النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
الاستدلال، وقد نقل السبكي كلام ابن الصلاح هذا في فتاويه وقال: إنه صحيح فهو تقرير
لهذا الفهم.
الثامن عشر: صرح العبادي، والشيخ أبو محمد الجويني في كتاب موقف الإمام
والمأموم بأنه لو التمس من الناس آلة ليبني بها مسجداً فأعطوه الآلة فبنى بها فإنه يصير
مسجداً بنفس البناء ولا يحتاج إلى إنشاء وقف، كما لو أحيا مواتاً بنية جعلها مسجداً فإنه
يصير مسجداً بالنية ولا يحتاج إلى وقف، نقله الزركشي في التكملة عن الجويني، وابن
العماد في أحكام المساجد عن العبادي، وهذا يدفع القول بأن حائط المسجد الشريف إذا
أعادها الإمام يكون ملكاً له ويحتاج إلى إنشاء وقف لأنه ما نوى بعمارتها إلا إعادة حائط
المسجد، والقرائن على هذه النية متضافرة منها كون البناء على أرض المسجد.
التاسع عشر [والعشرون]: قال الماوردي: إذا بني مسجداً في موات ونوى به المسجد
صار به مسجداً ويغني الفعل مع النية عن القول قال: ويزول ملكه عن الآلة بعد استقرارها
في مواضعها من البناء وهي قبل الاستقرار باقية على ملكه إلا أن يقول: إنها للمسجد
فيخرج عن ملكه نقله الزركشي في التكملة، وصدر هذا الكلام والاستثناء الذي في آخره
يبطلان القول بأن حائط المسجد الشريف إذا أعادها الإمام صارت ملكه ويحتاج إلى وقف.
الحادي والعشرون: لم ينقل عن عثمان رضي الله عنه أنه حين وسع المسجد صرح
بوقف ولا ذكر لفظاً ذكره الزركشي في التكملة قلت وكذلك لم ينقل عن عمر بن عبد العزيز
ولا عن المهدي حين وسعاه ولا عن أحد من الملوك الذين بنوه بعد الحريق الأول أنهم
صرحوا بوقف ولا ذكروا لفظاً ولا نبههم أحد من علماء عصرهم مع كثرتهم على أنه محتاج
إلى ذلك، فدل على أنه لا يحتاج إليه لأن البناء المحدود تابع للمسجد القديم.
الثاني والعشرون: قال الزركشي: أورد بعضهم على قول الأصحاب لو بنى مسجداً وأذن
في الصلاة فيه لم يصر مسجداً أنه وَليّ لم ينقل عنه أنه حين بنى مسجده تلفظ بوقفه قلت:
وقد يجاب عنه بأنه بَّيه بناه بأمر الله تعالى وبالوحي فأغنى ذلك عن التصريح بوقفه، فإن
قوة الأحاديث والأخبار تعطي ذلك فيكون ذلك من خصائص مسجده وتستمر هذه
الخصوصية فيه إلى يوم القيامة فلا يحتاج كل من جدده إلى تصريح بوقفه.
الثالث والعشرون: قال في الروضة وأصلها نقلاً عن الإمام: لا شك في انقطاع تصرف
الإمام عن بقاع المسجد فإن المساجد لله انتهى، وهذا الكلام صريح في منعه من أن يبني
حائطاً على بقعة المسجد ويضم إليها زيادة في البناء موصولة بها متملكاً ذلك ويتصرف في
المجموع بفتح الشبابيك أو غير ذلك.
الرابع والعشرون: هل يجوز للإمام أو غيره إعادة حائط المسجد من مال نفسه على نية
التملك والتصرف بما شاء مع وجود سهم المصالح الذي يجب عليه بناء المساجد منه
وإعادتها كما كانت؟ هذا محل نظر، وما أظن فقيهاً يسمح به إلا بشرط عدم نية التملك
والتصرف، وكذا مع وجود ربع متحصل من وقف المسجد.

٢٢
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
الخامس والعشرون: قد صرح العلماء بأن ملك النبي وَلّ ثابت بعد موته لثبوت الحياة
له، ولهذا أنفق على زوجاته بعد وفاته من سهمه الذي كان يستحقه، فكذلك يبني منه ما
تهدم من مسجده ويعاد على وضعه وشرطه من غير تعد ولا تصرف.
السادس والعشرون: لا شك في أن جميع ما بأيدي الملوك الآن هو مال بيت المال
وليس في أيديهم شيء يثبت أنه ملكها بالطريق الشرعي، وأي جهة فرضت فعنها الجواب
الشافي فالحائط المعاد لم یین بمال نفسه فلا ملك له فيه.
السابع والعشرون: قد أنكر النبي ◌َ﴾ من حيث المعنى على قريش حيث تصرفوا في
الكعبة لما بنوها ولم يعيدوها على بناء إبراهيم وسدوا أحد بابيها وغيروا موضع الآخر وهمَّ
بهدمها وإعادة البابين كما كانا لولا حدثان عهدهم بالجاهلية فما منعه من ذلك إلا مصلحة
التآلف على الإسلام وخوف ارتدادهم إلى الكفر، وهذا يدل على أن البناء المعاد له حكم ما
كان قبل الهدم، وإلا كان يقال إن قريشاً إنما تصرفت في بنائها الذي بنته من مالها، وأن بناء
إبراهيم قد ذهبت عينه وزال رسمه، ولهذا قال السبكي فيما سيأتي نقله عنه: أن همّ
النبي وَلّ بفتح الباب الثاني في الكعبة رد لما كانت عليه أولاً، ولا فرق بين ما بناه
إبراهيم ◌َ لّ بالوحي وبين ما بناه سيد المرسلين وّ بالوحي، وإنما قد يفرق بين ذلك وبين
سائر المساجد التي بناها آحاد الناس أن سلم الفرق وقد وقع في كلام ابن الصلاح قياس
رباط الصوفية في إحداث باب فيه على الكعبة.
الثامن والعشرون: صرح ابن العماد في أحكام المساجد بأنه لو كانت المساجد متلاصقة
فأراد الناظر رفع الجدار التي بينها وجعلها مسجداً واحداً لم يجز له ذلك لأنه يؤدي إلى
تغيير معالم الوقف، وكذلك لا يجوز ترك جدار المسجد النبوي والاقتصار على جدار واحد
يجعل للمدرسة التي تلاصقه مكتفياً به عن جدار المسجد على جهة الاختصاص بالمدرسة أو
الاشتراك بينها وبين المسجد، بل لا بد من جدار للمسجد متميز منفصل عن جدار غيره
يختص به وتجري عليه أحكامه.
التاسع والعشرون: هذه المدرسة إن لم تكن مسجداً كما هو المعروف في المدارس
والربط فلا يجوز الاشتراك بينها وبين المسجد في الجدار، إذ لا يتميز حينئذ جدار المسجد
الذي حكمه حكم المسجد من جدار المسجد المدرسة الذي لا يعطي حكم المسجد من
وجوه، منها تحريم مكث الجنب وصحة الاقتداء والاعتكاف وتحريم البصاق وحمل
الجذوع وإعادته إذا هدم من مال الوقف أو مال بيت المال إلى غير ذلك، وإن كانت مسجداً
فينظر إلى ما أورده المفسرون من الأحاديث والآثار في آخر سورة براءة، ومنهم من قال:
المنع مخصوص بالقدر الذي كان في عهده وي القر فأما الزيادة التي وسع بها فلا وهذا مردود
بنص العلماء، على أن المسجدين ولو وسعا معاً لم تختلف أحكامهما الثابتة لهما وقد وسع
في زمن عثمان وغيره واستمر الصحابة على إبقاء الحكم المذكور. وروى الزبير بن بكار في
أخبار المدينة عن أبي هريرة أن رسول الله وَ الر قال: ((لو بني مسجدين هذا إلى صنعاء كان

٢٣
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
مسجدي)) وروي أيضاً عن عمر بن الخطاب قال: لو مد مسجد رسول الله صل إلى ذي
الحليفة لكان منه. فهذا الحديث والأثر تصريح بأن أحكام المسجد ثابتة له ولو هدم عما
كان في عهده وَلّ وأعيد ولو وسع وامتد، وأيضاً فالتوسعة لا تمنع استمرار الحكم لأنه يلزم
من الاستطراق إلى القدر المزيد الاستطراق إلى بقية المسجد وهو القدر الذي كان في عهده
فالمحذور باق .
فصل: وقد تعرض جماعة من متأخري أصحابنا للمسألة وعمموها في سائر المساجد،
فسئل الشيخ تقي الدين عن باب فتح في سور المسجد هل بعد فتحه يجوز الاستطراق منه
إلى المسجد مثل الأبواب التي في المسجد الحرام ومثل شباك الطيبرسية المجاورة للجامع
الأزهر أم لا يجوز ذلك؟ ويفرق بين أن يكون الجدار عريضاً بحيث يحتاج إلى وضع القدم
في وسطه أم لا؟ فأجاب بأن هذه المسألة يتكلم فيها في موضعين: أحدهما في جواز فتح
الباب المذكور الذي يظهر على قواعد مذهب الشافعي أنه لا يجوز، ولا يكاد الشافعية
يرتابون في عدم إيجاز ذلك فإنهم يحترزون عن تغيير الوقف جداً، ولما فتح شباك الطيبرسية
في جدار الجامع الأزهر عظم ذلك عليّ ورأيته من المنكرات، ولما فتح الشيخ علاء الدين
في بيته في المدرسة الشريفية بالقاهرة شباكاً لطيفاً لأجل الضوء خشي الإنكار [عليه] فقال
لي: إنه استند إلى كلام لابن الرفعة في المطلب شرح الوسيط ورأيت أنا ذلك الكلام عند
قول الغزالي في تعليل الوجه القائل بأنه لا يجوز تزويج الجارية الموقوفة لأنه ينقص الوقف
ويخالف غرض الواقف، فقال ابن الرفعة: قوله: ويخالف غرض الواقف يفهم أن أغراض
الواقفين وإن يصرح بها ينظر إليها ولهذا كان شيخنا عماد الدين يقول: إذا اقتضت المصلحة
تغيير بناء الوقف في صورته لزيادة ربعه جاز ذلك وإن لم ينص عليه الواقف بلفظه، لأن
دلالة الحال شاهدة بأن ذلك لو ذكره الواقف حالة الوقف لأثبته في كتاب وقفه. قال ابن
الرفعة: وقلت ذلك لشيخ الإسلام في وقته. وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، وأن
قاضي القضاة تاج الدين وولده قاضي القضاة صدر الدين عملا بذلك في بعض الوقف من
تغيير باب من مكان إلى مكان فقال لي في جواب ذلك: كان والدي يعني الشيخ مجد الدين
- يقول: كان شيخي المقدسي يقول بذلك وأكثر منه قال الشيخ تقي الدين: وناهيك
بالمقدسي أو كما قال: فأشعر ذلك كله برضاه فاغتبط ابن الرفعة بما استشعره من رضى
الشيخ تقي الدين وكان قدوة زمانه في العلم والدين وكان بحيث يكتفي منه بأدنى من ذلك،
والمقدسي شيخ والده مالكي فقيه محدث قدوة أيضاً، وقد قلت في شرح المنهاج: أن الذي
أراه في ذلك الجواز بشرطين. أحدهما: أن يكون يسيراً لا يغير مسمى الوقف، الثاني: أن
لا يزيل شيئاً من عينه بأن ينقل بعضه من جانب إلى جانب، فإن اقتضى زوال شيء من العين
لم يجز، فإذا وجد هذان الشرطان فلا بأس إذا كان في ذلك مصلحة للوقف، فهذا شرط
ثالث لا بد منه وهو مقصودي في شرح المنهاج وإن لم أصرح به، وفتح شباك الطيبرسية لا

٢٤
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
مصلحة لجامع الأزهر فيه فلا يجوز، وكذلك فتح أبواب للحرم لا حاجة للحرم بها وإنما
هي لمصلحة ساكنيها، فهذا لا يجوز على مقتضى قواعد مذهب الإمام الشافعي ولا على
مذهب غيره إذا لم يكن فيه مصلحة. وفي فتاوى ابن الصلاح رباط موقوف على الصوفية
اقتضت المصلحة لأهله أن يفتح فيه باب جديد مضافاً إلى بابه القديم، فهل يجوز للناظر
ذلك وليس في شرط الواقف تعرض لذلك بمنع ولا إطلاق؟.
أجاب: إن استلزم ذلك تغيير شيء من الموقوف عن هيئة كان عليها عند الوقف إلى
· هيئة أخرى غير مجانسة لها مثل أن يفتح الباب إلى أرض وقفت بستاناً مثلاً فيستلزم تغيير
محل الاستطراق منه وجعل ذلك القدر طريقاً بعد أن كان أرض غرس وزراعة فهذا وشبهه
غير جائز، وإن لم يستلزم شيئاً من ذلك ولم يكن إلا مجرد فتح باب جديد فهذا لا بأس به
عند اقتضاء المصلحة له، وفي الحديث والأثر الصحيحين ما يدل على تسويغه الحديث:
((لولا حدثان قومك بالكفر لجعلت للكعبة بابين)) ولا فرق والأثر فعل عثمان بن عفان في
مسجد رسول الله صَ# وهو إجماع.
قلت: الذي قاله صحيح لكن في استدلاله بالكعبة نظر لأن البابين كانا في زمن إبراهيم
ففتح الثاني رد لما كانت عليه في الأول، وأما فعل عثمان فكان لمصلحة عامة المسلمين فلا
يلزم طرده في كل وقت، ألا ترى أن ذلك هدم بالكلية، ولو جئنا نفعل ذلك في كل عصر
في كل الأوقات لم يجز، وقال ابن الصلاح: لا بد أن يصان ذلك عن هدم شيء لأجل
الفتح على وجه لا يستعمل في موضع آخر من المكان الموقوف فإن ذلك من الموقوف، فلا
يجوز إبطال الوقف فيه ببيع وغيره، فإذا كان الفتح بانتزاع حجارته بأن تجعل في طرف آخر
من المكان فلا بأس، هذا كلام ابن الصلاح، ويظهر من هذا أنه يجوز الفتح بهذه الشروط
في باب جديد في الحرم إذا اضاقت أبوابه من ازدحام الحجيج ونحوهم فيفتح فيه باب آخر
وأكثر ليتسعوا، فهذا هو الذي نقول إنه جائز بالشرط المذكور، أما غيره لغرض خاص من
جیرانه أو غیرهم فلا .
الموضع الثاني وهو جواز الاستطراق فيه بعد الفتح ولا نقل عندي في مثله، والذي
أقوله إنه حيث جاز الفتح الاستطراق ولا إشكال، وحيث لم يجز الفتح فقد خطر لي في
نظري في ذلك في باب الكعبة الذي هو اليوم وهو الذي أحدثته قريش بدلاً عن الباب
التحتاني الذي كان في زمن إبراهيم عليه السلام وقد دخل النبي ◌َّر منه، وخطر لي في
الجواب عنه أن دخول الكعبة مشروع سنة وربما كان واجباً فلا يترك لفعل قريش ولم يكن
تغيير ذلك الباب ممكناً لما قال ◌َلّ: ((لولا حدثان عهد قومك)) فاجتمع في باب الكعبة
أمران: أحدهما جواز إبقائه في ذلك الوقت، والثاني الحاجة إلى دخول الكعبة إقامة للشرع
المسنون والواجب وهكذا الآن، فإن الإجماع انعقد على جواز تغييرهما معاً، ويكفي تقرير
النبي ◌َ # دليلاً لجواز إبقاء ذلك الباب والدخول منه ودع يكون فتح على أي وجه كان،
وتقرير النبي بَّر ودخوله منه شرع مستقل، ويكون أيضاً في أن الحجر من البيت وقد أفرد

٢٥
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
عنه ببناء لطيف فيه فتحتان شرقية وغربية في جرية متلاصقتان لجهة الكعبة والدخول فيه من
إحدى الفتحتين أو من فوق جداره اللطيف ما أظن أحداً يمنع منه ولا أدري هل دخله
النبي وَل﴿ أو لا، ولكن جاء في الترمذي أنه قال لعائشة: ((صلي فيه)) والمعنى الذي قدمناه
من تقرير النبي ◌َّ# أيضاً يكفي في مشروعية إبقائه والدخول فيه من تلك الفتحتين ومن
التسور على جداره، وكيف كان فإن دعت الحاجة إلى الدخول فيه [جاز] الدخول منه
كالدخول في الكعبة لاجتماع المعنيين، وإن لم تدع الحاجة كان الجواز لأجل جواز الإبقاء
للحديث المذكور وللتقرير؟ وأما الأبواب المفتحة للحرم من أماكن لأصحابها فلا حاجة
للمسلمين ولا للحرم بها فلا يجوز فتحها ولا يجوز ابقاؤها ولا حاجة إلى الدخول إلى
الحرم منها، فلم يوجد فيها شيء من المعنيين اللذين في الكعبة فيظهر أن لا يجوز لأمرين:
أحدهما معنى فإن شيخنا ابن الرفعة لما زينت القاهرة في سنة اثنتين وسبعمائة زينة عظيمة
أفتى بتحريم النظر إليها قال: لأنها إنما تعمل لينظر إليها فهو العلة الغائية المطلوبة منها
[ففي] تحريم النظر إليها حمل على تركها، وهكذا إذا تواطأ الناس على عدم الدخول منه
كان ذلك داعياً إلى سده الواجب، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب وترك
الواجب حرام، بل أقول إن الدخول منه دعاية إلى الحرام ودوامه فيكون حراماً، والثاني أن
الوقف غير مملوك لنا وإنما جاز لنا التصرف فيه بإذن من الواقف شرطاً أو عرفاً على مقتضى
الشرع، فوافق الجامع والحرم وغيرهما من المساجد ونحوها وقفه على صفة ليس لنا أن
نتصرف فيه إلا على تلك الصفة، والدخول من ذلك المكان المفتوح لم يقتضه شرط الواقف
فلا يكون مملوكاً لنا، وأيضاً فمن ملك مكاناً ملك تحته إلى تحت تخوم الأرض وفوقه إلى
السماء والهواء الذي فوقه مملوك له فالداخل من الباب متصرف في هواء غيره بما لم يؤذن
له فلا يجوز مع ملاحظة هذين المعنيين، فلا فرق بين أن تكون العتبة عريضة بحيث يضع
قدمه عليها أو لا، نعم إن كانت عريضة يتأكد المنع للتصرف في الهواء والقرار، هذا هو
الذي يترجح عندي في ذلك. ويحتمل أيضاً أن يقال المنع إنما كان لوجود الجدار وليس
بمقصود في نفسه، فإذا زال الجدار بأي طريق كان فلا يمتنع دخول المكان كما لو انهدم
بنفسه، واعتبار ملك الهواء بحيث يقال ليس لهما العبور إذا انهدم بنفسه لا تقتضيه قواعد
الفقه ولا العرف وهو مستنكر، فالوجه أن يقال إنما يتخيل التحريم من جهة أنها إعانة على
ظلم فإذا لم يكن إعانة على ظلم فهو جائز، وذلك حيث لا يفيد الامتناع من الدخول وإنما
يفيد إذا كان الممتنع مطاعاً فيكون امتناعه سبباً لإنكار المنكر فيجب إذا لم يكن بهذه المثابة
فلا منع، لا سيما قد يتفق أن يكون الشخص الذي لا قدرة له على التغيير ساكناً في جوار
الحرم في مكان قد فتح منه باب كذلك وهو لا يقدر على سده فیحتمل جواز دخوله منه،
ويقوي ذلك إذا احتاج بأن يكون في الليل ونحوه وخاف على نفسه أو ما معه من الخروج
فإنا نقطع في هذه الحالة بجواز دخوله قياساً على الكعبة للحاجة، وأما السكن فيه فلا يمتنع
- هذا كله كلام السبكي في فتاويه .

٢٦
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
وقال الزركشي في كتابه أحكام المساجد: بوّب البخاري في صحيحه باب الخوخة
١
والممر في المسجد وأدخل فيه حديث أبي سعيد أنه وَ لّ خطب وقال: ((لا يبقين في
المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» وظاهر الخبر المنع وخصوصية الصديق بذلك دون
غيره هذه عبارته، وأورد ابن العماد في كتابه أحكام المساجد كلام السبكي بحروفه، ثم أورد
على حديث الأمر بسد الأبواب إشكالاً وهو غير وارد فقال: يلزم على الحديث إشكال وهو
أن هذه الأبواب - يعني التي أمر بسدها - إن كانت من أصل الوقف التي وضع المسجد عليها
لزم عليه جواز تغيير معالم الوقف وخروجه عن الهيئة التي وضع عليها أولاً، وإن كانت
محدثة لزم عليه جواز فتح باب في جدار المسجد وكوة يدخل منها الضوء وغير ذلك مما
تقتضيه مصلحة حتى يجوز لآحاد الرعية أن يفتح من داره المجاورة للمسجد باباً إلى
المسجد في حائط المسجد وقد تقدم أنه ممنوع، ويحتمل أن يقال يجوز ذلك للواقف دون
غيره لأنه وَلّ هو الذي وقف المسجد، وفيه إشكال من جهة انتقال الوقف وزواله عن ملكه
إلى الله تعالى هذه عبارته قلت: الإشكال ساقط فإن الفتح أولاً كان بأمر من الله ووحي فكان
جائزاً ثم نسخ الله تعالى وأمر بالسد بوحي أيضاً كما تقدم في الأحاديث فهو من قبيل الناسخ
والمنسوخ من الأحكام الشرعية فلا إشكال، وقد فهم من كلام السبكي السابق أنه لا يجوز
الفتح إلا بثلاثة شروط: أن يكون يسيراً لا يغير مسمى الوقف، وأن لا يزيل شيئاً من عينه،
وأن يكون في ذلك مصلحة للوقف أو لعامة المسلمين، ويزاد عليها شرط رابع من فتاوى
ابن الصلاح، وهو أن لا يكون في شرط الواقف نص على منعه، فإذا اجتمعت هذه الشروط
الأربعة جاز الفتح وإن فقد شرط منها لم يجز، وقد فقد في مسجد المدينة شرطان:
الثالث والرابع: فإنه لا مصلحة في ذلك للمسجد بل للمدرسة المجاورة [كما قاله
السبكي في الطيبرسية مع الجامع الأزهر وفي البيوت المجاورة] للمسجد الحرام والرابع فإن
الواقف هو صاحب الشرع ◌َّ نص على منعه وأسند ذلك إلى الوحي الشريف فوجب القول
بالمنع ولو قيل بالجواز في بقية المساجد، وقد بنى السلطان سقاية للشرب في رحبة الجامع
الطولوني وفتح له شباكاً في الجدار المحوط على الرحبة ليسهل شرب المارين منها، وهذا
الفتح جائز هنا لوجود المصلحة العامة وعدم نص من الواقف على منعه، ولو أراد السلطان
الآن الزيادة في عدة أبواب المسجد النبوي لجاز له ذلك بل يستحب لأمرين: أحدهما وجود
المصلحة العامة، والثاني الرد إلى ما كان عليه أولاً، فسيأتي أنه كان له في زمن عمر بن
عبد العزيز عشرون باباً .
فائدة نختم بها الكتاب: قال النووي في شرح المهذب: فرع عن خارجة بن زيد بن ثابت
آخر فقهاء المدينة السبعة قال: بنى رسول الله وَلّر مسجده سبعين ذراعاً في ستين ذراعاً أو
يزيد، قال أهل السير: جعل عثمان بن عفان طول المسجد مائة وستين ذراعاً وعرضه مائة
وخمسين وجعل أبوابه ستة كما كانت في زمن عمر - وزاد فيه الوليد بن عبد الملك فجعل

٢٧
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين، ثم زاد فيه المهدي مائة
ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث هذا ما في شرح المهذب، وأخرج ابن سعد
في الطبقات عن الزهري قال: بركت ناقة رسول الله وَّر عند موضع المسجد وهو يومئذ
يصلي فيه رجال من المسلمين وكان مربد السهل وسهيل - غلامين يتيمين من الأنصار - وكانا
في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة فدعا رسول الله وَّله بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه
مسجداً فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله وَيول حتى ابتاعه منهما فابتاعه بعشرة
دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك فأمر رسول الله # بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد
الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها
رسول الله وَ* فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستحل فسيروه حتى
ذهب وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين
الجانبين مثل ذلك فهو مربع ويقال: كان أقل من المائة وجعلوا الأساس قريباً من ثلاثة أذرع
على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن وبناه رسول الله وَّ وأصحابه وجعل ينقل معهم
الحجارة بنفسه ويقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره
وجعل يقول :
هذا الجمال لا حمال خيبر هذا أبرر بنا وأطهر
وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي
يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله بهلر وهو الباب الذي يلي آل
عثمان، وجعل طول الجدار بسطه وعمده الجذوع وسقفه جريداً فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال:
عريش كعريش موسى خشيبات وتمام الشأن أعجل من ذلك، وبنى بيوتاً إلى جنبه باللبن
وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع
إلى المسجد وجعل سودة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان؛ وأخرج
الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن مجمع بن يزيد قال: بنى رسول الله رقم المسجد
مرتين، بناه حين قدم أقل من مائة في مائة فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد فيه مثله في
الدور وضرب الحجرات ما بينه وبين القبلة، وأخرج أيضاً عن أنس قال: بناه رسول الله وعليه
أول ما بناه بالجريد وإنما بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين.
وأخرج البخاري عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله وسلّ مبنياً باللبن
وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه
في عهد رسول الله وَ﴿ باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة
وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة(١) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج.
(١) في المصباح - القصة - بالفتح الجص بلغة الحجازيين.

٢٨
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
وقال الأقفهسي في تاريخ المدينة: قيل كان عرض الجدار في عهد رسول الله وَلا لبنة
ثم إن المسلمين لما كثروا بنوه لبنة ونصفاً ثم قالوا يا رسول الله لو أمرت لزدنا فقال نعم
فزادوا فيه وبنوا جداره لبنتين مختلفتين ولم يكن له سطح فشكوا الحر فأمر رسول الله وله
فأقيم له سواري من جذوع ثم طرحت عليها العوارض والحصر والأذخر فأصابتهم الأمطار
فجعل يكف عليهم(١) فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين فقال عريش كعريش
موسى والأمر أعجل من ذلك. ولما زاد فيه عمر جعل طوله مائة وأربعين ذراعاً وعرضه مائة
وعشرين ذراعاً وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل وسقفه بجريد وجعل طول السقف أحد
عشر ذراعاً وفرشه بالحصى، ولما زاد فيه عثمان - ذلك في ربيع الأول سنة تسع وعشرين -
جعل طوله مائة وستين ذراعاً وعرضه مائة وخمسين ذراعاً وجعل أبوابه ستة، ولما زاد فيه
عمر بن عبد العزيز وذلك بأمر الوليد بن عبد الملك - وكان عامله على المدينة - جعل طوله
ما تقدم عن شرح المهذب وجعل على كل ركن من أركانه الأربعة منارة للأذان وجعل له
عشرين باباً وبنى على الحجرة الشريفة حائطاً ولم يلصقه بجدار الحجرة ولا بالسقف وطوله
مقدار نصف قامة بالآجر، فلما حج سليمان بن عبد الملك هدم المنارة التي هي قبلى
المسجد من الغرب لأنها كانت مطلة على دار مروان فأذن المؤذن فأطل على سليمان وهو
في الدار فأمر بهدمها، ثم زاد فيه المهدي سنة إحدى وستين ومائة ولم يزد بعده أحد شيئاً،
ثم عمر الخليفة الناصر سنة ست وسبعين وخمسمائة في صحنه قبة لحفظ حواصل الحرم
وذخائره، ثم احترق المسجد الشريف بالنار التي خرجت من الحرة في ليلة الجمعة أول
شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة فكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم فأرسل الصناع
والآلات مع حجاج العراق سنة خمس وخمسين وستمائة فسقفوا في هذه السنة الحجرة
الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي والشرقي إلى باب جبريل وسقفوا الروضة الشريفة إلى
المنبر، ثم قتل الخليفة سنة ست وخمسين واستولى التتار على بغداد فوصلت الآلات من
صاحب اليمن الملك المظفر يوسف بن عمر ابن رسول فعمل إلى باب السلام ثم عمل من
باب السلام إلى باب الرحمة من سنة ثمان وخمسين من جهة صاحب مصر الملك المظفر
قطن المعزى، ثم انتقل الملك آخر هذه السنة إلى الملك الظاهر بيبرس الصالحي فعمل في
أيامه باقي المسجد وجعلت الأبواب أربعة، ثم لما حج سنة سبع وستين أراد أن يدير على
الحجرة الشريفة درابزيناً من خشب فقاس ما حولها بيده وأرسله سنة ثمان وستين وعمل له
ثلاثة أبواب وطوله نحو مائتين، ثم في سنة ثمان وسبعين في أيام الملك المنصور قلاوون
عملت القبة على الحجرة الشريفة، ثم في سنة أربع وتسعين في أيام الملك العادل كتبغا زيد
في الدرابزين الذي على الحجرة حتى وصل بسقف المسجد الشريف، ثم في أيام الملك
الناصر محمد بن قلاوون في سنة إحدى وسبعمائة جدد سقف الرواق الذي فيه الروضة
الشريفة، ثم جدد السقف الشرقي والغربي في سنة خمس وسبعمائة، ثم أمر بعمارة المنارة
(١) أي يتقاطر.

٢٩
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
الرابعة مكان التي هدمها سليمان بن عبد الملك فعمرت سنة ست وسبعمائة، ثم أمر بإنشاء
الرواقين في صحن المسجد من جهة القبلة في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ثم في أيام
الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون جددت القبة التي على الحجرة الشريفة، ثم
أحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون سنة خمس وستين
وسبعمائة بأن سمر عليها ألواح من خشب ومن فوقها ألواح الرصاص، ثم في أيام سلطان
العصر الملك الأشرف قايتباي في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة عمر قبة أخرى
وأشياء في المسجد، ثم أعقب ذلك نزول صاعقة من السماء فأحرقت المسجد بأسره وذلك
في ليلة ثالث عشر رمضان سنة ست وثمانين فأرسل السلطان الصناع والآلات سنة سبع
وثمانين وعليهم الخواجا شمس الدين بن الزمن فهدم الحائط القبلية وأراد أن يبني بجوار
المسجد مدرسة باسم السلطان ويجعل الحائط مشتركاً بين المسجد والمدرسة ويفتح فيه باباً
يدخل منه إلى المسجد وشبابيك مطلة عليه فمنعه جماعة من أهل المدينة فأرسل يطلب
مرسوماً من السلطان بذلك فبلغه منع أهل المدينة فقال: استفتوا العلماء فأفتاه القضاة الأربعة
وجماعة بالجواز وامتنع آخرون من ذلك، وجاءني المستفتي يوم الأحد رابع عشري رجب
من السنة المذكورة فجمعت الأحاديث المصدر بها وأرسلتها لقاضي القضاة الشافعي فذكر
أنه يرى اختصاصها بالجدار النبوي وقد أزيل، وهذا الجدار ملك السلطان يفتح فيه ما شاء
ولا يصير وقفاً إلا بوقفه، فذكرت الجواب عن ذلك من تسعة وعشرين وجهاً وألحقتها
بالأحاديث مع ما ذكر معها وأفردتها تأليفاً، ورأيت ليلة الثلاثاء سادس عشري رجب في
المنام النبي ◌َّر وهو في همة وأنا واقف بين يديه فأرسلني لا أدري إلى عمر أو غيره، ولا
أدري هل أرسلني إليه لأدعوه أو لأبلغه رسالة ولم أضبط من المنام إلا هذا القدر،
فاستيقظت وأنا أرجو أن لا يتم لهم ما أرادوه، ثم برز مرسوم السلطان بالفتح حسبما أفتاه
من أفتاه، وسافر القاصد بذلك في أواخر رجب وأرسل إلى رجلان من كبار أرباب الأحوال
يخبراني أن هذا الأمر لا يتم ففي رمضان جاء الخبر بأن ذلك قد رجع عنه وعدلوا إلى الفتح
من الجهة الغربية، وأفتى بعض الحنفية بجواز ذلك لأن دار أبي بكر رضي الله عنه كانت من
تلك الجهة وكان له باب مفتوح فيفتح نظيره فوجب النظر في ذلك. فأقول: قد ثبت في
الأحاديث السابقة وقرر العلماء أن أبا بكر رضي الله عنه لم يؤذن له في فتح الباب بل أمر
بسد بابه وأنما أذن له في خوخة صغيرة وهي المرادة في حديث البخاري، فلا يجوز الآن
فتح باب كبير قطعاً، وليس لأحد أن يقول إن المعنى الاستطراق فيستوي الباب والخوخة في
الجواز، لأن النص من الشارع و # على التفرقة حيث أمر بسد بابه وأبقى خوخته يمنع من
التسوية والإلحاق، وأما جواز فتح الخوخة الآن فأقول: لو بقيت دار أبي بكر واتفق هدمها
وإعادتها أعيدت بتلك الخوخة كما كانت بلا مرية، وكان يجب مع ذلك أن يعاد مثل تلك
الخوخة قدراً ومحلاً، فلا تجوز الزيادة فيها بالتوسعة ولا جعلها في موضع آخر من الحائط
اقتصاراً على ما ورد الإذن من الشارع الواقف فيه، لكن دار أبي بكر هدمت وأدخلت في

٣٠
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
المسجد زمن عثمان، وهل يجوز أن يبنى بإزائها دار يفتح منها خوخة نظير ذلك؟ فيه نظر
وتوقف فيحتمل المنع وهو الأقرب لأن تلك خصيصة كانت لأبي بكر فلا تتعدى داره،
ويحتمل الجواز لأمرين: أحدهما: أن حق المرور قد ثبت من هذه البقعة التي بإزاء دار أبي
بكر إلى المسجد بواسطة دار أبي بكر فيستمر. والثاني: لا أبديه خوفاً أن يتمسك به
المتوسعون وعلى الاحتمال فإنما يجوز بشرطين يتعذر الآن وجودهما أن يكون الذي يفتح
بقدر تلك الخوخة لا أوسع منه، وأن يكون على سمتها لا في محل آخر، والأمران لا
يمكن الوقوف عليهما الآن للجهل بمقدار تلك الخوخة ومحلها، وإذا لم يتحقق وجود
الشرط امتنع المشروط، فتلخص من ذلك القطع بالمنع من الخوخة ومن الشبابيك أيضاً،
ويتحقق وجود الشرطين يجاب عن الأمر الثاني الذي رمزت إليه ولم أبده إن عثر عليه عاثر،
هذا ما عندي في ذلك.
خاتمة: وأما كسوة الحجرة الشريفة فأول من كساها ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر بعد
أن استأذن الخليفة المستضيء فكساها ديباجاً أبيض، ثم بعد سنتين أرسل الخليفة المستضيء
كسوة ديباجاً بنفسجياً، ثم أرسل الخليفة الناصر لما ولي كسوة من الديباج الأسود، ثم لما
حجت أم الخليفة وعادت أرسلت كسوة كذلك، ثم صارت ترسل الكسوة من جهة مصر كل
سبع سنين من الديباج الأسود - ذكر ذلك الأقفهسي.
٤٩ - العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه
رزق من الأولاد الذكور أحداً وعشرين ولداً، ومن الإناث ثماني عشرة على خلاف في
ذلك، والذين أعقبوا من ولده الذكور خمسة، قال ابن سعد في الطبقات: كان النسل من
ولد علي لخمسة: الحسن، والحسين، ومحمد ابن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن
التغلبية. مسألة: فاطمة الزهراء رضي الله عنها رزقت من الأولاد خمسة: الحسن،
والحسين، ومحسن، وأم كلثوم، وزينب فأما محسن فدرج سقطاً، وأما الحسن والحسين
فأعقبا الكثير الطيب، وأما أم كلثوم فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وولدت له زيداً
ورقية وتزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر بن أبي طالب فمات معها ثم تزوجها بعده
أخوه محمد فمات معها ثم تزوجها بعده أخوه عبد الله بن جعفر فماتت عنده ولم تلد لأحد
من الثلاثة شيئا. وأما زينب فتزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر فولدت له علياً، وعوناً
الأكبر، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم. مسألة: أولاد زينب المذكورة من عبد الله بن جعفر
موجودون بكثرة ونتكلم عليهم من عشرة أوجه: أحدها أنهم من آل النبي ◌َّ وأهل بيته
بالإجماع لأن آله هم المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وأخرج مسلم، والنسائي عن
زيد بن أرقم قال: قام رسول الله وَ﴿ خطيباً فقال: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) ثلاثاً فقيل

٣١
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة بعده قيل: ومن هم؟ قال: آل
علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. الثاني: أنهم من ذريته وأولاده بالإجماع وهذا
المعنى أخص من الذي قبله. قال البغوي في التهذيب: أولاد بنات الإنسان لا ينسبون إليه
وإن كانوا معدودين في ذريته حتى لو أوصى لأولاد أولاد فلان يدخل فيه ولد البنت.
الثالث: أنهم هل يشاركون أولاد الحسن، والحسين في أنهم ينسبون إلى النبي وَّة؟
والجواب لا، وهذا المعنى أخص من الوجه الذي قبله. وقد فرق الفقهاء بين من يسمى
ولداً للرجل وبين من ينسب إليه ولهذا قالوا: لو قال: وقفت على أولادي دخل ولد البنت
ولو قال: وقفت على من ينسب إلي من أولادي لم يدخل ولد البنت، وقد ذكر الفقهاء من
خصائصه 08 أنه ينسب إليه أولاد بناته ولم يذكروا مثل ذلك في أولاد بنات بناته،
فالخصوصية للطبقة العليا فقط، فأولاد فاطمة الأربعة ينسبون إليه، وأولاد الحسن،
والحسين ينسبون إليهما فينسبون إليه، وأولاد زينب، وأم كلثوم ينسبون إلى أبيهم عمر،
وعبد الله لا إلى الأم إلى أبيها وَ ﴿ لأنهم أولاد بنت بنته لا أولاد بنته، فجرى الأمر فيهم
على قاعدة الشرع في أن الولد يتبع أباه في النسب لا أمه، وإنما خرج أولاد فاطمة وحدها
للخصوصية التي ورد الحديث بها وهو مقصور على ذرية الحسن، والحسين.
أخرج الحاكم في المستدرك عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((لكل بني أم عصبة إلا
ابني فاطمة أنا وليهما وعصبتهما)) وأخرج أبو يعلى في مسنده عن فاطمة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله وَلير: ((لكل بني أم عصبة إلا ابني فاطمة أنا وليهما وعصبتهما)) فانظر
إلى لفظ الحديث كيف خص الانتساب والتعصب بالحسن، والحسين دون أختيهما لأن
أولاد أختيهما إنما ينسبون إلى آبائهم. ولهذا جرى السلف والخلف على أن ابن الشريفة لا
يكون شريفاً(١) ولو كانت الخصوصية عامة في أولاد بناته وإن سفلن لكان ابن كل شريفة
شريفاً تحرم عليه الصدقة وإن لم يكن أبوه كذلك كما هو معلوم، ولهذا حكم وَالر بذلك
فاطمة دون غيرها من بناته، لأن أختها زينب بنت رسول الله وَلو لم تعقب ذكراً حتى يكون
كالحسن والحسين في ذلك وإنما أعقبت بنتاً وهي أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع، فلم
يحكم لها رَّ بهذا الحكم مع وجودها في زمنه، فدل على أن أولادها لا ينسبون إليها لأنها
بنت بنته، وأما هي فكانت تنسب إليه بناء على أن أولاد بناته ينسبون إليه، ولو كان لزينب
ابنة رسول الله وَّ# ولد ذكر لكان حكمه حكم الحسن، والحسين في أن ولده ينسبون
إليه ◌َهر. هذا تحرير القول في هذه المسألة، وقد خبط جماعة من أهل العصر في ذلك ولم
یتکلموا فيه بعلم .
الوجه الرابع: أنهم هل يطلق عليهم أشراف؟ والجواب: إن اسم الشريف كان يطلق في
الصدر الأول على كل من كان من أهل البيت سواء كان حسنياً أم حسينياً أم علوياً من ذرية
(١) راجع الكتب المؤلفة في ذلك كإسماع الصم في إثبات النسب من جهة الأم، وشرف الأسباط.

٣٢
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
محمد ابن الحنفية وغيره من أولاد علي بن أبي طالب أم جعفرياً أم عقيلياً أم عباسياً، ولهذا
تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحوناً في التراجم بذلك يقول: الشريف العباسي، الشريف
العقيلي، الشريف الجعفري، الشريف الزينبي، فلما ولي الخلفاء الفاطميون بمصر قصروا
اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط فاستمر ذلك بمصر إلى الآن، وقال الحافظ
ابن حجر في كتاب الألقاب: الشريف ببغداد لقب لكل عباسي وبمصر لقب لكل علوي
انتهى، ولا شك أن المصطلح القديم أولى وهو إطلاقه على كل علوي، وجعفري، وعقيلي
وعباسي كما صنعه الذهبي وكما أشار إليه الماوردي من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى بن
الفراء من الحنابلة كلاهما في الأحكام السلطانية، ونحوه قول ابن مالك في الألفية: وآله
المستكملين الشرفاء فلا ريب في أنه يطلق على ذرية زينب المذكورين أشراف، وكم أطلق
الذهبي في تاريخه في كثير من التراجم قوله: الشريف الزينبي، وقد يقال: يطلق على
مصطلح أهل مصر الشرف أنواع عام لجميع أهل البيت وخاص بالذرية فيدخل فيه الزينبية
وأخص منه شرف النسبة وهو مختص بذرية الحسن والحسين.
الوجه الخامس: أنهم تحرم عليهم الصدقة بالإجماع لأن بني جعفر من الآل.
السادس: أنهم يستحقون سهم ذوي القربى بالإجماع.
السابع: أنهم يستحقون من وقف بركة الحبش بالإجماع لأن بركة الحبش لم توقف على
أولاد الحسن والحسين خاصة بل وقفت نصفين: النصف الأول على الأشراف وهم أولاد
الحسن والحسين، والنصف الثاني على الطالبين وهم ذرية علي بن أبي طالب من محمد ابن
الحنفية وإخوته، وذرية جعفر بن أبي طالب، وذرية عقيل بن أبي طالب، وثبت هذا الوقف
على هذا الوجه على قاضي القضاء بدر الدين يوسف السنجاوي في ثاني عشر ربيع الآخر
سنة أربعين وستمائة، ثم اتصل ثبوته على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام تاسع
عشري ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم اتصل ثبوته على قاضي القضاة بدر الدين بن
جماعة. ذكر ذلك ابن المتوج في كتابه إيقاظ المتأمل .
الثامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟ والجواب أن هذه العلامة ليس لها أصل في
الشرع ولا في السنة ولا كانت في الزمن القديم، وإنما حدثت في سنة ثلاث وسبعين
وسبعمائة بأمر الملك الأشرف شعبان بن حسين، وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول
ذكره من ذلك قول أبي عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية المشهور
بالأعمى والبصير :
جعلوا لأبناء الرسول علامة إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في وسيم وجوههم يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وقال الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم الدمشقي :
أطراف تيجان أتت من سندس خضر بأعلام على الأشراف

٣٣
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
والأشرف السلطان خصصهم بها شرفاً ليعرفهم من الأطراف
وحظ الفقيه في ذلك إذا سئل أن يقول: ليس هذه العلامة بدعة مباحة لا يمنع منها من
أرادها من شريف وغيره، ولا يؤمر بها من تركها من شريف وغيره، والمنع منها لأحد من
الناس كائناً من كان ليس أمراً شرعياً، لأن الناس مضبوطون بأنسابهم الثابتة، وليس لبس
العلامة مما ورد به شرع فيتبع إباحة ومنعاً - أقصى ما في الباب - أنه أحدث التمييز بها هؤلاء
عن غيرهم، فمن الجائز أن يخص ذلك بخصوص الأبناء المنتسبين إلى النبي وَّر وهم ذرية
الحسن، والحسين، ومن الجائز أن يعمم في كل ذريته وإن لم ينتسبوا إليه كالزينبية، ومن
الجائز أن يعمم في كل أهل البيت كباقي العلوية، والجعفرية، والعقيلية كل جائز شرعاً،
وقد يستأنس فيها بقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن
جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فقد استدل بها بعض العلماء على.
تخصيص أهل العلم بلباس يختصون به من تطويل الأكمام وإدارة الطيلسان ونحو ذلك
ليعرفوا فيجلوا تكريماً للعلم، وهذا وجه حسن والله أعلم .
التاسع: هل يدخلون في الوصية على الأشراف؟ .
والعاشر: هل يدخلون في الوقف على الأشراف؟.
والجواب: أنه إن وجد في كلام الموصي والواقف نص يقتضي دخولهم أو خروجهم
اتبع، وإن لم يوجد فيه ما يدل على هذا ولا هذا فقاعدة الفقه أن الوصايا والأوقاف تنزل
على عرف البلد، وعرف مصر من عهد الخلفاء الفاطميين إلى الآن أن الشريف لقب لكل
حسني وحسيني خاصة فلا يدخلون على مقتضى هذا العرف وإنما قدمت دخولهم في وقف
بركة الحبش لأن واقفها نص في وقفه على ذلك حيث وقف نصفها على الأشراف، ونصفها
على الطالبيين .
آخر العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
من كتاب نزهة المجالس لعبد الرحمن الصفوري عن النبي بَّر قال: ((من لم يكن عنده
مال يتصدق به فليلعن اليهود والنصارى)). حكاية: ((خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه
يبيع إزار فاطمة رضي الله عنها ليأكلوا بثمنه فباعه بستة دراهم فرآه سائل فأعطاه إياها فجاءه
جبريل في صورة أعرابي ومعه ناقة فقال: يا أبا الحسن اشتر هذه الناقة فقال ما معي ثمنها،
قال: إلى أجل فاشتراها بمائة، ثم عرض له ميكائيل في طريقه فقال: أتبيع هذه الناقة؟ قال:
نعم واشتريتها بمائة قال: ولك من الربح ستون فباعها له فعرض له جبريل قال: بعته الناقة؟
قال: نعم قال: ادفع إلي ديني فدفع له مائة ورجع بستين فقالت له فاطمة: من أين لك هذا؟
قال: تاجرت مع الله بستة فأعطاني ستين، ثم جاء إلى النبي ◌َّر وأخبره بذلك فقال: البائع

٠٦٠
٣٤
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
جبريل والمشتري ميكائيل والناقة لفاطمة تركبها يوم القيامة)) حكاية: ((رأى عثمان بن عفان
رضي الله عنه درع علي رضي الله عنه يباع بأربعمائة درهم ليلة عرسه على فاطمة فقال عثمان
رضي الله عنه: هذا درع فارس الإسلام لا يباع أبداً فدفع لغلام علي أربعمائة درهم وأقسم
عليه أن لا يخبره بذلك ورد الدرع معه، فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس في
كل كيس أربعمائة درهم مكتوب على كل درهم هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان فأخبر
جبريل النبي ◌َّل# بذلك فقال: هنيئاً لك يا عثمان)) وعن النبي وَلَّ قال: ((من تبسم في وجه
غريب ضحك الله إليه يوم القيامة)). وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَالّ قال: ((إذا
نظر الغريب عن يمينه وشماله وعن أمامه ومن خلفه فلم ير أحداً يعرفه غفر الله له ما تقدم من
ذنبه)). وفي حديث آخر: ((إن الله تعالى لينظر كل يوم إلى الغريب ألف نظرة)) وفي حديث
آخر: ((ما من غريب يمرض فيرى ببصره فلا يقع على من يعرفه إلا كتب الله له بكل نفس
يتنفس به سبعين ألف حسنة ومحا عنه سبعين ألف سيئة)) وعن النبي وَالر قال: ((أكرموا
الغرباء فإن لهم عند الله شفاعة يوم القيامة ألا وأنه ينادي يوم القيامة ألا ليقم الغرباء فيقومون
يستبقون إلى الله ألا من أكرمهم فقد أكرمني ومن أحبهم فقد أحبني ومن أكرم غريباً في غربته
وجبت له الجنة)) .
وعنه عليه السلام أنه قال: ((ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غاب عنه
بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» وعنه عليه السلام قال: «ارحموا اليتامى وأكرموا
الغرباء فإني كنت في الصغر يتيماً وفي الكبر غريباً)). وقال عليه السلام: ((من آذى جاره فقد
آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله)).
وعنه عليه السلام قال: ((مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها». وسمع
النبي وَلّ علياً يقول: ((اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك قال: من هم؟ قال: الذين إذا
أعطوا منوا وإذا منعوا عابوا)).
فائدة: أصاب إبراهيم عليه السلام حاجة فذهب إلى صديق له ليستقرض منه شيئاً فلم
يقرضه فرجع مهموماً فأوحى الله إليه لو سألتني لأعطيتك فقال: يا رب عرفت مقتك للدنيا
فخشيت أن أسألك إياها فتمقتني فأوحى الله إليه ليست الحاجة من الدنيا. حكاية: قال
النسفي في زهرة الرياض: لما تولى سليمان الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه إلا نملة
واحدة فإنها جاءت تعزيه فعاتبها النمل في ذلك فقالت: كيف أهنئه وقد علمت أن الله تعالى
إذا أحب عبداً زوى عنه الدنيا وحبب إليه الآخرة وقد شغل سليمان بأمر لا يدري عاقبته فهو
بالتعزية أولى من التهنئة، وجاءه في بعض الأيام شراب من الجنة فقيل له: إن شربته لم
تمت فشاور جنده إلا القنفذ فإنه كان غائباً فأشاروا عليه أن يشربه فأرسل الفرس خلف القنفذ
فلم يجبها فأرسل الكلب خلفها فأجابه فسأله سليمان عن الشراب فقال: لا تشربه فإن
الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا قال. صدقت فأراق الشراب في البحر فطاب
ماؤه ثم قال له: كيف أطعت الكلب دون الفرس؟ فقال: لأنها تعدوا بصاحبها وبغيره

٣٥
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
والكلب لا يطيع إلا صاحبه وتقدم في باب المحبة أن النبي وع شير قال: ((حبب إلي من دنياكم
هذه ثلاث)).
فإن قيل: كيف أمطر الله على أيوب عليه السلام جراداً من ذهب؟ قيل: جعله الله عوضاً
عن الدود الذي أكله، فالجراد خلعة الطائع وعقوبة العاصي لأنه مخلوق من الذنوب وذلك
أن المريض تلقى ذنوبه في البحر فيخلق الله منها التمساح فإذا مات التمساح صار دوداً ثم
جراداً بإذن الله تعالى، وتقدم في فصل الأدب من كتاب الموت أنه مخلوق من طينة آدم عليه
السلام. وقال بعض الحكماء: الدنيا ميراث الغرور، ومسكن البطالين، وسوق الراغبين،
وميدان الفاسقين، وسجن المؤمنين، ومزبلة المتقين - زاد مؤلفه رحمه الله - ومزرعة
للعالمين .
فائدة: قال ابن عباس: التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء وكان النبي عليه السلام
يتوكأ عليها، وعنه عليه السلام قال: ((العصا علامة المؤمن وسنة الأنبياء ومن خرج في سفر
ومعه عصا من لوز مر أمنه الله من كل سبع ضار ولص عاص ومن كل ذات حمة حتى يرجع
إلى أهله ومنزله وكان معه سبعة وسبعون من المعقبات يستغفرون له حتى يرجع ويضعها))
وعن النبي عليه السلام قال: ((من بلغ أربعين سنة ولم يأخذ العصا عدله من الكبر والعجب))
وقال النبي عليه السلام: ((ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم
من أخذ من هذه لهذه)) .
لطيفة قال أنس: خرجت مع النبي عليه السلام فرأينا طيراً أعمى يضرب بمنقاره على
شجرة فقال النبي عليه السلام: «أتدري ما يقول؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول:
اللهم أنت العدل وقد حجبت عني بصري وقد جعت، فأقبلت جرادة فدخلت في فيه، ثم
ضرب بمنقاره على الشجرة فقال النبي عليه السلام: أتدري ما يقول؟ قلت: لا، قال: إنه
يقول: من توكل على الله كفاه وعن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: من عمل فرقة بين
امرأة وزوجها كان عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة وحرم الله عليه النظر إلى وجهه الكريم)).
موعظة: عن عمار بن ياسر عن النبي وَ لّ قال: أيما امرأة خانت زوجها في الفراش
فعليها نصف عذاب هذه الأمة وعن النبي وَ ل قال: ((من مات وهو يعمل عمل قوم لوط لم
يلبث في قبره إلا ساعة واحدة ثم يرسل الله إليه ملكاً يشبه الخطاف فيخطفه برجليه ويطرحه
في بلاد قوم لوط ويكتب على جبينه آيس من رحمة الله)) وعنه عليه السلام قال: ((يؤتى يوم
القيامة بأطفال ليس لهم رؤوس فيقول الله تعالى: من أنتم؟ فيقولون: نحن المظلومون،
فيقول: من ظلمكم؟ فيقولون: آباؤنا كانوا يأتون الذكران من العالمين فألقونا في الأدبار
فيقول الله تعالى: سوقوهم إلى النار واكتبوا على جباههم آيسين من رحمة الله)) وعنه عليه
السلام قال: ((يمسخ اللوطي في قبره خنزيراً وتدخل [النار] في منخريه وتخرج من دبره كل
يوم سبعين مرة)) وقال عليه السلام: ((العفريت أخبرنا عن إبليس فتوجه معه إلى البحر فوجده
على وجه الماء فقال: أخبرنا بأبغض الأعمال إلى الله وأحبها إليك قال: اللواط ولولا ممشاك

٣٦
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
يا بني الله ما أخبرتك)) وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((من مشى في تزويج امرأة حلالاً
يجمع بينهما رزقه الله تعالى ألف امرأة من الحور العين كل امرأة في قصر من در وياقوت
وكان له بكل خطوة خطاها أو كلمة تكلم بها في ذلك عبادة سنة قيام ليلها وصيام نهارها)).
وذكر ابن الجوزي أن الله تعالى اتخذ أربعين بدلاً من الرجال والنساء كذلك كلما مات واحد
قام مقامه آخر .
عن أنس بن مالك عن النبي وح لو قال: ((الأبدال أربعون رجلاً وأربعون امرأة كلما مات
رجل أبدل الله مكانه رجلاً، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة)).
فائدة: عن ابن مسعود عن النبي عليه السلام قال: ((إذا غسلت المرأة ثياب زوجها كتب
الله لها ألفي حسنة وغفر لها ألف سيئة واستغفر لها كل شيء طلعت عليه الشمس ورفع لها
ألفي درجة)) وقالت عائشة: ((صرير مغزل المرأة يعدل التكبير في سبيل الله، والتكبير في
سبيل الله أثقل من السموات والأرض، أيما امرأة كست زوجها من غزلها كان لها بكل سدى
مائدة ألف حسنة)) قال أبو قتادة رضي الله عنه: صرير مغزل المرأة وقراءة القرآن عند الله
سواء، وقال عليه السلام: ((من اشترى لعياله شيئاً ثم حمله بيده إليهم حط الله عنه ذنب
سبعين سنة)). وفي حديث آخر: ((من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله، ومن بكى من
خشية الله حرم الله بدنه على النار)) ورأيت في كتاب النورين في إصلاح الدارين أن النبي عليه
السلام قال: ((البيت الذي فيه البنات ينزل الله فيه كل يوم اثنتي عشرة رحمة من السماء ولا
تنقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت يكتبون لأبويهما كل يوم وليلة عبادة سنة)». وعن حذيفة
أن النبي عليه السلام قال: «أطعمني جبريل الهريسة أشد بها ظهري لقيام الليل، أول من
حرث آدم عليه السلام أدركه التعب آخر النهار فقال لحواء: ازرعي ما بقي فصار زرعها
شعيراً فتعجبت من ذلك فأوحى الله تعالى إلى آدم لما أطاعت العدو المشير أبدلنا القمح
بالشعير. وعن النبي عليه السلام قال: نعم الطعام الزبيب يشد العصب ويذهب الوصب
ويطفىء الغضب ويذهب بالبلغم ويصفي اللون ويصيب النكهة - يعني رائحة الفم)) وعن أبي
هريرة عن النبي وَ ير قال: ((ما للنفساء عندي شفاء مثل الرطب ولا للمريض مثل العسل)
وعن النبي عليه السلام قال: ((اطعموا نساءكم في نفاسهن التمر فإنه من كان طعامها في
نفاسها التمر خرج ولدها حليماً)) وعن النبي عليه السلام قال: ((أطعموا حبالاكم اللبان - يعني
بذلك حصی لبان الذكر ـ فإن يكن في بطنها ذكر يكن ذكي القلب)) وعنه عليه السلام قال:
((عليكم بأكل البلس فإنه يقطع عروق الجذام ألا وهو التين)). وعن النبي وَّر قال: ((كلوا
السفرجل فإنه يجلو عن الفؤاد وما بعث الله نبياً إلا وأطعمه من سفرجل الجنة فيزيد في قوته
قوة أربعين رجلاً» .
وعن جابر بن عبد الله قال: ((سأل النبي عليه السلام إبليس عن ضجيعه فقال: السكران،
وعن جليسه قال: الناسي يؤخر الصلاة عن وقتها، وعن ضيفه فقال: السارق، وعن أنيسه
فقال: الشاعر، وعن رسوله فقال: الكاهن، والساحر، وعن قرة عينه فقال: الذي يحلف

٣٧
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
بالطلاق وإن كان صادقاً، وعن حبيبه قال: تارك الصلاة، وعن أعز الناس قال: من سب أبا
بکر وعمر)).
ورأيت في بعض كتب الرافضة قال رجل لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن كيف سبقك
أبو بكر بالخلافة؟ فقال: لأني كنت اشتغلت بتجهيز رسول الله و لو ودفنه ثم قال: أنت
حضرت مبايعة أبي بكر؟ قال: من بايعه أولاً؟ قال: شيخ كبير معه عكاز أخضر فقال: علي
رضي الله عنه ذاك إبليس أخبرني رسول الله و ير أن أول من يبايع أبا بكر إبليس.
لطيفة: رأيت في شوارد الملح أن النبي وَلل عروس المملكة والعروس تجلى تارة بتاج
وتارة بعمامة وتارة بمنطقة وتارة بسيف فتاجه أبو بكر، وعمامته عمر، ومنطقته عثمان،
وسيفه علي. وعن النبي عليه السلام قال: أخبرني جبريل أن الله تعالى لما خلق آدم وأدخل
الروح في جسده أمرني أن آخذ تفاحة من الجنة فأعصرها في حلقه فعصرتها فخلقك الله
يا محمد من القطرة الأولى، ومن الثانية أبا بكر، ومن الثالثة عمر، ومن الرابعة عثمان،
ومن الخامسة علي بن أبي طالب. فقال آدم: يا رب من هؤلاء الذين أكرمتهم؟ فقال تعالى:
هؤلاء خمسة أشياخ من ذريتك وهؤلاء أكرم عندي من جميع خلقي فلما عصى آدم قال:
يا رب بحرمة أولئك الأشياخ الخمسة الذين فضلتهم إلا تبت علي فتاب الله عليه. وعن
النبي عليه السلام قال: ((أول من جزع من الشيب إبراهيم عليه السلام حين رآه في عارضه
فقال: يا رب ما هذه الشوهة التي شوهت بخليلك؟ فأوحى الله تعالى إليه هذا سربال الوقار
ونور الإسلام وعزتي وجلالي ما ألبسته أحداً من خلقي يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا
شريك لي إلا استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً أو أعذبه بالنار،
فقال يا رب: زدني وقاراً فأصبح رأسه مثل الغمامة البيضاء)). وعن النبي عليه السلام قال:
((اختضبوا فإن الملائكة يستبشرون بخضاب المؤمن)). وقال أبو طيبة رضي الله عنه: نفقة
درهم في سبيل الله بسبعمائة درهم ونفقة درهم في خضاب اللحية بسبعة آلاف. وعن النبي
عليه السلام قال: ((إذا دخل المؤمن في قبره وهو مختضب بالحناء أتاه منكر ونكير فقالا له:
من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول منكر لنكير: ارفق بالمؤمن أما ترى نور الإيمان. وقال
أنس: دخل رجل على النبي عليه السلام وهو أبيض الرأس واللحية فقال: ألست مسلماً؟
قال: بلى قال: فاختضب)).
فائدة: قال ابن كعب: قال النبي عليه السلام: ((من سرح رأسه ولحيته كل ليلة عوفي من
أنواع البلاء وزيد في عمره)». وعن النبي عليه السلام قال: ((من أمرّ المشط على حاجبه عوفي من
الوباء)) وقال علي رضي الله عنه عن النبي وَّر أنه قال: ((عليكم بالمشط فإنه يذهب الفقر، ومن
سرح لحيته حتى يصبح كان له أماناً حتى يمسي لأن اللحية زين الرجال وجمال الوجه)) .
فائدة: قال وهب رضي الله عنه: من سرح لحيته بلا ماء زاد همه أو بماء نقص همه،
ومن سرحها يوم الأحد زاده الله نشاطاً، أو الاثنين قضى حاجته، أو الثلاثاء زاده الله رخاء،
أو الأربعاء زاده الله نعمة، أو الخميس زاد الله في حسناته، أو الجمعة زاده الله سروراً، أو

٣٨
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
السبت طهر الله قلبه من المنكرات. ومن سرحها قائماً ركبه الدين أو قاعداً ذهب عنه الدين
بإذن الله تعالى. وعن النبي عليه السلام قال: ((إن الرجل ليكون من أهل الصلاة، والصيام،
والجهاد فما يجزى إلا على قدر عقله)) وعن ابن عباس عنه عليه السلام قال: ((لكل شيء آلة
وآلة المؤمن العقل، ولكل شيء دعامة ودعامة المؤمن العقل، ولكل قوم غاية وغاية العباد
العقل، ولكل صنف راع وراعي العابدين العقل، ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهد العقل،
ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل، ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة
العقل)) .
ورأيت عن بعض الصحابة قال: نهانا عليه السلام أن يمشط أحدنا كل يوم، وفي
الحديث: ((من سعادة المؤمن خفة لحيته)) رواه ابن عباس. وقالت عائشة: من أكل اليقطين
بالعدس رق قلبه. وعن أنس عنه عليه السلام قال: ((إن الله مدينة تحت العرش من مسك أذفر
على بابها ملك ينادي كل يوم ألا من زار عالماً فقد زار الرب فله الجنة. وعن أنس عنه عليه
السلام أنه قال: من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفس
محمد بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة ويبني له
بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له)) وعنه عليه السلام: ((من
خاض في العلم يوم الجمعة فكأنما أعتق سبعين ألف رقبة، وكأنما تصدق بألف دينار،
وكأنما حج أربعين ألف حجة وهو في رضوان الله وعفوه ومغفرته)). وقال عليه السلام: ((من
اغبرت قدماه في طلب العلم حرم الله جسده على النار واستغفر له ملكاه، وإن مات في طلبه
مات شهيداً، وكان قبره روضة من رياض الجنة، ويوسع له في قبره مد البصر، وينور على
جيرانه أربعين قبراً عن يمينه وأربعين قبراً على يساره وأربعين من خلفه وأربعين أمامه».
حكاية: قال أبو جهل: يا محمد إن أخرجت لنا طاوساً من صخرة في داري آمنت بك
فدعا ربه عز وجل فصارت الصخرة تئن أنين المرأة الحبلى ثم انشقت عن طاوس صدره من
ذهب ورأسه من زبرجد وجناحاه من ياقوت ورجلاه من جوهر، فلما رآه أبو جهل أعرض
عن الإيمان. ورأيت في الزهر الفائح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً في
أصحابه فمرت به امرأة مشركة ومعها صبي دون شهرين فلما دنت منه عبست في وجهه
فانتفض الطفل وترك ثديها وقال: يا ظالمة نفسها تعبسي في وجه رسول الله وَلّ ثم قال:
السلام عليك يا رسول الله وأكرم الخلق على الله، فقال: من أخبرك أني أكرم الخلق على
الله؟ قال بذلك فقال جبريل صدق الغلام ثم قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني من خدامك
في الجنة فدعا له فمات في الحال فقالت أمه: جاء الحق وزهق الباطل أنا أشهد أن لا إله
إلا الله وأنك رسول الله واأسفاه على ما فاتني منك يا رسول الله، فقال: أبشري فقد هدم
الغلام عنك ما فعلتيه في الجاهلية وإني لأنظر إلى كفنك وحنوطك مع الملائكة في الهواء
فماتت أيضاً في الحال فصلى عليهما النبي ◌َّر.
حكاية: في روض الأفكار: أن امرأة خرجت تسمع كلام النبي ◌َلّ فرآها شاب فقال:

٣٩
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
إلى أين؟ قالت: أسمع كلام النبي ◌َّ قال: أتحبيه؟ قالت: نعم، قال: فبحقه ارفعي نقابك
حتى أنظر وجهك ففعلت ثم أخبرت زوجها بذلك فأوقد تنوراً ثم قال: بحقه عليك ادخلي
التنور فألقت نفسها فيه ثم ذهب وأخبر النبي و له بذلك فقال: ارجع واكشف عنها فكشف
فرآها سالمة وقد جللها العرق. ودعا الله أن يرد الشمس على علي بن أبي طالب رضي الله
عنه في خيبر فطلعت بعد ما غربت، وقال عليه السلام: ((معرفة آل محمد براءة من النار،
وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب)).
رأيت في القول البديع عن علي عنه عليه السلام قال: من حج حجة الإسلام وغزا
بعدها غزاة كتبت غزاته بأربعمائة حجة فانكسرت قلوب قوم لا يقدرون على الجهاد فأوحى
الله إليه ما صلى عليك أحد إلا كتبت صلاته بأربعمائة غزاة كل غزاة بأربعمائة حجة، وقال
علي: خلق الله تعالى في الجنة شجرة ثمرها أكبر من التفاح وأصغر من الرمان ألين من الزبد
وأحلى من العسل وأطيب من المسك، وأغصانها من اللؤلؤ الرطب وجذوعها من الذهب
وورقها من الزبرجد لا يأكل منها إلا من أكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم
وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه أحدق النظر إلى رسول الله وَ لو فقال: هل
من حاجة؟ قال: لما رفعتك حليمة وأنت ابن أربعين يوماً رأيتك تخاطب القمر ويخاطبك
بلغة لم أفهمها قال: يا عم قرصني القماط في جانبي الأيمن فأردت أن أبكي فقال القمر: لا
تبك ولو قطر من دموعك قطرة على الأرض قلب الله الخضراء على الغبراء فصفق العباس
فقال: أزيدك يا عم؟ قال: نعم قال: ثم قرصني القماط في جانبي الأيسر فهممت أن أبكي
فقال القمر: لا تبك يا حبيب الله فإن وقع من دموعك قطرة على الأرض لم تنشق عن
خضراء إلى يوم القيامة فسكت شفقة على أمتي، فصفق العباس وقال: أكنت تعلم ذلك
وأنت ابن أربعين يوماً؟ فقال: يا عم والذي نفسي بيده لقد كنت أسمع صرير القلم على
اللوح المحفوظ وأنا في ظلمة الأحشاء، أفأزيدك يا عم؟ قال: نعم قال: والذي نفسي بيده
لقد خلق الله مائة ألف نبي وأربعاً وعشرين ألف نبي ما منهم من نبي علم أنه نبي حتى بلغ
أشده - وهو أربعون سنة - إلا عيسى فإنه لما نزل من جوف أمه قال: ((إني عبد الله آتاني
الكتاب)) وابن أخيك، أفأزيدك يا عم؟ قال: نعم قال: لما ولدت ليلة الاثنين خلق الله تعالى
سبعة جبال في السموات السبع وملأها من الملائكة ما لا يحصيهم إلا الله يسبحون الله
ويقدسونه إلى يوم القيامة، وجعل ثواب تسبيحهم وتقديسهم لعبد ذكرت عنده بين يديه
فأزعج أعضاءه بالصلاة عليّ - ذكره في شوارد الملح - وعنه عليه السلام قال: ((من صلى
علي صلاة وجهر بها شهد له كل حجر ومدر ورطب ويابس)). وعنه عليه السلام قال: ((من
صلى علي فتح الله عليه باباً من العافية)). وعنه عليه السلام قال: ((أكثروا من الصلاة علي
فإنها تحل العقد وتفرج الكرب)) وقال أنس: قال النبي وَله: ((من قال اللهم صل على محمد
وعلى آل محمد وكان قاعداً غفر له قبل أن يقوم وإن كان قائماً غفر له قبل أن يقعد)). وعنه
عليه السلام قال ((من شم الورد الأحمر ولم يصل علي فقد جفاني)) وعن أنس عنه عليه

٤٠
الفتاوى الحديثية / العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية
السلام قال: («خلق الله تعالى الورد الأحمر من بهائه وجعله ريحاً لأنبيائه فمن أراد أن ينظر
إلى بهاء الله ويشم رائحة الأنبياء فلينظر إلى الورد الأحمر)) وعنه عليه السلام قال: ((من أراد
أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر)).
لطيفة: يستحب إكثار الصلاة على النبي وَ ل ◌ّ عند أكل الرز لأنه كان جوهراً أودع فيه نور
محمد # فلما خرج النور منه تفتت وصار حباً. وعن علي أن النبي وَ ل قال: ((كل شيء
أخرجته الأرض فيه داء وشفاء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه)).
لطيفة: قال مؤلفه رحمه الله تعالى: سمعت والدي رحمه الله يقول لبعض الفقراء تعال
كل من هذا العدس المبارك فقال: أطعموني من الرز الميشوم. رأيت في منازل الأنوار أن
جبريل عليه السلام قال للنبي وَ# لما خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة: ((إن الله قد
أعطاك قبة في الجنة عرضها ثلاثمائة عام قد حفتها رياح الكرامة لا يدخلها إلا من أكثر
الصلاة عليك)».
فائدة: قال جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال: ((من أصبح وأمسى قال اللهم
يا رب محمد صل على محمد وآل محمد واجز محمداً بَلّ ما هو أهله أتعب سبعين كاتباً
ألف صباح ولم يبق لنبيه محمد بَّر حق أداه وغفر لوالديه وحشر مع محمد وآل محمد)).
فائدة: روى ابن أبي مليكة عن ابن جريج عن النبي عليه السلام أنه قال: ((من كان له ذو
بطن فأجمع أن يسميه محمداً رزقه غلاماً)). وقالت جليلة بنت عبد الجليل: يا رسول الله
إني امرأة لا يعيش لي ولد فقال: ((اجعلي لله عليك أن تسميه محمداً ففعلت فعاش ولدها)).
ورأيت في المورد العذب أنه عليه السلام قال ((من صبح بالصلاة عليّ في الدنيا صبحت
الملائكة بالصلاة عليه في السموات العلا)». وعنه عليه السلام قال: ((لو يعلم الأمير ما في
ذكر الله لترك إمارته، ولو يعلم التاجر ما في ذكر الله لترك تجارته، ولو أن ثواب تسبيحة
واحدة قسم على أهل الأرض لأصاب كل واحد عشرة أضعاف الدنيا)). وعن أنس أنه قال:
((من قال سبحان الله وبحمده غرست له ألف شجرة في الجنة من ذهب طلعها - أي ثمرها -
كثدي الأبكار ألين من الزبد وأحلى من الشهد كلما أخذ منها شيئاً عاد كما كان)). وعنه عليه
السلام أنه قال: ((من قال سبحان الله وبحمده خلق الله ملكاً له عينان وجناحان وشفتان ولسان
يطير مع الملائكة ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة)).
فائدة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: ((أكثروا من الحمد لله فإن
لها عينين وجناحين تطير بهما وتستغفر لقائلها إلى يوم القيامة)). موعظة عن النبي ◌َّليّ قال:
(من قطع سدرة ضرب الله رأسه في النار)).
فائدة: عنه عليه السلام: ((خلق الله نوراً قبل السموات والأرض بألف عام ثم خلق من
ذلك النور مسكاً فكتب به سورة يس وخلق لها خمسين ألف جناح فلم تمر في سماء إلا
خضعت لها سكانها وسجدوا لها فمن تعلم يس وعرف حقها كان في الدرجة العليا»،
وقوله: ((خلق لها أي لثوابها))، وعنه عليه السلام قال: ((يس تدعى في الثَّوراة المعمة قيل: