النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
الجواب :
ثم الصلاة عليه سيد الشفعا
الحمد لله ما نجم الهدى طلعا
رآه في حالة لا تمنع الفزعا
لعله كان من خوف الوثوب وقد
أو كان مقصوده لحظاً يداومه
لكي يرى منه ما من بعده صنعا
كيف الرجوع لدى خوف فذا شرعا
أو كان مقصوده للناس تعلمة
عن قهقرى فأتاه قبل ما وقعا
أو كان ذا قبل نهي منه مرتجعا
الرجوع للبيت لا بالطهر قد رجعا
ولم أر أحداً أبدى فأتبعا
وقد يقال كنى الراوي بذلك عن
هذي أمور تبدت قلت محتملا
مسألة: حديث: ((اللهم من أحببته فأقلل ماله وولده» هل ورد فقد قيل إنه باطل؟.
الجواب: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، والطبراني في الكبير عن عمرو بن
غيلان الثقفي قال: قال رسول الله وَّر: ((اللهم من آمن بي وصدقني وعلم أن ما جئت به هو
الحق من عندك ما فأقلل ماله وولده وحبب إليه لقاءك وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي
ويصدقني ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك فأكثر ماله وولده وأطل عمره، وسنده
صحيح إن صحت صحبة عمرو بن غيلان فإنه مختلف في صحبته، وأبوه هو الذي أسلم
على عشر نسوة فأمر أن يختار أربعاً وبقية رجاله ثقات، وقد أورده الديلمي في مسند
الفردوس ثم قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل، وفضالة بن عبيد.
قلت: ومن شواهده ما أخرجه سعيد بن منصور في كتاب السنن له قال: ثنا
عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عبد الله بن
عبد الرحمن بن عمرو بن حزم أن رسول الله وَ# قال: ((اللهم من أبغضني وعصاني فأكثر له
المال والولد، اللهم من أحبني وأطاعني فارزقه الكفاف، اللهم ارزق آل محمد الكفاف،
اللهم رزق يوم بيوم)) ويناسبه ما أورده السلفي في الطيوريات من طريق علي بن الجعد عن
شعبة عن منصور عن بعض أصحابه أن يهودياً أتى النبي وسلم فقال: ادع لي فقال: اللهم
أصح جسمه وأكثر ماله وأطل حياته.
مسألة: حديث: ((إن العين تسبق القضاء والقدر)) هل هو صحيح؟.
الجواب: لفظ الحديث: ((لو كان شيء سابق القدر سبقته العين)) هكذا أخرجه مسلم في
صحيحه من حديث ابن عباس. وأخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من
حديث أسماء بنت عميس بلفظ: ((لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)). وأخرجه الديلمي
في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن جراد بلفظ: ((العين والنفس كادا يسبقان القدر)).
مسألة: حديث من لم يكن له مال يتصدق به فليلعن اليهود فإنها له صدقة هل ورد؟.
الجواب: هذا الحديث أخرجه السلفي في الفوائد المسماة الطيوريات من طريق يحيى بن
٣٦٢
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
خالد المخزومي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن طلحة بن زادان المزني ثقة عن أبيه عن
هشام بن عروة عن عائشة مرفوعاً: ((من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود)) [ورواه ابن عدي
في كامله من حديثها أيضاً] وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي بكر محمد بن
إسحاق بن يعقوب الطلحي عن سليم المكي عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبي هريرة
مرفوعاً به، [ورواه أيضاً ابن حبيب - أبي هريرة الخطيب، البغدادي في تاريخه - وكلا
الطريقين ضعيف].
مسألة :
على أكابرنا في العلم والأدب
ماذا يقول الذي زادت مناقبه
رسول رب العباد الهادي العربي
فيمن روى أن خير الخلق سيدنا
خواتم الله في أرض الذي طلب
تقضى ولم يعزه راويه للكتب
به الرواية أو قد صح في الكتب
نجيت دهرك من هم ومن نصب
بجاه خير الأنام الطاهر النسب
قال الدراهم والدينار قد جعلا
من جاء بالخاتم المذكور حاجته
هل ذا صحيح وما معناه إن وردت
جد بالجواب فقد أشفيت لي عللاً
ونلت جنة عدن يوم مبعثنا
الجواب :
الحمد لله حمداً دائم الحقب
هذا الحديث رويناه له سند
في معجم الطبراني الأوسط انتظمت
وصح في الحلية الغراء من طرق
بأنها خاتم تقضي المعايش لم
وابن السيوطي يرجو إذا أجاب بذا
ثم الصلاة على خير الورى العربي
رواته ضعفت فيما حكى الذهبي
فيه روايته يا منتهى الطلب
يعل رفع بها وقفاً على وهب
توضع لأكل إذا عدت ولا شرب
في الحشر لمحة غفران بلا نصب
مسألة: في قوله {َّ﴿، وشرف وكرم: ((حياتي خير لكم وموتي خير لكم)) فقد أشكل من
جهة تنزيل المقصود منه على القواعد النحوية بناء على أن أفعل التفضيل يوصل بمن عند
تجرده ووصله بها غير متأت بحسب الظاهر إذ يصير الكلام حياتي خير لكم من مماتي
ومماتي خير لكم من حياتي وهو مشكل.
الجواب: إنما حصل الإشكال من ظن أن خيراً هنا أفعل تفضيل وليس كذلك فإن لفظة
خير لها استعمالان: أحدهما أن يراد بها معنى التفضيل لا الأفضلية وضدها الشر وهي كلمة
باقية على أصلها لم يحذف منها شيء، والثاني أن يراد بها معنى الأفضلية وهي التي توصل
بمن وهذه أصلها أخير حذفت همزتها تخفيفاً ويقابلها شر التي أصلها أشر قال في الصحاح:
٣٦٣
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
الخير ضد الشر قال الشاعر:
فما كنانة في خير مخامرة ولا كنانة في شر بأشرار
وتأنيث هذه خيرة وجمعها خيرات وهي الفاضلات من كل شيء، قال تعالى: ﴿فِنَّ
(٢٥)) [الرحمن: ٧٠] أولئك لهم الخيرات ولم يريدوا به معنى أفعل، فلو أردت
غَیَتُ حِسَانٌ
معنى التفضيل قلت: فلانة خير الناس ولم تقل خيرة ولا تثنى ولا تجمع لأنه في معنى
أفعل، انتهى كلام الصحاح، وقال الراغب في مفردات القرآن: الخير والشر يقالان على
وجهين، أحدهما: أن يكونا اسمين كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل
عمران: ١٠٤] الثاني: أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير أفعل من نحو: هذا خير من ذاك
وأفضل، وقوله تعالى: (فأت بخير منها)) (١) ويحتمل الاسمية والوصفية معاً قوله تعالى:
[﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمٌّ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال أبو حيان في تفسيره: الكثير في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرُ﴾ [البقرة: ١٠٣] [ليس خير هنا] أفعل
تفضيل بل هي للتفضيل لا للأفضلية كما في قوله تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ﴾ [فصلت:
٤٠] و ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وفي قول حسان: فشر كما لخير كما الفداء، انتهى.
إذا عرف ذلك فخير في الحديث من القسم الأول وهي يراد بها التفضيل لا الأفضلية فلا
توصل بمن وليست بمعنى أفعل، وأنما المقصود أن في كل من حياته ومماته # خير لا أن
هذا خير من هذا ولا أن هذا خير من هذا.
مسألة :
في العصر كلا ولا في سالف الدهر؟
ماذا جواب إمام لا نظير له
هل بالمداد وحبر عد للبشر؟
في الحافظين على الإنسان إذ كتبا
أولا كذلك يا من ضاء كالقمر
بجاه خير الورى المبعوث من مضر
وكاغد يكتبا ما كان مع قلم
أثابكم ربكم جناته كرماً
الجواب :
الله أحمد حمداً غير منحصر
ثم الصلاة على المختار من مضر
ن الخلق أقلامهم قد جاء في الأثر
مداده الريق فيما قد أبى ولسا
من غير تعيين جنس صح في الخبر
وفي الصحيفة كتب والبطاقة جا
مسألة: هل الشمع كان على عهد النبي وَ﴿ أو الصحابة أو التابعين وهل الاستضاءة به
مع أن غيره من الأدهان يقوم مقامه تعد إسرافاً؟.
الجواب: الشمع كان موجوداً من قديم من زمن الجاهلية قبل البعثة، وقد ذكر العسكري
(١) هذا ليس نصّ آية قرآنية كما قد يتبادر إلى الذهن.
٣٦٤
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
في الأوائل إن أول من أوقد له الشمع جذيمة بن مالك الأبرش - وهو قبل البعثة النبوية
بدهر - وليس الاستصباح به إسرافاً لأنه لو كان كذلك لنهي عنه فإنه كان موجوداً في أيام
النبي ◌َ ﴿ فلما لم ينه عنه دل على أنه مباح، بل ورد في حديث أنه أوقد للنبي ◌ّ عند دفنه
عبد الله ذا البجادين، وقد ألفت في المسألة مؤلفاً سميته مسامرة السموع في ضوء الشموع.
٤٢ - قطف الثمر في موافقات عمر
سئلت عن موافقات عمر رضي الله عنه فنظمت فيها هذه الأبيات:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
على نبيه الذي اجتباه
الحمدلله وصلى الله
عن الذي وافق فيه عمر
يا سائلي والحادثات تكثر
موافقاً لرأيه الصواب
وما يرى أنزل في الكتاب
منظومة تأم من شتات
خذ ما سألت عنه في أبيات
وآيتي تظاهر وستر
ففي المقام وأسارى بدر
وذكر جبريل لأهل الغدر
وآيتين أنزلا في الخمر
وآية الصيام في حل الرفث
وقوله لا يؤمنون حتى
وآية فيها لبدر أو به
وآية في النور هذا بهتان
وفي ختام آية في المؤمنين
وثلة من في صفات السابقين
وعددوا من ذاك نسخ الرسم
وقال قولاً هو في التوراة قد
وفي الأذان الذكر للرسول
وفي القرآن جاء بالتحقيق
كقوله هو الذي يصـلي
وقوله في آخر المجادلة
نظمت ما رأيته منقولاً
وقوله نساؤكم حرث يبث
يحكموك إذا بقتل أفتى
ولا تصل آية في التوبه
وآية فيها بها الاستئذان
تبارك الله بحفظ المتقين
وفي سواء آية المنافقين
لآية قد نزلت في الرجم
نبهه كعب عليه فسجد
رأيته في خبر موصول
ما هو من موافق الصديق
عليكم أعظم به من فضل
لا تجد الآية في المخالله
والحمد لله على ما أولى
٣٦٥
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
مسألة: حديث: ((الغناء ينبت في القلب القسوة كما ينبت الماء البقل)) هل ورد؟.
الجواب: أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي من حديث ابن مسعود مرفوعاً
بلفظ: ((الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل)) وزعم بعضهم أن لفظة الغنى
بالقصر وأن المراد غنى المال الذي هو ضد الفقر، وصوب بعض الحفاظ أنه بالمد وأن
المراد به التغني ولهذا أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي، واستدل لصحة هذا بأن
ابن أبي الدنيا أخرج أيضاً من وجه آخر عن ابن مسعود موقوفاً قال: ((الغناء ينبت النفاق في
القلب كما ينبت الماء البقل، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع)) فمقابلة
الغناء بالذكر تدل على أن المراد به التغني.
مسألة: في مجيء المهدي من الغرب هل ورد فيه أثر يعتمد عليه؟ وهل للقول بأنه
موجود الآن بالمغرب صحة أو لا؟ وهل مجيئه قبل نزول عيسى عليه السلام؟ وهل نزول
عيسى مؤقت بوقت؟ وهل يقيم بالدنيا إذا نزل ويتزوج ويولد له ولدان يسمى أحدهما محمداً
والآخر أبا موسى. ويدفن بإزاء النبي ◌َّر؟ وهل المقالة الحاصلة بين الناس إنه ينزل بالشام
بالجامع الأموي؟ وأن بغلة تشد له كل جمعة انتظاراً لنزوله لها صحة أم لا؟ وهل نزوله قبل
يأجوج ومأجوج أو بعده؟ وما طول يأجوج ومأجوج؟ ومن أين خروجهم وما مقدار
إقامتهم؟ وما صفة الدابة التي تخرج في آخر الزمان؟ ومن أين خروجها وأين تصل؟ وهل
ذلك قبل نزول عيسى أو بعده؟ وهل الحور العين والملائكة يموتون أو لا؟ ومن يتولى قبض
أرواحهم؟
الجواب على سبيل الاختصار: الأحاديث في المهدي مختلفة وكذلك العلماء، ففي
بعضها: ((لا مهدي إلا عيسى ابن مريم)) وأكثر الأحاديث على أنه غيره. وأنه من أهل البيت
ثم في بعضها أنه من ولد فاطمة. وفي بعضها أنه من ولد العباس. وبعض العلماء حمله
على المهدي ثالث خلفاء بني العباس الذي تولى الخلافة في القرن الثاني؛ والذي ترجح
عندي من أكثر الأحاديث أنه غيره. وأنه خليفة يقوم في آخر الزمان. وأنه من ولد فاطمة
وقد ثبت في أحاديث أنه يخرج من قبل المشرق. وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام.
وأنه يدخل بيت المقدس. وأنه يمكث سبع سنين. وأن يملأ الأرض عدلاً، وفي بعض
الروايات بسند ضعيف أن الناس يقتتلون على الملك فينادي مناد من السماء أميركم فلان
فيبايعون له، ولم يقع شيء من ذلك إلى الآن فبطل قول من قال: إنه موجود الآن
بالمغرب، وفي الأحاديث أن عيسى عليه السلام ينزل في حياته فيسلم المهدي الأمر له.
ونزول عيسى عليه السلام مؤقت بوقت وهو خروج الدجال فإنه ينزل في أيامه ويقتله، وورد
في الحديث أنه يمكث سبع سنين وفي رواية أربعين سنة وأنه يتزوج ويولد له ويحج له
ويدفن عند النبي ◌َ ﴿، ولم ترد تسمية ولده، وفي الحديث أيضاً أنه ينزل عند المنارة البيضاء
شرقي دمشق. وأما شد البغلة كل جمعة فلا أصل له، ونزوله قبل يأجوج ومأجوج فإنهم
يخرجون في أواخر أيامه. وأما طول يأجوج ومأجوج ففي أثر أخرجه ابن المنذر عن ابن
٣٦٦
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
عباس موقوفاً أنهم شبر وشبران وثلاثة أشبار. وفي حديث ضعيف مرفوع أخرجه الطبراني
أنهم أصناف صنف منهم طول الأرز(١) مائة وعشرون ذراعاً. وصنف منهم يفترش بأذنه
ويلتف بالأخرى، وأما خروجهم فمن خلف السد أقصى بلاد الترك، وفي الحديث أن
مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، وأما مدة إقامتهم فيسيرة فإنهم يخرجون في زمن عيسى
ويهلكون في زمنه، وأما صفة الدابة - فذات زغب وريش لها أربعة قوائم ومسافة ما بين
أذنيها مسيرة فرسخ للراكب - وخروجها من صدع في الصفا بمكة - وفي رواية من بعض
أودية تهامة - فتدور الأرض بأسرها، واختلفت الأحاديث هل خروجها قبل نزول عيسى أو
بعده. وأما الحور العينٍ والوالدان وزبانية النار فلا يموتون وهم ممن استثنى الله تعالى في
قوله: ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] وأما الملائكة فيموتون بالنصوص والإجماع ويتولى
قبض أرواحهم ملك الموت ويموت ملك الموت بلا ملك الموت. هذا ما يتعلق بالأسئلة
على وجه الاختصار، وسرد الأدلة في ذلك والأحاديث يحتمل كراريس كثيرة والله أعلم.
مسألة: في الحديث أن الطاعون وخز إخوانكم من الجن فكيف يتصور وقوع هذا الأمر
من الإخوان وكيف سموا في هذا الحديث إخواناً، وكذا في حديث العظم وليسوا من بني
آدم، وهل ورد في الحديث بلفظ وخز أعداءكم؟ وكيف يكون شهادة مع أنه وَلفي استعاذ
منه؟ وهل وجد أدعية تمنع منه؟ وهل لقول من قال: إنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم
يؤلف صحة أم لا؟.
الجواب: المحفوظ في الحديث: ((وخز أعداءكم من الجن)) هكذا أخرجه الإمام أحمد،
والبزار، وأبو يعلى في مسانيدهم، والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري، وأخرجه
الطبراني أيضاً من حديث ابن عمر، وأخرجه أبو يعلى من حديث عائشة كلهم: ((بلفظ
أعدائكم)) ولم يقع في شيء من طرق الحديث بلفظ إخوانكم، قال الحافظ ابن حجر في
شرح البخاري: يقع في ألسنة الناس بلفظ وخز إخوانكم ولم أره في شيء من طرق الحديث
بعد التتبع الطويل التام لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة فزال الإشكال
المذكور. وأما تسميتهم إخواناً في حديث العظم فباعتبار الإيمان فإن الإخوة في الدين لا
تستلزم الاتحاد في الجنس، وأما قول السائل إنه * استعاذ منه فليس كذلك ولا ورد في
شيء من الأحاديث أنه استعاذ منه، بل الوارد أنه و # دعا به وطلبه لأمته، ففي الحديث عن
أبي بكر الصديق قال: كنت مع النبي ◌َّله فقال: ((اللهم طعناً وطاعوناً)) أخرجه أبو يعلى،
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل ((قال: إن الطاعون شهادة ورحمة ودعوة نبيكم قال أبو
قلابة: فعرفت الشهادة وعرفت الرحمة ولم أدر ما دعوة نبيكم حتى أنبئت أن رسول الله وَل فود
بينما هو ذات ليلة يصلي إذ قال في دعائه: فحمى إذن وطاعوناً ثلاث مرات فلما أصبح قال
له إنسان من أهله: يا رسول الله - قد سمعتك الليلة تدعو بدعاء؟ قال: وسمعته قال نعم
(١) هو بسكون الراء وفتحها - شجر الصنوبر.
٣٦٧
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
قال: ((إني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليهم عدواً
غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض فأبى علي فقلت
فحمى إذن أو طاعوناً ثلاث مرات)) وأخرج أحمد، والطبراني عن أبي موسى الأشعري قال:
قال رسول الله وَّةٍ: ((اللهم [اجعل] فناء أمتي قتلاً في سبيلك بالطعن والطاعون)) وللحديث
طرق أخرى صريحة في أنه دعا به لا أنه استعاذ منه ولم يرد دعاء يمنع منه ولا شيء أصلاً،
ولم يرد حديث بأنه وَّيقول يؤلف تحت الأرض أو لا يؤلف.
مسألة: وردت نظماً:
فكـان جـزاؤهـم هـذا الـبــاء
أظن الناس بالآثام باؤوا
بحيلة برئه يرجى الشفاء؟
بهذا الفصل أم فسد الهواء؟
به في الناس قد عاث الفناء؟
جميل الطبع واختلف الغذاء؟
عقائدنا فللزمن انقضاء؟
فما الأذهان أحرفها سواء
بحق لا يعارضه رياء
من المتشرعين به حياء
فمنك اليوم يلتمس الدعاء
أسيد من له قانون طب
أآجال الورى متقاربات
أم الأفلاك أوجبت اتصالاً
أم استعداد أمزجة جفاها
أم اقتربت على ما تقتضيه
أفدنا ما حقيقة ماتراه
وقل ما صح عندك عن يقين
فإني غير مفش سر حبر
ولا تخل الأحبة من دعاء
الجواب:
بحمد الله يحسن الابتداء
سألت فخذ جوابك عن يقين
فما الطاعون أفلاكاً ولا إذ
رسول الله أخبر أن هذا
يسلطهم إله الخلق لما
يكون شهادة في أهل خير
أتانا كل هذا في حديث
ومن يترك حديثاً عن نبي
فذلك ماله في العقل حظ
وللمختار ينعطف الثناء
فما أوردت عندهم هباء
مزاج ساء أو فسد الهواء
بوخز الجن يطعننا العداء
بهم تفشو المعاصي والزناء
ورجساً للأولى بالشر باؤوا
صحيح ما به ضعف وداء
كما قال الفلاسفة الجفاء
ومن دين النبي هو البراء
٣٦٨
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
وناظمه ابن الأسيوطي يدعو بكشف الكرب إن نفع الدعاء
مسألة: في الحديث الذي ورد: لما أنزل الله ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١) وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ
(١٤)
﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤] بكى عمر وقال: يا رسول الله آمنا بك وصدقناك ومن ينجو منا
قليل؟ فأنزل الله: ﴿ثُلَّهُ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١)﴾ فدعا رسول اللهِ وَله عمر
فقال: قد أنزل الله فما قلت: فقال عمر: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله واله:
((من آدم إلينا ثلة ومني إلى يوم القيامة ثلة فلا يستتمها إلا أسودان من رعاة الإبل ممن قال:
لا إله إلا الله)).
الجواب: هذا الحديث أورده الواحدي في أسباب النزول مقطوعاً هكذا بلا إسناد،
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير بسنده عن عروة بن رويم مرفوعاً مرسلاً، ووصله ابن
عساكر في تاريخ دمشق فأخرجه من طريق هشام بن عمار عن عبد ربه بن صالح عن عروة بن
رويم عن جابر بن عبد الله عن النبي رَّو ((قال: لما نزلت: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
[الواقعة: ١] ذكر فيها:
وَثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ (19)﴾ قال عمر: يا رسول الله
وَقَلِيلٌ
ثلة من الأولين وقليل منا، قال: فأمسك آخر السورة سنة ثم نزل ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ اَلْأَوَّلِينَ
(١٤)) فقال رسول الله وَله: يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
مِّنَ اُلْآَخِرِينَ
وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ (19)﴾ ((ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة ولن تستكمل ثلتنا حتى
نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) فقوله:
بالسودان هو جمع أسود وكذا قوله في السؤال: إلا سودان هي إلا التي للاستثناء، وسودان
جمع أسود وليس تثنية أسود معرفاً كما ظن.
مسألة: فيما نقله الإمام الغزالي في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة من فتنة الموت
وذلك أن إبليس لعنه الله وكل أعوانه واستعملهم بالميت فيأتونه على صفة أبويه على صفة
اليهودية فيقولان له مت يهودياً، فإن انصرف عنهم جاء أقوام آخرون على صفة النصارى
حتى يعرض عليه كل عقائد كل ملة، فمن أراد الله هدايته أرسل إليه جبريل فيطرد الشيطان
وجنده فيبتسم الميت ويقول: من أنت الذي من الله علي بك في دار غربتي؟ فيقول: أنا
جبريل وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة المحمدية فما شيء
أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ
(٨)﴾ [آل عمران: ٨] وقال رجل: الدرة الفاخرة موضوعة
لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
على الغزالي وليس لها محل من الاحياء وأن جبريل لم ينزل إلى الأرض بعد موت
رسول الله ◌َّل، واحتج له بحديث رواه عن أبي هريرة أن جبريل أتى النبي وَ لّ وقال: يا
محمد ربك يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا أمين الله وجعاً من هذا
معك؟ قال: ملك الموت وهذا آخر عهدي بالدنيا بعدك وآخر عهدك بها ولن آسى على
شيء هالك من بني آدم بعدك ولن أهبط إلى الأرض بعدك لأحد أبداً فهل الدرة موضوعة
على الغزالي أم لا؟ وهل الحديث المعارض له صحيح أم لا؟ وهل جبريل ينزل لعيسى ابن
٣٦٩
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
مريم عند نزوله من السماء أم لا؟ وهل يرد كلام الغزالي بالحديث المعارض أم لا؟.
الجواب: أما المذكور أولاً من فتنة الموت إلى آخره فلم أقف عليه في الحديث هكذا
وإنما ورد ما يقرب منه: فأخرج أبو نعيم في الحلية من حديث واثلة بن الأسقع ((عن
النبي ◌َّ قال: احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة فإن الحليم من
الرجال والنساء يتحيرون عند ذلك المصرع وأن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك
المصرع)) وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده من مرسل عطاء بن يسار عن النبي ◌َّلتر
قال: ((معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وما من مؤمن يموت إلا وكل عرق
منه يألم على حدة وأقرب ما يكون عدو الله منه تلك الساعة)) مرسل جيد الإسناد وأخرج ابن
أبي الدنيا في ذكر الموت من طريق آخر مرسلاً نحوه، فهذا ما وقفت عليه من الأحاديث
الدالة على حضور الشيطان عند الموت، وأما حضور جبريل فأخرج الطبراني في الكبير عن
ميمونة بنت سعد ((قالت: قلت: يا رسول الله أينام الجنب؟ قال: ((ما أحب أن ينام حتى
يتوضأ إني أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل)) دل هذا الحديث بمفهومه على أن جبريل
عليه السلام يحضر الموتى خصوصاً من كان على طهارة، واستفدنا منه أن طهارة الجنابة
كافية في حضوره وأنه لا يشترط طهارة الحدث الأصغر، وإن الجنب إذا توضأ يرجى له
الاكتفاء بذلك وحضوره، وأما قول من قال: إن الدرة الفاخرة موضوعة على الغزالي فليس
كما قال: فقد نسبها إليه الأكابر منهم القرطبي في التذكرة، وينقل منها الصفحة والورقة
بحروفها ومنهم خاتمة الحفاظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير نعم
الدرة الموجودة الآن مشتملة على ألفاظ ركيكة وأشياء غير مستقيمة الإعراب والذي يظهر أن
ذلك من تغيير النساخ لكثرة تداول أيدي العوام عليها فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا وغيروا،
وقد نقل الحافظ ابن حجر في التخريج عنها شيئاً ليس موجوداً فيها الآن فكأنه مما أسقطه
النساخ وقد أمليت عليها تخريجاً في خمسين مجلساً في سنة أربع وسبعين حررت فيه ما
وقع فيها من الأحاديث والآثار وبينت ما له أصل وما لا أصل له. وأما حديث الوفاة وقول
جبريل هذا آخر وطئتي بالأرض فضعيف جداً ولو صح لم يكن فيه معارضة لأنه يحمل على
أنه آخر عهده بإنزال الوحي.
وأما نزوله ليلة القدر مع الملائكة فذكره جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ
آڵعلیکةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] قالوا: المراد بالروح جبريل، وروي فیه من حديث أنس
مرفوعاً ((إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة(١) من السماء يصلون ويسلمون على كل
قائم أو قاعد بذكر الله تعالى)).
وأما نزوله على عيسى عليه السلام فأخرج مسلم صحيحه من حديث النواس بن سمعان
(١) الكبكبة هي بالضم والفتح: الجماعة المتضامنة من الناس وغيرهم كما في النهاية، وفي بعض الأصول
((كبكة)) بسقوط الباء الموحدة الثانية وهو خطأ .
٣٧٠
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
قال: ((ذكر رسول الله وَلهير الدجال فذكر الحديث في قصة الدجال ونزول عيسى وقتله اياه
قال: ((فبينما هو كذلك إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد في
قتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج)) الحديث فقوله: أوحى الله إلى
عيسى ظاهر في نزول جبريل إليه، وأما قوله: وهل يرد كلام الغزالي بالحديث المعارض؟
فقد تبين أنه لا معارضة لعدم صحة الحديث أصلاً ثم يحمله على ما ذكرناه كما تقدم.
مسألة: ما معنى قوله: ولا ينفع ذا الجد منك الجد؟
الجواب: الجد - بفتح الجيم ـ على الصحيح المشهور ومعناه فيما ذكره الخطابي الغنى،
وفيما ذكر غيره الحظ قال الخطابي: و (من) هنا بمعنى البدل والمعنى لا ينفع صاحب
الغنى غناه بذلك، وقال الجوهري في الصحاح: (منك) هنا بمعنى عندك أي لا ينفع ذا
الغنى عندك غناه إنما ينفعه العمل الصالح، وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست
بمعنى البدل ولا بمعنى عند بل هو كما تقول: لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء،
وأوضحه ابن دقيق العيد فقال: ينفع هنا قد ضمن معنى يمنع وما قاربه، و (من) متعلق به
بهذا الاعتبار ولا يجوز تعلقه بالجد لأن الجد منه تعالى نافع انتهى، وعلى هذا (فمن)
للتعدية أو لابتداء الغاية، ومن الغريب ما حكاه الراغب أن المراد بالجد هنا أبو الأب أي لا
ينفع أحداً نسبه، وأغرب منه ما حكاه القرطبي عن أبي عمرو الشيباني أنه الجد - بكسر
الجيم - وأن معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده وأنكره الطبري، ووجه القزاز إنكاره بأن
الاجتهاد في العمل نافع لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده قال: ويحتمل
أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة، وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع
بمجرده ما لم يقارنه القبول وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته كما ورد: ((لن يدخل أحدكم
الجنة عمله)) وقيل المراد على رواية الكسر السعي التام في الحرص أو الإسراع في الهرب، قال
النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد
أو العظمة أو السلطان، والمعنى: لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك.
مسألة :
في مشكل وإليه يهرع البشر؟
ماذا الجواب من البحر المفيد لنا
تفتي وقصر منهم من له نظر
عند الحوادث أن قال الأكابر لا
وفي النديم وقول قاله عمر
في الكاس والطاس والساقي وشاربهم
الفارض قبره بالسحب منهمر
أعني به العالم المعروف نسبته
ما الصفو ما سقيه ما الكاس ما الخمر؟
في سقيه من حميا كأس خمرته
بالهاشمي المصطفى لما له حضروا
إلهك الحق يا مختار يا طهر؟
وأهل مكة قالوا في سؤالهم
قبیل خلق السما والأرض أین ثوی
٣٧١
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
أجابهم في عماء كان وهو كذا ما هو العماء وما معناه يا مهر؟
في الأنبياء سوى طه وهل حصروا؟
ومن توالد مختوناً وعدتهم
قدماً تصوره بالنقل مشتهر
بالفضل منك أجب هذا السؤال بدا
بين الأكابر لكن لا جواب لهم
عليه يا عالماً ألفاظه درر
أضحت به مصر تزهو ثم تفتخر
وحاز كل فخار بالعلوم وقد
الجواب: أما قول ولي الله الشيخ [العارف بالله تعالى] عمر بن الفارض فلا نتكلم عليه
بل من أراد أن يعرف معناه فليجع جوعه ويسهر سهره يعرف معناه، وأما الحديث فهو من
المتشابه الذي لا يخاض في معناه، قال أبو عبيد في غريب الحديث: لا ندري كيف كان
ذلك العماء وقيل هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف والفطن، وقال
الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة، وأما من خلق مختوناً من الأنبياء فسبعة عشر -
آدم، وشیث، وإدريس، ونوح، وسام، ولوط، ويوسف، وموسى، وشعيب، وسليمان،
وهود، وصالح، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وحنظلة بن صفوان، وخاتمهم سيدنا
محمد
مسألة: هل ورد النبي ◌َّر أنه قال: ((اللهم من دعوت عليه بشيء أو سببته أو نحو ذلك
فاجعله رحمة له)) وما التوفيق بينه وبين قوله ◌َّير: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق
عليهم فاشقق اللهم عليه)) فإنه ينحل ويؤول إلى الدعاء لهم لا عليهم وهو لا يدعو لمن
يؤذي المسلمين ويشق عليهم؟ .
الجواب: الحديث صحيح أخرجه الشيخان بلفظ: ((اللهم إني أتخذ عندك عهداً أن لا
تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته أو سبته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة وصلاة
وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)) وأخرج أحمد في مسنده بسند صحيح عن أنس: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ دفع إلى حفصة رجلاً وقال: احتفظي به فغفلت عنه ومضى فقال لها
رسول الله ◌َله: قطع الله يدك ففزعت فقال: ((إني سألت ربي تبارك وتعالى أيما إنسان من
أمتي دعوت الله عليه أن يجعلها له مغفرة)) قال ابن العاص من أصحابنا، وتبعه إمام
الحرمين: من خصائصه * أنه يجوز له الدعاء على من شاء بغير سبب ويكون فيه من
الفوائد ما أشار إليه في الحديث، وبهذا يعرف أنه لا تنافي بين هذا الحديث والحديث
المذكور في السؤال لأن الدعاء على الوالي إذا شق ونحوه دعاء بسبب فلم يدخل في ذلك
الحديث. وأيضاً فالمقصود بالأول الدعاء على معين وهذا على مبهم.
مسألة: ((أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم)) هل هو وراد؟
وقد ذكر الشيخ نجم الدين الكبرا أن الذكر يقطع لقيمات الحرام هل له محمل؟ وهل هو
جار على القواعد أم لا؟.
الجواب: الحديث المذكور وارد أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط، وابن السني في
٣٧٢
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
عمل يوم وليلة من حديث عائشة مرفوعاً، وما ذكره الشيخ نجم الدين الكبرا جار على
القواعد ومحمله على لقيمات يسيرة كما أشار إليه الشيخ بقوله لقيمات بالتصغير يأكلها
الإنسان في وقت غلبة الحرام على الدنيا كما في زماننا هذا فإن ذلك يباح له من حيث
الشرع كما نص عليه ابن عبد السلام وغيره أنه لو عم الحرام الدنيا جاز للمسلم أن يأكل منه
قدر القوت كما يباح للمضطر أكل الميته، وفي معناه قيل: لو كانت الدنيا دماً عبيطاً كان
قوت المؤمن منها حلالاً ومع كونه مباحاً من حيث الشرع فإنه يورث ظلمة في القلب ﴿قُل لَّا
يَسْتَوِى الْخَيثُ وَالَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فالذكر ينوره ويمحق تلك الظلمة، كما أن الدواء
يذهب الأخلاط المتولدة من الغذاء المذموم ويقطعها ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:
١١٤ ].
مسألة: حديث ((مر بجنازة فأثنى عليها خيراً فقال: وجبت)) إلى آخره هل هو صحيح
يعمل بظاهره؟ وهل يكون ثناء اثنين أو أكثر موجباً للجنة أو النار بحسب الثناء أو العبرة بثناء
الأكثر؟ .
الجواب: الحديث صحيح والعمل بظاهره بشرط أن يكون الثناء من عدل خير صالح
للتزكية، كذا حمل العلماء الحديث وليس ثناء من ذكر موجباً لذاته بل علامة على ما
عند الله للعبد بإخبار الصادق المصدوق ولا يحتاج إلى ثناء الأكثر بل ثناء الاثنين كاف ورد
به الحديث [وفي حفظي أن ورد في بعض الطرق أنه يكفي ثناء الواحد أيضاً ولا يحضرني
الآن من خرجه لأني كتبت هذه الأحرف على عجل].
مسألة: فيما روى البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى ﴿وَمِنَ
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح
کنوحکم وإبراهیم کإبراهیمکم وعیسی کعیساکم، ثم قال: هذا الحدیث إلی ابن عباس
صحيح إلا أني لا أعلم لأبي الضحى متابعاً فإذا كان الأمر كذلك فهل هؤلاء المذكورون من
البشر أو من الجن أو خلق آخر؟ وهل كل واحد منهم كان مقارنا لمثله من أنبياء البشر في
الزمان أم كيف الحال؟.
الجواب: هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه
البيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده صحيح - ولكنه شاذ بمرة، وهذا الكلام من البيهقي
في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث
لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف
الحديث أغنى ذلك عن تأويله لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن
أن يؤول على أن المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر ولا يبعد أن
يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلغ عنه.
مسألة: هل تنام الملائكة؟
(٥)﴾ [الأنبياء: ٢٠] أنهم
الجواب: ظاهر قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
٣٧٣
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
لا ينامون، ثم رأيت في الحديث ما يشهد لذلك قال ابن عساكر في تاريخه: أنا أبو الحسن
علي بن الحسن بن الحسين، وأبو طاهر محمد بن الحسين قالا: أنا أبو علي الأهوازي ثنا
عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر ثنا أبو الفتح المظفر بن أحمد بن برهان المقري ثنا أبو بكر
محمد بن أيوب الداراني ثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني ثنا سليمان بن عبد الرحمن
حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق قال: سمعت عروة بن رويم اللخمي يقول:
حدثني أنس بن مالك عن رسول الله وَله: ((إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم
فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الداوب
وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال
عز وجل: لا أجعل من خلقته بیدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان»؟
مسألة: هل ورد في الدعاء المأثور: اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له
السموات والأرض أن تجعلني في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك؟
الجواب: أخرج الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس يدعو فذكره ولم أقف
عليه مرفوعاً .
مسألة: هل ورد تسريح اللحية شيء وهل يقرأ عند تسريحها شيئاً؟
الجواب: ورد في تسريح اللحية أحاديث أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن
سعد قال: ((كان رسول الله وَلؤ يكثر [القناع يعني] التطيلس ويكثر دهن رأسه ويسرح لحيته
بالماء)» وأخرج الترمذي في الشمائل من حديث أنس: ((أن النبي و لو كان يكثر دهن رأسه
وتسريح لحيته))، وأخرج الخطيب في الجامع من حديث الحسن مرسلاً: ((أن رسول الله واله
كان يسرح لحيته بالمشط)). وأما القراءة عند تسريحها فلم يرد في ذلك حديث ولا أثر.
مسألة: في حديث من صلى علي واحدة أمر الله سبحانه وتعالى الحفظة أن لا تكتب
عليه سيئة ثلاثة أيام هل ورد؟
الجواب: لم أقف على هذا الحديث في شيء من الكتب المعتبرة.
٤٣ - إعمال الفكر في فضل الذكر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
مسألة: في الذكر والتسبيح والدعاء هل هو معادل للصدقة ويقوم مقامها في دفع البلاء؟
الجواب: الأحاديث والآثار صريحة في ذلك وفي تفضيله على الصدقة، وأما كونه سبباً
لدفع البلاء فهو أمر لا مرية فيه، فقد وردت أحاديث لا تحصى في أذكار مخصوصة من
قالها عصم من البلاء، ومن الشيطان، ومن الضر، ومن السم، ومن لذعة العقرب، ومن أن
يصيبه شيء يكرهه، وكتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي مشحون بذلك وكذا كتاب
:
الدعاء للطبراني، وللبيهقي فلا معنى للإطالة بذلك، وقد صح في لا حول ولا قوة إلا بالله
٣٧٤
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
أنها تدفع سبعين باباً من الضر أدناها الفقر. وفي رواية أدناها الهم، وأخرج الحاكم -
وصححه عن ثوبان مرفوعاً - : ((لا يرد القدر إلا الدعاء))، وأخرج الحاكم أيضاً من حديث
عائشة مرفوعاً: ((الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان
إلى يوم القيامة)) وأخرج مثله من حديث ابن عمر. وأخرج أبو داود، وغيره عن ابن عباس
مرفوعاً: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من
حيث لا يحتسب)) وأخرج ابن أبي شيبة عن سويد بن جميل قال: من قال: بعد العصر لا
إله إلا الله له الحمد وهو على كل شيء قدير قاتلن عن قائلهن إلى مثلها من الغد، وأخرج
إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر الصديق بغراب وأفر
الجناحين فقال: سمعت رسول الله 8* يقول: ((ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت
وشيجة (١) إلا بقلة التسبيح)) وأخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة من طريق ابن عون بن
مهران عن أبي بكر موقوفاً، وأخرج أبو نعيم في الحلية مثله من حديث أبي هريرة، وأبو
الشيخ في العظمة نحوه من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: ((ما أخذ طائر ولا حوت إلا بتضييع
التسبيح)) ومن حديث أنس مرفوعاً: ((آجال البهائم كلها وخشاش الأرض في التسبيح فإذا
انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها)). ومن حديث يزيد بن مرثد مرفوعاً: ((لا يصاد شيء من
الطير والحيتان إلا بما يضيع من تسبيح الله).
وأما تفضيل الذكر على الصدقة ففيه أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة، فمن الموقوفة ما
أخرجه الحاكم، والترمذي عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند
مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم
فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله)) وأخرج
الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله # ((سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم
القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيراً، قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله: قال: ((لو
ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكرون الله أفضل منه
درجة)). وأخرج الحاكم عن البراء مرفوعاً: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له
الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات فهو كعتق نسمة». وأخرج البيهقي في
شعب الإيمان من طريق أنس مرفوعاً: ((لأن اقعد مع قوم يذكرون الله منذ صلاة الغداة حتى
تطلع الشمس أحب إلي من أن اعتق أربعة من ولد إسماعيل)).
ففي هذين عدل الذكر بالعتق وتفضيله عليه. ومن الموقوفات، أخرج ابن أبي شيبة في
المصنف عن ابن مسعود قال: ((لأن أسبح تسبيحات أحب إلي من أن أنفق بعددهن دنانير في
سبيل الله)) وأخرج عنه قال: ((لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب
إلي من أن أتصدق بعددها دنانير)) وأخرج عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((لأن أقول
(١) الوشيجة: بالجيم - ما التف من شجر.
٣٧٥
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إليّ من أن أحمل على عدتها من خيل
بأرسانها)). وأخرج عن ابن عمر قال: «ذكر الله بالغداة والعشي أعظم من حطم السيوف في
سبيل الله وإعطاء المال سحاً) وأخرج عن أبي الدرداء قال: ((لأن أسبح مائة تسبيحة أحب
إليّ من أن أتصدق بمائة دينار على المساكين)) وأخرج عن معاذ بن جبل قال: ((لو أن رجلين
أحدهما يحمل على الجياد في سبيل الله والآخر يذكر الله لكان الذاكر أعظم وأفضل أجراً»
وأخرج عنه قال: ((لأن اذكر الله من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أحمل على الجياد
في سبيل الله)). وأخرج عن عبادة بن الصامت مثله، وأخرج عن سلمان الفارسي قال: ((لو
بات رجل يعطي القبان البيض وبات آخر يقرأ القرآن أو يذكر الله لرأيت أن ذاكر الله أفضل)).
وأخرج عن ابن عمر وقال: ((لو أن رجلين أقبل أحدهما من المشرق والآخر من المغرب مع
أحدهما ذهب لا يضع منه شيئاً إلا في حق والآخر يذكر الله حتى يلتقيا في طريق كان الذي
يذكر الله أفضلهما)) فهؤلاء سبع صحابة صرحوا بتفضيل الذكر على الصدقة، ومن أقوال غير
الصحابة أخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص قال: ((لتسبيحة في طلب حاجة خير من لقوح
صفي(١) في عام أزبة أو لزبة(٢)). وأخرج عن أبي بردة قال: ((لو أن رجلين أحدهما في
حجره دنانير يعطيها والآخر يذكر الله كان ذاكر الله أفضل)) والآثار في هذا المعنى كثيرة
وفیما أوردناه كفاية.
ومما استدل به على تفضيل الذكر على سائر العبادات أنه لم يرخص في تركه في حال
من الأحوال - أخرج ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال: ((افترض الله ذكره عند أشغل ما
تكونوا عند الضراب بالسيوف فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
(٥)﴾ [الأنفال: ٤٥])) والله أعلم.
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٤٤ - نتيجة الفكر في الجهر في الذكر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرَّحِمَةِ
الحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين اصطفى، سألت أكرمك الله عما اعتاده السادة
الصوفية من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك
مكروه أو لا؟.
الجواب: أنه لا كراهة في شيء من ذلك، وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر
بالذكر، وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به، والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف
الأحوال والأشخاص كما جمع النووي بمثل ذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر
بقراءة القرآن [والأحاديث] الواردة باستحباب الإسرار بها وها أنا أبين ذلك فصلاً فصلاً.
(١) الصفي. الناقة الغزيرة اللبن وكذلك الشاة.
(٢) أي شدة جدب ومحل، كما في النهاية .
٣٧٦
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((يقول الله:
أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في
ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) والذكر في الملاّ لا يكون إلا عن جهر.
الحديث الثاني: أخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: ((خرج
علينا النبي ◌َ ل فقال: ((يا أيها الناس إن لله سراياً من الملائكة تحل وتقف على مجالس
الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة))، قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: ((مجالس الذكر
فاغدوا وروحوا في ذكر الله)).
الحديث الثالث: أخرج مسلم، والحاكم واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله ◌َي: ((إن لله ملائكة سيارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتوا على
مجلس ذكر حف بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء فيقول الله: من أين جئتم؟ فيقولون
جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك،
فيقول : ما يسألون وهو أعلم؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا
يا رب، فيقول: فكيف لو رأوها؟ ثم يقول: ومم يستجيروني وهو أعلم بهم؟ فيقولون من
النار، فيقول: وهل رأوها فيقولون لا، فيقول: فكيف لو رأوها، ثم يقول: أشهدوا أني قد
غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوني وأجرتهم مما استجاروني، فيقولون: ربنا إن فيهم عبداً خطاء
جلس إليهم وليس منهم، فيقول: وهو أيضاً قد غفرت له هم القوم لا يشقي بهم جليسهم)) .
الحديث الرابع: أخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله
تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَّر: ((ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة
وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده)) .
الحديث الخامس: أخرج مسلم، والترمذي عن معاوية: ((أن النبي ◌ُّ خرج على حلقة
من أصحابه فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: ((إنه أتاني جبريل
فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) .
الحديث السادس: أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله وَالتر: ((أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون)).
الحديث السابع: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الجوزاء رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ◌َله: ((أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون)) - مرسل، ووجه
الدلالة من هذا والذي قبله أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الإسرار.
الحديث الثامن: أخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله ربَّ: ((إذا مررتم برياض
الجنة فارتعوا)» قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)).
٣٧٧
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
الحديث التاسع: أخرج بقي بن مخلد عن عبد الله بن عمرو: ((أن النبي وَلا مر
بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال: ((كلا
المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر)).
الحديث العاشر: أخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول اللّه ◌َشير: ((ما من قوم
اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات)).
الحديث الحادي عشر: أخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ قال: ((يقول
الرب تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل ومن أهل الكرم يا
رسول الله؟ قال: مجالس الذكر في المساجد».
الحديث الثاني عشر: أخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه یا
فلان هل مر بك اليوم لله ذاكر؟ فإن قال نعم استبشر ثم قرأ عبد الله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًّا
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَظَرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٩، ٩٠]، الآية، وقال: أيسمعون الزور ولا يسمعون
الخير؟ .
الحديث الثالث عشر: أخرج ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله: فما بكت
عليهم السماء والأرض، قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض الموضع الذي كان
يصلي فيه ويذكر الله فيه، وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عبيد قال: إن المؤمن إذا مات
نادت بقاع الأرض عبد الله المؤمن مات فتبكي عليه الأرض والسماء فيقول الرحمن: ما
يبكيكما على عبدي؟ فيقول ربنا لم يمش في ناحية منا قط إلا وهو يذكرك. وجه الدلالة من
ذلك أن سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به.
الحديث الرابع عشر: أخرج البزار، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال
رسول الله وَلاير: ((قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً، وإن ذكرتني في ملأ
ذكرتك في ملأ خير منهم وأكثر)» .
الحديث الخامس عشر: أخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأدرع:
((انطلقت مع النبي ◌َّ ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته قلت: يا رسول الله عسى أن
يكون هذا مرائياً؟ قال: ((لا ولكنه أواه)) وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر: ((أن
رسول الله وَّر قال لرجل يقال له ذو البجادين(١)، إنه أواه وذلك أنه كان يذكر الله))،
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا
خفض من صوته فقال رسول الله وَ لجر: ((دعه فإنه أواه)).
الحديث السادس عشر: أخرج الحاكم عن شداد بن أوس قال: ((إنا لعند النبي ◌َّ إذ قال:
ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال رسول الله وَلهو: ((اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة
وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم)).
(١) اسمه عبد الله بن عبد نهم.
٣٧٨
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
الحديث السابع عشر: أخرج البزار عن أنس عن النبي وت طهر قال: ((إن الله سيارة من
الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتي
فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» .
الحديث الثامن عشر: أخرج الطبراني، وابن جرير عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف
قال: نزلت على رسول الله وَّ﴿ وهو في بعض أبياته: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
◌ِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله تعالى منهم ثائر
الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: ((الحمد لله الذي جعل
في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم).
الحديث التاسع عشر: أخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: ((كان سلمان في
عصابة يذكرون الله فمر النبي ◌ّ فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، قال: إني
رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي
من أمرت أن أصبر نفسي معهم».
الحديث العشرون: أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزين العقيلي ((أن
رسول الله ◌َيُ قال له: ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصبب به خيري الدنيا والآخرة؟
قال: بلى، قال: عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله)).
الحديث الحادي والعشرون: أخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي، والأصبهاني عن أنس
قال: قال رسول الله وَّلير: ((لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع
الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى
أن تغيب الشمس أحب إلي من الدنيا وما فيها)).
الحديث الثاني والعشرون: أخرج الشيخان عن ابن عباس قال: إن رفع الصوت بالذكر
حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ◌َّ، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا
انصرفوا بذلك إذا سمعته.
الحديث الثالث والعشرون: أخرج الحاكم عن عمر بن الخطاب عن رسول الله وَ له قال:
((من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت
وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له
ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)). وفي بعض طرقه: (فنادى)).
الحديث الرابع والعشرون: أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي،
وابن ماجه عن السائب أن رسول الله وَ لقر قال: ((جاءني جبريل فقال: مر أصحابك يرفعوا
أصواتهم بالتكبير)) .
الحديث الخامس والعشرون: أخرج المروزي في كتاب العيدين عن مجاهد أن
عبد الله بن عمر، وأبا هريرة كانا يأتيان السوق أيام العشر فيكبران لا يأتيان السوق إلا
٣٧٩
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
لذلك، وأخرج أيضاً عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر في قبته فيكبر أهل المسجد
فيكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيراً. وأخرج أيضاً عن ميمون بن مهران قال: أدركت
الناس وأنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها.
فصل: إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في
الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما صريحاً أو التزاماً كما أشرنا إليه، وأما
معارضته بحديث: ((خير الذكر الخفي)) فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث
المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة، وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف
الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته
تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه
ويطرد النوم ويزيد في النشاط، وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار
ببعضها لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار انتهى،
وكذلك نقول في الذكر على هذا التفصيل وبه يحصل الجمع بين الأحاديث فإن قلت: قال
الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ اٌلْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]
قلت: الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أنها مكية كآية الإسراء ﴿وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] وقد نزلت حين كان النبي ◌َّل يجهر بالقرآن فيسمعه
المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله فأمر بترك الجهر سداً للذريعة كما نهى عن سب الأصنام
لذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾
[الأنعام: ١٠٨] وقد زال هذا المعنى وأشار إلى ابن كثير في تفسيره الثاني أن جماعة من
المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك، وابن جرير حملوا الآية على
الذاكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده
الأصوات ويقويه اتصالها بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
قلت: وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الاخلاد إلى البطالة فنبه على أنه وإن كان
مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باق حتى لا يغفل عن ذكر الله ولذا
ختم الآية بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ اُلْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الثالث ما ذكره الصوفية أن الأمر
في الآية خاص بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الكامل المكمل، وأما غيره ممن هو
محل الوساوس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيراً في دفعها. قلت: ويؤيده
من الحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَطير: ((من صلى منكم
بالليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة تصلي بصلاته وتسمع لقراءته، وإن مؤمني الجن الذين
يكونون في الهواء وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته ويستمعون قراءته وإنه ينطرد بجهره
بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فساق الجن ومردة الشياطين)).
فإن قلت: فقد قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
٣٨٠
الفتاوى الحديثية / كتاب الأدب والرقائق
[الأعراف: ٥٥] وقد فسر الاعتداء بالجهر في الدعاء قلت: الجواب عنه من وجهين
أحدهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور به أو اختراع دعوة لا أصل لها في
الشرع، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي نعامة
رضي الله عنه ((أن عند الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني اسألك القصر الأبيض عن
يمين الجنة فقال: إني سمعت رسول الله وَّو يقول: ((سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في
الدعاء)) فهذا تفسير صحابي وهو أعلم بالمراد الثاني: على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا
في الذكر، والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى:
٣)﴾ [مريم: ٣] ومن ثم استحب الإسرار بالاستعاذة في الصلاة
﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءُ خَفِيًا
أتفاقاً لأنها دعاء.
فإن قلت: فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد
فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد قلت هذا الأثر عن ابن مسعود
يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو
معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما
يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: ثنا
حسين بن محمد ثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون
أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلساً قط إلا ذكر الله فيه، وأخرج
أحمد في الزهد عن ثابت البناني قال: إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من
الآثام أمثال الجبال وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شيء.
٤٥ - الدر المنظم في الاسم الأعظم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
الحمد لله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
المخصوص بالشفاعة العظمى، وعلى آله وصحبه ذوي المقام الأسنى وبعد فقد سئلت عن
الاسم الأعظم وما ورد فيه فأردت أن اتتبع ما ورد فيه من الأحاديث والآثار والأقوال فقلت
في الاسم الأعظم أقوال، الأول: أنه لا وجود له بمعنى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا
يجوز تفضيل بعضها على بعض، ذهب إلى ذلك قوم منهم أبو جعفر الطبري، وأبو الحسن
الأشعري، وأبو حاتم بن حبان، والقاضي أبو بكر الباقلاني، ونحوه قول مالك، وغيره: لا
يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على
أن المراد به العظيم، وعبارة الطبري اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم والذي عندي أن
الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه فكأنه
تعالى يقول: كل اسم من أسمائي يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم: وقال