النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران: ١٦٩] والأنبياء أولى بذلك فهم أجل وأعظم وما نبي إلا وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة فيدخلون في عموم لفظ الآية . وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن مسعود قال: لأن أحلف تسعاً أن رسول الله وَلهو قتل قتلاً أحب إليّ من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل وذلك أن الله اتخذه نبياً واتخذه شهيداً. وأخرج البخاري، والبيهقي عن عائشة قالت: كان النبي ◌َّيه يقول في مرضه الذي توفي فيه: لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطع أبهري من ذلك السم، فثبت كونه وَلي حياً في قبره بنص القرآن إما من عموم اللفظ وإما من مفهوم الموافقة، قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلاً عن شيخه: الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه ◌َّو اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائماً يصلي في قبره وأخبر ويلي بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته من أوليائه انتهى، وسئل البارزي عن النبي ◌َ ◌ّل هل هو حي بعد وفاته؟ فأجاب إنه ◌َلۇ حي. قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الأصولي شيخ الشافعية في أجوبة مسائل الجاجرميين قال: المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا وَ لتر حي بعد وفاته وأنه يسر بطاعات أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم، وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته وقال: إن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا وَ # أنه رآه في قبره مصلياً، وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة وأنه رأى آدم في السماء الدنيا ورأى إبراهيم وقال له مرحباً بالابن الصالح، والنبي الصالح وإذا صح لنا هذا الأصل قلنا نبينا و # قد صار حياً بعد وفاته وهو على نبوته، هذا آخر كلام الأستاذ . وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء عليهم السلام بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى نبينا صل جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء قال: وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتاباً قال: وهو بعد ما قبض نبي الله ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه وَلقر اللهم أحينا على سننه وأمتنا على ملته واجمع بيننا وبينه في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير، انتهى جواب البارزي. ١٤٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات وقال الشيخ عفيف الدين اليافعي: الأولياء ترد عليهم أحوال يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي ◌َّ إلى موسى عليه السلام في قبره، قال: وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي، قال: ولا ينكر ذلك إلا جاهل، ونصوص العلماء في حياة الأنبياء كثيرة فلنكتف بهذا القدر. فصل: وأما الحديث الآخر فأخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه. والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي عبد الرحمن المقري عن حيوة بن شريح عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله وَالقو قال: ((ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام)»، ولا شك أن ظاهر هذا الحديث مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات وهو مخالف للأحاديث السابقة وقد تأملته ففتح علي في الجواب عنه بأوجه: الأول : - وهو أضعفها - أن يدعي أن الراوي وهم في لفظة من الحديث حصل بسببها الإشكال وقد ادعى ذلك العلماء في أحاديث كثيرة ولكن الأصل خلاف ذلك فلا يعول على هذه الدعوى. الثاني: وهو أقواها ولا يدركه إلا ذو باع في العربية أن قوله رد الله جملة حالية وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلاً ماضياً قدرت فيها قد كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَآءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد وحتى ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه، وإنما جاء الإشكال من ظن أن جملة رد الله علي بمعنى الحال أو الاستقبال وظن أن حتى تعليلية وليس كذلك، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى أن الرد ولو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة، وتكرار المفارقة يلزم عليه محذوران: أحدهما تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم، والآخر مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ والنبي * أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة، ومحذور ثالث وهو مخالفة القرآن فإنه دل على أنه ليس إلا موتتان وحياتان وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل، ومحذور رابع وهو مخالفة الأحاديث المتواترة السابقة وما خالف القرآن والمتواتر من السنة وجب تأويله وإن لم يقبل التأويل كان باطلاً فلهذا وجب حمل الحديث على ما ذكرناه، الوجه الثاني: أن يقال إن لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة بل كنى به عن مطلق الصيرورة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام: ﴿قَدِ أَفْتَرَيِنَا عَلَ اَللَّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُم﴾ [الأعراف: ٨٩] أن لفظ العود أريد به مطلق الصيرورة لا العود بعد انتقال لأن شعيباً عليه السلام لم يكن في ملتهم قط، وحسن استعمال هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله حتى أرد عليه السلام فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث. ١٤٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات الوجه الثالث: وهو قوي جداً - أنه ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن وإنما النبي 18ّ في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربه كما كان في الدنيا في حالة الوحي وفي أوقات أخر، فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة وذلك الاستغراق برد الروح ونظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء وهي قوله : - فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام - ليس المراد الاستيقاظ من نوم فإن الإسراء لم يكن مناماً وإنما المراد الإفاقة مما خامره من عجائب الملكوت - وهذا الجواب الآن عندي أقوى ما یجاب به عن لفظة الرد - وقد كنت رجحت الثاني ثم قوي عندي هذا. الوجه الرابع: أن يقال: إن الرد يستلزم الاستمرار لأن الزمان لا يخلو من مصلٌ عليه أقطار الأرض فلا يخلو من كون الروح في بدنه: الخامس: قد يقال إنه أوحي إليه بهذا الأمر أولاً قبل أن يوحى إليه بأنه يزال حياً في قبره فأخبر به ثم أوحي إليه بعد ذلك، فلا منافاة لتأخير الخبر الثاني عن الخبر الأول ـ هذا ما فتح الله به من الأجوبة ولم أر شيئاً منها منقولاً الأحد - ثم بعد كتابتي لذلك راجعت كتاب الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير - للشيخ تاج الدين بن الفاكهاني المالكي - فوجدته قال فيه ما نصه: روينا في الترمذي قال: قال رسول الله وَّير: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)، يؤخذ من هذا الحديث أن النبي ◌ّيل حي على الدوام وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم على النبي ◌َّر في ليل أو نهار فإن قلت: قوله عليه السلام: ((إلا رد الله إلي روحي)) لا يلتئم مع كونه حياً على الدوام بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم بل يتعدد السلام عليه في الساعة الواحدة كثيراً. فالجواب والله أعلم أن يقال: المراد بالروح هنا النطق مجازاً فكأنه قال عليه السلام إلا رد الله إلي نطقي وهو حي على الدوام، لكن لا يلزم من حياته نطقه فالله سبحانه يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم، وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة، فعبر عليه السلام بأحد المتلازمين عن الآخر، ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملاً بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبََّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] هذا لفظ كلام الشيخ تاج الدين، وهذا الذي ذكره من الجواب ليس واحداً من الستة التي ذكرتها فهو إن سلم - جواب سابع - وعندي فيه وقفة من حيث إن ظاهره أن النبي وغير مع كونه حياً في البرزخ يمنع عنه النطق في بعض الأوقات ويرد عليه عند سلام المسلم عليه وهذا بعيد جداً بل ممنوع، فإن العقل والنقل يشهدان بخلافه، أما النقل فالأخبار الواردة عن حاله وَّل# وحال الأنبياء عليهم السلام في البرزخ مصرحة بأنهم ينطقون كيف شاؤوا لا يمنعون من شيء، بل وسائر المؤمنين كذلك الشهداء وغيرهم ينطقون في البرزخ بما شاؤوا غير ممنوعين من شيء، ولم يرد أن أحداً يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات عن غير وصية، أخرج أبو الشيخ ابن حيان في كتاب ١٤٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات الوصايا عن قيس بن قبيصة قال: قال رسول الله وَ القر: ((من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى، قيل: يا رسول الله وهل تتكلم الموتى؟ قال نعم ويتزاورون)) . وقال الشيخ تقي الدين السبكي: حياة الأنبياء، والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا ويشهد له صلاة موسى في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسداً حياً، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى طعام والشراب. وأما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى انتهى، وأما العقل فلأن الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب ولهذا عذب به تارك الوصية والنبي وَطاقة منزه عن ذلك، ولا يلحقه بعد وفاته حصر أصلاً بوجه من الوجوه كما قال لفاطمة رضي الله عنها في مرض وفاته: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) وإذا كان الشهداء وسائر المؤمنين من أمته إلا من استثنى من المعذبين لا يحصرون بالمنع من النطق فكيف به وَّر، نعم يمكن أن ينتزع من كلام الشيخ تاج الدين جواب آخر ويقرر بطريق أخرى وهو أن يراد بالروح النطق وبالرد الاستمرار من غير مفارقة على حد ما قررته في الوجه الثالث ويكون في الحديث على هذا مجازان: مجاز في لفظ الرد، ومجاز في لفظ الروح، فالأول استعارة تبعية، والثاني مجاز مرسل، وعلى ما قررته في الوجه الثالث يكون فيه مجاز واحد في الرد فقط، ويتولد من هذا الجواب آخر وهو أن تكون الروح كناية عن السمع، ويكون المراد أن الله يرد عليه سمعه الخارق للعادة بحيث يسمع المسلم وأن بعد قطره ويرد عليه من غير احتياج إلى واسطة مبلغ، وليس المراد سمعه المعتاد وقد كان له وَّر في الدنيا حالة يسمع فيها سمعاً خارقاً للعادة بحيث كان يسمع أطيط السماء كما بينت ذلك في كتاب المعجزات، وهذا قد ينفك في بعض الأوقات ويعود لا مانع منه وحالته ربِّير في البرزخ كحالته في الدنيا سواء. وقد يخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد سمعه المعتاد ويكون المراد برده إفاقته من الاستغراق الملكوتي وما هو فيه من المشاهدة فيرده الله تلك الساعة إلى خطاب من سلم عليه في الدنيا، فإذا فرغ من الرد عليه عاد إلى ما كان فيه، ويخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد برد الروح التفرغ من الشغل وفراغ البال مما هو بصدده في البرزخ من النظر في أعمال أمته والاستغفار لهم من السيئات، والدعاء بكشف البلاء عنهم، والتردد في أقطار الأرض لحلول البركة فيها، وحضور جنازة من مات من صالح أمته، فإن هذه الأمور من جملة أشغاله في البرزخ كما وردت بذلك الأحاديث والآثار، فلما كان السلام عليه من أفضل الأعمال وأجل القربات اختص المسلم عليه بأن يفرغ له من أشغاله المهمة لحظة يرد عليه فيها تشريفاً له ومجازاة - فهذه عشرة أجوبة - كلها من استنباطي، وقد قال الجاحظ: إذا نكح الفكر الحفظ ولد العجائب، ثم ظهر لي جواب حادي عشر وهو أنه ليس المراد بالروح روح الحياة بل الارتياح كما في قوله تعالى: ﴿فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] فإنه قرىء فروح - بضم الراء - والمراد أنه ◌ّيقر يحصل له بسلام المسلم عليه ارتياح وفرح وهشاشة لحبه ذلك ١٤٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات فيحمله ذلك على أن يرد عليه، ثم ظهر لي جواب ثاني عشر وهو أن المراد بالروح الرحمة الحادثة من ثواب الصلاة، قال ابن الأثير في النهاية: تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه على معان والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وقد أطلق على القرآن، والوحي، والرحمة، وعلى جبريل انتهى. وأخرج ابن المنذر في تفسيره عن الحسن البصري أنه قرأ قوله تعالى: ﴿فَرَوْعٌ وَرَتِجَانٌ﴾ بالضم وقال: الروح الرحمة، وقد تقدم في حديث أنس أن الصلاة تدخل عليه وَّ في قبره كما يدخل عليكم بالهدايا والمراد ثواب الصلاة وذلك رحمة الله وإنعاماته، ثم ظهر لي جواب ثالث عشر وهو أن المراد بالروح الملك الذي وكل بقبره وَّر يبلغه السلام، والروحِ يطلق على غير جبريل أيضاً من الملائكة، قال الراغب: أشراف الملائكة تسمى أرواحاً انتهى - ومعنى رد الله إلي روحي - أي بعث إلي الملك الموكل بتبليغي السلام هذا غاية ما ظهر والله أعلم. تنبيه: وقع في كلام الشيخ تاج الدين أمران يحتاجان إلى التنبيه عليهما، أحدهما أنه عزا الحديث إلى الترمذي وهو غلط فلم يخرجه من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود فقط كما ذكره الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف، الثاني أنه أورد الحديث بلفظ رد الله علي وهو كذلك في سنن أبي داود. ولفظ رواية البيهقي رد الله إلي [روحي] وهي ألطف وأنسب فإن بين التعديتين فرقاً لطيفاً، فإن رد يتعدى بعلي في الإهانة وبإلى في الإكرام قال في الصحاح: رد عليه الشيء إذا لم يقبله وكذلك إذا خطأه، ويقول رده إلى منزله ورد إليه جواباً - أي رجع - وقال الراغب من الأول: قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَيِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ﴿رُدُُّهَا عَلَى﴾ [ص: ٣٣] ﴿وَثُرَدُّ عَلَىَ أَعْقَايِنَا﴾ [الأنعام: ٧١] ومن الثاني: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣] ﴿وَلَيِن زُرِدتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] ﴿ثُمَّ رُدُّوَأْ إِلَى اللَِّ مَوْلَئُهُمُ الْحَقّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. فصل: قال الراغب: من معاني الرد التفويض، يقال: رددت الحكم في كذا إلى فلان أي فوضته إليه، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِ شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿وَلَوْ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] انتهى، ويخرج من هذا جواب رابع عشر عن الحديث وهو أن المراد فوض الله إلي رد السلام عليه على أن المراد بالروح الرحمة والصلاة من الله الرحمة، فكان المسلم بسلامه تعرض لطلب صلاة من الله تحقيقاً لقوله وَلجر: ((من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً)) والصلاة من الله الرحمة، ففوض الله أمر هذه الرحمة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدعو بها للمسلم فتحصل إجابته قطعاً، فتكون الرحمة الحاصلة للمسلم إنما هي ببركة دعاء النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له وسلامه عليه، وينزل ذلك منزلة الشفاعة في قبول سلام المسلم والإثابة عليه، وتكون الإضافة في روحي لمجرد الملابسة، ونظيره قوله في حديث الشفاعة: ((فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ينتهي إلى محمد)) وفي حديث الإسراء: ((لقيت ليلة أسري بي إبراهيم ١٤٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى)). والحاصل أن معنى الحديث على هذا الوجه إلا فوض الله إلي أمر الرحمة التي تحصل للمسلم بسببي فأتولى الدعاء بها بنفسي بأن أنطلق بلفظ السلام على وجه الرد عليه في مقابلة سلامه والدعاء له، ثم ظهر لي جواب خامس عشر وهو أن المراد بالروح الرحمة التي في قلب النبي ◌ّير على أمته والرأفة التي جبل عليها، وقد يغضب في بعض الأحيان على من عظمت ذنوبه أو انتهك محارم الله، والصلاة على النبي وَ لل سبب لمغفرة الذنوب كما في حديث: ((إذن تكفي همك ويغفر ذنبك)) فأخبر وّل ل أنه ما من أحد يسلم عليه وإن بلغت ذنوبه ما بلغت إلا رجعت إليه الرحمة التي جبل عليها حتى يرد عليه السلام بنفسه، ولا يمنعه من الرد عليه ما كان منه قبل ذلك من ذنب، وهذه فائدة نفيسة وبشرى عظيمة، وتكون هذه فائدة زيادة من الاستغراقية في أحد المنفى الذي هو ظاهر في الاستغراق قبل زيادتها نص فيه بعد زيادتها بحيث انتفى بسببها أن يكون من العام المراد به الخصوص. هذا آخر ما فتح الله به الآن من الأجوبة وإن فتح بعد ذلك بزيادة ألحقناها والله الموفق بمنه وكرمه، ثم بعد ذلك رأيت الحديث المسؤول عنه مخرجاً في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظ: ((إلا وقد رد الله علي روحي)) فصرح فيه بلفظ ((وقد)» فحمدت الله كثيراً وقوي أن رواية اسقاطها محمولة على إضمارها وأن حذفها من تصرف الرواة وهو الأمر الذي جنحت إليه في الوجه الثاني من الأجوبة، وقد عدت الآن إلى ترجيحه لوجود هذه الرواية فهو أقوى الأجوبة، ومراد الحديث عليه الأخبار بأن الله يرد إليه روحه بعد الموت فيصير حياً على الدوام حتى لو سلم عليه أحد رد عليه سلامه لوجود الحياة، فصار الحديث موافقاً الأحاديث الواردة في حياته في قبره، وواحداً من جملتها لا منافياً لها البتة بوجه من الوجوه - ولله الحمد والمنة - وقد قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه وذلك لأن الطرق يزيد بعضها على بعض تارة في ألفاظ المتن، وتارة في الإسناد، فيستبين بالطريق المزيد ما خفي في الطريق الناقصة والله تعالى أعلم. ٦٢ - كتاب الإعلام بحكم عيسى عليه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد فقد ورد علي سؤال يوم الخميس. سادس جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وثمانمائة صورته - المسؤول الجواب عما يذكر وهو أن عيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان بماذا يحكم في هذه الأمة بشرع نبيناً أو بشرعه؟ وإذا قلتم إنه يحكم بشرع نبينا فكيف طريق حكمه به أبمذهب من المذاهب الأربعة المتقررة أو باجتهاد منه؟ وإذا قلتم بمذهب من المذاهب الأربعة فبأي مذهب هو؟ وإذا قلتم ١٤٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات بالاجتهاد فبأي طريق تصل إليه الأدلة التي يستنبط منها الأحكام أبالنقل الذي هو من خصائص هذه الأمة أو بالوحي؟ وإذا قلتم بالنقل فكيف طريق معرفته صحيح السنة من سقيمها أبحكم الحفاظ عليه أو بطريق آخر؟ وإذا قلتم بالوحي فأي وحي هو أوَحي إلهام أو بتنزيل ملك فإذا كان بالثاني فأي ملك وكيف حكمه في أموال بيت المال وأراضيه وما صدر فيها من الأوقاف أيقر ذلك على ما هو الآن أو يحكم فيه بغير ذلك؟ . وأقول: قد ورد علي هذا السؤال من مدة تقارب شهرين وذلك يوم الجمعة رابع عشري ربيع الأول من هذه السنة جاءني رجل من أهل العلم ممن أخذ العلم عن والدي فسألني عن أشياء من جملتها هذا السؤال وأجبته عنه بجواب مختصر، ومن جملة ما سألني عنه في ذلك المجلس قصة استحياء الملائكة من عثمان وأخرجت له في ذلك حديثين غريبين خرجتهما من تاريخ ابن عساكر وأوردتهما في كتاب تاريخ الخلفاء في ترجمة عثمان بن غفار رضي الله عنه، وها أنا ذاكر في هذه الأوراق جواب هذا السؤال على طريق البسط ذاكراً في كل كلمة أوردها مستندي فيها من الأحاديث والآثار وكلام العلماء، فقول السائل بماذا يحكم في هذه الأمة بشرع نبينا أو بشرعه؟ جوابه: أنه يحكم بشرع نبينا لا بشرعه، نص على ذلك العلماء ووردت به الأحاديث وانعقد عليه الإجماع، فمن جملة نصوص العلماء في ذلك قول الخطابي في معالم السنن عند ذكر حديث أن عيسى يقتل الخنزير: فيه دليل على وجوب قتل الخنازير وبيان أن أعيانها نجسة وذلك لأن عيسى عليه السلام إنما يقتل الخنزير على حكم شريعة نبينا محمد و 18 لأن نزوله إنما يكون في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية، ومن ذلك قول النووي في شرح مسلم: ليس المراد بنزول عيسى أنه ينزل بشرع ينسخ شرعنا ولا في الأحاديث شيء من هذا بل صحت الأحاديث بأنه ينزل حكماً مقسطاً يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني من حديث سمرة عن رسول الله وَ ﴾ قال: ((ينزل عيسى ابن مريم مصدقاً بمحمد بَعليه وعلى ملته فيقتل الدجال ثم وإنما هو قيام الساعة)). وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي في البعث بسند جيد عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله وَلهو: ((يلبث الدجال فيكم ما شاء الله ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقاً بمحمد وعلى ملته إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيقتل الدجال)). وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله وَّل يقول: ينزل عيسى ابن مريم فيؤمهم فإذا رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قتل الله الدجال وأظهر المؤمنين)) . ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن عيسى يقول في صلاته يومئذ سمع الله لمن حمده وهذا الذكر في الاعتدال من خواص صلاة هذه الأمة كما ورد في حديث ذكرته في كتاب المعجزات والخصائص، وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: ((يهبط المسيح ابن مريم فيصلي الصلوات ويجمع الجمع)) فهذا صريح في أنه ينزل بشرعنا لأن مجموع الصلوات ١٤٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات الخمس وصلاة الجمعة لم يكونا في غير هذه الملة، وأخرج ابن عساكر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَله: ((كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها؟». وأخرج ابن عساكر أيضاً من حديث ابن عساكر قال: قال رسول الله وَ له: ((كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟)) وقول السائل: وإذا قلتم إنه يحكم بشرع نبينا فكيف طريق حكمه به أبمذهب من المذاهب الأربعة المقررة أو باجتهاد منه؟ هذا السؤال عجب من سائله وأشد عجباً منه قوله فيه: بمذهب من المذاهب الأربعة فهل خطر ببال السائل أن المذاهب في هذه الملة الشريفة منحصرة في أربعة والمجتهدون من الأمة لا يحصون كثرة وكل له مذهب من الصحابة، والتابعين، واتباع التابعين وهلم جرا، وقد كان في السنن الخوالي نحو عشرة مذاهب مقلدة أربابها مدونة كتبها - وهي الأربعة المشهورة. ومذهب سفيان الثوري، ومذهب الأوزاعي، ومذهب الليث بن سعد، ومذهب إسحاق بن راهويه، ومذهب ابن جرير، ومذهب داود - وكان لكل من هؤلاء أتباع يفتون بقولهم ويقضون وإنما انقرضوا بعد الخمسمائة لموت العلماء وقصور الهمم فالمذاهب كثيرة فلأي شيء خصص السائل المذاهب الأربعة؟ ثم كيف يظن بنبي أنه يقلد مذهباً من المذاهب والعلماء يقولون إن المجتهد لا يقلد مجتهداً، فإذا كان المجتهد من آحاد الأمة لا يقلد فكيف يظن بالنبي أنه يقلد؟ فإن قلت: فتعين حينئذ القول بأنه يحكم بالاجتهاد قلت: لا لم يتعين ذلك فإن نبينا وَّر كان يحكم بما أوحي إليه في القرآن ولا يسمى ذلك اجتهاداً كما لا يسمى تقليداً، والدليل على ذلك أن العلماء حكوا خلافاً في جواز الاجتهاد للنبي ◌ّ# فلو كان حكمه بما يفهمه من القرآن يسمى اجتهاداً لم تتجه حكاية الخلاف. فإن قلت: بين لنا طريق معرفة عيسى بأحكام هذه الشريعة. قلت: يمكن أن يقال في ذلك ثلاثة طرق : الطريق الأول: أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد كانوا يعلمون في زمانهم بجميع شرائع من قبلهم ومن بعدهم بالوحي من الله تعالى على لسان جبريل، وبالتنبيه على بعض ذلك في الكتاب الذي أنزل عليهم، والدليل على ذلك أنه ورد في الأحاديث والآثار أن عيسى عليه السلام بشر أمته بمجيء النبي وم له بعده وأخبرهم بجملة من شريعته يأتي بها تخالف شريعة عيسى، وكذلك وقع لموسى، وداود عليهما السلام، من ذلك ما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال: إن الله لما قرب موسى نجياً قال: رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظراً ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من ١٤٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها ناراً فأكلتها فإن لم تقبل لم تأكلها النار فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة وإذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد. فهذه أحكام في شرعنا مخالفة لشرع من قبلنا بينها الله تعالى لنبيه موسى فعلمها بالوحي لا بالاجتهاد ولا بالتقليد، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة أيضاً عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم، يا داود إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم أعطيتهم خصالاً لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه إذا استغفروني منه غفرته، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم ولهم عندي أضعاف مضاعفة، وأعطيتهم على المصائب والبلايا إذا صبروا وقالوا إنا إليه راجعون الصلاة والرحمة والهدي إلى جنات النعيم. وأخرج الدارمي في مسنده عن ابن عباس أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله ◌َّر في التوراة؟ قال كعب: نجده محمد بن عبد الله مولده بمكة ويهاجر إلى طابة ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا بسخاب في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، ودويهم في مساجدهم كدويّ النحل يسمع مناديهم في جو السماء. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة وغيره عن ابن مسعود قال: قال رسول الله اَلّه : (صفتي في الإنجيل أحمد المتوكل مولده مكة ومهاجره إلى طيبة ليس بفظ ولا غليظ يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافىء بالسيئة أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم ويوضئون أطرافهم أناجيلهم في صدورهم يصفون للصلاة كما يصفون للقتال قربانهم الذين يتقربون به إلى دمائهم رهبان بالليل ليوث بالنهار)) وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن كعب الأحبار قال: صفة هذه الأمة في كتاب الله المنزل: خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أراد أحدهم أمراً قال أفعله إن شاء الله، وإذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور ١٥٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء. فهذه جملة من أحكام شريعتنا مخالفة لشرع من قبلنا بينها الله لأنبيائه فيما أنزله عليهم من الكتب، وقد وردت الأحاديث والآثار ببيان أكثر من ذلك وتركتها خوف الإطالة، ووردت الآثار أيضاً بأن الله بين لأنبيائه في كتبهم جميع ما هو واقع في هذه الأمة من أحداث وفتن وأخبار خلفائها وملوكها، من ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول مثل أبي بكر الصديق مثل القطر أينما يقع نفع، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي في التوراة؟ قال: خليفة قرن من حديد أمير شديد لا يخاف في الله لومة لائم ثم يكون من بعدك خليفة تقتله أمة ظالمين له ثم يقع البلاء بعده. وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب أنه دعا الأسقف فقال: هل تجدونا في شيء من كتبكم؟ قال نجد صفتكم وأعمالكم، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة، وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله، فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به؟ فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة، وأخرج عبد الله بن أحمد في روايات الزهد عن هشام بن خالد الربعي قال: قرأت في التوراة أن السماء والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة. والآثار في هذا المعنى كثيرة جداً وقد سردتها في كتاب المعجزات، وحاصلها القطع بأن الله بين لأنبيائه جميع ما يتعلق بهذه الأمة من أحكام وما يحدث فيها من حوادث وفتن، فعلم الأنبياء ذلك بطريق الوحي من الله من غير احتياج إلى أن يأخذوه باجتهاد أو تقليد - هذا ما يتعلق بالطريق الأول - وقد اعترض عليّ في هذا الطريق بأنه يلزم عليه أن يكون كل ما في القرآن مضمناً في جميع الكتب السابقة، وأقول: لا مانع من ذلك بلي دلت الأدلة على ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ (٢)﴾ [الشعراء: ثبوت هذا اللازم قال تعالى: ﴿وَإِنَُّ لََّغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٩٢، ١٩٣] إلى قوله: ﴿وَإِنَُّ لَفِى زُيُرِ الْأَوَّلِينَ (9َ)) أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنَُّ لَتَغْزِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال: القرآن، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِىِ زُيُرِ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ قال: أي في كتب الأولين، وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية قال: يقول إنه في الكتب التي أنزلها على الأولين. وأخرج عن مبشر بن عبيد القرشي في قوله: ﴿أَوَلَزْ يَكُن لَّمْ ءَايَةً﴾ [الشعراء: ١٩٧] قال: يقول أولم يكن لهم القرآن آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل، فقد دلت هذه الآية وكلام السلف في تفسيرها على أن المعاني التي تضمنها القرآن موجودة في كتب الله السابقة، وقد نص على هذا بعينه الإمام أبو حنفية حيث استدل بهذه الآية على جواز قراءة القرآن بغير ١٥١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات اللسان العربي وقال: إن القرآن مضمن في الكتب السابقة وهي بغير اللسان العربي أخذاً من هذه الآية، ومما يشهد بذلك وصفه تعالى للقرآن في عدة مواضع بأنه مصدق لما بين يديه من الكتب، فلولا أن ما فيه موجود فيها لم يصح هذا الوصف، من ذلك قوله تعالى ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: القرآن أمين على الكتب فيما أخبرنا أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا. وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدقاً على ذلك كل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى اُلُّحُفِ اُلْأُوْلَى ٣٤ ◌ُحُفِ إَِهِيمَ وَمُوسَى (03)﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩] أخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ مُحُفِ إَِهِيَمَ وَمُوسَى (٣)﴾ قال النبي بَّر: ((كان كل هذا في صحف إبراهيم الأولى (هـ وموسى)) وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: هذه السورة في ﴿مُحُفٍ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: إن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي ◌َ﴾، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ اُلْأُولَى ﴾ قال: ما قص الله في هذه السورة، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى اُلُّحُفِ الْأُولَى ، قال: في كتب الله كلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّ لَمْ يُنَبَّأَ بِمَا فِى صُحُفٍ مُوسَى [النجم: ٣٦، ٣٧] ﴿أَلَّا نَزِرُ﴾ الآيات، فقد وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَلَ دل ذلك وأمثاله من القرآن على أن معاني القرآن موجودة في كتب الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه والله تعالى أعلم. الطريق الثاني: أن عيسى وَلّ يمكن أن ينظر في القرآن فيفهم منه جميع الأحكام المتعلقة بهذه الشريعة من غير احتياج إلى مراجعة الأحاديث كما فهم النبي ◌َّ ذلك من القرآن، فإن القرآن العزيز قد انطوى على جميع الأحكام الشرعية وفهمها النبي وَّ بفهمه الذي اختص به ثم شرحها لأمته في السنة، وإفهام الأمة تقصر عن إدراك ما أدركه صاحب النبوة، وعيسى ◌َّليه نبي فلا يبعد أن يفهم من القرآن كفهم النبي وَّر، وشاهد ما قلناه من أن جميع الأحكام الشرعية فهمها النبي ◌َّر من القرآن قول الإمام الشافعي رضي الله عنه جميع ما حكم به النبي ◌َّ- فهو مما فهمه من القرآن، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة أن رسول الله وَ لّ قال: ((إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه)) وقال الشافعي أيضاً: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع السنة شرح للقرآن، وقال الشافعي أيضاً: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها، وقال ابن برجان: ما قال النبي ◌ّله من شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه وعمه من عمه وكذا كل ما حكم أو قضى به، وقال بعضهم: ما ١٥٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله حتى أن بعضهم استنبط عمر النبي ◌َ﴿ه ثلاثاً وستين من قوله في سورة المنافقين: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاَ﴾ [المنافقون: ١١] فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده، وقال المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله ﴿ خلا ما استأثر به سبحانه ثم روت عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود، وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله، وقال ◌َّير: ((سيكون فتن قيل وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم)) رواه الترمذي. وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اَلْكِتَبِ مِن [الأنعام: ٣٨] وقال ◌َّية: ((إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة)) رواه شَىْ ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب العظمة، وقال ابن مسعود: من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين رواه سعيد بن منصور في سننه - وقال ابن مسعود أيضاً: أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن - رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما - وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله - رواه ابن أبي حاتم - وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله وَّر على وجهه إلا وجدت مصداقه في کتاب الله - رواه ابن أبي حاتم. فعرف بمجموع ما ذكرناه أن جميع الشريعة منطوية تحت ألفاظ القرآن غير أنه لا ينهض لإدراكها منه إلا صاحب النبوة، قال بعض العلماء: العبارة في القرآن للعامة، والإشارة الخاصة، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء، وعيسى عليه السلام نبي رسول، فيفهم من القرآن ما انطوى عليه ويحكم به وإن خالف الإنجيل، وهذا معنى كونه يحكم بشرع نبينا ◌ً *، فهذان طريقان كل منهما محتمل في معرفة عيسى وَلّ بأحكام هذه الشريعة ومأخذهما قوي في غاية الاتجاه والله أعلم. الطريق الثالث: ما أشار إليه جماعة من العلماء منهم السبكي وغيره أن عيسى عليه السلام مع بقائه على نبوته معدود في أمة النبي ◌ّ﴿ وداخل في زمرة الصحابة، فإنه اجتمع بالنبي و 18 وهو حي مؤمناً به ومصدقاً، وكان اجتماعه به مرات في غير ليلة الإسراء من جملتها بمكة، روى ابن عدي في الكامل عن أنس قال: ((بينا نحن مع رسول الله وَلّ إذ رأينا برداً ويداً فقلنا: يا رسول الله ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟ قال: قد رأيتموه؟ قلنا: نعم قال: ذاك عيسى ابن مريم سلم علي)) وأخرج ابن عساكم من طريق آخر عن أنس قال: ((كنت أطوف مع رسول الله ويلي حول الكعبة إذا رأيته صافح شيئاً لا نراه قلنا: يا رسول الله رأيناك صافحت شيئاً ولا نراه قال: ذاك أخي عيسى ابن مريم انتطرته حتى قضى طوافه فسلمت عليه)) فحينئذ لا مانع من أن يكون تلقى من النبي وَالر أحكامه المتعلقة بشريعته ١٥٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات المخالفة لشريعة الإنجيل لعلمه بأنه سينزل في أمته ويحكم فيهم بشريعته فأخذها عنه بلا واسطة، وقد روى ابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّر: ((الا إن ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي)) وقد رأيت في عبارة السبكي في تصنيف له ما نصه - إنما يحكم عيسى بشريعة نبينا وَلقول بالقرآن والسنة وحينئذ فيترجح أن أخذه للسنة من النبي وَلّ بطريق المشافهة من غير واسطة وقد عده بعض المحدثين في جملة الصحابة هو، والخضر، وإلياس - قال الذهبي في تجريد الصحابة: عيسى ابن مريم عليه السلام نبي وصحابي فإنه رأى النبي ◌َّر وسلم عليه فهو آخر الصحابة موتاً انتھی . وقول السائل: وكيف حكمه فى أموال بيت المال أيقر ذلك على ما هو الآن؟ كلام في غاية العجب فإن أموال بيت المال جارية الآن على غير القانون الشرعي ولا يقر نبي على ذلك، وقد قال أصحابنا في المواريث: أنه لا يورث بيت المال إلا عند انتظامه؛ وانتظامه أن يكون كما كان في أيام الصحابة، وقد قال ابن سراقة من أئمتنا وهو قبل الأربعمائة: لبيت المال سنين كثيرة ما استقام فكيف قرب التسعمائة ولا يزداد الأمر - إلا شدة - وقد ألفت كتاباً في آداب الملوك - من طالع ما فيه من الأحاديث والآثار علم أن غالب أمور بيت المال جارية الآن على غير القانون الشرعي، وقد وردت الأحاديث بأن المهدي يأتي قبل عيسى ابن مريم فيملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت جوراً، ويأتي عيسى فيقر صنع المهدي، ومما يعدل فيه المهدي أنه يقسم بين المسلمين فيئهم الذي استولى عليه ولاة الأتراك وأكلوه واستبدلوا به دونهم. روى الإمام أحمد في مسنده، والبزار، والطبراني، وأبو نعيم، والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن سمرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم فيأكلون فيئكم)) وورد ذلك أيضاً من حديث أنس، وحذيفة، وابن عمرو، وأبي موسى الأشعري، وروى ابن حبان في صحيحه عن أم سلمة قالت: ((قال رسول الله وَظهر في المهدي أنه يقسم بين المسلمين فيئهم ويعمل فيهم بسنة نبيهم ◌َّر ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض يمكث سبع سنين)). وأخرج أحمد في مسنده، وأبو يعلى بسند جيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلقر: ((أبشركم بالمهدي يبعث على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحاً؟ قيل: ما صحاحاً؟ قال: بالسوية بين الناس ويملأ قلوب أمة محمد غنى ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي من له في مال حاجة فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيكون كذلك سبع سنين)) وقول السائل: وما صدر فيها من الأوقاف؟ جوابه أن ما كان منها وقفاً على وجوه البر، ومصالح المسلمين، والعلماء، والقراء، وذرية النبي صَلهر، وأقاربه، والفقراء، والمرضى، والزمنى، والمنقطعين، والمدارس، والمساجد، والحرمين، وبيت المقدس، وكسوة الكعبة، وما شاكل ذلك فهو وقف صحيح موافق للشريعة فيقره، وما ١٥٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات كان وقفاً على نساء الملوك، والأمراء، وأولادهم فهو وقف باطل مخالف للشريعة فيبطله. ثم ظهر لي طريق رابع وهو أن عيسى عليه السلام إذا نزل يجتمع بالنبي ◌َّر في الأرض فلا مانع من أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شريعته ومستندي في هذا الطريق أمور : . الأول: ما أخرجه أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَليه يقول: ((والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجیبنه)» . وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: «ليهبطن الله عيسى ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً فليسلكن فج الروحاء حاجاً أو معتمراً وليقفن على قبري فليسلمن علي ولأردن علیه». الثاني: أن النبي ◌َّ في حياته كان يرى الأنبياء ويجتمع بهم في الأرض كما تقدم أنه رأى عيسى في الطواف وصح أنه وَّ مر على موسى وهو يصلي في قبره، وصح أنه وَّل قال: ((الأنبياء أحياء يصلون)) فكذلك إذا نزل عيسى عليه السلام إلى الأرض يرى الأنبياء ويجتمع بهم ومن جملتهم النبي ◌َّ فيأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شريعته. الثالث: أن جماعة من أئمة الشريعة نصوا على أن من كرامة الولي أنه يرى النبي وَليه ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما قسم له من معارف ومواهب، وممن نص على ذلك من أئمة الشافعية الغزالي، والبارزي، والتاج بن السبكي، والعفيف اليافعي، ومن أئمة المالكية القرطبي، وابن أبي جمرة، وابن الحاج في المدخل. وقد حكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي: هذا الحديث باطل فقال الفقيه: ومن أين لك هذا؟ فقال: هذا النبي وَّر واقف على رأسك يقول: إني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه فرآه، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: لو حجبت عن النبي وَّر طرفة عين ما عددت نفسي مع المسلمين. فإذا كان هذا حال الأولياء مع النبي وَ ل﴿ فعيسى النبي وط هر أولى بذلك أن يجتمع به في أي وقت شاء ويأخذ عنه ما أراد من أحكام شريعته من غير احتياج إلى اجتهاد ولا تقليد لحفاظ الحديث. الرابع: أنه روي عن أبي هريرة أنه لما أكثر الحديث وأنكر عليه الناس قال: لئن نزل عيسى ابن مريم قبل أن أموت لأحدثنه عن رسول الله وَالر فيصدقني فقوله: فيصدقني دليل على أن عيسى عليه السلام عالم بجميع سنة النبي ◌َّ من غير احتياج إلى أن يأخذها عن أحد من الأمة حتى أن أبا هريرة الذي سمع النبي ◌َّ احتاج إلى أن يلجأ إليه يصدقه فيما رواه ويزكيه - هذا آخر الجواب - ثم إن مولانا أمير المؤمنين وخليفة رسول الله وَ الله على المسلمين وابن عم سيد المرسلين الإمام المتوكل على الله أعزه الله وأعز به الدين وهو الأمر بالكتابة أولاً أعاد الأمر ثانياً هل ثبت أن عيسى عليه السلام بعد نزوله يأتيه وحي؟ والجواب نعم - روى مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من حديث ١٥٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ◌َّلر الدجال - إلى أن قال: ((فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعاً يده على أجنحة ملكين فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي فبينما هم كذلك أوحى الله إلى عيسى ابن مريم أني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرر عبادي إلى الطور فيبعث الله يأجوج ومأجوج)) الحديث. فهذا صريح في أنه يوحى إليه بعد النزول، والظاهر أن الجائي إليه بالوحي جبريل عليه السلام بل هو الذي يقطع به ولا يتردد فيه لأن ذلك وظيفته وهو السفير بين الله وبين انبيائه لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة، والدليل على ذلك ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة عن عائشة قالت: قال ورقة لخديجة: جبريل أمين الله بينه وبين رسله، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره: وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب العظمة عن ابن سابط قال: في أم الكتاب كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة ووكل به ثلاثة من الملائكة فوكل جبريل بالكتب والوحي إلى الأنبياء. ووكل أيضاً بالهلكات إذا أراد الله أن يهلك قوماً ووكله بالنصر عند القتال. ووكل ميكائيل بالقطر والنبات. ووكل ملك الموت بقبض الأنفس فإذا كان يوم القيامة عارضوا بين حفظهم وبين ما كان في أم الكتاب فيجدونه سواء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال: أول من يحاسب جبريل لأنه كان أمين الله إلى رسله. وأخرج أبو الشيخ عن خالد بن عمران قال: جبريل أمين الله إلى رسله. وميكائيل يتلقى الكتب وإسرافيل بمنزلة الحاجب. وأخرج أيضاً عن عكرمة بن خالد ((أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الملائكة أكرم على الله؟ فقال: ((جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض روح كل عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم)). وأخرج أيضاً عن عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم ربه، وأخرج ابن أبي زمنين في كتاب السنة عن كعب قال: إذا أراد الله أن يوحي أمراً جاء اللوح المحفوظ حتى يصفق جبهة إسرافيل فيرفع رأسه فينظر فإذا الأمر مكتوب فينادي جبريل فيلبيه فيقول أمرت بكذا أمرت بكذا فيهبط جبريل على النبي ◌ّ # فيوحي إليه، وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: إذا أمر الله بالأمر تدلت الألواح على إسرافيل بما فيها من أمر الله فينظر فيها إسرافيل ثم ينادي جبريل فيجيبه - وذكر نحوه - وأخرج أيضاً عن أبي سنان قال: اللوح المحفوظ معلق بالعرش فإذا أراد الله أن يوحي بشيء كتب في اللوح فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل فينظر فيه فإن كان إلى أهل السماء دفعه إلى ميكائيل، وإن كان إلى أهل الأرض دفعه إلى جبريل، فأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح يدعى به ترعد فرائصه فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل فيدعى إسرافيل ترعد فرائصه فيقال له: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم قال اللوح: الحمد لله الذي نجاني من سوء الحساب ثم كذلك، وأخرج أيضاً عن وهيب بن الورد قال: إذا كان يوم ١٥٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات القيامة دعي إسرافيل ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما أدى إليك اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل فيدعي جبريل ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل فيؤتى بالرسل فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس فهو ﴾ [الأعراف: ٦] وأخرج ابن قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ المبارك في الزهد عن ابن أبي جبلة بسنده قال: أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل فيقول الله: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رب قد بلغت جبريل فيدعي جبريل فيقال: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم فيخلي عن إسرافيل فيقول: لجبريل ما صنعت في عهدي؟ فيقول: يا رب بلغت الرسل فيدعي الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم فيخلي عن جبريل - الحديث - فعرف بمجموع هذه الآثار اختصاص جبريل من بين سائر الملائكة بالوحي إلى الأنبياء، وعرف بها أيضاً أنه إنما يتلقى الوحي عن الله بواسطة إسرافيل وقد كنا سئلنا عن ذلك منذ أيام . خاتمة: اشتهر على ألسنة الناس أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي ◌َّ وهذا شيء لا أصل له. ومن الدليل على بطلانه ما أخرجه الطبراني في الكبير عن ميمونة بنت سعد قالت: «قلت يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ فإني أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل)) فهذا الحديث يدل على أن جبريل ينزل إلى الأرض ويحضر موتة كل مؤمن حضره الموت وهو على طهارة، ثم وقفت على حديث آخر فيه نزول جبريل إلى الأرض - وهو ما أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن، والطبراني من حديث ابن مسعود عن النبي # # في وصف الدجال - قال: ((فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرمه)) ثم رأيت في قوله تعالى: ﴿نَّلُ الْمَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلّ ◌َمْيِ ﴿1﴾ [القدر: ٤] - الآية - عن الضحاك أن الروح هنا جبريل وأنه ينزل هو والملائكة في ليلة القدر ويسلمون على المسلمين - وذلك في كل سنة - وقد زعم زاعم أن عيسى ابن مريم إذا نزل لا يوحى إليه وحياً حقيقياً بل وحي إلهام وهذا القول ساقط مهمل لأمرين: أحدهما منابذته للحديث الثابت عن رسول الله (183 كما تقدم من صحيح مسلم، وغيره، وقد رواه الحاكم في المستدرك ولفظه: ((فبيناه كذلك إذ أوحى الله إليه يا عيسى إني قد أخرجت عباداً لي لا يد لأحدكم بقتالهم حول عبادي إلى الطور)) وقال: صحيح على شرط الشيخين وذلك صريح في أنه وحي حقيقي لا وحي إلهام، والثاني أن ما توهمه هذا الزاعم من تعذر الوحي الحقيقي فاسد لأن عيسى نبي فأي مانع من نزول الوحي إليه، فإن تخيل في نفسه أن عيسى قد ذهب وصف النبوة عنه وانسلخ منه فهذا قول يقارب الكفر لأن النبي لا يذهب عنه وصف النبوة أبداً ولا بعد موته، وإن تخيل اختصاص الوحي للنبي بزمن دون زمن فهو [قول] لا دليل عليه ويبطله ثبوت الدليل على خلافه، وقد ألم السبكي بشيء مما ذكرناه ١٥٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات فقال في تصنيف له: ما من نبي إلا أخذ الله عليه الميثاق أنه إن بعث محمد في زمانه ليؤمن به ولينصرنه ويوصي أمته بذلك وفي ذلك من التنويه بالنبي ◌َّ وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم وتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: بعثت إلى الناس كافة لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضاً - إلى أن قال: فالنبي ◌َ ير هو نبي الأنبياء ولو اتفق مجيئه في زمن آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاله لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحد من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة بما قلناه - إن اتباعه للنبي وَّر - وإنما يحكم بشريعة نبينا # بالقرآن والسنة، وكل ما فيه من أمر أو نهي فهو متعلق به كما يتعلق بسائر الأمة وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء. وكذلك لو بعث النبي ◌َّر في زمانه أو في زمان موسى، وإبراهيم، ونوح، وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي وَّل نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم، هذا كلام السبكي [بحروفه] فعرف بذلك أنه لا تنافي بين كونه ينزل متبعاً للنبي وَ ل﴿ وبين كونه باقياً على نبوته ويأتيه جبريل بما شاء الله من الوحي والله أعلم. قال زاعم: الوحي في حديث مسلم مؤول بوحي الإلهام. قلت: قال أهل الأصول: التأويل صرف اللفظ عن ظاهره لدليل فإن لم يكن لدليل فلعب لا تأويل ولا دليل على هذا فهو لعب بالحديث، قال زاعم: الدليل عليه حديث لا وحي بعدي. قلنا هذا الحديث بهذا اللفظ باطل، قال زاعم: الدليل عليه حديث لا نبي بعدي قلنا يا مسكين لا دلالة في هذا الحديث على ما ذكرت بوجه من الوجوه لأن المراد لا يحدث بعده بعث نبي بشرع ينسخ شرعه كما فسره بذلك العلماء، ثم يقال لهذا الزاعم: هل أنت آخذ بظاهر الحديث من غير حمل على المعنى المذكور فيلزمك عليه أحد أمرين: إما نفي نزول عيسى أو نفي النبوة عنه وكلاهما كفر؟ ثم بعد مدة من كتابتي لهذا الجواب وقفت على سؤال رفع إلى شيخ الإسلام ابن حجر صورته - ما قولكم في قول سيدنا رسول الله والقر: ((ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان حكماً)) فهل ينزل عيسى عليه السلام حافظاً لكتاب الله القرآن العظيم ولسنة نبينا و 38 أو يتلقى الكتاب والسنة عن علماء ذلك الزمان ويجتهد فيها؟ وما الحكم في ذلك؟ فأجاب بما نصه - ومن خطه نقلت - لم ينقل لنا في ذلك شيء صريح والذي يليق بمقام عيسى عليه الصلاة والسلام أنه يتلقى ذلك عن رسول الله وَ﴾ فيحكم في أمته بما تلقاه عنه لأنه في الحقيقة خليفة عنه والله أعلم. تنبيه: ويشبه هذا ما بلغني عن بعض المنكرين أنه أنكر ما ورد من أن عيسى عليه السلام إذا نزل يصلي خلف المهدي صلاة الصبح وأنه صنف في إنكار ذلك كتاباً، وقال في توجيه ١٥٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات ذلك: أن النبي وَل﴿ أجل مقاماً من أن يصلي خلف غير نبي، وهذا من أعجب العجب فإن صلاة عيسى خلف المهدي ثابتة في عدة أحاديث صحيحة بأخبار رسول الله وَ له وهو الصادق المصدوق الذي لا يخلف خبره، من ذلك ما رواه أحمد في مسنده: والحاكم في المستدرك وصححه عن عثمان بن أبي العاصي سمعت رسول الله والله يقول: فذكر الحديث - وفيه ـ «فينزل عيسى عند صلاة الفجر فيقول له: أمير الناس تقدم يا روح الله فصلٌ بنا فيقول إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض تقدم أنت فصل بنا فيتقدم فيصلي بهم فإذا انصرف أخذ عيسى حربته نحو الدجال)) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم)) وفي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَليلٍ: (يخرج الدجال)) فذكر الحديث - إلى أن قال: ((فإذا هم بعيسى فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله فيقول: ليتقدم إمامكم)) الحديث، وفي مسند أبي يعلى عن جابر قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم فيقول إمامهم تقدم فيقول أنت أحق بعضكم أمراء على بعض أكرم الله به هذه الأمة)). وروى أبو داود، وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله وَّ فحدثنا عن الدجال - فذكر الحديث - إلى أن قال: ((وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب فيفتح ووراءه الدجال)). وروى مسلم عن جابر عن النبي وَالر قال: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صل بنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمين تكرمة الله هذه الأمة)) وقول هذا المنكر - أن النبي أجل مقاماً من أن يصلي خلف غير نبي - جوابه أن نبينا ◌َ ليل أجل الأنبياء مقاماً وأرفعهم درجة وقد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف مرة، وخلف أبي بكر الصديق أخرى، وقال: ((إنه لم يمت نبي حتى يصلي خلف رجل من أمته)) ثبت ذلك في أحاديث صحيحة فكيف يتجه لهذا المنكر أن يقول هذا الكلام بعد ذلك؟ ولست أعجب من إنكار من لا يعرف إنما أعجب من إقدامه على تسطير ذلك في ورق يخلد بعده ويسطر في صحيفته، ثم رأيت في مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين قال: ((المهدي من هذه الأمة وهو الذي يؤم عيسى ابن مريم عليهما السلام)). ٦٣ - لبس اليلب في الجواب عن إيراد حلب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيمِ وصل كتاب الاعلام إلى حلب فوقف عليه واقف فرأى قولي فيه إن جبريل هو السفير بين الله وبين أنبيائه لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة، فكتب على الهامش بخطه ما نصه بل ١٥٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات قد عرف ذلك لغيره من الملائكة قال الحافظ برهان الدين الحلبي في شرح البخاري: اعلم أن في كيفية نزول الوحي على رسول الله وَّر سبع صور ذكرها السهيلي في روضه - إلى أن قال: سابعها وحي إسرافيل كما ثبت عن الشعبي أن النبي ◌َّ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ويأتيه بالكلمة والشيء ثم وكل به جبريل، قال ابن عبد البر في أول الاستيعاب وساق سنداً إلى الشعبي: قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين - ثم نقل عن شيخه ابن الملقن - أن المشهور أن جبريل ابتدأه بالوحي انتهى ما كتبه المعترض . وأقول: الجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: ما نقله المعترض نفسه في آخر كلامه عن ابن الملقن أن المشهور أن جبريل ابتدأه بالوحي وإنما قال ابن الملقن ذلك لأنه الثابت في أحاديث الصحيحين وغيرهما وأثر الشعبي مرسل أو معضل فكيف يعتمد عليه مع ثبوت خلافه في الصحيحين وغيرهما، والعجب من المعترض كيف اعترض بما لم يثبت مع نقله في آخر كلامه أن المشهور خلاف ما اعترض به . الوجه الثاني: أن المراد بالسفير الذي هو مرصد لذلك وذلك لا يعرف لغير جبريل ولا ينافي ذلك مجيء غيره من الملائكة إلى النبي وَ # في بعض الأحيان كما أن كاتب السر مرصد للتوقيع عن السلطان ولا ينافي ذلك أن يوقع عنه غيره في بعض الأحيان فلا يسلب كاتب السر الاختصاص بهذا الاسم ولا يشاركه فيه من وقع مرة أو مرتين، فكذلك لا يسلب جبريل الاختصاص باسم السفير ولا يشاركه فيه أحد من الملائكة الذين جاؤوا إلى الأنبياء في وقت ما، وكم من ملك غير إسرافيل جاء إلى النبي وقّر في قضايا متعددة كما هو في كثير من الأحاديث، وجاء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام فبشره بالخلة، فعجب من المعترض كيف اقتصر على إسرافيل دون مجيء غيره من الملائكة . الوجه الثالث: إن العبارة التي أوردتها وهو السفير بين الله وبين أنبيائه بصيغة الجمع وإسرافيل لم ينزل إلى أحد غير النبي وط# كما ورد في الحديث، وذكر بعض العلماء في حكمته أنه الموكل بالنفخ في الصور والنبي ◌ّ بعث قرب الساعة وكانت بعثته من أشراطها فبعث إليه إسرافيل بهذه المناسبة ولم يبعث إلى نبي قبله وحينئذ فالمبعوث إلى النبي وَلخير فقط لا يصدق عليه أنه سفير بين الله وبين أنبيائه بصيغة الجمع لأنه لم يكن سفيراً إلا بين الله وبين نبي واحد، والحكم المنفي عن المجموع لا يلزم نفيه عن فرد من أفراد ذلك المجموع فلا يصح النقض به . الوجه الرابع: أنه قد ورد في الحديث ما يوهي أثر الشعبي - وهو ما أخرجه مسلم، والنسائي، والحاكم عن ابن عباس - قال: ((بينما رسول الله وَّر جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً من السماء من فوق فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط قال فأتى النبي وَ ﴿ فسلم عليه فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيتهما)) قال ١٦٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث المعاد جماعة من العلماء: هذا الملك هو إسرافيل. وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: ((سمعت رسول الله ◌ّي يقول ((لقد هبط عليّ ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل فقال أنا رسول ربك إليك أمرني أخبرك إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً فنظرت إلى جبريل فأومأ إليّ أن تواضع فلو أني قلت نبياً ملكاً لسارت الجبال معي ذهباً)) وهاتان القضيتان بعد ابتداء الوحي بسنين كما يعرف من سائر طرق الأحاديث، وهما ظاهران في أن إسرافيل لم ينزل إليه قبل ذلك فكيف يصح قول الشعبي أنه أتاه في ابتداء الوحي؟. الوجه الخامس: أنه قد أقمنا في الاعلام الدليل على ذلك عقبه وهو قول ورقة: جبريل أمين الله بينه وبين رسوله، وقول ابن سابط: فوكل جبريل بالكتب والوحي إلى الأنبياء، وقال عطاء بن السائب: أول ما يحاسب جبريل لأنه كان أمين الله إلى رسله. وميكائيل يتلقى الكتب. وإسرافيل بمنزلة الحاجب. وقوله وَ لجر (فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين)) الحديث وآثار أخر. وقلنا في آخر الكلام فعرف بمجموع هذه الآثار اختصاص جبريل من بين سائر الملائكة بالوحي إلى الأنبياء أفما كان عند المعترض من الفطنة ما يهتدي به لصحة هذا الكلام أخذاً من هذه الأدلة؟ هذا آخر الجواب والله أعلم. مبحث المعاد وهو ثلاثة أقسام: أحوال البرزخ. وأشراط الساعة والبعث أحوال البرزخ ٦٤ - اللمعة فى أجوبة الأسئلة السبعة بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: هل يعلم الأموات بزيارة الأحياء ويما هم فيه؟ وهل يسمع الميت كلام الناس وما يقال فيه؟ وأين مقر الأرواح؟ وهل تجتمع ويرى بعضهم بعضاً؟ وهل يسأل الشهيد والطفل؟ . الجواب: هذه مسائل مهمة قلّ من تكلم عليها بما يشفي، وأنا إن شاء الله تعالى أتتبع الأحاديث والآثار الواردة في ذلك. أما المسألة الأولى فنعم يعلمون بذلك، روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من حديث عائشة قالت: قال رسول الله وَالر: ((ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عليه إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم)) وروى ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله وَليهِ: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) صححه أبو محمد عبد الحق.