النص المفهرس

صفحات 1-20

الخَاوِي للفَتَادِي
في الفِقْهِ وَعُلومِ الْتَفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ
وَالْأصُولِ وَالنَحَوَوَالإِعرابَِ وَسَائِ الفنونِ
تأليف
الإمام العلامة حَلال الدّين عَبد الرحمن بن أبي بكر السّيولي
المتوفى سنة ٩١١ هـ
ضبطه وصحّه
عبداللطيف حسَ عبدالرحمن
الجُزْءُ الثَّاني
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرَكْبِ السُنّةِ وَالْجَمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ -١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, I ére Etage
Tel. & Fax : 00 (96| |) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-3088-9
90000>
9 782745 130884
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمَةِ
٤٥ - (المنحة في السبحة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد طال السؤال عن السبحة هل لها
أصل في السنة؟ فجمعت فيها هذا الجزء متتبعاً فيه ما ورد فيها من الأحاديث والآثار. والله
المستعان .
أخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه عن ابن
عمرو قال: ((رأيت النبي وَ ل﴿ يعقد التسبيح بيده). وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود،
والترمذي، والحاكم عن بسيرة - وكانت من المهاجرات - قالت: قال رسول الله وَله:
((عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تغفلن فتنسين التوحيد واعقدن بالأنامل فإنهن
مسؤولات ومستنطقات)).
وأخرج الترمذي، والحاكم، والطبراني عن صفية قالت: دخل علي رسول الله وَّر وبين
يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: ما هذا يا بنت حيي؟ قلت: أسبح بهن، قال: قد
سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا، قلت: علمني يا رسول الله قال: ((قولي سبحان
الله عدد ما خلق من شيء)) صحيح أيضاً. وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي،
وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص: ((أنه دخل مع
النبي ◌َ على امرأة وبين يديها نوى - أو حصى - تسبح فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك
من هذا وأفضل؟ قولي سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في
الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، الله أكبر مثل ذلك،
والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)).
وفي جزء هلال الحفار، ومعجم الصحابة للبغوي، وتاريخ ابن عساكر من طريق
معتمر بن سليمان عن أبي بن كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي وَالقر أنه كان
يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى الأولى
أتى به فيسبح به حتى يمسي. وأخرجه الإمام أحمد في الزهد ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن
زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية - رجل من أصحاب النبي وَّر وكان
جارنا - قالت: فكان يسبح بالحصى.
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى،
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد أن سعداً كان يسبح بالحصى، أو النوى،
٣

٤
الفتاوى الحديثية / المنحة في السبحة
وقال ابن سعد في الطبقات: أنا عبيد الله بن موسى أنا إسرائيل عن جابر عن امرأة حدثته عن
فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها .
وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبي هريرة
عن جده أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وأخرج أحمد في
الزهد ثنا مسكين بن نكير أنا ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي
الدرداء نوى من نوى العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح
بهن حتی ینفدن.
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه يسبح بالنوى المجزع، وقال الديلي في مسند
الفردوس: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فتحويه الثقفي ثنا علي بن
محمد بن نصرويه ثنا محمد بن هارون بن عيسى بن المنصور الهاشمي حدثني محمد بن
علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي
حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعاً: ((نعم المذكر
السبحة)) .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أنه كان يسبح بالحصى، وأخرج من طريق
أبي نضرة عن رجل من الطفاوة قال: نزلت على إبراهيم ومعه كيس فيه حصى أو نوى
فيسبح به حتى ينفد، وأخرج عن زاذان قال: أخذت من أم يعفور تسابيح لها فلما أتيت علياً
قال: أردد على أم يعفور تسابيحها .
ثم رأيت كتاب تحفة العباد ومصنف متأخر عاصر الجلال البلقيني - فصلاً حسناً في
السبحة قال فيه ما نصه: قال بعض العلماء: عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث
ابن عمرو، لكن يقال إن المسبح إن آمن من الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة
أولی.
وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة رضي الله
عنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتي عشرة ألف تسبيحة قاله
عكرمة، وفي سنن أبي داود من حديث أبي نضرة الغفاري قال: حدثني شيخ من طفاوة
قال: تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلاً أشد تشميراً ولا أقوم على ضيف منه قال: فبينما
أنا عنده يوماً وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية سوداء وهو
يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فأعادته في الكيس فدفعته إليه يسبح - قوله
تثويت - أي تضيفته ونزلت في منزله - والمثوى المنزل وقيل: كان أبو هريرة رضي الله عنه
يسبح بالنوى المجزع - يعني الذي حك بعضه حتى ابيض شيء منه وترك الباقي على لونه -
وكل ما فيه سواد وبياض - فهو مجزع - قاله أهل اللغة: وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال
في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وذكر
أيضاً عن سلمة بن شبيب قال: كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة

الفتاوى الحديثية / المنحة في السبحة
سوى ما يقرأ فلما وضع ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها - يعني بالتسبيح - ومن المعلوم
المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفاً وأقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك
وثبت أنهما كانا يعدان بآلة والله أعلم.
وكان لأبي مسلم الخولاني رحمة الله عليه سبحة فقام ليلة والسبحة في يده قال:
فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في
ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات قال: هلمي يا أم مسلم فانظري
إلى أعجب الأعاجيب قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت.
ذكره أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري في كتاب كرامات الأولياء.
وقال الشيخ الإمام العارف عمر البزار: كانت سبحة الشيخ أبي الوفا كاكيش - وبالعربي
عبد الرحمن - التي أعطاها لسيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس الله
أرواحهم إذا وضعها على الأرض تدور وحدها حبة حبة، وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن
خلكان في وفيات الأعيان أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله يوماً سبحة
فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ قال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه، قال:
وقد رويت في ذلك حديثاً مسلسلاً - وهو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن
أبي بكر بن عبد الله من لفظه ـ ورأيت في يده سبحة قال: أنا الإمام أبو العباس أحمد بن أبي
المحاسن يوسف بن البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة قال: أنا أبو المظفر
يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة.
قال: قرأت على شيخنا أبي الثناء ورأيت في يده سبحة قال: [أنا عبد الصمد بن أحمد
ابن عبد القادر ورأيت في يده سبحة قال] أنا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج
عبد الرحمن بن علي ورأيت في يده سبحة قال: أنا أبي ورأيت في يده سبحة قال: قرأت
على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة قال: قرأت على أبي محمد عبد الله بن
أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة قلت له: سمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي
الحداد ورأيت في يده سبحة؟ فقال: نعم قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن
عمر المقري ورأيت في يده سبحة قال: رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم
المترفق الصوفي وفي يده سبحة قال: سمعت أبا الحسن المالكي يقول: وقد رأيت في يده
سبحة فقلت له: يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال: كذلك رأيت أستاذي الجنيد
وفي يده سبحة فقلت له: يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة؟ قال: كذلك رأيت أستاذي
سري بن مغلس السقطي وفي يده سبحة فقلت: يا أستاذ أنت مع السبحة؟ فقال: كذلك
رأيت أستاذي معروف الكرخي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال: كذلك رأيت
[بشر الحافي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال كذلك رأيت] أستاذي عمر المالكي
وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال: كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يده
سبحة فقلت: يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال

٦
الفتاوى الحديثية / المنحة في السبحة
لي: شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله بقلبي وفي
يدي ولساني، فلو لم يكن في اتخاذ السبحة غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في سلكهم
والتماس بركتهم لصارت بهذا الاعتبار [من أهم الأمور] وآكدها فكيف بها وهي مذكرة بالله
تعالى لأن الإنسان قل أن يراها إلا ويذكر الله وهذا من أعظم فوائدها وبذلك كان يسميها
بعض السلف رحمه الله تعالى. ومن فوائدها أيضاً الاستعانة على دوام الذكر، كلما رآها ذكر
أنها آلة للذكر فقاده ذلك إلى الذكر، فيا حبذا سبب موصل إلى دوام ذكر الله عز وجل،
وكان بعضهم يسميها حبل الوصل، وبعضهم رابطة القلوب. وقد أخبرني من أثق بقوله: إنه
كان مع قافلة في درب بيت المقدس فقام عليهم سرية عرب وجردوا القافلة جميعهم
وجردوني معهم فلما أخذوا عمامتي سقطت مسبحة من رأسي فلما رأوها قالوا: هذا صاحب
سبحة فردوا علي ما كان أخذ لي وانصرفت سالماً منهم. فانظر يا أخي إلى هذه الآلة
المباركة الزاهرة وما جمع فيها من خيري الدنيا والآخرة، ولم ينقل عن أحد من السلف ولا
من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك
مكروهاً، وقد رؤي بعضهم يعد تسبيحاً فقيل له: أتعد على الله؟ فقال: لا ولكن أعد له،
والمقصود أن أكثر الذكر المعدود الذي جاءت به السنة الشريفة لا ينحصر بالأنامل غالباً ولو
أمكن حصره لكان الاشتغال بذلك يذهب الخشوع وهو المراد والله أعلم.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن بكر بن خنيس عن رجل سماه قال: كان في يد أبي
مسلم الخولاني سبحة يسبح بها قال: فقام والسبحة في يده فاستدارت السبحة فالتفت على
ذراعه وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك
يا منبت النبات ويا دائم الثبات فقال: هلم يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب فجاءت
أم مسلم والسبحة تدور تسبح فلما جلست سكنت. وقال عماد الدين المناوي في سبحة :
ومنظومة الشمل يخلوبها اللبيب فتجمع من همته
إذا ذكر الله جل اسمه عليها تفرق من هيبته
مسألة: هل تداوى النبي وَ ل# فإنه ثم من أنكر ذلك وقال إنه أمر بالتداوي ولم يتداو؟.
الجواب: نعم قال النووي في شرح مسلم في حديث: ((هم الذين لا يكتوون ولا
يسترقون وعلى ربهم يتوكلون)) اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال الإمام أبو عبد الله
المازري: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوي مكروه ومعظم العلماء على
خلاف ذلك واحتجوا بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره وَلو لمنافع الأدوية والأطعمة
كالحبة السوداء، والقسط والصبر وغير ذلك وبأنه ◌َ ل# تداوى، وبأخبار عائشة بكثرة تداويه،
ثم نقل عن القاضي عياض أنه وَ و تطبب في نفسه وطبب غيره انتهى.
قلت: يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن السني، وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي من
طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين أعجب من
بصرك بالطب قالت: يا ابن أختي إن رسول الله وَلقر لما طعن في السن سقم فوفدت الوفود

٧
الفتاوى الحديثية / أعذب المناهل في حديث من قال أنا عالم فهو جاهل
فنعتت فمن ثم، وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن عبد الرحمن المليكي قال: حدثني
عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة: يا خالة إني لأفكر في أمرك وأتعجب أن وجدتك عالمة
بالطب فمن أين؟ فقالت: إن رسول الله وَ ل﴿ كثرت أسقامه فكنا نعالج له. وأخرج أبو نعيم
من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة أنه قيل لها من أين تعلمت الطب؟.
قالت: كان رسول الله و # رجلاً مسقاماً وكان يقدم عليه وفود العرب والعجم فتنعت له
فتعلمت ذلك. وأخرج البخاري، ومسلم عن سهل بن سعد أنه سئل بأي شيء دووي جرح
النبي ◌َّ يوم أحد؟ فقال: كانت فاطمة تغسل الدم وعلي يسكب الماء عليها فلما رأت
فاطمة الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رماداً ألصقته
بالجرح فاستمسك الدم. وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه عن ابن عباس أن النبي وَل
استعط. وأخرج ابن السني عن ابن عباس قال: ((احتجم رسول الله وَلير واستعط)). وأخرج
ابن السني عن أبي هريرة ((أنه دخل على النبي ◌َّ وهو يحتجم فقال: أي شيء هذا
يا رسول الله؟ فقال: الحجم قلت: وما الحجم يا رسول الله؟ قال: خير ما تداوى به
العرب)) وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة قال: ((دخل أعرابي على النبي بَّر وهو يحتجم
فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذا الحجم وهو خير ما تداويتم به)) وأخرج ابن السني عن
عبد الله بن جعفر قال: احتجم رسول الله وَّل على قرنه بعدما سم. وأخرج أبو داود، وابن
ماجه عن جابر أن النبي وَّر احتجم على وركه من وني كان به [يعني من وهن دون الخلع
والكسر]. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أنس أن النبي ◌ُّر احتجم [وهو محرم على
ظهر القدم من وجع كان به. وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم احتجم] في رأسه من أذى كان به. وأخرج أبو نعيم عن أنس أن النبي ◌َّر احتجم من
وجع كان برأسه وهو محرم. وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَلٍّ إذا
نزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء (١) وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عثمان
أن النبي ◌َّر احتجم تحت كتفه اليسرى من الشاة التي أكل يوم خيبر، وأخرج أبو نعيم عن
علي قال: ((لدغت النبي ◌َّر عقرب وهو يصلي فقال: لعنك الله لا تدعين نبياً ولا غيره ثم
دعا بماء وملح فجعل يمرسها عليها)).
٤٦ - أعذب المناهل
في حديث من قال أنا عالم فهو جاهل
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. سئلت عن حديث من قال أنا عالم فهو جاهل.
الجواب: هذا إنما يعرف من كلام يحيى بن أبي كثير موقوفاً عليه على ضعف في إسناده
(١) أي يلطخه بها .

٨
الفتاوى الحديثية / أعذب المناهل في حديث من قال أنا عالم فهو جاهل
إليه ويحيى من صغار التابعين فإنه رأى أنس بن مالك وحده، وقد يعد في أتباع التابعين
باعتبار أنه لم يلق غيره من الصحابة ولا يعرف له عن أحد منهم رواية متصلة، وقد وهم
بعض الرواة فرفعه إلى النبي ◌َ ل# إن وجد عنه الجزم بذلك، وذلك أن الحديث أخرجه
الطبراني في الأوسط من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر لا أعلمه إلا عن
النبي ◌َّ فذكره، وقال الطبراني: لا يروى عن النبي ◌َّ إلا بهذا الإسناد، وهذا الحديث
حكم عليه الحفاظ بالوهم في رفعه فإن ليث بن أبي سليم متفق على ضعفه قال فيه أحمد بن
حنبل: مضطرب الحديث. وقال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً في أحد منه في ليث لا
يستطيع أحد أن يراجعه فيه، وقال فيه ابن معين، والنسائي: ضعيف، وقال ابن معين: ليث
أضعف من عطاء بن السائب، وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريراً عن ليث، وعن
عطاء بن السائب، وعن يزيد بن أبي زياد فقال: كان يزيد أحسنهم استقامة في الحديث ثم
عطاء وكان ليث أكثرهم تخليطاً، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وسألت أبي عن هذا
فقال: أقول كما قال جرير، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا يحيى بن معين عن
يحيى بن سعيد القطان أنه كان لا يحدث عن ليث بن أبي سليم، وقال عمرو بن علي: كان
يحيى لا يحدث عن ليث بن أبي سليم، وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة يضعف
ليث بن أبي سليم، وقال علي بن المديني: قلت لسفيان إن ليثاً روى عن طلحة بن مصرف
عن أبيه عن جده أنه رأى النبي وَلهو يتوضأ فأنكر ذلك سفيان وعجب منه أن يكون جد طلحة
لقي النبي بَلير، وقال علي بن محمد الطنافسي: سألت وكيعاً عن حديث من حديث ليث بن
أبي سليم فقال: ليث ليث كان سفيان لا يسمى ليثاً، وقال قبيصة، قال شعبة لليث بن أبي
سليم: أين اجتمع لك عطاء، وطاوس، ومجاهد؟ فقال إذ أبوك يضرب بالخف ليلة عرسه
فما زال شعبة متقياً لليث مذ يومئذ، وقال أبو حاتم: أقول في ليث كما قال جرير بن
عبد الحميد، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به وهو
مضطرب الحديث، وقال أبو زرعة أيضاً: ليث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث،
وقال مؤمل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس لم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: قد رأيته
وكان قد اختلط وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن، وقال ابن حبان: اختلط في آخر
عمره.
هذا مجموع كلام أئمة الحديث في تخريجه. والحاصل أنه كان في حال صحة عقله
كثير التخليط في حديثه بحيث جرح بسبب ذلك ثم طرأ له بعد ذلك الاختلاط في عقله
فازداد حاله سوءاً، وحكم المختلط الذي كان قبل اختلاطه من الثقات الحفاظ المحتج بهم
أن ما رواه بعد اختلاطه يرد، وكذا ما شك فيه هل رواه قبل الاختلاط أو بعده فإنه مردود.
فإذا كان هذا حكم من اختلط من الثقات الحفاظ الذين يحتج بهم فكيف بمن اختلط من
الضعفاء المجروحين الذين لا يحتج بهم قبل طروء الاختلاط عليهم؟ وقد جرت عادة
الحفاظ إذا ترجموا أحداً ممن تكلم فيه أن يسردوا في ترجمته كثيراً من الأحاديث التي

٩
الفتاوى الحديثية / أعذب المناهل في حديث من قال أنا عالم فهو جاهل
أنكرت عليه، وإن كان له أحاديث سواها صالحة نبهوا على أن ما عدا ما سردوه من أحاديثه
صالح مقبول خصوصاً إذا كان ذلك الرجل ممن خرج له في أحد الصحيحين فإنهم يقولون:
إن صاحب الصحيح لم يخرج من حديثه إلا ما صح عنده من طريق غيره فلا يلزم من ذلك
قبول كل ما رواه هكذا نصوا عليه. وهذا الرجل روى له مسلم مقروناً بأبي إسحاق الشيباني
فالحجة في رواية أبي إسحاق والحديث الذي خرجه صحيح من طريق أبي إسحاق لا من
طريق ليث بن أبي سليم. ولما ترجمه ابن عدي في الكامل سرد أحاديثه التي أنكرت عليه ثم
قال: له أحاديث صالحة غير ما ذكرت، وكذا صنع الحافظ الذهبي في الميزان سرد له أكثر
من عشرة أحاديث أنكرت عليه منها هذا الحديث الذي نحن فيه - أعني حديث من قال: أنا
عالم فهو جاهل - وحديث من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمداً فقد جهل. وقد
أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وحديث كان باليمن ماء يقال له زعاق من شرب منه
مات فلما بعث النبي ◌َّر وجه إليه أيها الماء أسلم فقد أسلم الناس فكان بعد ذلك من شرب
منه حم ولا يموت، في أحاديث أخر على أن هذا الحديث الذي نحن فيه لم يجزم ليث
برفعه لقوله فيما تقدم: لا أعلمه إلا عن النبي ◌َّهو وهذه صيغة تقال عند الشك.
ومما يؤيد بطلان هذا الحديث الذي نحن فيه من جهة المعنى ثبوت هذا اللفظ عن
جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان،
وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وما كان هؤلاء ليقعوا في شيء ورد فيه ذم عن
النبي ◌َّ ر، وكذا ثبت مثل ذلك عن خلائق لا يحصون من التابعين فمن بعدهم كما سقت
رواياتهم وألفاظهم في الكتاب المسمى - بالصواعق على النواعق - ولا شك أن مثل هؤلاء
الأئمة لا يطبقون على التلفظ بما ذم النبي ◌َ ﴿ التلفظ به، وأبلغ من ذلك قول نبي الله يوسف
عليه السلام فيما حكاه الله عنه في التنزيل ﴿إِنّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فإن قلت:
كيف حكم على الحديث بالإبطال وليث لم يتهم بكذب؟ قلت: الموضوع قسمان: قسم
تعمد واضعه وضعه وهذا شأن الكذابين. وقسم وقع غلطاً لا عن قصد وهذا شأن المخلطين
والمضطربين الحديث كما حكم الحفاظ بالوضع على الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في
سننه وهو من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار فإنهم أطبقوا على أنه موضوع وواضعه
لم يتعمد وضعه وقصته في ذلك مشهورة. وإلى ذلك أشار العراقي في ألفيته بقوله: ومنه
نوع وضعه لم يقصد، نحو حديث ثابت من كثرت صلاته الحديث وهلة سرت.
وأكثر ما يقع الوضع للمغفلين والمخلطين والسيىء الحفظ بعزو كلام غير النبي صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم إليه إما كلام تابعي، أو حكيم، أو أثر إسرائيلي كما وقع في المعدة
بيت الداء والحمية رأس الدواء، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وغير ذلك يكون معروفاً
بعزوه إلى غير النبي ◌ّله﴿ فيلتبس على المخلط فيرفعه إليه وهماً منه فيعده الحفاظ موضوعاً،
وما ترك الحفاظ بحمد الله شيئاً إلا بينوه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ (7)﴾ [الحجر:
٩] ولكن يحتاج إلى سعة النظر وطول الباع وكثرة الاطلاع، وقد يقع الوضع في لفظة من

١٠
الفتاوى الحديثية / حسن التسليك في حكم التشبيك
الحديث لا في كله كحديث لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح فإن الحديث
صدره ثابت، وقوله: أو جناح موضوع تعمده واضع تقرباً إلى الخليفة المهدي لما كان
مشغوفاً باللعب بالحمام، وقد وقع نظير ذلك لليث هذا صاحب هذا الحديث فإنه روى عن
مجاهد، وعطاء عن أبي هريرة في الذي وقع على أهله في رمضان قال له النبي ◌َّ: أعتق
رقبة قال: لا أجد، قال: اهد بدنة، قال: لا أجد، قال الحفاظ: ذكر البدنة فيه منكر
والظاهر أن ليئاً إنما زادها غفلة وتخليطاً لا عن قصد وعمد والله أعلم.
٤٧ - حسن التسليك في حكم التشبيك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى: قال البخاري في صحيحه: ((باب تشبيك
الأصابع في المسجد وغيره)) وأورد فيه حديث أبي موسى الأشعري عن النبي وَّ قال: ((إن
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه)» وحديث أبي هريرة ((صلى بنا
رسول الله ◌َو إحدى صلاتي العشي فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في
المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه)) قال
الحافظ ابن حجر في شرحه: حديث أبي موسى دال على جواز التشبيك مطلقاً. وحديث
أبي هريرة دال على جوازه في المسجد فهو في غيره أجوز. ووقع في بعض نسخ البخاري
قبل هذين الحديثين حديث آخر نصه: حدثنا حامد بن عمر ثنا بشر ثنا عاصم ثنا واقد عن
أبيه عن ابن عمر قال: شبك النبي ◌َّلية أصابعه، قال الحافظ مغلطاي: هذا الحديث ليس
موجوداً في أكثر نسخ الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: هو ثابت في رواية حماد بن شاكر
عن البخاري قال ابن بطال: المقصود من هذه الترجمة معارضة ما ورد في النهي عن
التشبيك في المسجد وقد وردت فيه مراسيل ومسند من طرق غير ثابتة، وقال ابن المنير:
التحقيق أنه ليس بين الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، وجمع
الإسماعيلي بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصداً إليها إذ منتظر الصلاة في حكم
المصلي، وقيل: إن حكمة النهي عنه لمنتظر الصلاة أن التشبيك يجلب النوم وهو من مظان
الحدث. وقيل: إن صورته تشبه صورة الاختلاف، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة
حتى لا يقع في المنهي عنه وهو قوله ◌َّ للمصلين: ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وقال
الحافظ مغلطاي في شرح البخاري: زعم بعضهم أن هذه الأحاديث التي أوردها البخاري في
هذا الباب معارضة لحديث النهي عن التشبيك، وقال ابن بطال: إن حديث النهي ليس
مساوياً لهذه الأحاديث في الصحة، وقال الأكثر: حديث النهي مخصوص بالصلاة وهو قول
مالك: روي عنه أنه قال: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس إنما يكره
في الصلاة ورخص فيه ابن عمر، وسالم ابنه، فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ثم
قال مغلطاي: والتحقيق أنه ليس بين حديث النهي عن التشبيك وبين تشبيكه وَ ط* بين أصابعه

١١
الفتاوى الحديثية / حسن التسليك في حكم التشبيك
لأن النهي إنما ورد عن فعله في الصلاة أو في المضي إليها، وفعله مشير للتشبيك ليس في
صلاة ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذن وبقي كل حديث على حياله انتهى.
قلت: ومن الأحاديث في تشبيكة وَل# ما أخرجه البخاري، والبيهقي في شعب الإيمان
عن ابن عمر قال: ((رأيت رسول الله وَ الل بفناء الكعبة محتبياً بيده هكذا - زاد البيهقي -
وشبك بين أصابعه)) وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله وليه
قال: ((كيف بكم وبزمان يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم
وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه))، وأخرج البزار عن ثوبان قال: قال
رسول الله ◌َّل: ((كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأيمانهم وأماناتهم وصاروا هكذا
وشبك بين أصابعه)). وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي قال: ((خرج علينا
رسول الله وَ لر يوماً فقال: ((كيف ترون إذا أخرتم في زمان حثالة من الناس قد مرجت
عهودهم ونذورهم فاشتبكوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال:
تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون ويقبل أحدكم على خاصة نفسه ويذر أمر العامة» .
وأخرج الطبراني عن عبادة الصامت قال: قال رسول الله وَ الر «كيف أنت إذا كنت في
حثالة من الناس واختلفوا حتى يكونوا هكذا وشبك بين أصابعه؟ قال: الله ورسوله أعلم
قال: خذ ما تعرف ودع ما تنكر) وأخرج الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي بسند
صحيح على شرط مسلم عن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وضع رسول الله وَلّم
سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا
وعثمان بن عفان حتى أتينا رسول الله والر فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر
فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا
وقرابتنا واحدة؟ فقال النبي وَّر: ((أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن
وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه)). وأخرج البيهقي في الزهد عن أبي ذر قال: قال لي
رسول الله وَلة: ((يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة وشبك بين أصابعه؟ قلت يا رسول
الله ما تأمرني؟ اصبر اصبر اصبر خالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم)).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَالر: ((إذا دفن العبد
الكافر يقول له القبر لا مرحباً ولا أهلاً ثم يلتئم عليه حتى تلتقي أضلاعه وقال
رسول الله ﴿ بأصابع يديه فشبكها)) وأخرج مسلم، وأبو داود عن جابر في حديث
الحج قال: قام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك
رسول الله وَّيّ أصابعه في الأخرى وقال: ((دخلت العمرة في الحج مرتين)) وأخرج ابن
عساكر عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله وَالر: ((أي المؤمنين أعلم؟ قلت: الله
ورسوله أعلم قال: إذا اختلفوا وشبك بين أصابعه أبصرهم بالحق وإن كان في عمله
تقصير وإن كان يزحف زحفاً».

١٢
الفتاوى الحديثية / حسن التسليك في حكم التشبيك
ذكر الحديث المسلسل بالتشبيك
أخبرني شيخنا الإمام تقي الدين الشمني بقراءتي عليه، والجلال أبو المعالي القمصي،
وأبو العباس أحمد بن الجمال - عبد الله بن علي الكناني - سماعاً عليهما بالقاهرة، وناصر
الدين أبو الفرج ابن الإمام زين الدين أبي بكر المراغي بقراءتي عليه بمكة المشرفة، والحافظ
تقي الدين أبو الفضل بن فهد الهاشمي سماعاً عليه بمنى وشبك كل منهم بيدي قال الأول،
والثاني، والثالث: أنا الجمال عبد الله بن علي الحنبلي وشبك بيد كل منا قال: أنا أبو
الحسن علي بن أحمد العرضي وشبك بيدي، وقال الرابع: أنا الشيخ شمس الدين محمد بن
محمد الجزري وشبك بيدي وقال: أنا أبو حفص عمر بن حسن المزي وشبك بيدي قال
هو. والعرضي: أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري وشبك بيدي كل منا أنا عمر بن
سعيد الحلبي وشبك بيدي أنا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي وشبك بيدي أنا الحافظ
وإسماعيل بن محمد التيمي وشبك بيدي أنا الإمام أبو محمد الحسن بن أحمد السمر قندي
وشبك بيدي أنا أبو العباس جعفر بن محمد المستغفري وشبك بيدي أنا أبو بكر أحمد بن
عبد العزيز المكي وشبك بيدي أنا أبو الحسين محمد بن طالب وشبك بيدي أنا أبو عمر
عبد العزيز بن الحسن بن بكر بن عبد الله بن الشرود الصنعاني وشبك بيدي قال: شبك بيدي
أبي ح وقال الخامس: أنا القاضي جمال الدين بن ظهيرة وشبك بيدي أنا البهاء عبد الله بن
محمد المكي وشبك بيدي أنا الرضي الطبري وشبك بيدي أنا أبو الحسن بن بنت الجميزي
وشبك بيدي أنا الشرف بن أبي عصرون وشبك بيدي أنا القاضي أبو عبد الله بن نصر وشبك
بيدي حدثنا أبو بكر الطريثيثي وشبك بيدي ثنا علي بن أبي نصر وشبك بيدي حدثنا
محمد بن علي بن هاشم وشبك بيدي حدثنا عبيد بن إبراهيم الصنعاني وشبك بيدي ثنا
بكر بن الشرود وشبك بيدي وقال: شبك بيدي ابن أبي يحيى. وقال ابن أبي يحيى: شبك
بيدي صفوان بن سليم. وقال صفوان: شبك بيدي أيوب بن مالك الأنصاري. وقال أيوب:
شبك بيدي عبد الله بن رافع. وقال عبد الله بن رافع: شبك بيدي أبو هريرة. وقال أبو هريرة:
شبك بيدي أبو القاسم وَ الر وقال: ((خلق الله الأرض يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم
الاثنين والمكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميس وآدم يوم الجمعة)).
مسألة :
قد فاق سالفه في العجم والعرب
ماذا يقول إمام العصر مجتهد
في يوم بدر عقيب النصر والنصب؟
فيما روى عن رسول الله سيدنا
ضمن القليب قضوا للنار واللهب
بأنه قال للكفار حين رموا
حقاً وفزنا بنيل القصد والأرب
أهل القليب وجدنا وعد خالقنا
وبعض أصحابه قد مال للعجب؟
فهل وجدتم حقيقاً وعد ربكم
وقال كلمت خير الخلق من مضر
موتى خلوا عن سماع الصدق والكذب

١٣
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
منكم لأسمع في بعض من الكتب
وأن أحمد الخلق قال له
في محكم الذكر للمبعوث خير نبي
وأن تقولوا روى في قول خالقنا
معارض للذي قلناه في الرتب؟
لا يسمع الميت ماذا القول فيه وهل
بواضح الفرق خالي الشك والريب
لا زلت ترشد عبداً ضل في حلك
ونلت أعلى مقام في النعيم غداً مهنئاً بسرور غير مقتضب
الجواب :
ثم الصلاة على المبعوث خير نبي
الحمد لله حمداً دائم الحقب
سماع موتى كلام الخلق معتقد
جاءت به عندنا الآثار في الكتب
لا يقبلون ولا يصغوا إلى أدب
وآية النفي معناها سماع هدى
٤٨ - شد الأثواب في سد الأبواب *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهٍ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. روى البخاري، ومسلم، والترمذي،
والنسائي، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((خطب رسول الله وَلقر الناس
وقال: إن الله خَيَّرَ عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر
فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن عبد خير فكان
رسول الله ﴿ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله وَله: إن من أمن الناس علي
في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن إخوة
الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر - وفي لفظ - لا يبقين في
المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)) أخرجه ابن عساكر، وفي لفظ: ((ثم هبط عن
المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة)) أخرجه أحمد، والدارمي هذا حديث متواتر كما سأشير
إلى طرقه. قال النووي في شرح مسلم: فيه خصيصة لأبي بكر رضي الله عنه. وقال ابن
شاهين في السنة: تفرد أبو بكر رضي الله عنه بهذه الفضيلة. وللأمر بسد الأبواب في
المسجد النبوي طرق كثرة تبلغ درجة التواتر فأخرج البخاري، والنسائي عن ابن عباس قال:
((خرج رسول الله ◌َّهر في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه في خرقة فقعد على المنبر فحمد
الله وأثنى عليه وقال: ((إنه ليس أحد أمنّ علي في نفسه وماله من أبي بكر ولو كنت متخذاً
من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن خلة الإسلام أفضل سدوا عني كل خوخة في
هذا المسجد غير خوخة أبي بكر)). وأخرج ابن سعد من طريق الزهري أخبرني أيوب بن
بشير الأنصاري عن بعض أصحاب رسول الله # أن رسول الله وَلل خرج فاستوى على

١٤
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
المنبر فتشهد فلما قضى تشهده قال: إن عبداً من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند ربه
فاختار ما عند ربه ففطن لها أبو بكر الصديق أول الناس فعرف إنما يريد النبي وَّر نفسه
فبكى أبو بكر فقال له رسول الله وَ ر: على رسلك يا أبا بكر سدوا هذه الأبواب الشوارع
في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءاً أفضل عندي يداً في الصحابة من أبي بكر))
وأخرج الطبراني بسند حسن عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله وَاليقول: ((صبوا
عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم فخرج عاصباً رأسه حتى
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عبداً من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند
الله فاختار ما عند الله فلم يفهمها إلا أبو بكر فبكى فقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا،
فقال رسول الله وَله: على رسلك أفضل الناس عندي في الصحبة وذات اليد ابن أبي قحافة
انظروا هذه الأبواب الشوارع في المسجد فسدوها إلا ما كان من باب أبي بكر فإني رأيت
عليه نوراً)) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال:
قال رسول الله وَلير: ((أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير
خوخة أبي بكر)) وأخرج أبو يعلى بسند رجاله ثقات عن بعض الصحابة أن رسول الله ولد
قال في مرض موته: انظروا هذه الأبواب اللاصقة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت
أبي بكر فإني لا أعلم أحداً كان أفضل عندي في الصحبة منه)).
وأخرج البزار بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله وَلجر: ((سدوا عني كل باب إلا
باب أبي بكر)) وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: أمر رسول الله وص له بسد
الأبواب التي في المسجد إلا باب أبي بكر وأخرج الدارمي في مسنده عن عائشة قالت: قال
النبي ◌َّر في مرضه: ((صبوا عليّ من سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج إلى الناس
فأعهد إليهم فصببنا عليه فخرج فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إن عبداً من
عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر فقال: على
رسلك سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءاً أفضل
عندي يداً في الصحبة من أبي بكر)) وأخرج الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن
عمر أن النبي ◌َّر قال: ((لا تؤذوني في صاحبي ولولا أن الله سماه صاحباً لاتخذته خليلاً ألا
فسدوا كل خوخة إلا خوخة ابن أبي قحافة)) وأخرج ابن سعد في الطبقات، وابن عدي في
الكامل عن يحيى بن سعيد أن النبي وَّو قال: ((إن أعظم الناس علي منا في الصحبة وذات
يده أبو بكر فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها في المسجد إلا باب أبي بكر، فقال ناس:
أغلق أبوابنا وترك باب خليله فقال رسول الله وتطهير: قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر
وإني أرى على باب أبي بكر نوراً وأرى على أبوابكم ظلمة)» مرسل، وقد أخرجه أبو طاهر
المخلص في فوائده، وابن عدي في الكامل، وابن عساكر في تاريخه موصولاً من طريق
يحيى بن سعيد عن أنس به وزاد: ((فكانت الآخرة أعظم عليهم من الأولى قال ابن عدي: لا
أعلم وصله عن الليث غير عبد الله بن صالح ورواه غيره عن الليث عن يحيى بن سعيد بدون

١٥
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
ذكر أنس، وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أبي الأحوص حكيم بن عمير العنسي أن
رسول الله وَ﴾ قال: ((عندما أمر به من سد [تلك] الأبواب إلا باب أبي بكر)) وقال: ((ليس
منها باب إلا وعليه ظلمة إلا ما كان من باب أبي بكر فإن عليه نوراً».
وأخرج ابن سعد عن أبي الحويرث قال: ((لما أمر رسول الله بم له بالأبواب تسد إلا باب
أبي بكر قال عمر: يا رسول الله دعني أفتح كوة أنظر إليك حتى تخرج إلى الصلاة فقال
رسول الله (وَّر: لا)) وأخرج ابن سعد عن أبي البداح بن عاصم بن عدي قال: قال
العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله ما بالك فتحت أبواب رجال في المسجد وما بالك
سددت أبواب رجال في المسجد؟ فقال رسول الله وَالر. يا عباس ما فتحت عن أمري ولا
سددت عن أمري».
فصل: وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم في المستدرك وصححه عن زيد بن أرقم
قال: ((كان لنفر من أصحاب رسول الله والر أبواب شارعة في المسجد فقال يوماً: سدوا
هذه الأبواب إلا باب علي فتكلم أناس في ذلك فقام رسول الله وَّرَ فحمد الله وأثنى عليه
وقال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما
سددت شيئاً ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فاتبعته)). وأخرج أحمد، والنسائي، وأبو يعلى،
والبزار، والطبراني في الأوسط بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص قال: ((أمر رسول الله
بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها
إلا باب علي قال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها)) وأخرج أحمد، والترمذي،
والنسائي عن ابن عباس قال: ((أمر رسول الله وَلّر بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي)).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه وزاد: ((فقال الناس في ذلك فبلغ النبي ◌َّر فقال: إنما
أنا عبد مأمور ما أمرت بشيء فعلته إن اتبع إلا ما يوحى إليّ)) وأخرج البزار عن علي بن أبي
طالب قال: ((أرسل رسول الله وَليل إلى أبي بكر أن سد بابك قال: سمعاً وطاعة فسد بابه ثم
أرسل إلى عمر ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك ثم قال رسول الله وَلو: ما أنا سددت
أبوابكم وفتحت باب علي ولكن الله فتح باب علي وسد أبوابكم)) وأخرج البزار عن علي
قال: قال رسول الله وَليقول: ((انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم فانطلقت فقلت لهم ففعلوا إلا
حمزة فقلت: يا رسول الله قد فعلوا إلا حمزة فقال رسول الله وَّل: قل لحمزة فليحول بابه
فقلت إن رسول الله ﴿ ﴿ يأمرك أن تحول بابك فحوله)) وأخرج أحمد، والنسائي عن ابن
عباس قال: سد رسول الله ◌َو أبواب المسجد غير باب علي وكان يدخل المسجد وهو
جنب وهو طريقه ليس له طريق غيره.
وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال: أمر رسول الله وَ له بسد الأبواب كلها غير باب
علي فقال العباس: يا رسول الله قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج قال: ما أمرت بشيء من
ذلك فسدها كلها غير باب علي. وأخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر أنه سئل عن
علي فقال: انظر إلى منزله من رسول الله وَّقر فإنه سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه. وأخرج

١٦
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
أحمد من وجه آخر عن ابن عمر قال: «أعطى علي ثلاث خصال: زوجه رسول الله وعليه
بابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر»، فهذه أكثر
من عشرين حديثاً في الأمر بسد الأبواب وبقيت أحاديث أخر تركتها كراهة الإطالة.
فصل: قال العلماء: لا معارضة بين الأحاديث المذكورة في الفصل الأول من أنه سد
الأبواب إلا باب أبي بكر وبين المذكورة في الفصل الثاني من أنه سد الأبواب إلا باب علي
فإنهما قصتان إحداهما غير الأخرى، فقصة علي كانت متقدمة وهي في سد الأبواب الشارعة
وقد كان أذن لعلي أن يمر في المسجد وهو جنب، وقصة أبي بكر متأخرة في مرض الوفاة
في سد طاقاة كانوا يستقربون الدخول منها وهي الخوخ كذا جمع القاضي إسماعيل المالكي
في أحكامه، والكلاباذي في معانيه، والطحاوي في مشكله، وعبارة الكلاباذي لا تعارض
بين قصة علي وقصة أبي بكر لأن باب أبي بكر كان من جملة خوخات يطلع منها إلى
المسجد وأبواب البيوت خارجة من المسجد فأمر رسول الله وسلم بسد تلك الخوخ فلم تبق
تطلع منها إلى المسجد وتركت خوخة أبي بكر فقط. وأما باب علي فكان داخل المسجد
يخرج منه ويدخل منه.
وقال الحافظ ابن حجر: قصة علي في سد الأبواب، وأما سد الخوخ فالمراد به طاقاة
كانت في المسجد يستقربون الدخول منها فأمر النبي صَلّ في مرض موته بسدها إلا خوخة
أبي بكر، وفي ذلك إشارة إلى استخلاف أبي بكر لأنه يحتاج إلى المسجد كثيراً دون غيره
انتهى قلت ويدل على تقدم قصة علي ذكر حمزة قصته فإن حمزة قتل يوم أحد.
فصل: قد ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة بل المتواترة أنه وتقليل منع من فتح باب شارع
إلى مسجد ولم يأذن في ذلك لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر إلا لعلي لمكان ابنة
رسول الله 8َّ* منه، ومن فتح خوخة صغيرة أو طاقة أو كوة ولم يأذن في ذلك لأحد ولا
لعمر إلا لأبي بكر خاصة لمكان الخلافة ولكونه أفضل الناس يداً عنده كما أشار إلى التعليل
به في الأحاديث المبدأ بها، وهذه خصيصة لا يشاركه فيها غيره ولا يصح قياس أحد عليه
إلى يوم القيامة، فإن عمر استأذن في كوة فلم يؤذن له فمن ذا الذي يقاس عليه؟ وقد منع
عمر واستأذن العباس في فتح باب صغير بقدر ما يخرج منه وحده فلم يؤذن له وهو عم
رسول الله ﴿ فمن ذا الذي يباح له ذلك وقد منع منه عمر، والعباس؟ ثم إن
رسول الله ﴿ أسند ذلك إلى أمر الله به وأنه لم يسد ما سد ولم يفتح ما فتح إلا بأمره
تعالى، ثم إن ذلك كان في مرض الوفاة وفي آخر مجلس جلسه على المنبر، وكان ذلك من
جملة ما عهد به إلى أمته ومات عليه ولم ينسخه شيء وتقلد ذلك حملة الشريعة من أمته،
فوجب على من علمه أن يبينه عند الحاجة إليه ولا يكتمه، فإن توهم متوهم أو زعم زاعم
أن الأمر في ذلك منوط برأي الإمام زد عليه بأن هذا حكم من الأحكام نص رسول الله والده
على منعه فلا رأي لأحد في إباحته، بل لو وقف رجل من آحاد الناس مسجداً وشرط فيه
شيئاً اتبع شرطه فكيف بمسجد وقفه النبي 9ّ ونص فيه على المنع من أمر وأسنده إلى

١٧
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
الوحي وجعله من جملة عهده عند وفاته، والرجوع إلى رأي الإمام إنما يكون في مساجد لا
تعرض في شروط واقفيها لمنع ولا لغيره على ما في ذلك أيضاً من توقف ونظر، وإن خطر
ببال أحد أن يقول: إن المسجد الشريف قد زالت معالمه وجدره ووسع زيادة على ما كان
في عهده وَ ر فلا يجديه هذا شيئاً فإن حرمة المسجد وأحكامه الثابتة له باقية إلى يوم
القيامة، ولو اتسع وأزيلت جدره وأعيدت عادت على هذا الحكم من غير تغيير، فإن الحكم
المذكور منوط بالمسجد من حيث هو لا بذاك الجدار بعينه وقد بني في زمن عمر ووسع في
زمان عثمان وغيره في القرن الأول وبعده ولم يخرجوا عن هذا الحكم وإن قيل بجواز الفتح
في الجدار الذي هو ملك الفاتح. قلنا: إن كان مع إعادة حائط المسجد الشريف كما كانت
بحيث يسد الباب والشبابيك التي في الجدار فلا يستطرق منه ولا يطلع منها فلا كلام، وإن
كان مع إزالة حائط المسجد وبقاء الاستطراق والاطلاع فمعاذ الله فإن هذه ذريعة وحيلة
يتوصل بها إلى مخالفة الأمر الشريف، وإذا منع النبي و # عمر من فتح كوة ينظره منها حين
يخرج إلى الصلاة فكيف يهدم الحائط جميعه؟ بل أزيد على هذا وأقول لو أعيد حائط
المسجد وبنى خلفه جدار أطول منه وفتح في أعلاه كوة يطلع منها إلى المسجد فينبغي المنع
من ذلك احتياطاً للحديث، وإن انضم إلى ذلك أن الشبابيك تصير معدة لمن يجلس فيها
مرتفعاً والقبر الشريف تحته فهذا أشد وأشد، والواجب على كل متحر الاحتياط لدينه حيث
علم أن هذا الحكم منصوص عليه من صاحب الشرع وأنه لا رأي لأحد فيه بعد نصه، وأن
حكم الحاكم بما يخالف النص ينقض وفتوى المفتي بما يعارض ترد، والتوصل إلى خلافه
بالحيل الفاسدة من باب قوله وَله: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود: فتستحلوا محارم الله بأدنى
الحیل)» .
فصل: اعلم أن اكثر مفتي عصرنا أفتوا بجواز فتح الباب والكوة والشباك من دار بنيت
ملاصقة للمسجد الشريف وكان ذلك منهم استرواحاً وعدم وقوف على مجموع الأحاديث
الواردة في ذلك، ثم روجع كل منهم في مستنده فيما أفتى به فأبدوا شبهاً كلها مردودة،
ولولا جناب النبي ◌َّ وعظمته الراسخة في القلب لم أتكلم في شيء من ذلك وكنت إلى
السكوت أميل لكن لا أرى السكوت يسعني في ذلك فإن هذا عهد عهده النبي وَّ عند وفاته
فوجب على كل من علمه أن يبينه ولا يراعى فيه صديقاً ولا حبيباً ولا بعيداً ولا قريباً، وأنا
أذكر شبه المفتين وأردها واحدة واحدة، فمنهم من قال: لا نقل في هذه المسألة لأهل
مذهبنا ونقول بالجواز استحساناً حيث لا ضرر وجواب هذا أنه لا استحسان مع النصوص
النبوية، ومنهم من قال: بالقياس على سائر المساجد حيث رأى الناظر ذلك وجواب هذا أن
النص منع القياس ودلت الأحاديث على أن المسجد النبوي انفرد بهذه الخصوصية على سائر
المساجد، ومنهم من قال: الأمر في ذلك منوط برأي الإمام وجواب هذا أنه لا رأي لأحد
مع قول رسول الله وَ لـ، وهل لأحد من الأئمة أن يغير من الأمور المنصوصة في الشريعة

١٨
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
شيئاً برأيه؟ ومنهم من قال: الحديث الوارد في ذلك مخصوص بزمنه عليه السلام وهذا خطأ
من وجوه، أحدها: أنه لا دليل على التخصيص وإنما يصار إلى تخصيص النصوص بدليل،
ثانيها: أن القصة أمر بها النبي ◌ّر في مرض وفاته ولم يعش إلا دون عشرة أيام فدل على
أنه أمر به شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، ثالثها: أنه لو كان مخصوصاً بزمن لوجب على
النبي وَالر أن يبينه وإلا لكان تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة لا سيما وهي آخر جلسة جلسها
للناس، رابعها: أن الصحابة استمروا إلى أن انقرضوا وهم باقون على هذا الحكم وهذا يدل
على أنهم فهموه شرعاً مؤبداً، خامسها: يقال لهذا الذي ادعى التخصيص ما وجه منع
الصحابة في زمنه والإذن لمن جاء بعدهم والصحابة أشرف وأجل وأحق بكل خير؟ وهل
يتخيل متخيل أن يرخص لأهل القرن الأرذل ما منع [منه] أشرف الأمة وخيارهم معاذ الله،
ومنهم من قال المنع مخصوص بجدار النبي ◌َ# فإذا هدم وأعيد غيره فإن المعاد ملك
للمعيد فيفتح فيه ما شاء ولا يصير وقفاً حتى يوقفه، وهذا الكلام مردود بوجوه:
الأول: أن سبب هذا القول فهم أن الحكم متعلق بالجدار وليس كذلك بل الحكم متعلق
بالمسجد وقصد النبي # أن لا يستطرق إلى مسجده من باب في دار تلاصقه ولا يطلع إليه
من كوة في دار تلاصقه فسواء في ذلك بقي الجدار الذي كان في عهده أو أزيل وأعيد غيره
فإن المعاد يقوم مقام الجدار الأول في هذا الحكم.
الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية كما تقرر في الأصول، وقد
رتب ولة الحكم هنا على الوصف حيث قال: ((انظروا هذه الأبواب الشوارع في المسجد
فسدوها)) وفي لفظ: ((الشوارع إلى المسجد)) فعلق الحكم بالشوارع فدل على أن العلة في
سدها كونها شارعة إلى المسجد أي طريقاً إليه من دار فسد كل باب يشرع إلى المسجد من
دار سواء فتح في الجدار النبوي أم في الجدار الذي أعيد مكانه أم في جدار صاحب الدار.
الثالث: أن الجدار النبوي أزيل في عهد عمر، وعثمان وبني غيره وأبقى الصحابة هذا
الحكم فدل على أنهم فهموا من الأمر الشريف تعلق ذلك بالمسجد لا بالجدار وإلا لكانوا
يفتحون لهم أبواباً وكوات ويحتجون بأن الجدار النبوي أزيل وهذا الجدار ملك عمر، أو
عثمان وحاشاهم من ذلك وهم أتقى الله وأورع وأشد خشية .
وانظر إلى قول عمر رضي الله عنه لولا أني سمعت النبي ◌َّ يقول: ((ينبغي أن يزاد في
مسجدنا هذا ما زدت)) أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والبزار في مسانيدهم فانظر إلى هذا
التوقف من إحداث شيء في المسجد النبوي إلا بنص من صاحب الشرع ومثير .
الرابع: أن دعوى أن الجدار المعاد ملك للمعيد يقال عليه أولاً هدم الجدار الذي قبله لا
يخلو إما أن يكون لمصلحة أو لا، فإن كان لغير مصلحة فإعادته واجبة على الهادم، فإذا
أعاده كان بدل متلف لا ملكاً له، وإن كان لمصلحة فإعادته واجبة على الهادم، فإذا أعاده
كان بدل لا ملكاً له، وإن كان لمصلحة فإعادته واجبة من مال وقف المسجد الشريف أو من
مال بيت المال، فإذا أعيد منهما كان وقفاً كما كان لا ملكاً، وإن أعاده الإمام أو غيره من

١٩
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
مال نفسه على نية إعادته للمسجد فالأمر كذلك أيضاً أو على نية التملك فهذا لا يجوز
وكيف يبني على نية التملك في أرض المسجد الشريف؟
الخامس: أن هذا الجدار المعاد لا يخلو إما أن يمحض جداراً للمسجد الشريف أو
يجعل جداراً للدار التي تبنى ملاصقة ويكتفي به عن إعادة جدار المسجد أو يجعل جداراً لها
ويعاد جدار المسجد كما كان، فإن كان الثالث فهو المطلوب، وإن كان الثاني لم يجز
إهمال إعادة جدار المسجد بل يجب على الإمام الأعظم أو الحاكم الشافعي ناظر الحرم
الشريف إعادة جدار المسجد ولا يتركه مهدوماً ويزيد ذلك تحريماً أن يبنى على أرض
المسجد ويجعل جداراً للدار، فهذا فيه أخذ قطعة من المسجد وإدخالها في الدار وهو
ممنوع، وإن كان الأول وجب فصل الدار منه ولم يجز أن ينتفع بجدار المسجد في الدار.
السادس: أن قوله وَلير: ((سدوا الأبواب اللاصقة في المسجد)) [يدل على أنه لم يخص
الحكم بجداره بل علقه باللصوق في المسجد] أي كونه متصلاً به فيشمل ذلك كل باب لصق
به من أي جدار کان.
السابع: أن الحديث الآتي وهو قوله وَّر: ((لو بني مسجدي هذا إلى صنعاء كان
مسجدي)) دل على استواء القدر الذي كان في عهده مسجداً والذي يحدث بعده في الحكم
فكذلك يستوي الجدار الذي كان في عهده والذي يحدث بعده في الحكم.
الثامن: لو قدر والعياذ بالله احتياج بعض حيطان الكعبة إلى هدم وإصلاح فهدمها الإمام
وأعادها فهل يقول قائل إن الحائط الذي أعاده ملك له يفتح فيه ما شاء ويتصرف فيه كيف
شاء ولا يخرج عن ملكه حتى يوقفه؟ فإن قيل بذلك ففي غاية السقوط، وإن لم يقل به
فحائط المسجد النبوي كذلك، إذ الحرمان الشريفان مستويان في غالب الأحكام، وقياس
الحرم النبوي على الحرم المكي أشبه من قياسه على سائر المساجد لما له من الخصوصيات
لا سيما مع ما ورد فيه من النصوص في هذا الحكم بعينه.
التاسع: قد ذكر الأقفهسي أن الملك الظاهر بيبرس هو الذي أحدث المقصورة حول
الحجرة الشريفة سنة ثمان وستين وستمائة وأنه فعل ذلك ظناً منه أنه زيادة تعظيم وحرمة
للحجرة، ثم أنكر الأقفهسي هذا الفعل لكونه حجر طائفة من الروضة الشريفة عن صلاة
الناس فيها وصار هذا القدر مأوى النساء بأطفالهن أيام الموسم، ونقل عن قاضي القضاة عز
الدين بن جماعة أن ذلك ذكر للملك الظاهر فسكت وما أجاب ثم قال: وهذا من أهم ما
ينظر فيه انتهى. فانظر إلى توقف العلماء في هذا القدر مع أنه لم يرد فيه نص بمنع بل قصد
التعظيم فيه والحرمة ظاهر فكيف بإحداث باب يشرع أو شبابيك يطلع منها أو يجلس فيها
الجالس مرتفعاً مع مصادمة ذلك للنصوص وإن لم يظهر لمن قال بذلك اطراد الحرمة في
الجدار المعاد فلا أقل من التوقف والورع في مثل هذا المحل الخطر.
العاشر: هل يظن ظان أو يتوهم متوهم أن النبي ◌َّار خص المنع بالجدار بخلاً بجداره
أو حرصاً عليه أو خشية أن يضعف الجدار؟ كلا والله بل إنما أراد بذلك منع الاستطراق

٢٠
الفتاوى الحديثية / شد الأثواب في سد الأبواب
والاطلاع إلى مسجده مع قطع النظر عن الجدار بخصوصه حسبما أمره الله وأوحى إليه.
الحادي عشر: هل كان المنع لعمر وغيره من حيث الجدار حتى لو فتحوا من جدارهم
حيث لا جدار للمسجد لجاز لهم ذلك؟ الأحاديث تقتضي خلافه كما من مر عليها.
الثاني عشر: هذا المنع قد أسند النبي ◌ّ﴾ إلى الوحي ولم يبين علته، فإن أدرك له علة
وهو تعظيم المسجد استمر ذلك إلى يوم القيامة في كل جدار، وإن لم يدرك علة استمر
أيضاً فإن التخصيص إذا لم ينص يكون عن قياس وما لا تدرك علته لا يدخله القياس كسائر
الأمور التوقيفية والتعبدية وإن قال قائل: العلة اختصاصه بالجدار قلنا: ليس هذا بعلة، وإن
قال: العلة خوف إضعافه، قلنا: هي علة ساقطة لأن الصحابة كانوا يلتزمون بناءه كلما وهي
فدل على أنه إنما يعلل بتعظيم المسجد فيعم المسجد أو غير معلل بل هو حكم أمر الله نبيه
أن يأمر به ولم يطلع على علته.
الثالث عشر: قد وقع في الأحاديث التصريح بأن هذا عهد عهد به چل عند وفاته وقد
علم ◌ٍَّ ما هو كائن في أمته إلى أن تقوم الساعة، وعلم من جملة ذلك أنه يقع في خلافة
عمر إزالة تلك الجدر الموجودة وذلك بعد وفاته بسنين قليلة، فلو كان الحكم الذي عهد به
مختصاً بتلك الجدر لبينه لعلمه بزوالها عن قريب.
الرابع عشر: قد ورد عن عائشة أنها كانت تمنع أهل الدور المطيفة بالمسجد من دق
الوتد في الحائط وذلك بعد إزالة الجدر التي كانت في عهده بَّير فدل على أن الجدر التي
أعيدت لها حكم الجدر الأول.
الخامس عشر: قوله ◌َّير: ((لا يبقين في المسجد باب إلا سد)» يدل على أن الحكم معلق
بالمسجد ولم يقل لا يبقين في الجدار.
السادس عشر: ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أبقيت فيها
الخوخة باعها أبو بكر في أمر احتاج إليه فاشترتها حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف فلما وسع
المسجد في زمن عثمان طلب منها أن تبيعها ليوسع بها المسجد فامتنعت وقالت: كيف
بطريقي في المسجد؟ فهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الأمر الشريف الاختصاص
بالمسجد لا بالجدار امتناع فتح الأبواب ونحوها ولو بعد توسعة المسجد وهدم الجدار
النبوي .
السابع عشر: إن ابن الصلاح سئل عن رباط موقوف على الصوفية اقتضت المصلحة أن
يفتح فيه باب جديد مضافاً إلى بابه القديم فأجاب بالجواز بشروط واستدل بفعل عثمان
رضي الله عنه حيث فتح في المسجد النبوي أبواباً زيادة على ما كان، وهذا من ابن الصلاح
دليل على أنه فهم أن الجدار المعاد له حكم الجدار الأول عثمان رضي الله عنه إنما فتح في
جداره الذي بناه هو بعد إزالة الجدر النبوية والجدر العمرية، فلو كان الحكم مختلفاً لم
ينهض لابن الصلاح الاستدلال بذلك لأنه يقال له في الفرق جدار الرباط جدار الواقف فلا
يفتح فيه، والجدار الذي فتح فيه عثمان ليس جدار الواقف بل هو جدار وملكه فيبطل