اليمن - إني لأشفع فأشفع حتى أن من أشفع له فيشفع حتى أن إبليس ليتطاول طمعاً في الشفاعة)، ونحو هذا ما أخرجه الطبراني من حديث أم هانىء أن النبي اليه قال: ((ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي وأن شفاعتي تنال حاء وحكم)) (١). لطيفة: نقل الزركشي في الخادم عن ابن دحية أنه جعل من أنواع الشفاعات التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين لسروره بولادة النبي وَلقر واعتاقه ثويبة حين بشر به قال: وإنما هي كرامة له وَلچر. تنبيه: ثم رأيت الإمام أبا عبد الله محمد بن خلف الأبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث: ((إن أبي وأباك في النار)) فأورد قول النووي فيه أن من مات (١) في النهاية لابن الأثير هما - أي حاء وحكم قبيلتان جافيتان من وراء رمل ییرین. ١٩٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد كافراً في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين ثم قال: قلت انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي: ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال ◌َ له: ((لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات)). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ولعله يصح ما جاء أنه ◌َّ سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به ورسول الله ◌َ ي فوق هذا ولا يعجز الله سبحانه شيء، ثم أورد قول النووي - وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل، ثم قال: قلت تأمل ما في كلامه من التنافي فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي ◌َّطاهر والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي ◌َّر، ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين. فإن قلت: صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت: أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع. الثاني: قصر التعذيب [على هؤلاء والله أعلم بالسبب. الثالث: قصر التعذيب] المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به، فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعته كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبع وقومه. القسم الثاني: من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهو الأكثر كعمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة ووصل الوصيلة، وحمى الحامي - وزادت طائفة من العرب على ما شرعه - أن عبدوا الجن، والملائكة، وحرقوا البنين، والبنات، واتخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنة وحجاباً يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة. القسم الثالث: من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابككر لنفسه شريعة ولا اخترع ديناً بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله وفي الجاهلية من كان كذلك، فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذرون به، وأما القسم الثالث فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع كما تقدم. وأما القسم الأول فقد قال و ﴿ في كل من قس، وزيد: أنه يبعث أمة وحده. وأما تبع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين، انتهى ما أورده الأبي. المسلك الثاني: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم عليه السلام، كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وغيرهما، وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي فقال في ١٩٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه: منها أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِى يَرَكَ (٧٤)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] قيل معناه أنه كان ينقل نوره وَتَقَلََّكَ فِى السَّجِدِينَ حِينَ تَقُومُ (مَا من ساجد إلى ساجد، وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد وَلقر كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّكَ فِي السَّجِدِينَ﴾ على وجوه أخرى. وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد وَّ ر ما كانوا مشركين قوله عليه السلام: ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسَُّ﴾ [التوبة: ٢٨] فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً ـ هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه - وناهيك به إمامة وجلالة فإنه إمام أهل السنة في زمانه، والقائم بالرد على من فرق المبتدعة في وقته، والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره - وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدد لهذه الأمة أمر دينها - وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور، أحدها دليل استنبطته مركب من مقدمتين: الأولى: أن الأحاديث الصحيحة [دلت] على أن كل أصل من أصول النبي وَلقر من آدم إلى أبيه عبد الله فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم. والثانية: أن الأحاديث والآثار دلت على أنه لم تخل الأرض من عهد نوح أو آدم إلى بعثة النبي وَلّ ثم إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض، ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها، وإذا قارنت بين هاتين المقدمتين أنتج منها قطعاً أن آباء النبي وَلّ لم يكن فيهم مشرك لأنه قد ثبت في كل منهم أنه من خير قرنه، فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إياهم فهو المدعي، وإن كانوا غيرهم وهم على الشرك لزم أحد أمرين: إما أن يكون المشرك خيراً من المسلم - وهو باطل بالإجماع - وإما أن يكون غيرهم خيراً منهم - وهو باطل - لمخالفة الأحاديث الصحيحة فوجب قطعاً أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا من خير أهل الأرض كل في قرنه. ذكر أدلة المقدمة الأولى: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه)). وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن النبي وَ لّ قال: ((ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبويّ فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفساً وخیر کم أباً». وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ لقال: ((لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً لا تنشعب شعبتان إلا ٢٠٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد كنت في خيرهما)). وأخرج مسلم، والترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)). وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ: ((إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلاً واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار ثم اصطفى من ولد نزار مضر ثم اصطفى من مضر كنانة ثم اصطفى من كنانة قريشاً ثم اصطفى من قريش بني هاشم ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب)) أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((خير العرب مضر وخير مضر بنو عبد مناف [وخير بني مناف] بنو هاشم وخير بني هاشم بنو عبد المطلب والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما)). وأخرج الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار)). وأخرج الترمذي وحسنه، والبيقهي، عن ابن عباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله وَلقر: ((إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً). وأخرج الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، ثم جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً». وأخرج أبو علي بن شاذان فيما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى - وهو في مسند . البزار - عن ابن عباس قال: ((دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية فقالت صفية: منا رسول الله وَلقر فقالوا: تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا فذكرت ذلك صفية لرسول الله وَ ل﴿ فغضب وأمر بلالاً فنادى في الناس فقام على المنبر فقال: أيها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله قال: انسبوني قالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال: فما بال أقوام ينزلون أصلي؟ فوالله إني لأفضلهم أصلاً وخيرهم موضعاً». وأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث قال: بلغ النبي و ﴿ أن قوماً نالوا منه فقالوا: إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس فغضب رسول الله وَ الهر وقال: ((إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلاً، ثم