النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن محمد بن قدامة الجوهري عن معن بن عيسى القزاز عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام، وروى فيه عن محمد بن واسع قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده، وعن الضحاك قال: من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة . وأما المسألة الثانية وهي علم الأموات بأحوال الأحياء وبما هم فيه فنعم أيضاً، روى الإمام أحمد في مسنده ثنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَالر: ((إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا)) وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَلثر: ((إن أعمالكم تعرض على عشائركم وعلى أقربائكم في قبورهم فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك)) وروى الطبراني في الأوسط من طريق مسلمة بن علي - وهو ضعيف - عن زيد بن واقد، وهشام بن الغاز عن مكحول عن عبد الرحمن بن سلامة عن أبي رهم عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله وَ لوقال: ((إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة عباد الله كما تلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون انظروا صاحبكم ليستريح فإنه في كرب شديد ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟ فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول أيهات قد مات ذاك قبلي فيقولون إنا لله وإنا راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية)) وقال: ((إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من أهل الآخرة فإن كان خيراً فرحوا واستبشروا وقالوا اللهم هذا فضلك ورحمتك فأتمم نعمتك عليه وأمته عليها، ويعرض عليهم عمل المسيء فيقولون اللهم ألهمه عملاً صالحاً ترضى به وتقربه إليك)) ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب قال: ((تعرض أعمالكم على الموتى فإن رأوا حسناً فرحوا واستبشروا، وإن رأوا سوءاً قالوا اللهم راجع به)) وروى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَالر: ((تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله وتعرض على الأنبياء على الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضاً وإشراقاً فاتقوا الله ولا تؤذوا أمواتكم)) وروى ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات ثنا القاسم بن هاشم، ومحمد بن رزق الله قالا: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا أبو إسماعيل السلولي سمعت مالك بن الداء يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول: ((سمعت رسول الله وَّلير يقول: الله الله في إخوانكم من أهل ١٦٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم)) وقال: ثنا عبد الله بن شبيب ثنا أبو بكر بن شيبة الحزامي ثنا فليح بن إسماعيل ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن أبي صالح، والمقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَ ر: ((لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور)) وقال: ثنا الحسن بن عبد العزيز ثنا عمر بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز عن بلال بن أبي الدرداء قال: كنت أسمع أبا الدرداء يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيته. وقال: ثنا أبو هشام ثنا يحيى بن يمان عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: إنه ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر بذلك عينه. وأما المسألة الثالثة: وهي هل يسمع الميت كلام الناس وثناءهم عليه وقولهم فيه؟ فنعم أيضاً، أخرج الإمام أحمد في مسنده، والمروزي في الجنائز، وابن أبي الدنيا، وغيرهم من طريق أبي عامر العقدي عن عبد الملك بن الحسن المدني عن سعد بن عمرو بن سليم عن معاوية : أو ابن معاوية - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((إن الميت يعرف من يغسله ويحمله ويدليه في قبره)) وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق آخر عن أبي سعيد، وأخرج ابن أبي الدنيا، وغيره بأسانيد عن عمرو بن دينار، وبكر بن عبد الله المزني، وسفيان الثوري، وغيرهم معنى ذلك، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا سريج بن يونس ثنا عبيدة بن حميد أخبرني عمار عن سالم بن أبي الجعد قال: قال حذيفة: الروح بيد ملك وأن الجسد ليغسل وأن الملك ليمشي معه إلى القبر فإذا سوى عليه سلك فيه فذلك حين يخاطب، وقال: ثنا الحسين بن عمرو القرشي ثنا أبو داود الحفري ثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: الروح بيد ملك يمشي به مع الجنازة یقول له اسمع ما يقال لك فإذا بلغ حفرته دفنه معه. وأما المسألة الرابعة: وهي مقر الأرواح فهي أجل هذه المسائل وأنا أستوفي لها إن شاء الله تعالى ما وقفت عليه في ذلك - روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله وَ القول قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)) هذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن الشافعي عن مالك، والنسائي، وغيره. وأخرج أحمد، والطبراني في الكبير بسند حسن عن أم هانىء ((أنها سألت رسول الله وَل أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضاً؟ فقال رسول الله وَلافر: ((تكون النسم طيراً تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها)). وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش)). وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، وغيرهم بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي وَّر قال: ((لما أصيب أصحابكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة , ١٦٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش)). وأخرج أحمد، وعبد في مسنديهما، والطبراني بسند حسن عن محمود بن لبيد عن ابن عباس مرفوعاً: ((الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج إليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية)). وأخرج البيهقي في البعث، والطبراني بسند حسن عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: ((لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت: يا أبا عبد الرحمن إن لقيت كعباً فأقرئه مني السلام فقال لها: يغفر الله لك يا أم بشر نحن أشغل من ذلك فقالت: أما سمعت رسول الله وهو يقول: إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت ونسمة الكافر في سجين؟ قال: بلى قالت: فهو ذاك)). وقال الطبراني: حدثنا أبو زرعة الدمشقي ثنا عبد الله بن صالح عن ضمرة بن حبيب قال: ((سئل النبي ◌َّر عن أرواح المؤمنين فقال: في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت قالوا: يا رسول الله وأرواح الكفار؟ قال: محبوسة في سجین، هذا حديث مرسل. وأخرج أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، والبيهقي، وابن أبي داود في كتابي البعث لهما، وغيرهم من طرق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((أولاد المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة)) صححه الحاكم. وأخرج البيهقي في الدلائل، وابن أبي حاتم، وابن مردويه في تفسيريهما، وغيرهم من طريق أبي محمد الحماني عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ قال: ((أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم تر الخلائق أحسن من المعراج ما رأيت الميت حين يشق بصره طامحاً إلى السماء فإن ذلك أعجبه بالمعراج فصعدت أنا وجبريل فاستفتح باب السماء فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين)). وقال أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أحمد بن إبراهيم الكيال ثنا موسى بن شعيب أبو عمران السمرقندي ثنا محمد بن سهيل ثنا أبو مقاتل السمرقندي ثنا أبو سهل هشام بن مصك عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن أرواح ·· المؤمنين في السماء السابعة ينظرون إلى منازلهم في الجنة)). هذا ما وقفت عليه من الأحاديث المرفوعة، وأما الموقوفة فقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن رجاء ثنا النضر بن شميل ثنا حماد بن سلمة ثنا علي بن يزيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: ((أبغض بقعة في الأرض إلى الله واد يقال له برهوت فيه أرواح الكفار)). وأسند البيهقي في البعث، وابن الدنيا في كتاب المنامات عن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام التقيا فقال أحدهما لصاحبه: إن لقيت ربك قبلي فأخبرني ماذا لقيت فقال: أوَ يلقى الأحياء الأموات؟ فقال: نعم أما المؤمنون فإن أرواحهم في الجنة وهي تذهب حيث شاءت. وأسند البيهقي، والطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو قال: الجنة مطوية في قرون الشمس تنشر في كل ١٦٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد عام مرتين وأرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من شجر الجنة. وأسند المروزي في الجنائز عن العباس بن عبد المطلب قال: ترفع أرواح المؤمنين إلى جبريل فيقال أنت ولي هذه إلى يوم القيامة. وأسند عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح الكفار تجمع ببرهوت سبخة بحضرموت وأرواح المؤمنين تجتمع بالجابية. وأسند البيهقي عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتقي فيها أرواح الشهداء تسرح في الجنة وأرواح آل فرعون في طير سود تغدو على النار وتروح، وأن أطفال المسلمين في عصافير الجنة. وأسند أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: إن لله في السماء السابعة داراً يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح يسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خداش سمعت مالك بن أنس يقول: بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت. وأما المسألة الخامسة: وهي هل تجتمع الأرواح ويرى بعضهم بعضاً؟ فنعم أيضاً وقد تقدم ذلك في حديث أبي أيوب عند الطبراني. وفي حديث أم بشر عنده. وعند البيهقي وفي أثر وهب. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيغ ثنا فضيل بن سليمان النمري ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده قال: «لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه أمه وجداً شديداً فقالت: يا رسول الله إنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال: نعم والذي نفسي بيده إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر)). وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت يا فلان عليك السلام فيقول: وعليك فتقول: اقرأ على بشر السلام. وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحسن ثنا ابن لهيعة عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّه: ((إن روحي المؤمنين ليلتقيان على مسيرة يوم وما رأى أحدهما صاحبه قط)). وأخرج البزار بسند صحيح عن أبي هريرة رفعه: ((أن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله يحب لقاء المؤمن وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفه من أهل الأرض فإذا قال تركت فلاناً في الدنيا أعجبهم ذلك، وإذا قال إن فلاناً قد مات قالوا ما جيء به إلینا)). وأخرج ابن أبي الدنيا بأسانيد عن عبيد بن عمير قال: إذا مات الميت تلقته الأرواح فيستخبرونه كما يستخبر الراكب ما فعل فلان وفلان. وعن الحسن قال: إذا احتضر المؤمن حضره خمسمائة ملك يقبضون روحه فيعرجون به إلى السماء الدنيا فتتلقاه أرواح المؤمنين الماضين فيريدون أن يستخبروه فتقول لهم الملائكة ارفقوا به فإنه خرج من کرب عظيم فيسأله الرجل عن أخيه وعن صاحبه. وعن سعيد بن جبير قال: إذا مات الميت استقبله ولده كما يستقبل الغائب. وعن ثابت البناني قال: بلغنا أن الميت إذا مات احتوشه أهله وأقاربه الذين قد تقدموه من الموتى فهو أفرح بهم وهم أفرح به من المسافر إذا قدم على أهله. ١٦٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد وأما المسألة السادسة: وهي أن الشهيد هل يسأل؟ فجوابه لا صرح به جماعة منهم القرطبي واستدل بحديث مسلم: ((أنه ◌َّله سئل هل يفتن الشهيد؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)). قال القرطبي: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتحان المؤمن الصادق في إيمانه من المنافق، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه وإلا لفر إلى الكفار. وأما المسألة السابعة: وهي أن الطفل هل يسأل؟ ففيه قولان للحنابلة حكاهما ابن القيم في كتاب الروح، وقول النووي في الروضة، وشرح المهذب: إن التلقين بعد الدفن مختص بالبالغ، وأن الصبي الصغير لا يلقن دليل على اختياره أنه لا يسأل والله أعلم. مسألة : قد فاق سالفه في العجم والعرب ماذا يقول إمام العصر مجتهد لأهل بدر وقد ردوا إلى القلب فيما روي عن رسول الله من كلم فقال لستم بأسمع جاء في الكتب معارض للذي قلناه في الرتب بواضح الفرق خالي الشك والريب وقيل كلمت موتى لا سماع لهم وقال لا تسمع الموتى الإله وذا لا زلت ترشد عبداً ظل في حلك الجواب : . الحمد لله حمداً دائم الحقب سماع موتى كلام الخلق معتقد وآية النفي معناها سماع هدى فالنفي جاء على معنى المجاز فخذ مسألة: سؤال منكر ونكير في القبر هل هو عام لجميع الخلق أو يستثنى منه أحد؟ وهل تسأل الأطفال والسقط؟. ثم الصلاة على المبعوث خير نبي جاءت به عندنا الآثار في الكتب لا يقبلون ولا يصغون للأدب واجمع به بين ذا مع هذه تصب الجواب: ليس عاماً للخلق بل يستثنى منه الشهيد ففي الحديث: ((أنه * سئل أيفتن الشهيد في قبره؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)) قال القرطبي في التذكرة نقلاً عن الحكيم الترمذي معناه: أنه لو كان عنده نفاق فر عند التقاء الزحفين وبريق السيوف لأن من شأن المنافق الفرار عند ذلك وشأن المؤمن البذل والتسليم لله، فلما ظهر صدق ضميره حيث برز للحرب والقتل لم يعد عليه السؤال في القبر الموضوع لامتحان المسلم الخالص من المنافق، قال القرطبي: وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق من باب أولى لأنه أجل قدراً، وممن يستثنى المرابط فقد ورد فيه أحاديث، والمطعون، والصابر في بلد الطعن محتسباً ومات بغير الطاعون - صرح به الحافظ ابن حجر في كتاب بذل الماعون - والأطفال في أصح القولين. ١٦٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث. المعاد ٦٥ - الاحتفال بالأطفال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: اختلف في الأطفال هل يفتنون في قبورهم ويسألهم منكر ونكير أو لا؟ على قولين شهيرين حكاهما ابن القيم في كتاب الروح عن أصحابه الحنابلة ورأيتهما أيضاً للحنفية، وللمالكية ويخرجان من كلام أصحابنا الشافعية، أحدهما أنهم لا يسألون - وبه جزم النسفي من الحنفية - وهو مقتضى كلام ابن الصلاح، والنووي، وابن الرفعة، والسبكي، وصرح به الزركشي، وأفتى به الحافظ ابن حجر. والثاني أنهم يسألون - رويناه عن الضحاك من التابعين - وجزم به من الحنفية البزازي، والبيكساري، والشيخ أكمل الدين - وهو مقتضى كلام ابن فورك، والمتولي، وابن يونس من أصحابنا - ونقله الشيخ سعد الدين التفتازاني عن أبي شجاع، وجزم به من المالكية القرطبي في التذكرة، والفاكهاني، وابن ناجي، والأقفهسي، وصححه صاحب المصباح في علم الكلام. ذكر نقول القول الأول: قال النسفي في بحر الكلام: الأنبياء وأطفال المؤمنين ليس عليهم حساب، ولا عذاب القبر، ولا سؤال منكر ونكير، وقال النووي في الروضة من زوائده، وفي شرح المهذب: التلقين إنما هو في حق الميت المكلف أما الصبي ونحوه فلا يلقن، قال الزركشي في الخادم: هذا تابع فيه ابن الصلاح فإنه قال: لا أصل لتلقينه - يعني لأنه لا يفتن في قبره - وقال في موضع آخر في الخادم ما قاله ابن الصلاح، والنووي مبني على أنه لا يسأل في قبره انتهى. وقد تابعهما على ذلك ابن الرفعة في الكفاية، والسبكي في شرح المنهاج، وسئل الحافظ ابن حجر عن الأطفال هل يسألون؟ فأجاب بأن الذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون مكلفاً . ذكر نقول القول الثاني: أخرج ابن جرير في تفسيره. عن جويبر قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام فقال: إذا وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عقده فإن ابني مجلس ومسؤول فقلت: عم يسأل؟ قال: عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم، وقال البزازي من الحنفية في فتاويه: السؤال لكل ذي روح حتى الصبي والله تعالى يلهمه، وقال الزركشي في الخادم قد صرح ابن يونس في شرح التعجيز بأنه يستحب تلقين الطفل ، واحتج بأن النبي ◌ّ﴿ لقن ابنه إبراهيم قال: وهذا احتج به المتولي في أصل المسألة، وقال السبكي في شرح المنهاج: إنما يلقن الميت المكلف أما الصبي فلا يلقن، وقال في التتمة: إن النبي ◌ٍَّ لما لحد ابنه إبراهيم لقنه وهذا غريب انتهى. وعبارة التتمة الأصل في التلقين ما روي أن النبي ◌َ ليزر لما دفن إبراهيم قال: ((قل الله ربي ورسولي أبي والإسلام ديني فقيل له يا رسول الله أنت تلقنه فمن يلقننا؟ فأنزل الله تعالى: ١٦٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧])) انتهى. وقال الشيخ سعد الدين في شرح العقائد: قال أبو شجاع: إن للصبيان سؤالاً. وقال صاحب المصباح: الأصح أن الأنبياء لا يسألون وتسأل أطفال المسلمين. وتوقف أبو حنيفة في سؤال أطفال المشركين. وقال القرطبي في التذكرة: فإن قالوا ما حكم الصغار عندكم؟ قلنا هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، هذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، وقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، وقد روى هناد بن السري عن أبي هريرة أنه كان يصلي على المنفوس ما عمل خطيئة قط فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر انتهى. والأولون قالوا: إنما يكون السؤال لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ قالوا: والجواب عن حديث أبي هريرة أنه ليس المراد فيه بعذاب القبر عقوبته ولا السؤال بل مجرد الألم بالغم، والهم، والحسرة، والوحشة، والضغطة التي تعم الأطفال وغيرهم، وقد يستشهد لأصحاب القول الثاني بما أخرجه ابن شاهين في السنة قال: حدثنا عبد الله بن سليمان قال: ثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا بقية قال: حدثني صفوان قال: حدثني راشد قال: كان النبي وَله يقول: تعلموا حجتكم فإنكم مسؤولون حتى إن كان أهل البيت من الأنصار يحضر الرجل منهم الموت فيوصونه. والغلام إذا عقل فيقولون له إذاً سألوك من ربك؟ فقل الله ربي، وما دينك؟ فقل الإسلام ديني، ومن نبيّك؟ فقل محمد ويّ، وإنما رجحت القول الأول في كتاب شرح الصدور وغيره تبعاً لأهل مذهبنا فإن الأئمة المتأخرين منهم عليه والله تعالى أعلم، ثم رأيت في شرح الرسالة لأبي زيد عبد الرحمن الجزولي ما نصه - يظهر من أكثر الأحاديث أن المؤمنين يفتنون في قبورهم سواء كانوا مكلفين أو غير مكلفين - ويؤخذ من بعض الأحاديث أنه إنما أراد المكلفين، ويظهر من كلام أبي محمد هنا ومما يأتي أنه أراد المكلفين، وغير المكلفين لأنه قال فيما يأتي: أنه أراد المكلفين وعافه من فتنة القبر، وللشيوخ هنا تأويلان فمنهم من ترك الكتاب على ظاهره ومنهم من قيده فقال: يريد المكلفين ولكن يناقضه ما قال في الجنائز انتهى. وقال يوسف بن عمر في شرح الرسالة: المراد بالمؤمنين في قوله: ((وإن المؤمنين يفتنون في قبورهم)) غير المجاهدين الشهيدين في سبيل الله وغير الصبيان على قول. وقال الشيخ أكمل الدين في الإرشاد: السؤال لكل ميت كبير أو صغير يسأل إذا غاب عن الآدميين، وإذا مات في البحر أو أكله السبع فهو مسؤول، والأصح أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون، ثم رأيت الحديث المشار إليه في تلقين إبراهيم أورده الأستاذ أبو بكر بن فورك في كتابه المسمى بالنظامي في أصول الدين مستدلاً به على أصل السؤال وعبارته - اعلم أن السؤال في القبر حق - وأنكرت المعتزلة ذلك بناء على أصلهم الواهي، ويدل على صحة ما قلناه ما روي عن النبي ◌ّ ر أنه لما دفن ولده إبراهيم وقف على قبره فقال: ((يا بني القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب إنا لله وإنا إليه راجعون، يا بني قل الله ربّي ١٦٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد والإسلام ديني ورسول الله أبي، فبكت الصحابة وبكى عمر بن الخطاب بكاء ارتفع له صوته فالتفت النبي سير فرأى عمر يبكي والصحابة معه فقال: يا عمر ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله هذا ولدك وما بلغ الحلم ولا جرى عليه القلم ويحتاج إلى ملقن مثلك يلقنه التوحيد في مثل هذا الوقت فما حال عمر وقد بلغ الحلم وجرى عليه القلم وليس له ملقن مثلك أي شيء تكون صورته في مثل هذه الحالة؟ فبكى النبي وَّر وبكت الصحابة معه ونزل جبريل وسأل النبي ◌َّر عن سبب بكائهم فذكر النبي ◌َّر ما قاله عمر وما ورد عليهم من قوله عليه السلام فصعد جبريل ونزل وقال: ربك يقرئك السلام ويقول: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾ - يريد بذلك وقت الموت وعند السؤال في القبر - فتلا النبي وَّر عليهم الآية فطابت الأنفس وسكنت القلوب وشكروا الله تعالى)). ومن النقول الموافقة للقول الثاني قال شمس الدين البيكساري في شرح عمدة النسفي: السؤال لكل ميت صغيراً كان أو كبيراً، وأبو حنيفة توقف في أطفال المشركين في أنهم هل يسألون ويدخلون الجنة أم لا؟ وعند غيره يسألون، وذكر الفاكهاني في شرح الرسالة كلام القرطبي في أن الصغار يسألون ثم قال: وقال بعض المتأخرين: وليس في إحياء الأطفال خبر مقطوع به والعقل يجوزه، وقال الجمال الأقفهسي في شرح الرسالة: ظاهر قول الرسالة وإن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون إن كان المكلف وغيره يسأل وهو الذي يظهر من أكثر الأحاديث، وقال أبو القاسم بن عيسى بن ناجي في شرح الرسالة: ظاهر كلام الشيخ أن الصبي يفتن وهو كذلك قاله القرطبي في تذكرته؛ وقال أيضاً في باب الدعاء للطفل والصلاة عليه عند قوله وعافه من فتنة القبر: هذا كالنص في أن الصغير يسأله منكر ونكير. ٦٦ - طلوع الثريا بإظهار ما كان خفياً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: فتنة الموتى فى قبورهم سبعة أيام أوردها غير واحد من الأئمة في كتبهم، فأخرجها الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب الحلية بالإسناد إلى طاوس أحد أئمة التابعين، وأخرجها ابن جريج في مصنفه بالإسناد إلى عبيد بن عمير - وهو أكبر من طاوس في التابعين - بل قيل إنه صحابي، وعزاها الحافظ زين الدين بن رجب في كتاب أهوال القبور إلى مجاهد، وعبيد بن عمير فحكم هذه الروايات الثلاث حكم المراسيل المرفوعة على ما يأتي تقريره، وفي رواية عبيد بن عمير - زيادة أن المنافق يفتن أربعين صباحاً - وهذه الرواية بهذه الزيادة أوردها الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، والإمام أبو علي الحسين بن رشيق المالكي في شرح الموطأ، وحكاه الإمام أبو زيد عبد الرحمن الجزولي من المالكية في الشرح الكبير على رسالة الإمام أبي محمد بن ، ١٦٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد أبي زيد، والإمام أبو القاسم بن عيسى بن ناجي من المالكية في شرح الرسالة أيضاً - وأورد الرواية الأولى - والشيخ كمال الدين الدميري من الشافعية في حياة الحيوان؛ وحافظ العصر أبو الفضل بن حجر في المطالب العالية. ذكر الرواية المسندة عن طاوس: قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في كتاب الزهد له: حدثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا الأشجعي عن سفيان قال: قال طاوس: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً فكانوا يستحبون أن يطعموا عنهم تلك الأيام، قال الحافظ أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا هاشم بن القاسم ثنا الأشجعي عن سفيان قال: قال طاوس: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام. ذكر الرواية المسندة عن عبيد بن عمير: قال ابن جريج في مصنفه عن الحارث بن أبي الحارث عن عبيد بن عمير قال: يفتن رجلان مؤمن ومنافق، فأما المؤمن فيفتن سبعاً، وأما المنافق فيفتن أربعين صباحاً (١). الكلام على هذا من وجوه: الوجه الأول: رجال الإسناد الأول رجال الصحيح - وطاوس من كبار التابعين، قال أبو نعيم في الحلية: هو أول الطبقة من أهل اليمن، وروى أبو نعيم عنه أنه قال: أدركت خمسين من أصحاب رسول الله وَّر، وروى غيره عنه قال: أدركت سبعين شيخاً من أصحاب رسول الله وّر قال ابن سعد: كان له يوم مات بضع وتسعون سنة. وسفيان - هو الثوري - وقد أدرك طاوساً فإن وفاة طاوس سنة بضع عشرة ومائة في أحد الأقوال، ومولد سفيان سنة سبع وتسعين إلا أن أكثر روايته عنه بواسطة. والأشجعي اسمه عبيد الله بن عبيد الرحمن، ويقال ابن عبد الرحمن، وأما الإسناد الثاني فعبيد بين عمير - هو الليثي قاص أهل مكة - قال مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح: إنه ولد في زمن النبي وَّ قال غيره: إنه رأى النبي وَ لّفعلى هذا يكون صحابياً، وكان يقص بمكة على عهد عمر بن الخطاب وهو أول من قص بها - وكانت وفاته قبل وفاة ابن عمر - وأما الحارث - فهو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذياب الدوسي - روى له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم في صحيحه، وروى عنه ابن جريج. والدراوردي وغيرهما، وأما ابن جريج - فهو الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي - قال أحمد بن حنبل: هو أول من صنف الكتب، وقال ابن عيينة: سمعت ابن جريج يقول: ما دون العلم تدويني أحد - روى عن خلق من التابعين ومات سنة تسع وأربعين ومائة - وقد جاوز المائة. الوجه الثاني: المقرر في فن الحديث والأصول أن ما روي مما لا مجال للرأي فيه كأمور البرزخ والآخرة فإن حكمه الرفع لا الوقف وإن لم يصرح الراوي بنسبته إلى (١) وجد على هامش بعض النصح التي مراجع عليها ما نصه - هذا موقوف والأحاديث الماضية على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي أولى بالقبول انتهى ورجح صاحب الكتاب أنه لا يسأل اهـ. ١٧٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد النبي وَّ، قال العراقي في الألفية: وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأياً حكمه الرفع على ما قال في المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا وقال في شرحها: ما جاء من صحابي موقوفاً عليه ومثله لا يقال الرأي حكمة حكم المرفوع كما قال الإمام فخر الدين في المحصول فقال: إذا قال الصحابي قولاً ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسيناً للظن به كقول ابن مسعود: من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد بَالر، ترجم عليه الحاكم في علوم الحديث معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ( 8# فقال: ومثال ذلك - فذكر ثلاثة أحاديث ــ هذا أحدها، وما قاله في المحصول موجود في كلام غير واحد من الأئمة كأبي عمر بن عبد البر وغيره، وقد أدخل ابن عبد البر في كتابه التقصي عدة أحاديث ذكرها مالك في الموطأ موقوفة مع أن موضوع الكتاب لما في الموطأ من الأحاديث المرفوعة منها حديث سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، وقال في التمهيد: هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك قال: ومثله لا يقال من جهة الرأي انتهى كلام العراقي في شرح الألفية، وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح النخبة: مثال المرفوع من القول حكماً ما يقوله الصحابي مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا تعلق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، قال: وإنما كان له حكم المرفوع لأن إخباره، بذلك يقتضي مخبراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفاً للقائل به ولا موقف للصحابة إلا النبي وَلفر، وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله وَ* فهو مرفوع، مثال المرفوع من الفعل حكماً أن يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد يه فينزل على أن ذلك عنده عن النبي وَّقر كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في صلاة علي في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين، انتهى كلام شرح النخبة . وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: ما قاله الصحابي مما لا مجال للاجتهاد فيه، فحكمه الرفع كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء، وعن الأمور الآتية كالملاحم، والفتن، والبعث، وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع، قال أبو عمرو الداني: قد يحكي الصحابي قولاً يوقفه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع أن يكون الصحابي ما قاله إلا بتوقف، كما روى أبو صالح السمان عن أبي هريرة قال: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يجدن عرف الجنة - الحديث - لأن مثل هذا لا يقال بالرأي فيكون من جملة المسند. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيح، ١٧١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين، قال: وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه مسند وبذلك جزم الحاكم في علوم الحديث، والإمام فخر الدين في المحصول انتھی . وعبارة المحصول: إذا قال الصحابي قولاً لا مجال للاجتهاد فيه حمل على السماع لأنه إذا لم يكن من محل الاجتهاد فلا طريق إلا السماع من النبي ◌َّر انتهى، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في شرح الترمذي: ما رواه المصنف عن عمر بن الخطاب أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك هو وإن كان موقوفاً عليه فمثله لا يقال من قبل الرأي وإنما هو أمر توقيفي فحكمه حكم المرفوع كما صرح به جماعة من الأئمة وأهل الحديث والأصول، فمن الأئمة الشافعي رضي الله عنه ونص عليه في بعض كتبه كما نقل عنه. ومن أهل الحديث أبو عمر بن عبد البر فأدخل في كتاب التقصي أحاديث من أقوال الصحابة مع أن موضوع كتابه للأحاديث المرفوعة من ذلك حديث سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، وقال في التمهيد: هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك ومثله لا يقال من جهة الرأي، وكذلك فعل الحاكم أبو عبد الله في كتابه في علوم الحديث فقال في النوع السادس من معرفة الحديث: معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله وَ ل# ثم روي فيه ثلاثة أحاديث: قول ابن عباس كنا نتمضمض من اللبن ولا نتوضأ منه. وقول أنس: كان يقال في أيام العشر كل يوم ألف يوم ويوم عرفة عشرة آلاف يوم قال - يعني في الفضل - وقال عبد الله بن مسعود: من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد ◌َل9، قال: فهذا وأشباهه إذا قاله الصحابي فهو حديث مسند وكل ذلك مخرج في المسانيد. ومن الأصوليين الإمام فخر الدين الرازي فقال في كتابه المحصول: إذا قال الصحابي قولاً ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع. وقال القاضي أبو بكر بن العربي عقب ذكره لقول عمر: ومثل هذا إذا قاله عمر لا يكون إلا توقيفاً لأنه لا يدرك بنظر انتهى، هذا كله إذا صدر ذلك من الصحابي فيكون مرفوعاً متصلاً، فإن صدر ذلك من التابعي فهو مرفوع مرسل كما ذكر ابن الصلاح ذلك في نظير المسألة، وصرح به البيهقي في هذه المسألة بخصوصها فإنه أخرج في شعب الإيمان بسنده عن أبي قلابة قال: في الجنة قصر لصوّام رجب ثم قال: هذا القول عن أبي قلابة - وهو من التابعين - فمثله لا يقول ذلك إلا عن بلاغ ممن فوقه عمن يأتيه الوحي. وأخرج البيهقي أيضاً في شعب الإيمان بسنده عن أبي قلابة قال: من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال، ومن قرأ الكهف في يوم الجمعة حفظ من الجمعة إلى الجمعة وإن أدرك الدجال لم يضره وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن قرأ يس غفر له، ومن قرأها وهو جائع شبع، ومن قرأها وهو ضال هدي، ومن قرأها وله ضالة وجدها، ومن قرأها عند طعام خاف قلته كفاه، ومن ١٧٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد قرأها عند ميت هون عليه، ومن قرأها عند والدة عسر عليها ولدها يسر عليها، ومن قرأها فكأنما قرأن القرآن إحدى عشرة مرة ولكل شيء قلب وقلب القرآن يس. ثم قال عقبه: هكذا نقل إلينا عن أبي قلابة - وهو من كبار التابعين - ولا نقول ذلك إن صح عنه إلا بلاغاً. وروى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول: إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله، قال ابن عبد البر: هذا له حكم المرفوع إذ يستحيل أن يكون مثله رأياً - ويحيى بن سعيد [من صغار التابعين، وروى مالك في الموطأ أيضاً عن سعيداً بن المسيب أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإن أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال، قال بعضهم: هذا لا يقال بالرأي فهو مرفوع، وهذا استدل به السبكي في الحلبيات على حصول فضيلة الجماعة بذلك، وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد - أورده الحافظ ابن حجر في شرح البخاري في تفسير قوله وقالله: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة)) وقال: مثله لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى - وعكرمة تابعي - وهذا الأثر الذي نحن فيه من ذلك فإنه من أحوال البرزخ التي لا مدخل للرأي والاجتهاد فيها ولا طريق إلى معرفتها إلا بالتوقيف والبلاغ عمن يأتيه الوحي وقد قال ذلك عبيد بن عمير، وطاوس - وهما من كبار التابعين - فيكون حكمه حكم الحديث المرفوع المرسل وإن ثبتت صحبة عبيد بن عمير فحكمه حكم المرفوع المتصل، قال ابن عبد البر في التمهيد في شرح حديث فتنة القبر وسؤاله: أحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد ولا للنظر والاحتجاج والله يفعل ما يشاء لا شريك له، وقال القرطبي في التذكرة: هذا الباب ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد انتهى. ويؤيد ما ذكرناه أن هذه الأمور إذا صدرت من التابعين تحمل على الرفع إلى رسول الله ◌َو - ما أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان علي بن حسين يذكر أن العبد إذا احتمل إلى قبره نادى حملته إذا بشر بالنار فيقول يا أخوتاه ما علمتم ما عاينت بعدكم إن أخاكم بشر بالنار فيا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله أنشد بالله كل ولد أو جار أو صديق أو أخ إلا احتبسني عن قبري فإنه ليس بين صاحبكم وبين النار إلا أن تواروه في التراب والملائكة ينادون امض عدو الله فإذا دنا من حفرته يقول ما لي من شفيع مطاع ولا صديق حميم، ثم إذا أدخل القبر ضرب ضربة تذعر لها كل دابة غير الجن والإنس. وأما ولي الله إذا احتمل إلى قبره وبشر بالجنة نادى حملته يا اخوتاه أما علمتم أني بشرت بعدكم بالرضا من الله والجنة والنجاة من سخط الله والنار فعجلوا بي إلى حفرتي ﴿يَّتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ ﴿ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ (َ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧] والملائكة ينادون امض ولي الله إلى رب كريم يثيب بالشيء اليسير العظيم الجزيل، اللهم اجعلها غدوة أو روحة إلى الجنة، فإذا أدخل القبر تلقی بحزمة من ريحان الجنة يجد ريحها کل ذي ريح ١٧٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد غير الإنس والجن، قال أبو جعفر: كان علي بن حسين إذا ذكر أشباه هذا الحديث بكى ثم يقول: إني لأخاف الله أن أكتمه ولئن أظهرته ليدخلن علي أذى من الفسقة وذلك أن علي بن الحسين ذكر حديث الذي ينادي حملته فقال ضمرة بن معبد - رجل من بني زهرة - والله يا علي بن حسين لو أن الميت يفعل كما زعمت بمناشدتك حملته إذاً لوثب عن أيدي الرجل من سريره فضحك أناس من الفسقة وغضب علي بن حسين وقال: اللهم إن ضمرة كذب بما جاء به محمد رسولك فخذه أخذ أسف فما لبث ضمرة إلا أربعين ليلة حتى مات فجأة. قال أبو جعفر: فاشهد على مسلم بن شعيب مولاه وكان ما علمناه خياراً أنه أتى علي بن حسين ليلاً فقال: اشهد أني سمعت ضمرة أعرفه كما كنت أعرف صوته حياً وهو ينادي في قبره: ويل طويل لضمرة إلا أن يتبرأ منك كل خليل وحللت في نار الجحيم فيها مبيتك والمقيل، فقال علي بن حسين: نسأل الله العافية، هذا جزاء من ضحك وأضحك الناس بحديث رسول الله وَر، فانظر كيف ذكر علي بن حسين الحديث أولاً من غير تصريح بعزوه إلى النبي ◌ّ﴿ اتكالاً على علم ذلك لأنه ليس مما يقال من قبل الرأي وإنما معتمده التوقيف والسماع، ثم لما وقعت هذه القصة صرح بأنه حديث جاء به رسول الله وَالر، وبالجملة فالحكم على مثل هذا بالرفع من الأمور التي أجمع عليها أهل الحديث . الوجه الثالث: إذا تقرر أن أثر طاوس حكمه حكم الحديث المرفوع المرسل وإسناده إلى التابعي صحيح كان حجة عند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة، ومالك، وأحمد مطلقاً من غير شرط، وأما عند الإمام الشافعي رضي الله عنه فإنه يحتج بالمرسل إذا اعتضد بأحد أمور مقررة في محلها، منها مجيء آخر أو صحابي يوافقه، والاعتضاد ههنا موجود فإنه روي مثله عن مجاهد، وعن عبيد بن عمير - وهما تابعيان إن لم يكن عبيد صحابياً - فهذان مرسلان آخران يعضدان المرسل الأول، قال الترمذي في آخر كتابه: حدثنا أبو بكر عن علي بن عبيد الله قال: قال يحيى بن سعيد: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير - كان عطاء يأخذ عن كل ضرب قال علي: قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما، وأما إذا قلنا بثبوت الصحبة لعبيد بن عمير فإن الحديث يكون مرفوعاً متصلاً من طريقه، وأثر طاوس شاهد قوي له يرقيه إلى مرتبة الصحة، وقد احتج ابن عبد البر بأثر عبيد بن عمير، هذا ما ذهب إليه من اختصاص السؤال بالمنافق وأن الكافر الصريح لا يسأل ولولا ثبوته عنده وصحته ما احتج به، وقد قال النووي في شرح مسلم: الحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصلاً تبينا به صحة المرسل وجاز الاحتجاج به ويصير في المسألة حديثان صحيحان. الوجه الرابع: قوله: كانوا يستحبون من باب قول التابعي كانوا يفعلون وفيه قولان لأهل الحديث والأصول: أحدهما أنه أيضاً من باب المرفوع وأن معناه كان الناس يفعلون ذلك في عهد النبي ◌َ ﴿ ويعلم به ويقر عليه، والثاني أنه من باب العزو إلى الصحابة دون انتهائه إلى ١٧٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد النبي ◌َّر، ثم اختلف على هذا هل هو إخبار عن جميع الصحابة فيكون نقلاً للإجماع أو عن بعضهم؟ على قولين أصحهما في شرح مسلم للنووي، الثاني قال شمس الدين البرشنسي في شرح ألفيته المسماة بالمورد الأصفى في علم الحديث: قول التابعين كانوا يفعلون يدل على فعل البعض وقيل يدل على فعل جميع الأمة أو البعض وسكوت الباقين أو فعلوا كلهم على وجه ظهر للنبي وَّر ولم ينكره انتهى، وقال الرافعي في شرح المسند: مثل هذا اللفظ يراد به أنه كان مشهوراً في ذلك العهد من غير نكير، فقول طاوس: فكانوا يستحبون إن حمل على الرفع كما هو القول الأول كان ذلك من تتمة الحديث المرسل ويكون الحديث اشتمل على أمرين: أحدهما أصل اعتقادي وهو فتنة الموتى سبعة أيام، والثاني حكم شرعي فرعي وهو استحباب التصدق والإطعام عنهم مدة تلك الأيام السبعة كما استحب سؤال التثبيت بعد الدفن ساعة، ويكون مجموع الأمرين مرسل الإسناد لإطلاق التابعي له، وعدم تسميته الصحابي الذي بلغه ذلك فيكون مقبولاً عند من يقبل المرسل مطلقاً وعند من يقبله بشرط الاعتضاد لمجيئه عن مجاهد، وعن عبيد بن عمير، وحينئذ فلا خلاف بين الأئمة في الاحتجاج بهذا المرسل، وإن حملنا قوله: فكانوا يستحبون على الإخبار عن جميع الصحابة وأنه نقل للإجماع كما هو القول الثاني فهو متصل، لأن طاوساً أدرك كثيراً من الصحابة فأخبر عنهم بالمشاهدة وأخبر عن بقية من لم يدركه منهم بالبلاغ عنهم من الصحابة الذين أدركهم، وإن حملناه على الإخبار عن بعض الصحابة فقط كما هو القول الثالث - وهو الأصح - كان متصلاً عن ذلك البعض الذين أدركهم، وحينئذ فالحديث مشتمل على أمرين كما ذكرناه، فأما الثاني فهو متصل كما هو الظاهر، وأما الأول فإما مرسل على ما تقدم تقريره لأنه قول لا يصدر إلا عن صاحب الوحي وقد أطلقه تابعي فيكون مرسلاً لحذف الصحابي المبلغ له من السند، وعلى هذا فيكون الأمر الثاني المنقول عن الصحابة أو عن بعضهم عاضداً لذلك المرسل لأن من وجوه اعتضاد المرسل عندنا أن يوافقه فعل صحابي فيكون هذا عاضداً ثالثاً بعد العاضدين السابقين وهما قول مجاهد، وقول عبيد بن عمير، ويكون الحديث مشتملاً على جملة مرفوعة مرسلة، وجملة موقوفة متصلة عاضدة لتلك الجملة المرسلة، وإنما أوردهما طاوس كذلك لأن قصده توجيه الحكم الشرعي وهو استحباب الإطعام عن الموتى مدة سبعة أيام فذكر أن سببه ورود فتنتهم في تلك الأيام، ولهذا فرعه عليه بالفاء حيث قال: فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام، ونظير هذا الأثر في ذلك ما أخرجه الترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن ماء الوضوء يوزن، أراد الزهري - وهو من التابعين - تعليل الحكم الشرعي - وهو ترك التنشيف بعد الوضوء بسبب لا يؤخذ إلا من الأحاديث المرفوعة لأن وزن ماء الوضوء لا يدرك إلا بتوقيف لأنه من أحوال القيامة، فلما أورد الحديث مورد التعليل أورده مرسلاً محذوفاً منه الصحابي، وقد قال النووي في آخر شرح مسلم: قد عملت الصحابة فمن بعدهم بهذا فيفتي الإنسان منهم بمعنى الحديث عند الحاجة إلى الفتيا ١٧٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد دون الرواية ولا يرفعه فإذا كان في وقت آخر رفعه، وقال الرافعي في شرح المسند: قد يحتج المحتج ويفتي المفتي بلفظ الحديث ولا يسنده إلى رسول الله ومتر، ويحتمل أثر طاوس أمراً ثانياً وهو اتصال الجملة الأولى أيضاً لأن الإخبار عن الصحابة بأنهم كانوا يستحبون الإطعام عن الموتى تلك الأيام السبعة صريح في أن ذلك كان معلوماً عندهم وأنهم كانوا يفعلون ذلك لقصد التثبيت عند الفتنة في تلك الأيام وإن كان معلوماً عن الصحابة كان ناشئاً عن التوقيف كما تقدم تقريره، وحينئذ يكون الحديث من باب المرفوع المتصل لا المرسل لأن الإرسال قد زال وتبين الاتصال بنقل طاوس عن الصحابة، ولهذا قلت في أرجوزتي : إسناده قد صح وهو مرسل وقد يرى من جهة يتصل لأنه وإن كان مرسلاً في الصورة الظاهرة إلا أنه عند التأمل يتبين اتصاله من جهة ما نقله طاوس عن الصحابة من استحباب الإطعام في تلك الأيام المستلزم لكون السبب في ذلك وهو الفتنة فيها كان معلوماً عندهم، وتبين بذلك السر في إرسال طاوس الحديث وعدم تسمية الصحابي المبلغ له لكونه كان مشهوراً إذ ذاك والمبلغون له فيهم كثرة فاستغنى عن تسمية أحد منهم، ولأن في استيعاب ذكر من بلغه طولاً وإن سمى البعض أوهم الاقتصار عليه أنه لم يبلغه إلا ممن سمى فقط، وخصوصاً على القول بأن هذه الصيغة تحمل على الإخبار عن جميع الأمة فإن ذلك يكون أبلغ في عدم تسمية أحد من المبلغين، وعلى كل تقدير فالحديث مقبول ويحتج به لأن الأمر دائر بين أن يكون متصلاً وبين أن يكون مرسلاً عضده مرسلان آخران وفعل بعض الصحابة أو كلهم أو كل الأمة في ذلك العصر، فهذا تقرير الكلام على قبول الحديث والاحتجاج به من جهة في الحديث، والأصول والله أعلم. الوجه الخامس: قال الإمام عبد الجليل بن موسى القصري في شعب الإيمان - ونقله عنه الإمام أبو زيد الجزولي - في شرح رسالة أبي زيد: البرزخ على ثلاثة أقسام: مكان، وزمان، وحال. فالمكان من القبر إلى عليين تعمره أرواح السعداء. ومن القبر إلى سجين تعمره أرواح الأشقياء، وأما الزمان فهو مدة بقاء الخلق فيه من أول من مات أو يموت من الجن والإنس إلى يوم يبعثون. وأما الحال فإما منعمة، وإما معذبة أو محبوسة حتى تتخلص بالسؤال من الملكين الفتانين انتهى؛ فقوله: أو محبوسة حتى تتخلص من الملكين الفتانين صريح أو ظاهر في أن فتنة القبر تكون في مدة بحيث يمكث محبوسا لأجلها إلى أن يتخلص منها وتلك المدة هي السبعة الأيام الواردة، فهذا تأييد لذلك، ويؤيده أيضاً ما ذكر الحافظ ابن رجب في كتاب أهوال القبور عن مجاهد قال: الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه، فهذه آثار يؤيد بعضها بعضاً. الوجه السادس: أطبق العلماء على أن المراد بقوله يفتنون وبفتنة القبر سؤال الملكين منكر ونكير، والأحاديث صريحة فيه ولهذا سمى ملكاً السؤال الفتانين، وروى البخاري حديث ((أوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول ١٧٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد هو محمد رسول الله)) الحديث، وروى أحمد، والبيهقي حديث ((أما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره ثم يقال له فيم كنت؟)) الحديث فانظر كيف فسر قوله: تفتنون في القبور بسؤال الملكين. وروى أحمد، وأبو داود من حديث أنس مرفوعاً: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها وأن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فسأله)) الحديث، وروى أحمد، والطبراني، والبيهقي من طريق أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال: سمعت رسول الله وَلو يقول: ((إنْ هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الإنتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟)) الحديث، وروى ابن أبي داود في البعث، والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: ((قلت يا رسول الله وما منكر ونكير؟ قال: فتانا القبر)) الحديث، وروى أبو نعيم، والبيهقي من مرسل عطاء بن يسار مثله، وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: ((قال رسول الله وَّ لعمر: ((كيف أنت إذا رأيت منكراً ونكيراً؟ قال: وما منكر ونكير؟ قال: فتانا القبر)) الحديث، وروى البيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلقر: ((بي يفتن أهل القبور وفيه نزلت هذه الآية ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧])) وروى أحمد، وأبو داود حديث: ((كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتاني القبر)). وروى النسائي حديث: ((إن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف علی رأسه فتنة)). وروى جويبر من حديث ابن عباس قال: شهد رسول الله ◌َ ط* جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث - وفيه سؤال الملكين وقال: ((وهي أشد فتنة تعرض على المؤمن)). فهذه أحاديث مرفوعة صريحة في أن المراد بفتنة القبر سؤال منكر ونكير، وكذا ما رواه أبو نعيم من مرسل ضمرة فتانو القبر ثلاثة: أنكر وناكور ورومان، وما رواه ابن الجوزي عنه أيضاً مرفوعاً فتانو القبر أربعة منكر ونكير وناكور وسيدهم رومان، وأما كلام العلماء فقال ابن الأثير في النهاية في حديث الكسوف: إنكم تفتنون في القبور يريد مسألة منكر ونكير - من الفتنة الامتحان والاختبار - وقد كثرت استعاذته من فتنة القبر [وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات وغير ذلك] ومنه الحديث: ((فبي تفتنون وعني تسألون - أي تمتحنون بي في قبوركم ـ ويتعرف إيمانكم بنبوتي)). وقال النووي في شرح مسلم عند قوله ◌َّهو: ((رأيتكم تفتنون في القبور)) معنى تفتنون تمتحنون فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، هكذا جاء مفسراً في الصحيح، وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد في شرح هذا الحديث: للفتنة وجوه كثيرة، ومعناها هنا الابتلاء والامتحان والاختبار، وكذا قال الباجي، وابن رشيق، والقرطبي في شروحهم على الموطأ. وقال الإمام أبو محمد بن أبي زيد في الرسالة: وإن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. قال يوسف بن عمر في شرح الرسالة: قوله تفتنون - أي تختبرون - وهو قوله ويسألون وأتى به تفسيراً لقوله ١٧٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد تفتنون، وقال الجزولي في شرح الرسالة: الفتنة تأتي والمراد بها الكفر وهو قوله تعالى: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] وتأتي والمراد بها الاحتراق وهو قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (٣)﴾ [الذاريات: ١٣] وتأتي والمراد بها الميل وهو قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] وتطلق ويراد بها الضلال قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وتطلق ويراد بها المرض قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ قَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦] وتطلق ويراد بها الاختبار وهو قوله تعالى: ﴿وَفَنَّكَ فُونً﴾ [طه: ٤٠] أي اختبرناك قال: وهو المراد هنا فيكون قوله: تفتنون معناه تختبرون، وقال الإمام علم الدين السخاوي في أرجوزته في أصول الدين: وكل ما أتاك عن محمد صلى عليه الله خذه ترشد من فتنة في العباد في القبور والعرض يوم البعث والنشور قال شارحه: فتنة القبور سؤال منكر ونكير. الوجه السابع: إن قال قائل: لم يرد في سائر الأحاديث تصريح بذكر سبعة أيام. قلنا: ولا ورد فيها تصريح بنفيها ولا تعرض لكون الفتنة مرة أو أكثر بل هي مطلقة صادقة بالمرة وبأكثر، فإذا ورد ذكر السبعة من طريق مقبول وجب قبوله، وكان عند أهل الحديث من باب زيادات الثقات المقبولة، وعند أهل الأصول من باب حمل المطلق على المقيد، ونظيره إن أكثر أحاديث السؤال وردت مطلقة، وورد في حديثين أن السؤال يعاد عليه في المجلس الواحد ثلاث مرات. فحمل ذلك الإطلاق على هذا، والحديثان المشار إليهما - أحدهما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي قتادة بسند حسن - والآخر أخرجه ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عباس بسند ضعيف، ونظيره أيضاً أنه ورد في أحاديث مجيء ملكين وفي أحاديث مجيء ملك واحد قال القرطبي: لا تنافي بينهما لأن الذي روى مجيء ملك لم يقل في روايته ولا يأتيه غيره، وكذلك نقول: إن الأحاديث المطلقة لم يقل فيها ولا يفتن سوى يوم واحد ولا قيل ولا يأتيان بعد اليوم الأول فلا تنافي بينها وبين رواية أنهم يفتنون سبعاً. الوجه الثامن: إن قيل إعادة السؤال بعد اليوم الأول هل هو تأسيس أو تأكيد؟ فالجواب أنه تأكيد فما هو إلا سؤال واحد عن ربه ودينه ونبيه، وجواب واحد يكرر عليه بعد السؤال والجواب الأول للتأكيد، وقد ورد الحديث بأنهم لا يسألون عن شيء سوى ذلك ونص عليه العلماء . الوجه التاسع: إن قيل فما الحكمة في التكرير سبعاً وهلا اكتفى بالأول؟. فالجواب أولاً أن نقول هل ظننت أن المقصود من السؤال علم ما عنده حتى إذا أجاب أول مرة حصل المقصود؟ معاذ الله لا يظن ذلك عاقل قد علم الله ما هو عليه قبل السؤال بل وعلم ذلك الملكان أيضاً، ولذا ورد في الصحيح أنهما يقولان له إذا أجاب نم صالحاً فقد ١٧٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد علمنا أن كنت لمؤمناً، وإنما المقصود من السؤال أمور: أحدها: إظهار شرف النبي وَلـ ومكانته وخصوصيته ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سؤال القبر إنما جعل تعظيماً له وخصوصية شرف بأن الميت يسأل عنه في قبره ولم يعط ذلك نبي قبله كما قال ◌َالقر: ((فأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون)) الحديث، أخرجه أحمد، والبيهقي من حديث عائشة بسند صحيح، قال الحكيم الترمذي: سؤال القبور خاص بهذه الأمة لأن الأمم قبلها كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله سبحانه وتعالى محمداً وَله بالرحمة أمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فمن هذا ظهر النفاق فكانوا يسرون الكفر ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب. الثاني: قال الحليمي من أصحابنا في شعب الإيمان: لعل المعنى في السؤال - والله أعلم - أن الميت قد حول من ظهر الأرض إلى بطنها الذي هو الطريق إلى الهاوية فيجيء هناك ويوقف ويسأل، فإن كان من الأبرار عرجت الملائكة بنفسه وروحه إلى عليين وهو نظير إيقافه في المحشر على شفير جهنم واستعراض عمله حتى إذا وجد من الأبرار أجيز على الصراط وإن كان من الفجار ألقي في النار، وانتهى كلام الحليمي. الثالث: قال بعضهم: جعلت فتنة القبر تكرمة للمؤمن وإظهاراً لإيمانه وتمحيصاً لذنوبه، وقال بعض العلماء: من فعل سيئة فإن عقوبتها تدفع عنه بعشرة أشياء أن يتوب فیتاب عليه، أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات فتمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات، أو يبتلى في الدنيا بمصائب فتكفر عنه، أو في البرزخ بالضغطة والفتنة فتكفر عنه، أو يدعو له إخوانه من المؤمنين ويستغفرون له، أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه، أو يبتلى في عرصات القيامة بأهوال تكفر عنه، أو تدركه شفاعة نبيه، أو رحمة ربه، انتهى. الرابع: قال عبد الجليل القصري في شعب الإيمان: المعنى في سؤال الملكين الفتانين في القبر أن الخلق في التزام الشرائع وقبول الإيمان لا بد لهم من الاختبار لأمر الله ومن النظر فيه وفي أمر الرسل وما جاءت به، وهو المعبر عنه بأول الواجبات عند عرض الشرائح على العقول، فيعتقد كل أحد في قلبه وسره على حسب ما قدر له حين تعترضهم أفكار النظر والفكر فيما جاءت به الرسل من أمور الغيب، فمن بين منكر جاحد أو شاك مرتاب، ومن بين مؤمن مصدق موقن مطمئن ثابت، هذه حال الكل مدة الدنيا من أول ما وجبت عليهم الواجبات إلى حين الموت، فلما حصل الخلق في الآخرة فتنوا بالجزاء عن عقائدهم وأحوالهم جزاءً وفاقاً، ولذلك يقول الملكان للمسؤول: قد علمنا أن كنت لمؤمناً، ولا دريت ولا تليت وعلى الشك حييت وعليه مت، على حسب اختلاف أسرار الخلق في الدنيا ثم بعد ذلك يفتح لكل أحد باب إلى الجنة وباب إلى النار وينظر إلى مقعده منهما، ومعنى ذلك أن الرسل جاءت من عند الله وفتحت للعقول أبواب دين الإسلام حين عرضته على ١٧٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد العقول وحين وجوب الواجبات وأمرت بالدخول فيه وأمرت بالتزام الطاعات وترك المعاصي، وذكرت للعقول أن من التزم الطاعات جوزي بالجنة ودخلها، ومن أعرض وأبى وقع في الكفر ودخل النار، فمن بين داخل مفتوح له بدخوله في الإسلام والشرائع ومن بين خارج نافر، فيقال للعبد ذلك الوقت: هذا مقعدك من الجنة أو النار أبدلك الله مقعداً من النار أو الجنة كما صنع هو بنفسه في دار الدنيا فافهم. الخامس: قال الباجي في شرح الموطأ: ليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة وإنما معناه إظهار العمل وإعلام بالمآل والعاقبة كاختبار الحساب لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت، قال مالك: من مات فقد انقطع عمله وفتنة الرجل لمعنى التكليف والتعبد لكنه شبهها بها لصعوبتها وعظم المحنة بها وقلة الثبات معها انتهى. إذا عرفت المقصود من السؤال عرفت منه حكمة التكرير، أما على المعنى الأول فلأن التكرير أبلغ في إظهار شرف المصطفى وخصوصيته ومكانته وأما على المعنى الثاني فلأن ذلك هو وقت العروج بالروح إلى عليين والجنة كما قال ◌َلهو: ((غالية لا تدرك بالهوينا)) ولهذا جعل الصراط الذي هو أحدّ من السيف وأدق من الشعر طريقاً إلى وصول الإنسان إليها ببدنه، ولا شك في شدة ذلك الطريق، فجعل عوضه لوصول الروح إليها تكرير الفتنة سبعة أيام، ولهذا جعله الحليمي نظير الإيقاف على الصراط، وأما على المعنى الثالث فواضح لأنه قد يكون على المؤمن من صغائر الذنوب ما يقتضي التشديد عليه بذلك وهو رحمة من الله في حقه حيث اكتفى منه بذلك وكفر عنه به، ولو شاء لانتقم منه بعذاب القبر الذي هو أشد من السؤال بكثير، ولكنه لطف بعبادة المؤمنين فكفر عنهم الصغائر بمقاساة أهوال السؤال ونحوه وخص عذاب القبر بالكبائر، ونظيره في الأحكام الشرعية من وجب عليه تعزير فصولح من العقوبة على الإغلاظ في القول والانتهار رحمة له ورفقاً به، أو لكونه من ذوي الهيئات الذين يكتفي في تعزيرهم بمثل ذلك، وقد ورد الحديث أن فتنة القبر أشد فتنة تعرض على الموقن فمن تمام شدتها تكريرها سبعة أيام. الوجه العاشر: إن قيل فما الحكمة في هذا العدد بخصوصه؟ فالجواب أن السبع والثلاث لهما نظر في الشرع، فما أريد تكريره فإنه يكرر في الغالب ثلاثاً، فإذا أريد المبالغة في تكريره كرر سبعاً، ولهذا كررت الطهارة في الوضوء والغسل ثلاثاً، ولما أريد المبالغة في طهارة النجاسة الكلبية كررت سبعاً، فلما كانت هذه الفتنة أشد فتنة تعرض على المؤمن جعل تكريرها سبعاً لأنه أشد نوعي التكرير وأبلغه، وفيه مناسبة ثانية وهي أن استعراض الأعمال على الصراط يكون على سبع عقبات ويروى على سبع قناطر، وقد تقدم عن الحليمي أنه جعل سؤال القبر نظير إيقافه على الصراط فكان السؤال في القبر في سبعة أيام على نمط السؤال على الصراط في سبعة أمكنة. ومناسبة ثالثة: وهي أن الغالب الوقوع في الأحكام الشرعية يكون ثلاثاً والنادر الوقوع يكون سبعاً ولهذا كانت غسلات الوضوء، والغسل، وتسبيحات الركوع، والسجود، ونحو ١٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد ذلك ثلاثاً. وأشواط الطواف، والسعي، وتكبيرات الركعة الأولى من صلاة العيدين، والاستسقاء سبعاً، فلما كان السؤال لا يقع في الدهر للإنسان إلى نوبة واحدة كرر سبعاً. ومناسبة رابعة: وهي أن أيام الأسبوع سبعة ولا ثامن للأيام في الدنيا بل ولا في الآخرة، وقد ورد الحديث أن أيام الأسبوع تشهد للإنسان بما عمل فيها من خير وتشهد عليه بما عمل فيها من شر، فناسب أن يسأل أول ما ينزل قبره مدة الأيام السبعة الشاهدة له وعليه. ومناسبة خامسة: وهي أن السؤال يعقبه الخلاص من الهوى إلى سجين وذلك تحت سبع أرضين. والعروج إلى عليين وذلك فوق سبع سموات، فناسب أن يسأل سبعة أيام ليكون كل يوم في مقابلة خلاص من أرض وعروج إلى سماء. ومناسبة سادسة: وهي أن الحديث ورد أن مدة الدنيا كلها جمعة من جمع الآخرة وذلك سبعة آلاف سنة لأن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، فناسب أن يكون السؤال الموصل للجنة مدة جمعة من جمع الدنيا وذلك سبعة أيام. ومناسبة سابعة: وهي أن السؤال إذا أحسن الجواب عنه ثبت إيمانه وخلص بذلك من أن يكون من أهل جهنم وهي سبع طبقات لها سبعة أبواب، فناسب أن يسأل سبعاً ليكون كل يوم في مقابلة الخلاص من طبقة وباب فهذه سبع مناسبات في السبعة، والسبع المعتبرة في الشرع والخلق كثيرة جداً، وقد استدل ابن عباس على أن ليلة القدر - ليلة سبع - بأن الله جعل السموات سبعاً والأرض سبعاً والطواف سبعاً وخلق الإنسان من سبع وما أنبتت الأرض سبع، وورد في أثر أن الإنسان يميز في سبع ثم يحتلم في سبع ثم يكمل طوره في سبعٍ ثم يكمل عقله في سبع، فظهر مناسبة اعتبار هذا العدد بخصوصه وقد قلت في ذلك أبياتاً : من بعد سبع وسبح كان قد غبرا في عام سبع أتى سبع المنية إذا لبرهمات الذي بالطعن قد شهرا إذ مر من أشهر القبطي سبع ربى النقل عني فيها في الورى أثرا وشاع في هذه الأيام مسألة سبع من الدهر مهما غاب أو قبرا بأن ميت هذا الخلق يسأل في فثار فيها هرير من أولى سفه فجاءهم أي سبع في الوغى كسرا من التناسب سبعاً أنجماً زهرا أبديت في حكمة الأعداد مبتكراً بالسبع المثاني وجد بالعفو مقتدرا يا رب من سبع نيران أجرني الوجه الحادي عشر: أخرج الحكيم الترمذي بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ((في القبر حساب وفي الآخرة حساب، فمن حوسب في القبر نجا ومن حوسب في القيامة عذب)) وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن محمد بن المنتشر عن ابن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: ((إن في القبر حساباً ويوم القيامة عذاباً)). قال الحكيم الترمذي: إنما يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه