النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات مدحهم بل [قال]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ﴾ [البقرة: ٦٢] وقال: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوَّأْ إِن زَعَمْتُمْ﴾ [الجمعة: ٦] وقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [المائدة: ٤٤] وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَوَدَّةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] الآيات، فهذه الآية ذكرت مدحاً لمؤمني النصارى ولم يسمهم مسلمين بل قال: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ [المائدة: ١٤] وقال في غير آية عند مدح المؤمنين منهم ومن اليهود: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] فأكثر ما أطلق عليهم عند المدح وصفهم بأنهم أوتوا الكتاب ومن أهل الكتاب هذا في كتابنا، وأما كتبهم فوصف فيها هذه الأمة بالإسلام كما قال: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ قال سفيان بن عيينة: أي في التوراة، والإنجيل ولم يصفهم فيها بإسلام البتة، أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن خيثمة قال: ما تقرؤون في القرآن يا أيها الذين آمنوا فإنه في التوراة يا أيها المساكين . فصل: رأيت في كلام الإمام أبي عبد الله بن أبي الفضل المرسي ما يشهد لما قدمته فقال في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىَ إِبْرَهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ما نصه: لما قال الفريقان إن إبراهيم على دينهما ردّ عليهما وأخبر أنه على الإسلام قال: فإن قيل: كيف يكون على الإسلام وهو أيضاً نازل بعده؟ قيل: القرآن أخبر بذلك وما أخبرت كتبهم بما ادعوا. فإن قيل: إن أريد بكون إبراهيم مسلماً كونه موافقاً لهم في الأصول فهو أيضاً موافق اليهود والنصارى الذين كانوا على ما جاء به موسى وعيسى في الأصول فإن جميع الأنبياء متوافقون في الأصول، وإن أريد به في الفروع فيكون النبي وَ لّ مقرراً لا شارعاً، وأيضاً فإن التقيد بالقرآن ما جاء موجوداً في زمان إبراهيم فتلاوته مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم . قيل: أريد الفروع ويكون النبي ◌َلّ شارعاً لا مقرراً لأن الله نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى وعيسى ثم نسخ محمد ◌َّ شريعتهم فكان صاحب شريعة لذلك، ثم موافقاً في الأكثر، وإن خالفه في الأقل لم يقدح ذلك في الموافقة، انتهى كلام المرسي وهو سؤال حسن وجواب نفيس . فصل: دليل ثالث وعشرون وهو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ اَلْسِلْمِ كَافَةٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] قال أهل التفسير: نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وبقي على تعظيم بعض شريعته كالسبت وترك لحوم الإبل فأمرهم أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لأنها منسوخة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في التمسك ببعض أحكام التوراة بعد أن عرفتم نسخه وكافة من وصف السلم كأنه قيل ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقاداً وعملاً - هذه عبارة المرسي في تفسير هذه الآية - وقد ١٢٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في مؤمني أهل الكتاب تمسكوا ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئاً، وهذا صريح في أن شريعة التوراة لا تسمى إسلاماً. تنبيه: ذكر السبكي في عبارته لما تكلم على عموم رسالته ◌َّه إلى الجن عدة آيات من القرآن استدل بها على ذلك ثم قال عقب ذلك: واعلم أن المقصود بتكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها ويتطرق إليها الاحتمال فإذا كثرت قد تترقى إلى حد يقطع بإرادتها ظاهراً ونفي الاحتمال والتأويل عنها انتهى، أقول: ولذلك أوردنا هنا ثلاثة وعشرين دليلاً لأن كل دليل منها على انفراده قد يمكن تأويله وتطرق الاحتمال إليه، فلما كثرت هذه الكثرة ترقت إلى حد غلب على الظن إرادة ظاهرها ونفي الاحتمال والتأويل عنها وعبرت بغلبة الظن دون القطع لأجل ما عارضها من الآيات التي استدل بها للقول الآخر، وهذا مقام لا ينظر فيه ويحكم بالترجيح إلا المجتهد والله الموفق. آخر الكتاب: قال مؤلفه شيخنا نفع الله المسلمين ببركته: ألفته في شوال سنة ثمان وثمانین و ثمانمائة . مسألة: يا مفرداً باجتهاد في الأوان ويا بحر الوفا والصفا والعلم والعمل ما حد توحيدنا لله خالقنا سبحانه جل عن أين وعن مثل الجواب: روينا بإسناد صحيح من طريق المزني أن رجلاً سأله عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا بل أنهي عنه كما نهى عنه الشافعي، فلقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال مالك: محال أن نظن بالنبي ◌َّير أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي وَ لّر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد. هذا جواب الإمام مالك رضي الله عنه عن هذا السؤال وبه أجبت. ٥٩ - تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. القول بالحلول والاتحاد الذي هو أخو الحلول أول من قال به النصارى إلا أنهم خصوه بعيسى عليه السلام أو به وبمريم أمه ولم يعدوه إلى أحد، وخصوه باتحاد الكلمة دون الذات بحيث إن علماء المسلمين سلكوا في الرد عليهم طريق إلزامهم بأن يقولوا بمثل ذلك في موسى عليه السلام وفي الذات أيضاً وهم لا يقولون بالأمرين، وإذا سلموا بطلان ذلك لزم إبطال ما قالوه، وأما المتوسمون بسمة الإسلام فلم يبتدع أحد منهم هذه البدعة وحاشاهم من ذلك لأنهم أذكى فطرة وأصح لباً من ١٢٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات أن يمشي عليهم هذا المحال، وإنما مشى ذلك على النصارى لأنهم أبلد الخلق أذهاناً وأعماهم قلوباً، غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وزادوا على النصارى في تعدية ذلك والنصارى قصروه على واحد، فإن صح ذلك عنهم فقد زادوا في الكفر على النصارى، وأحسن ما اعتذر عمن صدرت منه هذه الكلمة الدالة على ذلك وهي قوله أنا الحق بأنه قال ذلك في حال سكر واستغراق غيبوبة عقل، وقد رفع الله التكليف عمن غاب عقله وألغى أقواله فلا تعد مقالته هذه شيئاً ولا يلتفت إليها فضلاً عن أن تعد مذهباً ينقل، وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله، وهذه نبذة من كلام الأئمة في ذلك: قال حجة الإسلام الغزالي في الاحياء في باب السماع: الحالة الرابعة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها، وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهن، وعن مثل هذه الحالة يعبر الصوفية بأنه فنى عن نفسه، ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى، فكأنه فني عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود، وفني أيضاً عن الشهود، فإن القلب أيضاً إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود، فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته، فالسكران لا خبرة له من سكره، والمتلذذ لا خبرة له من التذاذه، إنما خبرته من الملتذ به فقط، ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء، فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضاً عن الشيء، ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوقين، وتطرأ أيضاً في حق خالقية الخالق، ولكنها في الغالب تكون كالبراق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم فإن دام لم تطقه القوى البشرية، فربما يضطرب تحت أعبائه اضطراباً تهلك فيه نفسه فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات، لأن السماع على الأحوال وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها، كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين فيسمع بالله ولله وفي الله ومن الله. وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد لصفاء التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلاً، بل خمدت بالكلية بشريته وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأساً إلى أن قال: ومن هنا نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال أنا الحق، وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلفت فيه عباراتهم وهو غلط محصن هذا كله لفظ الغزالي. وقال أيضاً في باب المحبة: من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله ولا يعرف غيره ويعلم أنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه، ١٢٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ومن هذا حاله، فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء، وأرض، وحيوان، وشجر، بل ينظر فيه من حيث إنه أثره لا من حيث إنه صنع، فلا يكون نظره مجاوزاً له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان، أو خطه، أو تصنيفه، ورأى فيه الشاعر والمصنف، ورأى آثاره من حيث إنه أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف، وكذا العالم صنع الله تعالى فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من حيث إنه فعل الله وأحبه من حيث إنه فعل الله لم يكن ناظراً إلا في الله ولا عارفاً إلا بالله ولا محباً إلا لله، وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبد الله، فهذا هو الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد وإنه فني عن نفسه، وإليه الإشارة بقول من قال : - كنا بنا ففنينا [عنا فبقينا] بلا نحن - فهذه أمور معلومة عند ذوي الأبصار أشكلت لضعف الافهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام، أو لاشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم، ثم قال: وقد تحزب الناس إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر، وإلى غالين مسرفين تجاوزوا إلى الاتحاد وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم: أنا الحق، وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا: هو الإله، وقال آخرون: تدرع الناسوت باللاهوت، وقال آخرون اتحد به، وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الاتحاد والحلول واتضح لهم وجه الصواب فهم الأقلون، انتهى كلام الغزالي وبدأنا بالنقل عنه لأنه فقيه أصولي متكلم صوفي وهو أجل من اعتمد عليه في هذا المقام لاجتماع هذه الفنون فیه . وقال إمام الحرمين في الإرشاد: أصل مذهب النصارى أن الاتحاد لم يقع إلا بالمسيح عليه السلام دون غيره من الأنبياء، واختلفت مذاهبهم فيه، فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح لا يحل العرض محله، وذهبت الروم إلى أن الكلمة مازجت جسد المسيح وخالطته مخالطة الخمر اللبن - وهذا كله خبط . وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك في كتابه المسمى بالنظامي في أصول الدين: قالت النصارى إن عيسى عليه السلام لاهوتي ناسوتي وتكلموا في حلول الكلمة لمريم عليها السلام فمنهم من قال: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة كما يحل الماء في اللبن حلول الممازجة والمخالطة، ومنهم من قال: إنها حلت فيها من غير ممازجة كما أن شخص الإنسان يتبين في المرآة الصقيلة من غير ممازجة بينهما، ومنهم من قال: إن مثل اللاهوت مع الناسوت مثل الخاتم مع الشمع في أنه يؤثر حتى يتبين فيه النقش ثم لا يبقى فيه شيء من الأثر، والأول طريقة اليعقوبية، والثاني طريقة الملكية، والثالث طريق النسطورية، ثم قال: واعلم أنهم قالوا بالاتحاد فقالت طائفة منهم في معنى الاتحاد الكلمة التي هي كن حلت جسد المسيح، وقالت اليعقوبية: إن الاتحاد اختلاط وامتزاج وزعمت أن كلمة الله انقلبت -٠ ١٢٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات لحماً ودماً بالاتحاد، وقالت طائفة منهم: إن الاتحاد هو أنه أودعها بإظهار روح القدس عليه؛ وقد حكينا عمن قال: يجري هذا الاتحاد مجرى وقوع الهيئة في المرآة والنقش من الخاتم في الشمع وما جرى مجراه؛ ويقال لهذه الطائفة منهم أن ظهور هذه الصورة في المرآة والشيء الصقيل ليس اختلاط شيء بشيء ولا انتقال شيء إلى شيء، بل أجرى الله العادة بأن الواحد إذا قابل الشيء الصقيل خلق الله له رؤية يرى بها نفسه، وأما أن يكون في الصقيل على شيء، فلا، أما ترى أنه إن لمس وجهه فوجه نفسه لمس لا وجه ظهر فيه فعلم أنه ليس في المرآة شيء، وهذا القول يوجب عليهم الإقرار بأنه ليس من القديم سبحانه وتعالى في مريم ولا في عيسى شيء ويبطل عليهم القول بأنه لاهوتي وناسوتي، وكذلك القول في الخاتم ونقشه مع الشمع فليس يحصل من الفص في الشمع شيء وإنما يتركب الشمع تركيباً من بعضه في بعض، ثم إن هذا الذي ذكروه كله إنما يجوز بين المتماسين المتجاورين المتلاصقين الجسمين المحدودين الذين يجوز فيهما حلول الحوادث وتغير الأوصاف والله تعالى يتنزه عن ذلك كله، وأما قولهم إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فلا يجوز لأنه لو جاز ذلك لجاز أن ينقلب القديم محدثاً، ولو جاز ذلك لجاز انقلاب المحدث قديماً فيبطل الفصل بينهما، وهذا محال فبطل ما قالوه انتهى. وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب المحصل في أصول الدين: مسألة الباري تعالى لا يتحد بغيره لأنه حال الاتحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد، وإن صارا معدومين فلم يتحدا بل حدث ثالث، وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فلم يتحد لأن المعدوم لا يتحد بالوجود. وقال الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي الكبير في مناظرة ناظرها لبعض النصارى في ذلك [القائل] بالحلول أو الاتحاد: ليس من المسلمين بالشريعة بل في الظاهر والتسمية ولا ينفع التنزيه مع القول بالاتحاد والحلول فإن دعوى التنزيه مع ذلك إلحاد، وكيف يصح توحيد مع اعتقاد أنه سبحانه حل في البشر المأخوذ من مريم، وهنالك حلوله إما حلول عرض في جوهر فيقولون بأنه عرض، أو حلول تداخل الأجسام فهو جسم، وهنالك إن حل كله فقد انحصر في القالب البشري وصار ذا نهاية وبداية أو بعضه فقد انقسم وتبعض وكل هذه الأمور أباطيل وتضاليل. وقال القاضي عياض في الشفا ما معناه: أجمع المسلمون على كفر أصحاب الحلول ومن ادعى حلول الباري سبحانه في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة، والباطنية، والنصارى، والقرامطة، وقال في موضع آخر: ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود أو أجاز عليه الحلول والانتقال والامتزاج من النصارى، ونقله عنه النووي في شرح مسلم. وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ [المائدة: ١٧] هذا قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد، وقال في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اَللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤] أي ألا يتوبون بالانتهاء عن ١٢٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى: ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر، لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسيم على الناس فإنهم لا يفهمون موجوداً في غير جهة، بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل فلا يعفى عنه انتهى. قلت: مقصود الشيخ أنه لا يجري في تكفيرهم الخلاف الذي جرى في المجسمة، بل يقطع بتكفير القائلين بالحلول إجماعاً وإن جرى في المجسمة خلاف، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في أول الحلية: أما بعد فقد استعنت بالله وأجبتك إلى ما ابتغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ المتنطعين والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى من المتسوفين، ومن الكسالى والمتثبطين المشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال، وذلك لما بلغك من بسط لساننا وألسنة أهل الفقه والآثار في كل القطر والأمصار في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، وليس ما حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار. بقادح في منقبة البررة الأخيار وواضع من درجة الصفوة الأبرار. وقال صاحب [كتاب] معيار المريدين: اعلم أن منشأ أغلاط الفرق التي غلطت في الاتحاد والحلول جهلهم بأصول الدين وفروعه وعدم معرفتهم بالعلم، وقد وردت الأحاديث والآثار بالتحذير من عابد جاهل، فمن لا يكون له سابقة علم لم ينتج ولم يصح له سلوك، وقد قال سهل بن عبد الله التستري: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين، فافهم ولا تغلط فإن الدين واضح قال: واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد، فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد والتوحيد معرفة الواحد والأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشاراتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك، والدليل على بطلان اتحاد العبد مع الله تعالى أن الاتحاد بين مربوبين محال، فإن رجلين مثلاً لا يصير أحدهما عين الآخر لتباينهما في ذاتيهما كما هو معلوم، فالتباين بين العبد والرب سبحانه وتعالى أعظم، فإذن أصل الاتحاد باطل محال مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً باجماع الأنبياء والأولياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام اتحد ناسوته بلاهوته، وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم وإثبات الحق سبحانه، قال: وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات وبقاء الموافقات، وفناء حظوظ النفس من ١٢٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء الأوصاف الذميمة وبقاء الأوصاف الحميدة، وفناء الشك وبقاء اليقين، وفناء الغفلة وبقاء الذكر. قال: وأما قول أبي يزيد البسطامي: سبحاني ما أعظم شاني فهو في معرض الحكاية عن الله، وكذلك قول من قال أنا الحق محمول على الحكاية، ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد لأن ذلك غير مظنون بعاقل، فضلاً عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات، ولا يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول والاتحاد كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه السلام، وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك - هذا كله كلام معيار المريدين بلفظه - والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك، فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول وهو كفر، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحاً - اصطلح عليه الصوفية - ولا مشاحة في الاصطلاح إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح لا محذور فيه شرعاً، ولو كان ذلك ممنوعاً لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول بيني وبين صاحبي زيد اتحاد، وكم استعمل المحدثون، والفقهاء، والنحاة، وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية، وفقهية، ونحوية كقول المحدثين: اتحاد مخرج الحديث. وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية وقول النحاة: اتحد العامل لفظاً أو معنى، وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد، وقد أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا فقال من قصيدة له : يظنوا بي حلولاً واتحادا وقلبي من سوى التوحيد خالي فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول، وقال من أبيات آخر: وعلمك أن كل الأمر أمري هو المعنى المسمى باتحاد فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله وترك الإرادة معه والاختيار والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره. وقال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد: حدثني الشيخ كمال الدين المراغي عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أنه قال له مرة الكفار إنما انتشروا في بلادكم لانتشار الفلسفة هناك وقلة اعتنائهم بالشريعة والكتاب والسنة، قال: فقلت له: في بلادكم ما هو شر من هذا وهو قول الاتحادية، فقال: هذا لا يقوله عاقل فإن قول هؤلاء كل أحد يعرف فساده، قال: وحدثني الشيخ كمال الدين المذكور قال: اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي وفاوضته في هؤلاء الاتحادية فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم وقال: أتكون الصنعة هي الصانع؟ انتهى. قلت: ولهذا كانت طريقة الشاذلي هي أحسن طرق التصوف وهي في المتأخرين نظير طريقة الجنيد في المتقدمين، وقد قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في ١٢٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات كتاب جمع الجوامع: وإن طريق [الشيخ] الجنيد وصحبه طريق مقوم، وكان والده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يلازم مجلس الشيخ تاج الدين بن عطاء الله يسمع كلامه ووعظه، ونقل عنه في كتابه المسمى غيرة الإيمان الجلي فائدة حسنة في حديث: ((لا تسبوا أصحابي)) فقال: إنه ذكر أن النبي ولو كانت له تجليات فرأى في بعضها سائر أمته الآتين من بعده فقال مخاطباً لهم: ((لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه)) وارتضى السبكي منه هذا التأويل وقال: إن الشيخ تاج الدين كان متكلم الصوفية في عصره على طريق الشاذلية انتهى. قلت: وهو تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي. والشيخ أبو العباس تلميذ الشاذلي. وقد طالعت كلام هؤلاء السادة الثلاثة فلم أر فيه حرفاً يحتاج إلى تأويل فضلاً عن أن يكون منكراً صريحاً، وما أحسن قول سيدي علي بن وفا: تروم وحقق ذا الرجاء وحصل تمسك بحب الشاذلية تلق ما ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم شموس هدى في أعين المتأمل ثم قال صاحب نهج الرشاد: وما زال عباد الله الصالحون من أهل العلم والإيمان ينكرون حال هؤلاء الاتحادية، وإن كان بعض الناس قد يكون أعلم وأقدر وأحكم من بعض في ذلك، وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: وأما المنتمون إلى الإسلام فمنهم بعض غلاة الشيعة القائلون بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني في الجسماني كجبريل في صورة دحية الكلبي، وكبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسي قالوا: فلا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين وأولى الناس بذلك علي وأولاده تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً قال: ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض معظم لجة الوصول فربما يحل الله فيه؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. كالنار في الجمر بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا اثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول هو أنا وأنا هو. قال: وفساد الرأيين غني عن البيان. قال: وههنا مذهبان آخران يوهمان الحلول أو الاتحاد وليسا منه في شيء، الأول أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله وفي الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته تعالى وصفاته في صفاته وتغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وبعد الكشف عنها بالمقال، ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق، ثم ذكر في المذهب الثاني وهو القول بالوحدة المطلقة [وقال: إنه غير الحلول والاتحاد وأنه أيضاً خارج عن طريق العقل والشرع وأنه باطل وضلال. وقد سقت بقية كلامه فيه في الكتاب الذي ألفته في ذم القول بالوحدة المطلقة] فإنه به أجدر، وذكر السيد الجرجاني في شرح المواقف نحو ذلك قد سقت أيضاً عبارته في الكتاب المشار إليه . ١٢٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات وقال العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه شرح منازل السائرين الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوي، شائماً برق الفنا عن إرادة ما سواه سالكاً سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه، فانياً بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه فضلاً عن إرادة غيره، قد اتخذ مراده بمراد محبوبه أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحداً قال: وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخبر، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحداً مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب، وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم قد فنوا بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه، ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا الله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهراً لله، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل: يعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعاً ولو كان الحبيب المصافيا وحقيقة ذلك فناؤها عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه، والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علماً ومعرفة وعملاً وحالاً وقصداً، وحقيقة هذا النفي والاثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء، ففنى عن تأله ما سواه علماً وافراداً وتعمداً، وبقي تألهه وحده، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفقت عليه المرسلون صلوات الله عليهم وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقامت عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر - إلى أن قال: وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة، والمعصوم من عصمه الله، والله المستعان. وقال في موضع آخر: وإن كان مشمراً للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوي لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة، وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة، قال: فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواحدين انتهى، وقد تكرر كلام ابن القيم في هذا الكتاب في تضليل الاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة وقد سقت منه أشياء في كتابي الذي أشرت إليه فلينظر منه والله أعلم. مسألة: في قول أهل السنة: إن العبد له في فعله نوع اختيار هل هو معارض لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؟. الجواب: لا معارضة فإن الاختيار الذي هو بمعنى القدرة والإرادة والإنشاء والإبداع خاص بالله تعالى لا شريك له. وأما الاختيار الذي أثبته أهل السنة للعبد فالمراد به قصده ١٣٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات ذلك الفعل وميله إليه ورضاه به الذي هو مخلوق لله تعالى أيضاً لا على وجه الإكراه والإلجاء إليه . والحاصل أن الله تعالى خلق للعبد قدرة بها يميل ويفعل، فالخلق من الله والميل والفعل من العبد صادران عن تقدير الله له ذلك فهما أثر الخلق والقدرة، فالاختيار المنسوب للعبد المفسر بما ذكرناه أثر الاختيار المنسوب إلى الله تعالى فافترقا، ولا إنكار في ذلك ولا معارضة فيه للآية وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل القدر، والجبر معاً، قال الأصبهاني في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى مُغْيَنِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] اعلم أن كل فعل صدر من العبد بالاختيار فله اعتباران إن نظرت إلى وجوده وحدوثه وما هو عليه من وجوه التخصيص فانسب ذلك إلى قدرة الله وإرادته لا شريك له، وإن نظرت إلى تميزه عن القسري الضروري فانسبه من هذه الجهة إلى العبد وهي النسبة المعبر عنها شرعاً بالكسب في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] وهي المحققة أيضاً إذا عرضت في ذهنك الحركتين الاضطرارية كالرعشة والاختيارية فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة، فإذا تقرر تعدد الاعتبار فمدهم في الطغيان مخلوق لله تعالى فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعاً منهم على وجه الاختيار المعبر عنه بالكسب إضافه إليهم انتهى، وقال في موضع آخر منه: صفة الإرادة للعبد هي القصد. فهذا تحرير مذهب أهل السنة، وحاصله أن الاختيار المنسوب إلى العبد هو قصده لذلك الفعل وتوجهه إليه برضا منه وإرادة له وكونه لم يفعله بإلجاء ولا إكراه ولا قسر فتأمل ذلك وافهم ترشد . مسألة: هل العقل أفضل من العلم الحادث أم العلم؟ . الجواب: هذه المسألة اختلف فيها العلماء ورجحوا تفضيل العلم، لأن الباري تعالى يوصف بصفة العلم ولا يوصف بصفة العقل، وما ساغ وصفه تعالى به أفضل مما لم يسغ، وإن كان العلم الذي يوصف به تعالى قديماً ووصفنا حادث فإن الباري لا يوصف بصفة العقل أصلاً ولا على جهة القدم، ومن الأدلة على تفضيل العلم أن متعلقه أشرف، وأنه ورد بفضله أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة ولم يرد في فضل العقل(١) حديث وكل ما يروى فيه موضوع كذب، وكان شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يقول: العقل أفضل باعتبار كونه [أقرب إلى الإفضاء إلى معرفة الله وصفاته، والعقل أفضل باعتبار كونه] منبعاً للعلم وأصلاً له، وحاصله أن فضيلة العلم بالذات وفضيلة العقل بالوسيلة للعلم. (١) بل ورد آثار إلا أنها تنهض لأن تكون حجة. ١٣١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات مبحث النبوّات مسألة: كم عدد الأنبياء، والرسل؟. الجواب: روى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة الباهلي: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون، قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون، قال: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر)) رجاله رجال الصحيح، وأخرج ابن حبان في صحيحه، والحاكم عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً، قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير). مسألة : أربى على الأقران والنظراء ما أشهر القولين يا من علمه وحياته يا فائزاً بثناء شيخ الزمان وفائق العلماء بغداد يشهر بين كل ملاء فاعجب لذا يا كامل الآراء وجزيت يوم الحشر خير جزاء في موت مشهور الحياة أي الخضر قولان مشهوران قالهما الرضا بقوام دين الله لقب وهو من وأقام برهاناً على فقدانه لا زلت معدوداً لكل ملمة الجواب: من بعد حمدي دائماً وثنائي للناس خلف شاع في خضر وهل ولكل قول حجة مشهورة والمرتضى قول الحياة فكم له خضر وإلياس بأرض مثل ما هذا جواب ابن السيوطيّ الذي مسألة: يا عالم العصر يا مفتي الأنام أفد کم بين موسى وعيسى من ميّء سلفت أثابك الله جنات النعيم بما ثم الصلاة على أزكى الورى نسباً الجواب : . ثم الصلاة لسيد النجباء أودى قديماً أو حي ببقاء تسمو على الجوزاء في العلياء حجج تجل الدهر عن إحصاء عيسى وإدريس بقوا بسماء يرجو من الرحمن خير جزاء عبيد بابك أنت البدر في الظلم وبين عيسى وخير الخلق والأمم تبديه من رشد للناس أو كرم محمد سيد العربان والعجم ١٣٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات ثم الصلاة على المبعوث للأمم الحمد لله ربي مسبغ النعم ما بين موسى وعيسى صاحب الكلم ألف وتسع ميء مع نيف ضبطوا ما بين موسى وعيسى صاحب الكلم ونحو ست ميء في أرجح ذكروا ونحو ست ميء في أرجح ذكروا ما بين عيسى وخير الخلق ذي الكرم كذا بحمد إله العرش مختتمي والحمد لله في قولي أقدمه ٦٠ - تزيين الأرائك في إرسال النبي ◌َ إلى الملائك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ مسألة: ما تقولون في قول العلماء أنه ويقي لم يبعث إلى الملائكة. وفي قول الحافظ زين الدين العراقي إن السماء ليست محلاً للتكليف وقد أشكل ذلك بأمور، منها قوله وَله: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)) والخلق يعم الإنس، والجن، والملائكة، فإن فسر بالثقلين فقط فما المخصص؟ وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] والعالم يعم الملائكة وقوله: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وقد بلغ الملائكة، وقد ورد إن الملائكة لا يفترون عن عبادة ربهم. وورد صريحاً أنهم يتعبدون بعبادات هذه الأمة كحديث ابن عمر: ((أن أهل السماء لا يسمعون من أهل الأرض إلا الأذان)» وحديث سلمان: ((إذا كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان فإذا أذْن وأقام صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه)) وقد قاتلت الملائكة الكفار، وتحضر صلاة الجمعة وغير ذلك مما يطول أشكل ذلك؟ . الجواب: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. سألت أكرمك الله فأحسنت غاية الإحسان، وأوردت فأتقنت كل الإتقان، وأنا أجيبك عن ذلك بجوابين: أحدهما جدلي، والآخر تحقيقي: أما الجواب الجدلي فقولك: الخلق يعم، والعالمين يعم، ومن بلغ يعم، جوابه أنه من العام المخصوص أو المراد به الخصوص، وقولك: ما هو المخصص؟ جوابه أن مستنده الإجماع الذي ادعاه من ادعى، وقولك: ورد أنهم لا يفترون جوابه منع الملازمة بينه وبين المدعي الذي هو بعثته إليهم لأن عبادتهم تكون بالأخذ عن ربهم أو بإرسال ملك من جنسهم إليهم كجبريل أو إسرافيل أو غيرهما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَّتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمِ مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٩٥] وقولك: ورد صريحاً أنهم يتعبدون بعبادات هذه الأمة ثم أوردت حديث ابن عمر وليس فيه دلالة فضلاً عن صراحة لأن أكثر ما فيه أنهم يسمعون الأذان وليس فيه أنهم يتعبدون به، وحديث سلمان ظاهر فيما ذكرت مع أنه يمكن أن لا يكون ذلك صادراً عن بعثته إليهم كما تقدم، وقولك: وقد قاتلت الملائكة الكفار فيه أيضاً ما تقدم عن عدم الملازمة مع أنها لم تقاتل إلا في بدر ١٣٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات خاصة، وقولك: وتحضر صلاة الجمعة إنما حضرت لكتابة الحاضرين على طبقات مجيئهم وذلك من التكليفات الكونية التي هي وظيفة الملائكة لا الشرعية التي بعثت بها الرسل، هذا آخر الجواب الجدلي. وأما الجواب التحقيقي فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي وَل إلى الملائكة على قولين: أحدهما أنه لم يكن مبعوثاً إليهم وبهذا جزم الحليمي، والبيهقي كلاهما من أئمة أصحابنا. ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه العجائب والغرائب وهو من أئمة الحنفية. ونقل البرهان النسفي، والفخر الرازي في تفسيريهما الإجماع عليه، وجزم به من المتأخرين الحافظ زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح. والشيخ جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع. وتبعتهما في كتابي شرح التقريب في الحديث، وشرح الكوكب الساطع في الأصول، والقول الثاني إنه كان مبعوثاً إليهم وهذا القول رجحته في كتاب الخصائص، وقد رجحه قبلي الشيخ تقي الدين السبكي وزاد أنه ﴿ مرسل إلى جميع الأنبياء والأمم السابقة، وأن قوله: ((بعثت إلى الناس كافة)) شامل لهم من لدن آدم إلى قيام الساعة، ورجحه أيضاً البارزي وزاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات والجمادات، واستدل بشهادة الضب له بالرسالة وشهادة الحجر والشجر له - وأزيد على ذلك أنه مرسل إلى نفسه. ذكر الأدلة التي أخذت منها إرساله إلى الملائكة هي قسمان: ما يدل بطريق العموم، وما يدل بطريق الخصوص. فالذي يدل بطريق [الفرقان: ١ ] العموم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ أَلَّذِى نَزَّلَ الْفُرْفَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا والعالمون شامل للملائكة كما هو شامل للإنس، والجن وقد أجمع المفسرون على أن قوله [الفاتحة: ٢] شامل لهؤلاء الثلاثة فكذلك هذا، تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ والأصل بقاء اللفظ على عمومه حتى يدل الدليل على إخراج شيء منه، ولم يدل هنا دليل على إخراج الملائكة، ولا سبيل إلى وجوده لا من القرآن ولا من الحديث، وقد نوزع من ادعى الإجماع في هذه الدعوى فمن أين تخصيصه بالإنس والجن فقط دون الملائكة؟. [الأنبياء: ١٠٧] فإنه أيضاً شامل وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ للملائكة . وذكر صاحب الشفا أن النبي # قال لجبريل: ((هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عليّ في القرآن بقوله:)) ﴿ذِى قُوَّقِ عِنْدَ ذِى الْعَرَشِ مَكِينٍ (٢)﴾ [التكوير: ٢٠] إلا أن هذا الحديث لم يوقف له على إسناد، وأما ما يدل بالخصوص فقد استنبطت أدلة لم اسبق إليها: الدليل الأول وهو أقواها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ تُكْرَمُونَ (1) [الأنبياء: ٢٦] - يعني الملائكة - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ آرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنبياء: ٢٧، ٢٨] ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. ١٣٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ قال : - يعني من الملائكة - وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ﴾ قال: من الملائكة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ﴾ فهذه الآية إنذار للملائكة على لسان النبي ◌َّر في القرآن الذي أنزل عليه وقد قال تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩] فثبت بذلك إرساله إليهم، ولم أقف إلى الآن على انذار وقع في القرآن للملائكة سوى هذه الآية، والحكمة في ذلك واضحة لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه، ولما وقع من إبليس وكان منهم أو فيهم نظير هذه المعصية أنذروا فيها. نعم وقع في القرآن آية أخرى بسببهم لكنها من باب الإخبار لا الإنذار المحض وهي قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ [القصص: ٨٨] أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ (®َ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالت الملائكة: هلك كل نفس، فلما نزلت: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ قالت الملائكة: هلك أهل السماء وأهل الأرض. الدليل الثاني: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد، هذا يدل على أن الملائكة في السماء تصلي بصلاة أهل الأرض. ويرشحه ما أخرجه مالك، والشافعي، وأحمد، والأئمة الستة عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّ قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)). وأخرج أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الذين خلفه آمين التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه)). وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة: ((أن النبي ◌َّر خرج على أصحابه فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون في الصفوف)) وأخرج سعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَلقر: ((الصف الأول على مثل الملائكة)) . الدليل الثالث: ما أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب العظمة من طريق الليث قال: حدثني خالد عن سعيد قال: بلغنا أن إسرافيل مؤذن أهل السماء يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرضين إلا الجن والإنس ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة يصلي بهم، قال: وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور، هذا يدل على أن الملائكة يؤذنون أذاننا ويصلون صلاتنا . الدليل الرابع: ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه دخل المسجد لصلاة ١٣٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات الفجر فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة فقال: هكذا عن وجوه الملائكة ثم قال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها فإن هذه الركعتين صلاة الملائكة. وأخرج أيضاً عن إبراهيم النخعي قال: كان يكرهون التساند إلى القبلة بعد ركعتي الفجر. وأخرج أحمد في مسنده عن حابس بن سعد - وكانت له صحبة - أنه دخل المسجد في السحر فرأى الناس يصلون في صفة المسجد فقال: إن الملائكة تصلي في السحر في مقدم المسجد، دلت هذه الآثار على أن الملائكة تصلي في جماعتنا صلاة الفجر وتحضرها في مساجدنا، ويرشحه ما أخرجه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)) يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي وَّ في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه كان يحدث أن صلاة الفجر عندها يجتمع الحرسان من ملائكة الله ويقرأ هذه الآية. وأخرج عن قتادة قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ قال: ﴿صَلَوَةِ الْفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] وفي قوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ يقول: ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون تلك الصلاة. وأخرج عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَحْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: كانوا يقولون تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر فيشهدونها جميعاً ثم يصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء . الدليل الخامس: ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن سلمان الفارسي موقوفاً، والبيهقي من وجه آخر عن سلمان مرفوعاً قال: ((إذا كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان فإن أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه)). وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: ((إذا أقام الرجل الصلاة وهو في فلان من الأرض صلى خلفه ملكان فإن أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال)). وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول قال: من أقام الصلاة صلى معه ملكان فإن أذن وأقام صلى خلفه سبعون ملكاً. دلت هذه الآثار على أن الملائكة يصلون خلفنا صلاتنا وذلك دليل على أنهم مكلفون بشرعنا، ويرشح ذلك فرعان نص عليهما أصحابنا: الأول ما ذكره السبكي في الحلبيات أن الجماعة تحصل بالملائكة كما تحصل بالآدميين قال: وبعد أن قلت ذلك بحثاً رأيته منقولاً، ففي فتاوى الحناطي من أصحابنا من صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة وكان منفرداً ثم حلف أنه صلى بالجماعة هل يحنث أو لا؟ فأجاب بأنه يكون باراً في يمينه ولا كفارة عليه لما روي أن النبي ◌َّير قال: ((من أذن وأقام في فضاء من الأرض وصلى وحده صلت الملائكة خلفه صفوفاً)) فإذا حلف على هذا المعنى لا يحنث، قال السبكي: وينبني على ذلك أن من ترك الجماعة لغير عذر وقلنا بأنها فرض عين هل نقول يجب القضاء كمن صلى ١٣٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات فاقد الطهورين؟ فإن كان كذلك فصلاة الملائكة إن قلنا بأنها كصلاة الآدميين وأنها تصير بها جماعة فقد يقال إنها تكفي لسقوط القضاء، الفرع الثاني، قول الأصحاب أنه يستحب للمصلي إذا سلم أن ينوي السلام على من على يمينه ويساره من ملائكة، وإنس، وجن. الدليل السادس: ما أخرجه البزار عن علي قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بداية يقال لها البراق فذكر الحديث إلى أن قال: خرج ملك من الحجاب فقال الملك: الله أكبر الله أكبر - إلى أن قال: فقال أشهد أن محمداً رسول الله - إلى أن قال: ثم أخذ الملك بيد محمد # فقدمه فأم أهل السماء فيومئذ أكمل الله لمحمد بلور الشرف على أهل السموات والأرض. وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن محمد ابن الحنفية مثله وفيه فقال الملك: حي على الصلاة فقال الله: صدق عبدي دعا إلى فريضتي - إلى أن قال : - ثم قيل لرسول الله الهرم تقدم فتقدم فأم أهل السماء فتم له شرفه على سائر الخلق. في هذا دلالة على إرساله إلى الملائكة من أربعة أوجه: الأول: شهادة الملك بالرسالة مطلقاً حيث قال: أشهد أن محمداً رسول الله. الثاني: قول الله في دعاء الملك إلى الصلاة دعا إلى فريضتي فإن ذلك يدل على أنها فرضت على أهل السماء كما فرضت على أهل الأرض. الثالث: إمامته لأهل السموات وصلاة الملائكة بأسرهم خلفه وذلك دليل على اتباعهم له وكونهم من جملة أتباعه. الرابع قوله: فيومئذ أكمل الله لمحمد الشرف على أهل السموات وإكمال الشرف له ببعثه إليهم وكونهم أتباعاً له، وكأنه في هذا الوقت أرسل إليهم ولم يكن أرسل إليهم قبل ذلك. ويرشح ذلك أمر خامس وهو القرآن بين أهل السماء وأهل الأرض في الذكر، فكما كان شرفه على أهل الأرض بإرساله إليهم أجمعين فكذلك شرفه على أهل السموات بإرساله إليهم أجمعين. وكذا قوله في الرواية الأخرى فتم له شرفه على سائر الخلق - وسائر - في اللغة بمعنى الباقي فكأن معنى الحديث أنه كان له شرف على الثقلين بإرساله إليهم ولم يكن أرسل إلى الملائكة فلما أرسل إليهم تم له الشرف على من بقي من الخلق وهم الملائكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله وَير: ((لما أسري بي إلى السماء أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بالملائكة)). الدليل السابع: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((نزل آدم بالهند واستوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمداً رسول الله مرتين)) فهذه شهادة من جبريل برسالة محمد مرّلر وعلمها لآدم فدل ذلك على أنه وَلّ رسول إلى الأنبياء والملائكة معاً. الدليل الثامن: ما ورد من حديث عمر بن الخطاب، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهم أن النبي وَلّ أخبر أنه مكتوب على العرش وعلى كل سماء وعلى باب الجنة وعلى أوراق شجر الجنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله مَلآ فما كتب ذلك في الملكوت إلا على دون أسماء سائر الأنبياء إلا لتشهد به الملائكة وكونه ١٣٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات مرسلاً إليهم. وقد أخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار أن آدم أوصى ابنه شيت فقال: كلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم إني طرفت فلم أر في السماء موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه، ولم أر في الجنة قصراً ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوباً عليه، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها، فهذا يدل على أنه نبي الملائكة حيث لم تغفل عن ذكره، واستفدنا من هذا الأثر فائدة لطيفة وهو أنه خير أرسل إلى الحور العين والولدان، ووضح بذلك أنه لم يدخل الجنة أحد ولم يستقر بها ممن خلق فيها إلا من آمن به وَّلر، ولعل من جملة فوائد الإسراء ودخوله إلى الجنة تبليغ جميع من في السموات من الملائكة ومن في الجنان من الحور والولدان ومن في البرزخ من الأنبياء رسالته ليؤمنوا به ويصدقوه مشافهة في زمنه بعد أن كانوا مؤمنين به قبل وجوده . الدليل التاسع: قد صرح السبكي في تأليف له بأنه ويد ير أرسل إلى جميع الأنبياء آدم فمن بعده وأنه وير نبي عليهم ورسوله إلى جميعهم واستدل على ذلك بقوله وَالقر: ((كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)) وقوله وَّير: ((بعث إلى الناس كافة))، قال: ولهذا أخذ الله المواثيق له على الأنبياء كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ ◌َجَآءَحِكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ (4﴾ [آل عمران: ٨١] قلت: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لم يبعث نبي قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه ليؤمنن بمحمد. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يزل الله يتقدم في النبي ◌َير إلى آدم فمن بعده ولم تزل الأمم تتباشر به وتستفتح به . وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، قال السبكي: عرفنا بالخبر الصحيح حصول الكمال من قبل خلق آدم لنبينا وَله من ربه سبحانه وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت ثم أخذ له المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم أنه نبيهم ورسولهم وفي أخذ المواثيق وهي في معنى الاستخلاف ولذلك دخلت لام القسم في لتؤمنن به ولتنصرنه. لطيفة أخرى: وهي كأنها إيمان البيعة التي تؤخذ للخلفاء ولعل إيمان الخلفاء أخذت من هنا فانظر هذا التعظيم العظيم للنبي وَّ من ربه، فإذا عرفت ذلك فالنبي وَّر هو نبي الأنبياء ولهذا ظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم فنبوته عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه فتأخر ذلك لأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم ١٣٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات اتصافه بما يقتضيه، وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل وتوقفه على أهلية الفاعل، فههنا لا توقف من جهة الفاعل ولا من جهة ذات النبي ◌َّ الشريفة وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك. ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته ويتعلق به ما فيها من أمر ونهي كما يتعلق بسائر الأمة وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء، وكذلك لو بعث النبي وَّر في زمانه أو في زمان موسى، وإبراهيم، ونوح، وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم والنبي ◌َّر نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم ومتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع إما على سبيل التخصيص وإما على سبيل النسخ أو لا نسخ ولا تخصيص، بل تكون شريعة النبي ◌َّ في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة، والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، انتهى كلام السبكي قلت: ويدل لكونه مرسلاً إلى الأنبياء ما ورد من حديث عبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله مرفوعاً ((كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله)) فهذا فيه إشارة إلى أنهم من أتباعه، وهذا التقرير الذي قرره السبكي قد أشار إليه الشرف البوصيري وقد مات قبل مولد السبكي بقوله في البردة: فإنما اتصلت من نوره بهم وكل آي أتى الرسل الكرام بها يظهرون أنوارها للناس في الظلم فإنه شمس فضل هم كواكبها إذا تقرر أنه وسر كان نبي الأنبياء ورسولاً إليهم وقد قامت الأدلة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة لزم أن يكون مرسلاً إلى الملائكة وأن يكونوا من جملة أتباعه بطريق الأولى. الدليل العاشر: أنه وَلقر أعطى من الملائكة أموراً لم يعطها أحد من الأنبياء، منها قتالهم معه، ومنها مشيهم خلف ظهره إذا مشى، وذلك يدل على أنهم من جملة أتباعه وداخلون في شرعه، ومن كلام الرافعي في خطبة المحرر: واخدمته الملائك، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] هذه للنبي وَ لقر خاصة - والمعقبات - الملائكة يحفظون محمداً وَ ل و - أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، ومنها ما ورد في الحديث: («أن الله أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر» والوزير من أتباع الملك ضرورة فجبريل وميكائيل رؤوس أهل ملته من الملائكة، كما أن أبا بكر وعمر رؤوس أهل ملته من بني آدم، ومنها أنه لما مات وَّ صلى عليه الملائكة بأسرهم لم يتخلف منهم أحد ولم يقع ذلك لغيره من الأنبياء؛ ومنها أن الملائكة يسألون الموتى في قبورهم عنه وَّ ر ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء سواه. ومنها أن الملائكة تحضر أمته إذا قاتلت العدو في سبيل الله لنصرة دينه وهذه خصيصة مستمرة إلى يوم القيامة، ومنها أن جبريل عليه السلام يحضر من مات من أمته ليطرد عنه الشيطان في ١٣٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبوات تلك الحالة، ومنها أن الملائكة تنزل في كل سنة ليلة القدر على أمته وتسلم عليهم، ومنها أنها أعطيت قراءة سورة الفاتحة من كتابه ولم تعط قراءة شيء من سائر الكتب وهي حريصة على سماع بقية القرآن من الإنس دون سائر الكتب، ومنها أنه نزل إليه # في حياته من الملائكة ما لم ينزل إلى الأرض منذ خلق كإسرافيل، ومنها أن ملك الموت استأذن عليه ولم يستأذن على نبي قبله، ومنها أنه وكل بقبره الشريف ملك يبلغه سلام من يصلي عليه، ومنها أنه ينزل على قبره الشريف كل يوم سبعون ألف ملك يضربونه بأجنحتهم ويحفون به ويستغفرون له ويصلون عليه كل يوم إلى أن يمسوا فإذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك كذلك حتى يصبحوا إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة خرج وَّر في سبعين" ألف ملك - أخرجه ابن المبارك في الزهد عن كعب الأحبار. خاتمة: في كشف الأسرار لابن العماد حكاية أن آدم عليه السلام أرسل إلى الملائكة لينبئهم بما علم من الأسماء فإن صح ذلك كان أحد الأدلة على إرساله وَلّ إليهم لأنه ما أوتي نبي فضيلة إلا أوتي نبينا وَلّ مثلها أو نظيرها. وهذه القاعدة كالمجمع عليها، وممن نص عليها الإمام الشافعي رضي الله عنه، والحمد لله وحده. ٦١ - إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع السؤال - قد اشتهر أن النبي اَلر حي في قبره وورد أنه بَّر قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام) فظاهره مفارقة الروح [له] في بعض الأوقات فكيف الجمع؟ وهو سؤال حسن يحتاج إلى النظر والتأمل . فأقول حياة النبي وَ لّ في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علماً قطعياً لما قام عندنا من الأدلة في ذلك وتواترت [به] الأخبار، وقد ألف البيهقي جزءاً في حياة الأنبياء في قبورهم، فمن الأخبار الدالة على ذلك ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي ◌َّ# ليلة أسري به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس أن النبي ◌َ لو مر بقبر بموسى عليه السلام وهو يصلي فيه، وأخرج أبو يعلى في مسنده، والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أن النبي ◌َلّ قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن يوسف بن عطية قال سمعت ثابتاً البناني يقول لحميد الطويل: هل بلغك أن أحداً يصلي في قبره إلا الأنبياء؟ قال: لا، وأخرج أبو داود، والبيهقي عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي وَلي أنه قال: ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي الصلاة فيه فإن صلاتكم تعرض علي، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ - يعني بليت - فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء)) ١٤٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث النبؤات وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّير: ((من صلى عليّ عند قبري سمعته ومن صلى عليّ نائياً بلغته)). وأخرج البخاري في تاريخه عن عمار سمعت النبي ◌َّير يقول: ((إن الله تعالى ملكاً أعطاه اسماع الخلائق قائم على قبري فما من أحد يصلي علي صلاة إلا بلغتها)). وأخرج البيهقي في حياة الأنبياء، والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله وَّر: ((من صلى علي مائة في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ثم وكل الله بذلك ملكاً يدخله علي في قبري كما يدخل عليكم الهدايا إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة)) ولفظ البيهقي: ((يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه فأثبته عندي في صحيفة بيضاء)) وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي وَّ قال: ((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور)). وروى سفيان الثوري في الجامع قال: قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين حتى يرفع. قال: البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله، ثم قال البيهقي: ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد فذكر قصة الإسراء في لقيه جماعة من الأنبياء وكلمهم وكلموه. وأخرج حديث أبي هريرة في الإسراء وفيه وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم. وأخرج حديث أن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، وقال: هذا إنما يصح على أن الله رد على الأنبياء أرواحهم وهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتاً في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار انتهى. وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة سمعت رسول الله وسلم يقول: ((والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجيبنه)). وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سعيد بن المسيب قال: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله ◌َ﴿ل غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر. وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن سعد بن المسيب قال: لم أزل أسمع الأذان والإقامة في قبر رسول الله 18 أيام الحرة حتى عاد الناس، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرة والناس يقتتلون قال: فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذاناً يخرج من قبل القبر الشريف، وأخرج الدارمي في مسنده قال: أنبأنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ◌َّله ثلاثاً ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي لير معناه. فهذه الأخبار دالة على حياة النبي ◌َّالقر وسائر الأنبياء وقد قال تعالى في الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأُ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ