النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ الفتاوى الحديثية / إتحاف الفرقة برفو الخرقة ربك؟ قال: بلى قال المسلمون: يا رسول الله ولنا في فرطنا مثل ما لعثمان؟ قال: نعم لمن صبر واحتسب)). مسألة: فيما هو جار على ألسنة العامة وفي المدائح النبوية أن النبي ◌َّ لان له الصخر وأثرت قدمه فيه، وأنه كان إذا مشى على التراب لا تؤثر قدمه فيه هل له أصل في كتب الحديث أو لا؟ وهل إذا ورد فيه شيء من خرجه؟ وصحيح هو أو ضعيف؟ وهل ما ذكره الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في معراجه الذي ألفه مسجعاً ولفظه: ثم توجه نحو صخرة بيت المقدس وعماها. فصعد من جهة الشرق أعلاها. فاضطربت تحت قدم نبينا ولانت. فأمسكتها الملائكة لما تحركت ومالت؟ ألهذا أيضاً أصل في كتب الحديث صحيح أو ضعيف أو لا؟ وهل هذا الأثر الموجود الآن بصخرة بيت المقدس المعروف هناك بقدم النبي ◌َّ صحيح أو لا؟ وهل ورد في كتب الحديث أن سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أثرت قدماه في الحجر الذي كان يبني عليه البيت الذي هو الآن بالمسجد الحرام بالمكان المعروف بمقام إبراهيم هل هو صحيح أو ضعيف أو ليس له أصل؟ وهل ما قاله بعضهم أنه لم يعط نبي معجزة إلا حصل لنبينا وَلقر مثلها أو لأحد من أمته صحيح ذلك أو لا؟ ومن هو قائل ذلك؟ وهل صح أن النبي وّر لما جاء إلى بيت أبي بكر الصديق بمكة ووقف ينتظره ألزق منكبه ومرفقه بالحائط فغاص المرفق في الحجر وأثر فيه وبه سمي الزقاق بمكة زقاق المرفق أوليس لذلك أصل؟ وهل ما ذكره الثعلبي، والطرطوشي في تفسيريهما أن النبي ◌َّ لما حفر الخندق وظهرت الصخرة وعجزت الصحابة عن كسرها نزل 4َ 9 إلى الخندق وضربها ثلاث ضربات وأنها لانت له وتفتت صحيح ذلك أو ضعيف أوليس له أصل معتمد؟ وهل إذا ثبت أن الصخر لان له بَّله وأثرت قدمه فيه يكون ذلك معجزة له وَ ل أو لا؟ . الجواب: أما حديث الصخرة التي ظهرت في الخندق وعجز الصحابة عن كسرها وضربها ثلاث ضربات فكسرها فإنه صحيح ورد من طرق بألفاظ متعددة فأخرجه البيهقي، وأبو نعيم معاً في دلائل النبوة من حديث عمرو بن عوف المزني، ومن حديث سلمان الفارسي، ومن حديث البراء بن عازب وأصله في الصحيح من حديث جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا إلى النبي و 18 فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فأخذ المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل، وأما قوله: هل ورد في كتب الحديث أن سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أثرت قدماه في الحجر الذي كان يبني عليه البيت وهو المقام فنعم. وورد ذلك - أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة - من طريق أبي سعيد الخدري عن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما موقوفاً عليه بسند صحيح، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن قتادة، وأخرجه أيضاً عن عكرمة، وبقية ما ذكر في الأسئلة لم أقف له على أصل ولا سند ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث: شرط البخاري الإمام ومسلم فيما حكاه جماعة متوافره ١٠٢ الفتاوى الحديثية / إتحاف الفرقة برفو الخرقة اثنان من أصحابه المتكاثرة تخريج ما يرويه عن خير الورى وعليه أورد إنما الأعمال من فأجابه القاضي أبو بكر هو العـ إن رواة أبي سعيد فانتفى الإ وسواه زاد أبا هريرة فيه مع وجماعة قالوا بأبلغ منه أن فعن ابن منده قد رواه ثمان عشـ يا من يروم الخوض في ذا الفن لا لا يصلح الإقدام فيما رمته في الحفظ رتبته لديهم قاصره ـربي في شرح البخاري ناصره يراد وارتفعت حلاه الفاخره أنس فصارت أربعاً متظافره يدرجنه في زمرة المتواتره ـرة من صحاب كالنجوم الزاهرة تقدم عليه بهمة متقاصره حتى تلجج في البحار الزاخره مسألة: ذكر ذاكر أن أكثر قراءة النبي ◌ّ في الصلاة كانت بقراءة نافع وهذا شيء لا أصل له البتة بل كان يقرأ بجميع الأحرف المنزلة عليه، وكيف ينسب إلى النبي ◌َّر أمر لم يروه عنه أحد من الصحابة، ولا خرجه أحد من أئمة الحديث في كتبهم لا بإسناد صحيح ولا بإسناد غير صحيح، ثم إن هذا أمر لا يعرف لا من جهة الصحابة الذين سمعوا قراءته والذي روى عنهم أنهم قالوا قرأ بسورة كذا [أو بسورة كذا] ولم يقولوا في روايتهم قرأ السورة الفلانية بلفظ كذا ولفظ كذا حتى تطابق تلك الألفاظ فتوجد موافقة لقراءة نافع، ولو ثبت هذا الكلام عند الإمام مالك رضي الله عنه لكان أول قائل بقراءة البسملة في الصلاة لأن البسملة ثابتة في قراءة قالون عن نافع، ولم يثبت عند مالك أنه وير قرأ البسملة في الصلاة، فهذا يدل على أنه لم يثبت عنده أنه كان أكثر قراءته بقراءة نافع، وما كل حديث وجد مقطوعاً بغير سند في كتاب يجوز الاعتماد عليه حتى يثبت تخريجه في كتاب حافظ بسند متصل صحيح، وكم في الكتب من أحاديث لا أصل لها ثم تبين أن هذا النقل لا وجود له، وأن الذي نقله القرافي في الذخيرة أنه تستحب القراءة بتسهيل الهمزة لأن ذلك لغة النبي ◌َّر، وهذا كلام في غاية الحسن لا غبار عليه لأن العلماء أجمعوا على أن لغة النبي 18َّ لغة قريش ولغة قريش عدم تحقيق الهمز فيكون ذلك لغة النبي وَّر صحيح، ولكن ليس فيه أن النبي ◌َّيو كان أكثر قراءته في الصلاة بقراءة نافع ولا روى هذا أحد من الصحابة البتة ولا خرجه أحد من أئمة الحديث، بل ولا في هذا دلالة على أنه كان أكثر قراءته بتسهيل، أكثر ما فيه أنه دل على أن ذلك لغته من غير قدر زائد على ذلك، وقد كان ◌َلـ يقرأ بجميع ما أنزل عليه بتسهيل الهمز الذي هو لغته، وبتحقيق الهمز الذي هو لغة غير قريش، وبترك الإمالة الذي هو لغة الحجاز، وبالإمالة التي هي لغة تميم، وذكر الأكثرية تحتاج إلى نص من الصحابة مخرج في كتاب معتبر بإسناد متصل صحيح ولا وجود لذلك البتة، وذكر أن القراءة بالترقيق في الصلاة مكروهة لأنها تذهب الخشوع وليس كذلك، لأن المكروه ما ورد فيه نهي خاص ولم يرد عن النبي ◌َّ في ذلك نهي. وقوله: إنها تذهب ١٠٣ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول اص لي الخشوع ممنوع لأنه إن كان ذلك من جهة الفكر في أداء تلك الهيئة فجميع هيئات الأداء كذلك، والفكر في أداء ألفاظ القرآن على الهيئة التي أنزل عليها لا ينافي الخشوع لأنه من أمور العبادة والدين، وإنما ينافي الخشوع الفكر في الأمور الدنيوية لا الدينية ولا الأخروية - نصوا عليه - ثم إن المكروه عند الأصوليين من قسم القبيح كما أن المندوب عندهم من قسم الحسن ولا يوصف شيء من القرآن بالقبح فإن قال قائل: قد ذهب جماعة إلى أن بعض القرآن أفضل من بعض. قلنا: مع اتفاقهم على أن الكل يقرأ ولا يقول أحد بأن غير الأفضل تكره قراءته هذا لا يتوهمه أحد، ثم إن قراءة القرآن بالأحرف الثابتة في السبعة فرض كفاية بالإجماع فكيف يتخيل أن يوصف ما هو فرض كفاية بأنه مكروه ثم تبين أن هذا النقل لا وجود له وأن الذي نقله القرافي في الذخيرة وكره مالك الترقيق، والتفخيم، والروم، والاشمام في الصلاة لأنها تشغل عن أحكام الصلاة، وليس المراد بهذه الكراهة التي هي أحد أقسام الأحكام الخمسة التي يصفها الأصوليون بأنها داخلة في قسم القبيح كالحرام، بل الكراهة في كلام الأئمة المجتهدين كمالك، والشافعي لها إطلاقان: أحدهما هذا ويعبر عنها بالكراهة الشرعية. والآخر بمعنى أن المجتهد أحب واختار أن لا يفعل ذلك من غير إدخاله في قسم المكروه الذي هو من نوع القبيح، ويعبر عن هذه بالكراهة الإرشادية وهذه الكراهة لا ثواب في تركها ولا قبح في فعلها، وقد ذكر أصحابنا ذلك في قول الشافعي: وأنا أكره المشمس من جهة الطب، فاختلفوا هل هذه الكراهة شرعية يثاب فيها أو إرشادية لا ثواب فيها؟ على وجهين. وقال الشافعي: وأنا أكره الإمامة لأنها ولاية وأنا أكره سائر الولايات، فليس مراد الشافعي بذلك الكراهة التي هي أحد أقسام الحكم الخمسة الداخلة في قسم القبيح، كيف والإمامة فرض كفاية لأن بها تنعقد الجماعة التي هي فرض كفاية، والرافعي يقول إنها أفضل من الأذان وفي كل منهما فضل وذلك مناف للكراهة قطعاً، وإنما مراد الشافعي أنه لا يحب الدخول فيها ولا يختاره للمعنى الذي ذكره فهي كراهة إرشادية لا شرعية، فلو فعلها لم يوصف فعله بقبح بل هو آت بعبادة فيها فضل إجماعاً، أما فضل يزيد على فضل الأذان كما هو رأي الرافعي، أو ينقص عنه كما هو رأي النووي، ولو كانت الإمامة مكروهة كراهة شرعية لم يكن فيها فضل البتة لأن الكراهة والثواب لا يجتمعان وكذلك قول القرافي، وكره مالك ما ذكر معناه أنه أحب واختار أن لا يفعل ذلك للمعنى الذي ذكره فهو أمر إرشادي، وليس مراده الكراهة التي يدخل متعلقها في قسم القبيح معاذ الله هذا لا يظن بمن هو دون مالك بكثير فضلاً عن هذا الإمام الجليل إمام دار الهجرة وإمام أهل المشرق والمغرب رضي الله عنه وعنا به. ٥٧ - بلوغ المأمول في خدمة الرسول ولايقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى]. ١٠٤ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول والقر مسألة: حديث: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) ورد من حديث ابن عباس، وأبي هريره. وجابر. فأما حديث ابن عباس فأخرجه عبد الرزاق في المصنف وأحمد في مسنده، وابن جرير في تهذيب الآثار، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وأبو يعلى، والعدني في مسنديهما، وعبد بن حميد، وابن الجارود في المنتقى والدارقطني في سننه، والطبراني، والحاكم في المستدرك وصححه، والبيهقي في سننه، والضياء المقدسي في المختارة - وقد صححه جمع من الأئمة الحفاظ - الحاكم كما ذكرناه، وابن الجارود، وحيث أخرجه في المنتقى فإنه التزم فيه الصحيح، والضياء حيث أخرجه في المختارة فإنه التزم فيها الصحيح الزائد على الصحيحين وقالوا: إن صحيحها أقوى من صحيح المستدرك، وصححه أيضاً ابن الطلاع في أحكامه نقله عنه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي؛ ولما حكى الحافظ أبو الفضل العراقي في شرح الترمذي أن الحاكم صححه أقره وأورد له عدة طرق تقويه لإسناده. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه، والبزار، وابن جرير، والحاكم، وصححه أيضاً ابن الطلاع، لكن تعقب الحافظ ابن حجر تصحيح ابن الطلاع له فقال: حديث أبي هريرة لم يصح. قلت: لكن صحح حديث أبي هريرة، وابن عباس معاً ابن جرير في تهذيب الآثار ولعله الذي حمل الحاكم على تصحيح حديث أبي هريرة، وإنما ثبت حديث ابن عباس، وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم لحديث أبي هريرة فقال: في سنده عاصم بن عمر العمري - وهو ضعيف - واعتذر عنه الحافظ العراقي بأنه إنما أخرجه شاهداً لحديث ابن عباس. وأما حديث جابر فأشار إليه الترمذي حيث قال عقب حديث ابن عباس: وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وقال العراقي في شرحه: رواه ابن حزم من طريق محمد بن القاسم عن يحيى بن أيوب عن عباد بن كثير عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أن رسول الله وَير قال: ((من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه)) ورواه ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن رجل عن ابن عقيل انتهى، وقد أخرج حديث جابر الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن جرير في تهذيب الآثار من طريق عباد بن كثير عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر سمعت رسول الله وَّه يقول على المنبر: ((من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه)). وقد رأيت له طريقاً آخر من حديث علي وقد فات الحافظين: العراقي، وابن حجر، قال ابن جرير في تهذيب الآثار: حدثني محمد بن معمر البحراني ثنا يحيى بن عبد الله بن بكر ثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله وَله : ((يرجم من عمل عمل قوم لوط أحصن أو لم يحصن)). تنبيه: إنما احتاج الحاكم في تصحيح هذا الحديث إلى شاهد لأن راويه عن عكرمة عن ابن عباس عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب - وعمرو وثقه الجمهور - منهم مالك، والبخاري، ومسلم وأخرجا حديثه في الصحيحين في الأصول، وضعفه أبو داود، والنسائي ولأجل ذلك أنكر النسائي حديثه هذا، وقال يحيى: كان يستضعف. قال الذهبي في الميزان ١٠٥ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول وَطيه بعد حكاية هذا: ما هو بمستضعف ولا بضعيف، نعم ولا هو في الثقة کالزهري وذويه، قال: وروى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين قال: عمرو بن أبي عمرو ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال: ((اقتلوا الفاعل والمفعول به)) قال الذهبي عقب ذلك: حديثه صالح حسن منحط عن الدرجة العليا من الصحيح انتهى، والمقرر في علوم الحديث أن من يكون بهذه الصفة إذا وجد له متابع أو شاهد حكم لحديثه بالصحة فلهذا احتاج الحاكم إلى تخريج حديث أبي هريرة ليكون شاهداً لحديث ابن عباس، وإن كان حديث أبي هريرة ليس على شرط الصحيح إلا أنه أورد شاهداً لا أصلاً ليتم له تصحيح حديث ابن عباس، وقد أورد الحافظ أبو الفضل العراقي عدة طرق لحديث ابن عباس تقوية لتصحيح الحاكم له فقال: قد ورد أيضاً من راويه داود بن الحصين، وعباد بن منصور، وحسين بن عبد الله عن عكرمة فهؤلاء ثلاثة متابعين لعمرو بن أبي عمرو، فراوية داود أخرجها أحمد في مسنده باللفظ السابق. وأخرجها ابن جرير، والبيهقي في سننه بلفظ: ((من وقع على الرجل فاقتلوه)) ورواية عباد أخرجها البيهقي بلفظ في الذي يعمل عمل قوم لوط وفي الذي يؤتى في نفسه قال: يقتل. وأخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار بلفظ أن النبي ◌َّ قال: ((اقتلوا الفاعل والمفعول به في اللوطية)) ورواية حسين أخرجها الطبراني في الكبير باللفظ السابق، وأورد العراقي أيضاً لحديث أبي هريرة طريقين آخرين: أحدهما في المستدرك، ومعجم الطبراني الأوسط. والثاني في المعجم الأوسط ولفظهما مخالف للفظ السابق، ثم أورد حديث جابر كما تقدم ثم قال: وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند البيهقي، وعن [أبي] أيوب عند الطبراني في الكبير، هذا جميع ما أورده العراقي من الشواهد لتصحيح حديث ابن عباس. قلت: وقد وجدت شاهداً آخر على زيادة على ذلك قال أبو نعيم في الحلية: ثنا أبو محمد طلحة، وأبو إسحاق سعد أنبأ محمد بن إسحاق الناقد قالا: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي ثنا وكيع ثنا محمد بن قيس عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال: أما علمتم أنه لا يجب القتل إلا على أربعة: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس، أو عمل عمل قوم لوط. وقال ابن أبي شيبة في المصنف: ثنا وكيع ثنا محمد بن قيس عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال: أما علمتم أنه لا يحل دم امرىء مسلم إلا بأربعة: رجل عمل عمل قوم لوط، هذا إسناد صحيح، وفي قول عثمان رضي الله عنه للناس: أما علمتم دليل على اشتهار هذا عندهم كالثلاثة المذكورة معه، وقال ابن أبي شيبة: ثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة قال: سئل ابن عباس ما حد اللوطي؟ قال: ينظر إلى أعلى بناء في القرية فيرمى منه منكساً ثم يتبع بالحجارة. وقال عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج. ح، وقال ابن أبي شيبة: ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن حثيم سمع مجاهداً، وسعيد بن ١٠٦ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول وَطه جبير يحدثان عن ابن عباس أنه قال في البكر يوجد على اللوطية: إنه يرجم. وقال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن القاسم أبي الوليد عن يزيد بن قيس أن علياً رجم لوطياً وقال: ثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن مجاهد في اللوطي قال: يرجم أحصن أو لم يحصن، وقال: ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في اللوطي قال: لو كان أحد يرجم مرتين رجم هذا، وقال: ثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر في اللوطي قال: عليه الرجم قتلة قوم لوط. وقال: ثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن جابر بن زيد قال: حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج قال قتادة: نحن نحمله على الرجم. فهذه الآثار كلها شواهد لتقوية حديث ابن عباس - وكيف يعتمد قول يحيى، وأبي داود والنسائي في ضعف روايه لو انفرد وقد وثقه رؤوس الأئمة مالك، والبخاري، ومسلم الذين هم مقدمون على كل حافظ في عصرهم ومن بعدهم وخرجوا له في الأصول، وقد قال الذهبي في الموعظة: من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين: أحدهما ما احتجا به في الأصول: وثانيهما من خرجا له متابعة وشهادة واعتباراً، فمن احتجابه أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجابه أو أحدهما وتكلم فيه فتارة يكون الكلام [تعنتاً والجمهور على توثيقه فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون الكلام] في تليينه وحفظه له اعتبار فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد يسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري، أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة بل حسنة أو صحيحة، ومن خرج له البخاري، أو مسلم في الشواهد والمتابعات ففيهم من في حفظه شيء وفي توثيقه تردد، فكل من خرج له في الصحيحين فقد قفز القنطرة فلا معدل له إلا ببرهان بين، نعم الصحيح مراتب والثقات طبقات، انتهى كلام الذهبي في الموعظة، وقد ذكر في الميزان أن عمرو بن أبي عمر خرج حديثه في الصحيحين في الأصول فكيف يحكم على حديثه [هذا] بالضعف كما تراه في كلام الذهبي هذا وهو لم ينفرد بل له متابعون عن عكرمة ولحديثه شواهد من رواية عدة من الصحابة، فلهذا صححه من صححه من الحفاظ ولم يلتفتوا إلى تضعيف من ضعف راويه واحتاج الحاكم إلى إيراد شاهد له لأن أقل أحوال عمرو أن يكون حديثه حسناً فيحتاج إلى شاهد يرقيه إلى درجة الصحة والله أعلم. تنبيه آخر: ذكر الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي أن حديث ابن عباس المذكور مختلف في ثبوته فنبه بذلك على فائدة مهمة من اصطلاح الحديث، وقد أحببت أن أبينها لأن من لا إلمام له بعلم الحديث لا يفهم مراده بذلك، وربما توهم أن ذلك قدح في الحديث، كما رأى من لا معرفة له بالفن قول الترمذي في حديث أنا دار الحكمة وعلي بابها في بعض النسخ هذا حديث منكر فظن أنه أراد أنه باطل أو موضوع لعدم علمه بالمصطلح وجهله أن المنكر من أقسام الضعيف الوارد لا من أقسام الباطل الموضوع، وإنما هذا لفظ اصطلحوا عليه وجعلوه لقباً لنوع محدود من أنواع الضعيف، كما اصطلح النحاة على ١٠٧ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول اليوم جعلهم الموصول مثلاً لقباً لبعض أنواع المعرفة، وقد وقع للخطيب البغدادي أنه روى في تاريخه حديثاً باطلاً وقال عقبه: هذا حديث منكر، فتعقبه الذهبي في الميزان وقال: العجب من الخطيب كيف يطلق المنكر على هذا الخبر الباطل وإنما أطلق المنكر على حديث القلتين ووصف في الميزان عدة أحاديث في مسند أحمد، وسنن أبي داود، وغيرهما من الكتب المعتمدة بأنها منكرة بل وفي الصحيحين أيضاً، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلاً عن بطلانه، وطائفة كابن الصلاح ترى أن المنكر والشواذ مترادفان، وكم في الصحيح من حديث وصف بالشذوذ. كحديث مسلم في نفي قراءة البسملة في الصلاة فإن الإمام الشافعي رضي الله عنه حكم عليه بالشذوذ وليس لك أن تقول قد شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذاً فكيف يستقيم أن يكون مخرجاً في الصحيح ويحكم عليه بالشذوذ لأن هذا أيضاً من عدم معرفتك بالضعف، فإن ابن الصلاح لما ذكر ضابط الصحيح وشرط أن لا يكون شاذاً قال في آخر الكلام: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث، فأشار إلى أن هذا ضابط الصحيح المتفق عليه، وبقي من الصحيح نوع آخر لم يدخل في هذا الضابط وهو الصحيح المختلف فيه ولهذا قال الزركشي في شرح مختصر ابن الصلاح: خرج الصحيح المختلف فيه عن هذا التعريف، ثم قال ابن الصلاح بعد هذا فوائد مهمة أحدها الصحيح يتنوع إلى متفق عليه ومختلف فيه، ويتنوع إلى مشهور وغريب وبين ذلك، قال الزركشي في شرحه، والحافظ ابن حجر في نكته عند هذا الموضع: ذكر الحاكم في المدخل أن الصحيح من الحديث ينقسم عشرة أقسام - خمسة متفق عليها - وخمسة مختلف فيها - فالأول من القسم الأول: اختيار البخاري، ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح الذي يرويه الصحابي المشهور الذي له راويان، والأحاديث المروية بهذا الشرط لا يبلغ عددها عشرة آلاف. الثاني: الصحيح بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى الصحابي وليس له إلا راو واحد. الثالث: أخبار جماعة من التابعين الذين ليس لهم إلا راو واحد. الرابع: هذه الأحاديث الأفراد، والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب. الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلا عنهم. وأما الأقسام الخمسة المختلف في صحتها: فالأول: المرسل صحيح عند أهل الكوفة. الثاني: رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم - وهي صحيحة عند جماعة منهم. الثالث: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه. الرابع: رواية محدث صحيح السماع صحيح الكتاب ظاهر العدالة غير أنه لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه فإن هذا القسم صحيح عند أكثر أهل الحديث ومنهم من لا يرى الحجة به. الخامس: روايات المبتدعة وأهل الأهواء فإن رواياتهم عند أهل العلم مقبولة إذا كانوا ١٠٨ الفتاوى الحديثية / بلوغ المأمول في خدمة الرسول اليوم صادقين، قال الحاكم: فهذه الأقسام ذكرتها لئلا يتوهم متوهم أنه ليس بصحيح إلا ما أخرجه البخاري، ومسلم انتهى. إذا عرفت ذلك فقول الحافظ ابن حجر: وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته أراد به بيان أنه من قسم الصحيح المختلف فيه لا من القسم المتفق عليه وقصد بذلك تكملة الفائدة، فإن طريقته في هذا الكتاب أنه إذا كان الحديث من القسم الأول أطلق ثبوته، وإذا كان من القسم الثاني نبه عليه. وفي هذا الكتاب الجليل من نفائس الصناعة الحديثية ما لا يعرفه إلا المتبحر في الفن كمؤلفه، فليحذر المرء من الإقدام على التكلم في حديث رسول الله ◌َي بغير علم وليمعن في تحصيل الفن حتى يطول باعه ويرسخ قدمه، ويتبحر فيه لئلا يدخل في حديث: ((من تكلم بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض)) ولا يغتر بكونه لا يجد من ينكر عليه في الدنيا، فبعد الموت يأتيه الخبر إما في القبر أو على الصراط، والنبي ◌ّ هناك يخاصمه ويقول له: كيف تجازف في حديثي وتتكلم فيما ليس لك به علم، فأما أن ترد شيئاً قلته وإما تنسب إلى ما لم أقله، أما قرأت فيما أنزل علي: ﴿وَلَا نَقْفُ ﴾ [الإسراء: ٣٦]؟ ٣ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَُّّ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا فيا خجلته يومئذ ويا فضيحته، هذا إن مات مسلماً وإلا عوقب والعياذ بالله بسوء الخاتمة كما يقول الخطباء على المنابر في بعض الخطب والذنوب فرب ذنب يعاقب العبد عليه بسوء الخاتمة، وكما نقل الشيخ محيي الدين القرشي الحنفي في تذكرته عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: أكثر ما يسلب الناس الإيمان عند الموت وأكبر أسباب ذلك الظلم، وأي ظلم أعظم من الجرأة على الخوض في حديث رسول الله وَلقر بغير علم، نسأل الله السلامة والعافية . ٠ الفتاوى الأصولية الدينية مبحث الإلهيات مسألة: في تعريف الإيمان: وركنه، وشرطه، وسببه، ومحله، وهل يزيد وينقص، وما الدليل على ذلك؟ . الجواب: الإيمان هو التصديق بكل ما جاء به النبي وّ ر وعلم مجيئه به من الدين بالضرورة وشرطه التلفظ بكلمتي الشهادتين - وقيل هو ركن له - وسببه النظر المؤدي إلى ذلك، ومحله القلب وهو يزيد وينقص عندنا وعند أكثر السلف، وخالف في ذلك الحنفية، والأدلة على زيادته ونقصه كثيرة ذكر البخاري في صدر صحيحه منها جملة، منها قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ مَنُواْ إِيَنًا﴾ [المدثر: ٣١] - ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣] وفي الحديث: ((الإيمان يزيد وينقص)) أخرجه أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل مرفوعاً، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة مرفوعاً. ٥٨ - إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فقد وقع السؤال هل كان الأمم السابقة يوصفون بأنهم مسلمون أو لا؟ فأجبت بما نصه: اختلف العلماء هل يطلق الإسلام على كل دين حق أو يختص بهذه الملة الشريفة؟ على قولين: أرجحهما الثاني، فبلغني بعد ذلك أن منكراً أنكر ذلك وأنه استدل بأشياء على كون الأمم السابقة يوصفون بكونهم مسلمين فعجبت من ذلك عجبين: الأول: من إنكاره فإن كان أنكر أن للعلماء في ذلك قولين فهذا دليل على جهله بنصوص العلماء وأقوالهم، ومن هذا حاله يقال في حقه ما قاله الغزالي: لو سكت من لا يعرف قل الاختلاف، ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع عليه فما له وللتكلم فيما لا يدريه والدخول فيما لا يعنيه، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت، وإذا سمع شيئاً لم يسمعه قط يعتقد أنه استفاد فائدة جديدة فيعدها نعمة من نعم الله عليه ويدعو لمن أجراها على يديه ويشكر الله عليها، وإن كان أنكر ترجيح القول الثاني فهذا ليس من وظيفته إنما ذلك من وظيفة المجتهدين العالمين بوجوه الترجيحات ومسالك الأدلة وطرق الحجاج والنظر، وإنكاره أيضاً دليل على جهله بنصوص الكتاب والسنة الواردة في ذلك. العجب الثاني: من ١٠٩ ١١٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات استدلاله فإن الاستدلال إنما يسوغ للمجتهد العالم بطريق الاستدلال أما غيره فما له، ولذلك قال الغزالي في كتاب التفرقة: [شرط المقلد] أن يسكت ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أهلاً له كان مستتبعاً لا تابعاً وإماماً لا مأموماً. وإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول والمشتغل به ضارب في حديد بارد وطالب الإصلاح فاسد، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟ هذه عبارة الغزالي، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: شرط المفتي أن يكون مجتهداً، وأما المقلد إذا أفتى فهو ناقل وحامل فقه ليس بمفت ولا فقيه بل هو كمن ينقل فتوى عن إمام من الأئمة ثم أطال القول في ذلك، والعجب من هذا المنكر استدلاله بآيات من القرآن وليس هو ممن أتقن علم المعاني والبيان الذي لا تعرف بلاغة القرآن وأساليبه إلا به، وذلك من شروط الاجتهاد والاستنباط، بل ولا أتقن واحداً من العلوم الخمسة عشر التي لا يجوز لأحد أن يتكلم في القرآن حتى يتقنها، والعجب من تصديه لذكر أدلة ولو أورد عليه أدلة معارضة لما ذكره لم يدر كيف يصنع فيها، وقد أردت أن أبسط القول في هذه المسألة بذكر أدلة القول الراجح والأجوبة عما عارضها فأقول: للعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران حكاهما غير واحد من الإئمة، أحدهما: أنه يطلق الإسلام على كل دين حق ولا يختص بهذه الملة - وبهذا أجاب ابن الصلاح - والقول الثاني: إن الإسلام خاص بهذه الملة الشريفة ووصف المسلمين خاص بهذه الأمة المحمدية ولم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط، فشرفت هذه الأمة بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء تشريفاً لها وتكريماً، وهذا القول هو الراجح نقلاً ودليلاً لما قام عليه من الأدلة الساطعة، وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء [فقط] من ذلك الوضوء فإنه خصيصة بهذه الأمة ولم يكن أحد من الأمم يتوضأ إلا الأنبياء فقط في أشياء أخر. أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى إلى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد إلى أن قال: أمته أمة مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. وأخرج الغرياني في تفسيره عن كعب قال: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء كان النبي يقال له بلغ ولا حرج وأنت شهيد على قومك وادع أجبك، وقال لهذه [الحج: ٧٨] وقال: ﴿لِيَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وأخرج أبو نعيم، والبيهقي كلاهما ١١١ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات في دلائل النبوة عن كعب قال: في كتاب الله أن لكل نبي يوم القيامة نورين ولكل من اتبعه نور، ولمحمد ◌َّليه في كل شعرة في رأسه ووجهه نور، ولكل من اتبعه نوران يمشي بهما كنور الأنبياء، وخصائص هذه الأمة كثيرة وفيما أوردناه كفاية . ذكر الأدلة القول الراجح: الدليل الأول قوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ،ْ هُوَ اجْتَبَئِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذّيْنِ مِنْ حَرَجَّ عِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَزَهِيمُّ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسِْمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ [الحج: ٧٨] وفي هذا اختلف في ضمير هو هل هو لإبراهيم أو لله؟ على قولين سيذكران، وقوله: ﴿سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ لو لم يكن ذلك خاصاً بهم كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر ولا لاقترانه بما قبله معنى وهذا هو الذي فهمه السلف من الآية - أخبرني الشيخ جلال الدين بن الملقن - مشافهة عن أبي الفرح العزي أنبأنا يونس بن إبراهيم عن أبي الحسن بن المقير أنا الحافظ أبو الفضل بن ناصر إجازة عن أبي القاسم بن منده أنا أبي أنا أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره أخبرنا أبو يزيد القراطيسي فيما كتب إلي أنا أصبغ سمعت ابن زيد يقول في قول الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ قال: لم يذكر الله بالإسلام غير هذه الأمة ولم نسمع بأمة ذكرت بالإسلام غيرها - هذا إسناد صحيح إلى ابن زيد - وهو أحد أئمة السلف في التفسير وطبقته في اتباع التابعين، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ اٌلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ قال الله عز وجل: ﴿سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الله عز وجل: ﴿سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ قال : - يعني من قبل الكتب كلها ومن قبل الذكر - في هذا قال القرآن. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿سَمَّنَكُمُ اَلْعُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ في الكتب وفي هذا أي في كتابكم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن سفيان بن عيينة في قوله: ﴿سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ قال: في التوراة، والإنجيل وفي هذا قال القرآن، وذكر ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ قال: يعني في الذكر في أَمَّ الكتاب، وفي هذا قال في القرآن، فهذا نصوص أئمة السلف المفسرين من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم أن الله سمى هذه الأمة المسلمين في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وفي التوراة، والإنجيل، وسائر كتبه المنزلة في القرآن فإنه اختصهم بهذا الاسم من بين سائر الأمم، وسيأتي الاثر عن بعض كتب الله في تسمية هذه الأمة بهذا الاسم، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنِكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: هو إبراهيم ألا ترى إلى قوله: ﴿رَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَِّنَا أُنَّهُ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. الدليل الثاني: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَِّنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ دعا بذلك لنفسه ولولده وهما نبيان ثم دعا به لأمته من ذريته وهي هذه الأمة ولهذا قال عقب ذلك: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ البقرة: ١٢٩] وهو ١١٢ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات النبي ◌َّه بالإجماع، فأجاب الله دعاءه بالأمرين ببعث النبي وَ ل فيهم وتسميتهم مسلمين ولهذا أشار تعالى إلى أن إبراهيم هو السبب في ذلك بقوله: ﴿مِّلَّةَ أَبِّكُمْ إِنْزَهِيمٍّ هُوَ سَمَّنْكُمُ اُلْمُسْلِمِينَ﴾ كما تقدم عن ابن زيد، أخرج ابن أبي حاتم عن سلام بن أبي مطيع في قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال: كانا مسلمين ولكن سألاه الثبات، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَِّنَآَ أُمَّةُ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ قال: يعنيان العرب، وفي قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال: هو محمد بَّرَ، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال: يعني أمة محمد بَّرَ فقيل له قد استجيب لك هو كائن في آخر الزمان. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] هو ظاهر في الاختصاص بهم. فإن قلت: لا يلزم. قلت: ذاك لجهلك بقواعد المعاني فإن تقدِيمٍ لكم يستلزمه ويفيد أنه لم يرضه لغيرهم كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] أن تقديم هم تعريض بأهل الكتاب وأنهم لا يوقنون بالآخرة، وكما قال الأصفهاني في قوله: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] أن تقديم هم يفيد أن غيرهم يخرج منها وهم الموحدون. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّونَ أَلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [المائدة: ٤٤] وبهذه الآية استدل من قال: إن الإسلام كان من وصف الأنبياء دون أُممهم - أخرج ابن المنذر عن عكرمة، وابن جريج في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآية قال: يحكم بها محمد بَّه ومن قبله من الأنبياء والربانيون، والأحبار كلهم يحكم بما فيها من الحق ليهود. الدليل الخامس: ما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه عن مكحول قال: كان لعمر على رجل حق فأتاه يطلبه فقال عمر: لا والذي اصطفى محمداً على البشر لا أفارقك، فقال اليهود: والله ما اصطفى الله محمداً على البشر فلطمه عمر فأتى اليهودي النبي ◌ّصل﴿ فأخبره فقال النبي ◌َّر: ((بل يا يهودي آدم صفي الله وإبراهيم خليل الله وموسى نجي الله وعيسى روح الله وأنا حبيب الله، بل يا يهودي تسمى الله باسمين سمى الله بهما أمتي هو السلام وسمى بها أمتي المسلمين، وهو المؤمن وسمى بها أمتي المؤمنين، بل يا يهودي طلبتم يوم ذخر لنا اليوم ولكم غد وبعد غد للنصارى، بل يا يهودي أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بل إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها، وهي محرمة على الأمم حتى تدخلها أمتي)). هذا الحديث صريح في اختصاص أمته بوصف الإسلام كما أن جميع ما فيه خصائص لها، ولو كانت الأمم مشاركة لها في ذلك لم يحسن إيراده في معرض التفضيل إذا كان اليهودي يقول ونحن أيضاً كذلك وسائر الأمم. الدليل السادس: ما أخرجه البخاري في تاريخه، والنسائي في سننه، وابن مردويه في تفسيره عند قوله: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ عن الحارث الأشعري عن رسول الله وَ لِّ قال: ١١٣ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات ((من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: نعم فادعوا بدعوة الله النبي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله)). الدليل السابع: ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله وَؤ كان يقول لما أنزلت هذه الآية: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِقُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان، هذا صريح في أنه ◌َّ فهم اختصاص الإسلام بدينه . الدليل الثامن: ما أخرجه ابن جرير عند قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم الخير حتى يجيء الإسلام فيقول رب أنت السلام وأنا الإسلام - هذا موقوف له حكم الرفع - لأن مثله لا يقال من قبل الرأي وهو صريح في أن الإسلام يختص بهذا الدين ولا يطلق على كل دين حق كما ترى حيث فرق بينه وبين الإيمان المتعلق بأهل الأديان، ولهذا أورده ابن جرير عند هذه الآية الدالة على اختصاصه بهذه الأمة، وفيه تقوية للحديث السابق هو السلام وسمى أمتي المسلمين. الدليل التاسع: ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى شعيا أني باعث نبياً أمياً مولده بمكة ومهاجره طيبة عبدي المتوكل المصطفى إلى أن قال: والإسلام ملته وأحمد اسمه - فهذا صريح في اختصاص الإسلام بملته - وهذا الأثر أورده صاحب الشفا في كتابه، والعجب ممن قرأه وسمعه ولم يتفطن له، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: بعث محمد ولو بالإسلام وهو ملة إبراهيم، وملة اليهود والنصارى اليهودية والنصرانية . الدليل العاشر: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ﴾ [الحج: ٧٨] هو توسعة الإسلام ما جعل الله من التوبة ومن الكفارات، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قيل له: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى قيل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الذِِّنِ مِنْ حَرَجَّ﴾ قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، هذا صريح في أن الإسلام هو هذه الشريعة السهلة الواسعة بخلاف [دين] اليهودية والنصرانية المشتمل على الإصر والضيق فإنه لا يسمى إسلاماً . الدليل الحادي عشر: ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَله: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ((قال: قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة)) والحنيفية هي الإسلام لما أخرج ابن المنذر عن السدي قال: الحنيف المسلم، وأخرج أبو الشيخ بن حيان في تفسيره في آخر سورة الأنعام عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي وَ﴿ قال: ((أصبحت على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)» فقوله: حنيفاً مسلماً تفسير لقوله: ١١٤ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات وعلى ملة إبراهيم فعلم بمجموع ذلك اختصاص الإسلام بملة النبي وَّر التي بعث بها موافقاً لملة إبراهيم. الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إَِهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] هذه الآية دالة على أن شريعة موسى تسمى اليهودية. وشريعة عيسى تسمى النصرانية. وشريعة إبراهيم تسمى الحنيفية وبها بعث النبي ◌ُّر، وهي صريحة في أن اليهود والنصارى لم يدعوا قط أن شريعتهم تسمى الإسلام ولا أن أحداً منهم يسمى مسلماً. الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَنَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَةَ إِنَّهِعْمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] هذه الآية كالتي قبلها في الدلالة على ما ذكرنا والصراحة في أنهم لم يدعوا اسم الإسلام لهم قط . الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِنََّهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَاُلْإِنِجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِهِةٍ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (9)﴾ [آل عمران: ٦٥] أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي وَ ر دعا يهود أهل المدينة وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهودياً فأكذبهم الله فقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىَّ إِنْرَهِيمَ﴾ وتزعمون أنه كان يهودياً أو نصرانياً وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده فكانت اليهودية بعد التوراة وكانت النصرانية بعد الإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: قالت النصارى كان إبراهيم نصرانياً. وقالت اليهود كان يهودياً، فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل إنما أنزلتا من بعده، وبعد كانت اليهودية والنصرانية، هذا صريح في أن شريعة التوراة تسمى يهودية، وشريعة الإنجيل تسمى نصرانية، ولا يسمى واحد منهما إسلاماً. الدليل الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِّعْنَ ، أَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [آل عمران: ٢٠] هذه الآية دالة على أن الإسلام خاص بهذا الدين وإلا لكان أهل الكتاب يقولون إذا قيل لهم أأسلمتم نحن مسلمون وديننا إسلام. الدليل السادس عشر: ما أخرجه الشيخان في حديث بدء الوحي من قول الراوي في حق ورقة وكان امرءاً تنصر في الجاهلية فلو كان الدين الحق من ملة عيسى يسمى إسلاماً وصاحبه مسلم لقال وكان امرءاً اسلم في الجاهلية . الدليل السابع عشر: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ابن حيان عن عبد الله بن مسعود قال: تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى إنا هدنا إليك وتسمت النصارى بالنصرانية بكلمة قالها عيسى: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فتسموا بالنصرانية. هذا صريح في أنهم سموا بهذين الاسمين من عهد نبيهما ولم يسموا بالمسلمين قط ولا نقل ذلك عن أحد ولا عنهم، فكيف يدعي لهم وصف شريف لم يدعوه هم لأنفسهم. ١١٥ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات الدليل الثامن عشر: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فكانت تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما جاء الإسلام الحديث. هذا صريح في أن دين موسى الحق كان يسمى يهودية لا إسلاماً. الدليل التاسع عشر: ما أخرجه مسلم، وغيره عن أبي موسى الأشعري أن النبي القاهـ قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت إلا كان من أصحاب النار)) سمى ولار الواحد من أهل الكتاب يهودياً أو نصرانياً ولم يطلق على أحد منهم لفظ الإسلام في أحاديث كثيرة لا تحصى. الدليل العشرون: إطباق ألسنة الخلق كلهم من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، والمجتهدين، والفقهاء، والعلماء على اختلاف فنونهم، والمسلمين بأسرهم حتى النساء في قعر بيوتهن، والأطفال، واليهود، والنصارى، والمجوس، وسائر الفرق حتى الحيوانات، والحجر، [والشجر] في آخر الزمان على تسمية من كان على دين موسى يهودياً؛ ومن كان على دين عيسى نصرانياً. ومن كان على دين نبينا # مسلماً لا يمتري في ذلك كبير، ولا صغير، ولا عالم، ولا جاهل، ولا مسلم، ولا كافر، فترى هذا الإطباق ناشىء عن لا شيء ومبني على فساد، كلا بل هو الحق المطابق للواقع والله الهادي للصواب. ذكر الأدلة التي احتج بها للقول الآخر: استند إلى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] والجواب عن ذلك اُلْمُؤْمِنِينَ ﴿٣ ◌َا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ما حققه صاحب القول الراجح أن هذا الوصف كان يطلق فيما تقدم على الأنبياء والبيت المذكور بيت لوط عليه السلام ولم يكن فيه مسلم إلا هو وبناته وهو نبي، فصح إطلاقه عليه بالأصالة، وأطلق على بناته إما على سبيل التغليب وإما على سبيل التبعية، إذا لا مانع من أن يختص أولاد الأنبياء بخصائص لا يشاركهم فيها بقية الأمة، كما اختص السيد إبراهيم ابن نبينا * بأنه لو كان عاش لكان نبياً، وكما اختصت فاطمة بأنه لا يتزوج عليها، وكما اختصت أيضاً بأنها تمكث في المسجد مع الحيض والجنابة، وكذلك أزواج النبي وَلتر اختصوا بذلك، وكذلك علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين اختصوا بجواز المكث في المسجد مع الجنابة، كل ذلك على سبيل التبعية للنبي ◌ّير، فكذلك لا مانع من أن يوصف أولاد الأنبياء بما وصف به آباؤهم تبعاً لهم، وكذلك قوله تعالى عن أولاد يعقوب عليه السلام: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] إما على سبيل التبعية له إن لم يكونوا أنبياء مع أن فيهم يوسف وهو نبي قطعاً فلعله هو الذي تولى الجواب فأخبر عن نفسه بالأصالة وأدرج إخوته معه على سبيل التغليب وإن كانوا أنبياء كلهم فلا إشكال، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُمْ ءَامَنِثُم ◌ِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُّواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤] إما أن يحمل على التغليب فإنه خاطبهم وفيهم أخوه هارون، ويوشع وهما نبيان فأدرج بقية القوم في الوصف تغليباً، أو يحمل على أن المراد إن كنتم منقادين لي ١١٦ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات فيما آمركم به، وهذه الآيات أوردت عليّ مرة في درس التفسير فأجبت فيها بذلك ولم أرَ أحداً استند إليها، نعم رأيت ابن الصلاح استند إلى قوله تعالى: ﴿ف فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهذا من قول إبراهيم لبنيه، ويعقوب لبنيه، وفي بني كل أنبياء فلا يحسن الاستدلال به على غيرهم مع أنه لا يلزم منه طرده في أمة موسى، وعيسى لما علم من أن ملة إبراهيم تسمى الإسلام وبها بعث النبي 18َّ وكان أولاد إبراهيم، ويعقوب عليها فصح أن يخاطبوا بذلك ولا يتعدى إلى من ملته اليهودية والنصرانية، وقد رأيت من أورد على ابن الصلاح في اختياره ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال: فما فائدة ذلك إذا كان كل منهم يسمى مسلماً، والتحقيق الذي قامت عليه الأدلة ما رجحناه من الخصوصية بالنسبة إلى الأمم وإن كان ما ورد من إطلاق ذلك فيمن تقدم فإنما أطلق على نبي أو ولد نبي تبعاً له أو جماعة فيهم نبي غلب لشرفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ قَالُوَآ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة: ١١١] فإن الحواريين [أنبياء منهم] فيهم الثلاثة المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِذْ ١٤) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّنَا بِثَالِتٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ جَاءَ هَا الْمُرْسَلُونَ [يس: ١٣، ١٤] نص العلماء على أنهم من حواري عيسى وأحد قولي العلماء أن الثلاثة أنبياء ويرشحه ذكر الوحي إليهم، وقال الراغب في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] أي الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من أولي العزم لأولي العزم الذين يهدون بأمر الله ويأتون بالشرائع انتهى. فصل: قال قائل من الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآية، وهذا من أعجب العجب، فإن المراد من الآية استواء الشرائع كلها في أصل التوحيد، وليس الإسلام اسماً للتوحيد فقط بل لمجموع الشريعة بفروعها وأعمالها، فالمستدل بهذه الآية إما أن يزعم أن الإسلام لا يطلق على الأعمال، أو يزعم استواء الشرائع في الفروع وكلاهما جهل من قائله، ثم لو قدر الاستواء لم يصح الاستدلال لأن محل النزاع في أمر لفظي وهو أنه هل تسمى تلك الشرائع إسلاماً أو لا تسمى؟ مع قطع النظر عن اتفاقها في الفروع واختلافها، وذلك راجع إلى قاعدة أن الإطلاق متوقف على الورود، والذي ورد به الحديث والأثر أنه لا يطلق على شيء من الشرائع السابقة إسلاماً وإن كان حقاً، كما أنه لا يطلق على شيء من الكتب السابقة قرآن وإن كان فيها معنى الضم والجمع، وكما أنه لا يطلق على شيء من أواخر آي القرآن سجع بل فواصل وقوفاً مع ما ورد، وكما قال النووي: إنه لا يقال في حق النبي وله عز وجل وإن كان عزيزاً جليلاً، ولا في حق غير الأنبياء والفقر وإن كانت الصلاة بمعنى الرحمة وتطلق عليهم الرحمة كل ذلك وقوفاً مع الورود، وقد تقدم عن ابن زيد أنه قال: لم يذكر الله بالإسلام غير هذه الأمة - وابن زيد أحد أئمة السلف العالمين بالقرآن والتفسير - أفتراه غفل عن هذه الآيات التي استدل بها قائل هذه المقالة؟ كلا لم يغفل عنها بل علم تأويلها واطلع على مدرك الجواب عنها فنفى وهو آمن من إيرادها ١١٧ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات عليه، وأعظم من ذلك رسول الله ◌َّلة أعلم خلق الله بكتاب الله حيث نص على اختصاص الإسلام بأمته وذكر ذلك لليهودي مبيناً به تمييز أمته على سائر الأمم، فلولا أنه وَلقر فهم ذلك من الآيات الدالة عليه وعلم أن الآي الأخر لا تعارضها لم يقل ذلك، ولو كان يطلق على الأمم السابقة مسلمون لكان اليهودي يقول له وأمة موسى أيضاً مسلمون فلا مزية لأمتك عليهم، ومن العجب من يستدل بآيات القرآن وهو غير متضلع من الحديث، ومن المعلوم أن في القرآن المجمل والمبهم والمحتمل وكل من الثلاثة محتاج إلى السنة تبينه وتعينه وتوضح المراد منه، وقد قال عمر بن الخطاب: إنه سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال: اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاججهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أنا أعلم بكتاب الله منهم في بيوتنا نزل قال: صدقت ولكن القرآن جمال ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً، فخرج إليهم فحاجهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة. وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على القرآن أي مبينة له ومفسرة. وقال الإمام فخر الدين: أنزل القرآن على قسمين محكم ومتشابه ليكون فيه مجال لكل ذي مذهب فينظر فيه جميع أرباب المذاهب طمعاً أن يجد كل فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته فيجتهدون في التأمل فيه، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، وبهذا الطريق يتخلص المبطل من باطله ويصل إلى الحق، ولو كان القرآن كله محكماً لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه، قال: وأيضاً إذا كان القرآن مشتملاً على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة، والنحو، والمعاني، والبيان، وأصول الفقه، وغير ذلك، وفي ذلك مزيد مشقة في الوصول إلى المراد منه، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فلم يكن فيه مشقة توجب مزيد الثواب وكان يستوي في إدراك الحق منه الخواص والعوام - هذا كلام الإمام فخر الدین. قلت: فإذا كان كذلك فكيف يحل لمن لم يتيقن واحداً من العلوم المشترطة التكلم في القرآن وعدتها خمسة عشر أن يتجرأ على الاستدلال بآيات القرآن على حكم من الأحكام أو على أمر من الأمور جاهلاً بطريق الاستدلال عاجزاً عن تحصيل شروطه؟ ومثل هذا هو الذي ورد فيه الحديث: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) وفي رواية: (فقد كفر)) والعجب أنه يعمد إلى الاستدلال بآيات مع قطع النظر عن معارضها وعن النظر فيها هل هي مصروفة عن ظاهرها أو لا؟ وقد أوجب أهل الأصول على المجتهد المستدل بآية أو حديث أن يبحث عن المعارض وجوابه وعن الذي استدل به هل معه قرينة تصرفه ١١٨ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات عن ظاهره؟ وهذا نطح مع الناطحين من غير تأمل ولا مراعاة لشرط من الشروط، فلو استحيا هذا الرجل من الله لوقف عند مرتبته وهي التقليد وترك الاستدلال لأهله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وأولو الأمر هم المجتهدون كما قال ابن عباس، وجابر بن عبد الله، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغيرهم: أولو الأمر هم أولو الفقه وأولو الخبر، ولفظ مجاهد: هم الفقهاء والعلماء، وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال: هم أهل العلم ألا ترى أنه يقول: ﴿وَلَوَّ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَتْبِطُوَهُ مِنْهُمُّ﴾ ومعلوم أن لفظ الفقهاء والعلماء إنما يطلق على المجتهدين، وأما المقلد فلا يسمى فقيهاً ولا عالماً كما نص عليه أهل الفقه والأصول، وامتناع إطلاق الفقيه والعالم على المقلد كامتناع إطلاق لفظ المسلم على اليهودي والنصراني خصوصية من الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فصل: ثم ظهر لي دليل (حاد وعشرون) وهو ما أخرجه أحمد وغيره عن عبد الله بن ثابت قال: ((جاء عمر إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله وَ له فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، فسرى عن رسول الله وَّر وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم إنكم حظي من الأم وأنا حظكم من النبيين)) هذا الحديث يدل على أن شريعة التوراة لا تسمى إسلاماً، لأن عمر لما رأى غضب النبي ◌َّر من كتابته جوامع من التوراة بادر إلى قوله رضينا بالإسلام ديناً ليبرىء نفسه من الرضا بشريعة التوراة واتباعها، فلما قال ذلك سري عن النبي ◌َّ لحصول المقصود من عمر وهو اقتصاره على شريعة الإسلام وإعراضه عن شريعة التوراة. دليل ثان وعشرون: وهو قوله ◌َل# لجبريل وقد سأله ما الإسلام؟ فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحج البيت)) زاد في رواية: ((وتغتسل من الجنابة)) وهذا صريح في أن الإسلام مجموع هذه الأعمال وهذا المجموع مخصوص بهذه الأمة، فإن اللام في الصلاة المكتوبة للعهد وهي الخمس ولم تكتب الخمس إلا على هذه الأمة وصوم رمضان من خصائص هذه الأمة كما أخرجه ابن جرير عن عطاء، والحج، والغسل من الجنابة من خصائصها أيضاً كما تقدم في أثر وهب، فدل على أن من لم يعمل هذه الأعمال لا يسمى مسلماً، والأمم السابقة لم تعملها فلا يسمون مسلمين. تحقيق: فإن قلت: ما تحرير المعنى في التخصيص بالتسمية؟ قلت: فيه معان، أحدها: أن الإسلام اسم للشريعة السمحة السهلة كما قال ◌َ له: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) [وقال: أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة] وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ﴾ [الحج: ٧٨] توسعة الإسلام ووضع الإصر الذي كان على بني إسرائيل، ١١٩ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات وشريعة اليهود والنصارى لا سهولة فيها بل هي في غاية المشقة والثقل كما هو معلوم من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وغير ذلك فلذلك لا تسمى إسلاماً. المعنى الثاني: أن الإسلام اسم للشريعة المشتملة على فواضل العبادات من الجهاد والحج والوضوء والغسل من الجنابة ونحو ذلك، وذلك خاص بهذه الأمة لم يكتب على غيرها من الأمم، وإنما كتب على الأنبياء فقط كما تقدم في أثر وهب: ((أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل)) فلذلك سميت هذه الأمة مسلمين كما سمى بذلك الأنبياء والرسل ولم يسم غيرها من الأمم، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه أبو يعلى من حديث علي مرفوعاً: ((الإسلام ثمانية أسهم شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة والزكاة والحج والجهاد وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) وما أخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم قال تعالى: ﴿وَإِ أَبْتَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتََّّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قيل ما الكلمات؟ قال: الإسلام ثلاثون سهماً عشر في قوله: ﴿التَِّبُونَ الْعَِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى آخر الآية. وعشر في أول سورة ﴿قد أفلح﴾ و ﴿سأل سائل﴾ وعشر في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتب له براءة، قال تعالى: ﴿وَإِبْزَهِيمَ الَّذِى وَلََّ﴾ [النجم: ٣٧] وأخرج الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتمها أحد إلا إبراهيم، ومحمد عليهما السلام، فعرف بذلك أن الإسلام اسم لمجموع هذه السهام، ولم تشرع كلها إلا في هذه الملة وملة إبراهيم، ولهذا أمر النبي ◌ّ ل# في غير ما آية من القرآن باتباع ملة إبراهيم وهي الحنيفية . المعنى الثالث: أن الإسلام مدار معناه على الانقياد والإذعان ولم تذعن أمة لنبيها كما أذعنت هذه الأمة فلذلك سموا مسلمين، وكانت الأنبياء تذعن للرسل الذين يأتون بالشرئع كما تقدم في عبارة الراغب فسموا مسلمين، وكانت الأمم كثيرة الاستعصاء على أنبيائهم كما دلت على ذلك الأحاديث والآثار، منها حديث: ((إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) وقد قال المقداد يوم بدر: لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لاتبعناك. وفي لفظ: لو خضت بنا البحر لخضناه معك. فلذلك اختصت هذه الأمة بأن سموا مسلمين من بين سائر الأمم. وكلما وقع في عبارة السلف من قولهم الإسلام دين الأنبياء ونحوه فمرادهم به دين الأنبياء وحدهم دون أممهم لما تقدم تقريره على حد قوله وَالر: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي). فصل: لما فرغت من تأليف هذه الكراسة واضطجعت على الفراش للنوم ورد علي قوله ١٢٠ الفتاوى الأصولية الدينية / مبحث الإلهيات تعالى: ﴿اَلَِّينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُنْلَى عَلَتِهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ (65)﴾ [القصص: ٥٢، ٥٣] فكأنما ألقى عليّ جبل، فإن هذه مِن رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ الآية ظاهرها الدلالة للقول بعدم الخصوصية، وقد أفكرت فيها ساعة ولم يتجه لي شيء، فلجأت إلى الله تعالى ورجوت أن يفتح بالجواب عنها، فلما استيقظت وقت السحر إذا بالجواب قد فتح فظهر لي شيء ثلاثة أجوبة: الأول إن الوصف في قوله: ﴿مُسْلِينَ﴾ اسم فاعل مراد به الاستقبال كما هو حقيقة فيه لا الحال ولا الماضي الذي هو مجاز، والتمسك بالحقيقة هو الأصل، وتقدير الآية إنا كنا من قبل مجيئة عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا من نعته ووصفه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فالوصفان مراد بهما الاستقبال أي ستموت وسيموتون، وليس المراد بهما الحال قطعاً كما هو ظاهر، فكذلك المراد في الآية إنا كنا من قبله ناوين أن سنسلم إذا جاء، ويرشح هذا الجواب أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الإخبار بحقيقة القرآن وأنهم كانوا على قصد الإسلام به إذا جاء به النبي ◌َّلّ لما كان عندهم من صفاته وظهر لهم من دنو زمانه واقتراب بعثته، وليس قصدهم الثناء على أنفسهم في حد ذاتهم بأنهم كانوا بصفة الإسلام أو لا فإن ذلك ينبو عنه المقام كما لا يخفى . الجواب الثاني: أن يقدر في الآية أنا كنا من قبله به مسلمين فوصف الإسلام سببه القرآن لا التوراة والإنجيل، ويرشح ذلك ذكر الصلة في الآية الأولى حيث قال: ﴿هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ فدل على أن الصلة مرادة في الثانية أيضاً وإنما حذفت كراهة لتكرارها في الآية [مرتين حيث ذكرت في قوله: ﴿قَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ﴾﴾ وكره إعادتها مرة أخرى في الآية] وحذفت إزالة لتعلق التكرار. الجواب الثالث: إن هذا الوصف منهم بناء على [ما هو] مذهب الأشعري من أن من كتب الله أنه يموت مؤمناً فهو يسمى عند الله مؤمناً ولو في حالة كفر سبقت وكذا بالعكس والعياذ بالله، وإنما لم يطلق عليه هذا الوصف عندنا لعدم علمنا بالخواتم والمستقبلات، فكذلك هؤلاء لما ختم لهم بالدخول في الإسلام وصفوا أنفسهم به من أول أمرهم لأن العبرة في هذا الوصف بالخاتمة، وإذا كان الكافر المشرك يوصف في حال شركه بأنه مؤمن عند الأشعري لما قدر له من الإيمان عند الخاتمة فلأن يوصف بالإسلام (من كان على دين حق لما قدر له من الدخول في الإسلام] عند الخاتمة من باب أولى، وهذا معنى دقيق استفدناه في هذه الآية من قواعد علم الكلام، وبهذا يعرف أن من لم يتقن العلوم كلها ويطلع على مذاهب علماء الأمة ومداركها وقواعدها لم يمكنه استدلال ولا استنباط وهذا أمر ليس بالهين : لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فصل: حيث ذكر الله هذه الأمة في القرآن ذكرها بالإسلام أو الإيمان خطاباً وغيبة كقوله: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] وحيث ذكر الأمم السابقة لم يصفهم قط بإسلام لا إن ذمهم ولا إن