النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الفتاوى الفقهية / باب جامع
والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم
بعلمه، ولا يستدل عليه ذو العقل بعقله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً
كثيراً. وقال في رسالة تشفع إلى الخليفة: وحباه من عمر الزمان بعقد ألف ومن خلقه بعقيدة
الألف وجعل عقبه كلمة باقية إذا أصبحت الأعقاب كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف -
إلى أن قال: وهو يرجو أن لا يكون في رجائه هذا من الخائبين، وأن يقال له أقبل ولا
تخف إنك من الآمنين، وليس هنا إلا عفو أمير المؤمنين، الذي لا يحتاج إلى سفير وفيه
يصح ويعفو عن كثير.
وقال في رسالة أخرى عن الملك الظاهر غازي إلى الخليفة الناصر ولما بلغ الخادم
محضره قال: إني نذرت للرحمن صوماً وعد يومه بالدهر كله وإن كان في الأيام يوما. وقال
في رسالة أخرى: فعبقت الأسماع بهذا الخبر الأريج، واهتزت له الآمال وربت وأنبتت من
كل زوج بهيج. وقال في رسالة أخرى: فأصبحت يدي حمالة الحطب وأصبح بخاطري أبا
جهل بعد أن كان أبا لهب: وقال في رسالة أخرى: ومحاهم الخطب ولم يكن الخطب
بمريب وكان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. وقال في رسالة أخرى: فظن في سورة
قوة الاحتماء وقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. وقال في أخرى: وعند ذلك عمد
العبد إلى ما أميت بها من عدل فجعله حباء منشوراً وقدم إلى ما عمل بها من عمل فجعله
هباء منثوراً - إلى أن قال: تبعتهم على ذلك وكابد أسباب منها آيات محكمات هن أم
الكتاب - إلى أن قال: ويرجو العبد أن تكون ولايته هذه ولاية بر وإلطاف، وأن يرزق الله
الناس أعواماً سماناً يأكلن ما تقدم من العجاف، وأن يكون ممن أصاب الله به قوماً إذا هم
يستبشرون، وأن يجعل عامه هو العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، ولقد وجد من
ألطاف الله مرة بعد أخرى ما يقال معه إن في ذلك لذكرى، فما يريه من آية إلا هي أكبر من
أختها مقاماً، وكذلك يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً.
وقال البيضاوي في أول تفسيره: الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين
نذيراً - إلى أن قال: ثم بين للناس ما نزل إليهم حسبما عن لهم من مصالحهم ليديروا آياته
وليتذكر أولو الألباب تذكيراً - إلى أن قال: ومهد لهم قواعد الأحكام وأوضاعها من نصوص
الآيات وألماعها ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيراً، فمن كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد فهو في الدارين حميد وسعيد، ومن لم يرفع إليه رأسه وأطفأ نبراسه يعش ذميماً
ويصلي سعيرا.
وقال ابن المنير في الأنتصاف في مسألة رد فيها على الزمخشري ما نصه: ولو نظر بعين
الإنصاف إلى جهالة القدرية وضلالها لانبعث إلى حدائق السنة وظلالها ولتزحزح عن مزالق
البدعة ومزالها ولكن كره الله انبعاثهم ليعلم أي الفريقين أحق بالأمن والدخول في العلم.
وقال ابن دقيق العيد في خطبة كتابه الإلمام: ولم يكن ذلك مانعاً لي من وصل ماضيه
بالمستقبل ولا موجباً لأن أقطع ما أمر الله به أن يوصل.

٢٦٢
الفتاوى الفقهية / باب جامع
وقال ابن الساعاتي من أئمة الحنفية في شرح كتابه مجمع البحرين: فكانت حالة عجزت
البلغاء عن نعتها ونطقت بها ألسن طالت مدة صمتها وما ينعم الله بنعمة إلا وهي أكبر من أختها .
وقال الشيخ جمال الدين الإسنوي في خطبه المهمات: وإذا تأمل المنصف هذا التصنيف
وأمعن النظر في هذا التأليف، حكم بأنه لنظم الكتابين كالقوافي وأن هذا الثالث هو ثالث
الأثافي، وربما تأمله بعض أبناء الوقت ممن أدركه الخزي والمقت، واتخذ إلهه هواه
وشيطانه مولاه، وألبسه الله رداء الحسد وسربال الشقاوة وختم على سمعه وقلبه وجعل على
بصره غشاوة، فنظر إليه بطرف خفي وصم عن إدراك ما فيه وعمى كما وقع في الكتاب
الأول الموضوع لبعض هذه الأنواع المسمى بالجواهر فلم يكن ذلك مانعاً إن أشفع بالثاني
الأول ولا قاطعاً ما أمر الله به أن يوصل.
فصل: ومن أكثر الناس استعمالاً لذلك الصوفية وقد يسمى ضرب مثل وقد يسمى إشارة
بحسب اختلاف المورد، وكتبهم مشحونة بذلك ومحاوراتهم ومخاطباتهم حتى ذكروا أن
منهم من أقام برهة لا يتكلم ولا يخاطب أحداً إلا من القرآن، وممن حكي عنه استعمال
ذلك في محاوراته الجنيد، والسري، ومعروف الكرخي، والشبلي. حضر شيخ من الصوفية
سماعاً فحصل لبعض المريدين وجد فأراد أن يقوم فقال له الشيخ: الذي يراك حين تقوم
فسكن عن القيام، ودخل آخر على جماعة - وهم سكوت - فقال: ووقع القول عليهم بما
ظلموا فهم لا ينطقون، ودخل رجل على بعض الأولياء فاستحقره في عينه فقال: سرا حتى
إذا جاءه لم يجده شيئاً فاطلع الولي على ذلك بطريق الكشف فقال له: يا فلان اقرأ ما
بعدها. وفي لطائف المنن للشيخ تاج الدين بن عطاء الله قال الجنيد: التصديق بعلمنا هذا
ولاية وإذا فاتتك المنة في نفسك فلا يفتك أن تصدق بها في غيرك فإن لم يصبها وابل
فطل. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي في حزبه المشهور: نسألك العصمة في الحركات
والسكنات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة
الغيوب، فقد ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، ليقول المنافقون والذين في قلوبهم
مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في الحكم : ما
أرادت همم سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادتها هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك
ولا تبرجت ظواهر المكنونات إلا نادتك به حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر، وقال: لا
ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحا يسير، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه،
ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون وأن إلى ربك المنتهى، وقال: لا تفرحك الطاعة لأنها
برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو
خير مما يجمعون. وقال: قوم اقامهم الحق لخدمته وقوم اختصهم بمحبته كلاً نمد هؤلاء
وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا. وقال: ربما أفادك في ليل القبض ما لم
تستفده في إشراق نهار البسط لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً، وقال: الحقائق لا ترد في
حال التجلي مجملة وبعد الوعي يكون البيان، فإذا قرأناه فأتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه، متى

٢٦٣
الفتاوى الفقهية / باب جامع
وردت الواردات الإلهية إليك هدت العوائد عليك إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها،
وقال: الوارد يأتي من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه بل نقذف بالحق
على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وقال: بل دخلوا إلى ذلك بالله ولله ومن الله وإلى الله،
﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] ليكون نظري إلى حولك
وقوتك إذا أدخلتني، واستسلامي وانقيادي إليك إذا اخرجتني، واجعل لي من لدنك سلطاناً
نصيراً تنصرني وتنصر بي. وقال السلفي في بعض أحزابه: سمعت أبا محمد جعفر بن
أحمد بن الحسين بن السراج النحوي ببغداد يقول: رأيت على أبي الحسن القزويني الزاهد
ثوباً رفيعاً ليناً فخطر ببالي كيف مثله في زهده يلبس مثل هذا؟ فقال في الحال بعد أن نظر
إلي: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قال: وحضرنا عنده يوماً
لقراءة الحديث فتمادى بنا الوقت إلى أن وصلت إلينا الشمس وتأذينا بحرها فقلت في
نفسي: لو تحول الشيخ إلى الظل، فقال والله في الحال: قل نار جهنم أشد حراً.
فصل: ومن مصطلح أهل فن البلاغة أن يصدروا إنشاءاتهم بآية من القرآن الكريم فيها
مناسبة لما هم بصدده ويوردوها بعد البسملة من غير تصدير بقال الله تعالى أو نحوه لتكون
البسملة ملاصقة للآية من غير فاصل، أنشأ الشهاب بن فضل الله صورة مبايعة للخليفة
الحاكم ابن المستكفي العباسي أورد صدرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:
١٠] إلى آخر الآية وقرىء ذلك بحضرة القضاة الأربعة ومشايخ الإسلام والدين بالديار
المصرية وكانوا جماً غفيراً وعدداً كثيراً فما منهم من أبدى لذلك نكيراً وذلك في سنة اثنتين
وأربعين وسبعمائة .
وأنشأ الجمال اليعموري كتاب بشارة بخلاص دمياط من الفرنج بحضرة الشيخ عز
الدين بن عبد السلام وأرسله إلى بغداد لحضرة الخليفة أورد صدره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ
عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤] وأنشأ ابن الأثير كتاباً عن زعيم الموصل إِلى
صدر الدين شيخ الشيوخ ببغداد يبشره بعود مملكته إليه أورد صدره: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ
أَذْهَبَ عَنَّا الْخَزَنَّ إِنَ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ وأنشأ تقليداً لقاضي القضاة بالديار المصرية أورد
صدره: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىَ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ
لِ فِ ذُرِيَّنِىٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] وأنشأ أيضاً رسالة في رجل
غضب عليه الخليفة أورد صدرها: ﴿وَلَا تُشْقَلُ عَنْ أَمْحَبٍ لََْحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] وأنشأ
الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس رسالة في صلح بين طائفة أورد في صدرها: ﴿إن أُرِيدُ
إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ [هود: ٨٨] وأنشأ ابن الأثير
كتاباً في تهنئة الخليفة بمولود أورد صدره: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ، أَوََّبُ
[ص: ٣٠] وأنشأ كتاباً إلى أخيه العلامة مجد الدين صاحب جامع الأصول يذكر مفارقته
(٢٦) وَنَعْمَلِ كَانُواْ فِيَهَا
وَنُطِعٌ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
٢٥
مصر أورد صدره: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جََّتٍ وَعُيُونٍ
[الدخان: ٢٥ - ٢٧].
فَكِينَ

٢٦٤
الفتاوى الفقهية / باب جامع
وأنشأ كتاباً إلى الخليفة عن الملك الأفضل حين حوصرت دمشق أورد صدره: ﴿وَإِن
كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] وأنشأ كتاباً إلى الخليفة عن الملك الرحيم
وكانت طائفة من مماليكه أرادوا الفتك به فظفر بهم أورد صدره: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَقُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهُّ﴾ [الرعد: ١١].
وأنشأ الكمال عبد الرزاق الأصبهاني مقامة في القوس أورد صدرها: ﴿وَيَسْشَلُونَكَ عَن ذِى
الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (15)﴾ [الكهف: ٨٣] وكتب الشيخ علي بن وفا رسالة
إلى بعض أصحابه أورد صدرها: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩]
وألف الحافظ الذهبي كتاباً في رتن الذي ادعى الصحبة بعد الستمائة سماه كسر وثن رتن
أورد صدره: ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وأنشأ بعض الفضلاء كتاب بشارة بفتح
بلاد النوبة والسودان لما غزيت أورد صدره: ﴿وَجَعَلْنَا اُلَيْلَ وَالنَّهَارَ مَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَيْلِ﴾
[الإسراء: ١٢] وأنشأ فخر الدين بن الدهان كتاباً إلى القاضي الفاضل يسأله الصلح لأمير
المواصلة مع السلطان صلاح الدين بن أيوب افتتحه بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ
(٤٦)﴾ [الزمر: ٤٦].
عَلِمَ اٌلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُّمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وأعظم من هؤلاء كلهم وأفضل وأفخم وأكمل إمام العلماء والبلغاء إمامنا الإمام الشافعي
رضي الله عنه فإنه سلك مسلك البراعة وأتى بواجب هذه الصناعة فصدر كتاب الرسالة بهذه الآية
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُّلُمنَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ بَعْدِلُونَ
[الأنعام: ١] وبنى عليها الخطبة ولم يصدرها بقوله: قال الله تعالى، بل وصلها وذلك لأن
الخطبة من نوع الإنشاء فكان واجبها وصل الآية بالبسملة من غير أن يقال قال الله ونحوه،
ثم لما عقد الأبواب وأورد الآيات فيها للاحتجاج صدرها بقوله: قال الله تعالى، فأعطى كل
مقام حقه ووفى كل موضع قسطه، وكيف لا وهو إمام الفصاحة والبلاغة والبراعة والذي
يقتدي به أكابر هذه الصناعة.
فإن قلت: هل لذلك من نكتة يستحسنها أهل الذوق أو دليل من الحديث النبوي يطرب
إليه أهل الشوق؟ قلت: نعم أما النكتة فشيئان أحدهما أنهم أرادوا أن يجعلوا الآية مقام
خطبة المقامة أو الرسالة أو نحوها بجامع أنها ذكر والخطبة ذكر، كما جعل البخاري
حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) مقام خطبة الكتاب فافتتح به. والثاني أنه لما كانت البسملة
من القرآن والآية من القرآن ناسب أن لا يفصل بينهما بشيء بل تكون ملصقة بها ألا ترى أن
القارىء إذا أراد أن يقرأ من أثناء سورة فإنه يستحب له أن يبسمل ويقرأ عقبها من الموضع
الذي أراده ولم يقل أحد من الأمة أنه إذا بسمل يقول قال الله ثم يشرع في القراءة إنما يفعل
ذلك من أراد إيراد آية للاحتجاج ونحوه، وأما من أراد محض القراءة فلا يفعل ذلك بحال
ولو فعله عد بدعة وخلافاً لما عليه الأئمة سلفاً وخلفاً، ولما نص عليه أئمة القراءات في
كتبهم، ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة من فعل النبي ونَ ﴿ فلم يرد قط عنه وَلّ ولا عن
أحد من أصحابه ولا من سائر الأمة أنهم كانوا إذا أرادوا أن يقرءوا من أثناء سورة يقولون

٢٦٥
الفتاوى الفقهية / باب جامع
عقب البسملة: قال الله تعالى في مفتتح قراءتهم، بل كانوا يقرءون الآية موصولة بالبسملة
من غير أن يقولوا قال الله، وإذا أرادوا إيراد آية للاحتجاج على حكم أو نحوه يقولون قال
الله تعالى كذا من غير أن يبسملوا، هذا ما تقرر من فعل النبي وصلة، والصحابة، والتابعين
وهلم جرا، وعليه عمل الإمام الشافعي فإنه لما أراد افتتاح الخطبة بسمل ووصل البسملة
بالآية من غير أن يقول قال الله، ولما أراد الاحتجاج في الأبواب بالآيات قال: قال الله وذكر
الآية من غير بسملة، وعلى ذلك عمل علماء الأمة وبلغائها كافة .
وأما الدليل فعام وهو ما أشرنا إليه من فعل النبي ◌َّ في القراءة، وخاص، وذلك
أنه وَلّ كتب كتاباً إلى اليمن فصدره بعد البسملة بآية كالخطبة والعنوان وبراعة الاستهلال
للكتاب ووصلها بالبسملة من غير أن يقول قال الله تعالى ونحوه، وبذلك اقتدى الأئمة
والبلغاء في مكاتباتهم ورسائلهم وخطبهم وانشاءاتهم.
قال البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب
ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن
أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول اللهو # عندنا الذي كتبه
لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن فكتب له كتاباً وعهداً فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن
أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ
الحق كما أمره أن يبشر الناس بالخير وساق الكتاب بطوله، وقال ابن أبي شيبة في
المصنف: ثنا سليمان بن داود عن شعبة عن أبي إسحاق قال: كتب إلينا ابن الزبير بئس
الاسم الفسوق بعد الإيمان صدقة الفطر صاع صاع.
فصل: وأما الاقتباس في الشعر فلم ينص عليه متقدمو أصحابنا مع شيوعه في أعصارهم
واستعمال الشعراء له قديماً وحديثاً، فسكوتهم على ذلك وعدم نصهم على تحريمه يدل
على أنهم رأوه جائزاً كضرب الأمثال والاقتباس في النثر، وأصرح من ذلك أن جماعة من
أئمة المذهب استعملوه في شعرهم قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات في ترجمة
الأستاذ أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي أحد كبار الأصحاب وأجلائهم من
شعره قوله :
ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف
إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
أبشر بقول الله في آياته
قال ابن السبكي: استعمال مثل الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره فائدة
فإنه جليل القدر، وبعض الناس بحث أنه لا يجوز، وهذا الأستاذ أبو منصور من أئمة
الدين، وقد فعل هذا وأسند عند هذين البيتين الأستاذ الحافظ أبو القاسم بن عساكر وهما
حجة في جواز مثل ذلك.

٢٦٦
الفتاوى الفقهية / باب جامع
قلت: وروى البيهقي في شعب الإيمان عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي قال: أنشدنا
أحمد بن محمد بن يزيد لنفسه :
سل الله من فضله واتقه فإن التقي خير ما يكتسب
ويرزقه من حيث لا يحتسب
ومن يتق الله يجعل له
فإسناد البيهقي هذا الشعر وتخريجه في مثل هذا الكتاب الجليل يدل على أنه يجوزه،
وقد استعمله أيضاً الإمام الرافعي وناهيك به إمامة وجلالة وورعاً فقال: وأنشده في أماليه
ورواه عنه الأئمة :
ه له وذلت عنده الأرباب
الملك لله الذي عنت الوجو
خسر الذين يحاربوه وخابوا
متفرد بالملك والسلطان قد
فسيعلمون غداً من الكذاب
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم
واستعمله أيضاً شيخ الشيوخ الحموي، وابن الوردي، وجمع من المتأخرين آخرهم
الحافظ ابن حجر، ولما أنشأ شيخنا الشهاب الحجازي كتابه في اقتباسات القرآن أوقفه عليه
فكتب له خطه عليه وأثنى عليه. وقال الشرف بن المقري صاحب الروض والإرشاد في شرح
بديعيته: ما كان من الاقتباس في الشعر في المواعظ والزهد ومدحه وَ لفر وآله وصحبه فهو
مقبول وغيره مرود، وقال التقي بن حجة: الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح، ومردود،
فالأول ما كان في الخطب والمواعظ والعهود. والثاني ما كان في الغزل والرسائل
والقصص. والثالث ما كان في الهزل والخلاعة. وذكر الشيخ علاء الدين بن العطار تلميذ
النووي في كتاب له ألفه في الشعر أنه سأل النووي عن الاقتباس فأجازه في النثر وكرهه في
الشعر، ووافقه على ذلك الشيخ بهاء الدين بن السبكي فجوزه في النثر واستعمله وقال :
الورع اجتنابه في الشعر، ذكره في عروس الأفراح. قلت: وعلة التفرقة بين النثر والشعر
ظاهرة، فإن القرآن الكريم لما نزه عن كونه شعراً ناسب أن ينزه عن تضمينه الشعر بخلاف
النثر. هذا مجموع المنقول عندنا في هذه المسألة، وحاصله الاتفاق على جواز ضرب
الأمثال من القرآن واقتباسه في النثر والاختلاف في اقتباسه في الشعر، فالأكثرون جوزوه
واستعملوه منهم الرافعي، وأما النووي، والبهاء بن السبكي فكرهاه ورعاً لا تحريماً، ولم
أقف على نقل بتحريمه لأحد من الشافعية، ومحل ذلك كله في غير الهزل والخلاعة
والمجون، ويلتحق بما نحن فائدة جليلة. ذكر جماعة من المتأخرين منهم الشيخ ولي الدين
العراقي عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه نظم قوله:
مجاز حقيقتها فساعبروا ولا تـعـمروا هونوهاتهن
وما حسن بيت له (زخرف) تراه (إذا زلزلت) (لم يكن)
ثم توقف لأنه استعمل هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى الشيخ تقي الدين بن

٢٦٧
الفتاوى الفقهية / باب جامع
دقيق العيد ليستفتيه عن ذلك فلما أنشده إياهما قال له الشيخ قل: ((وما حسن كهف)) فقال:
يا سيدي أفدتني وأفتيتني، ثم رأيت الشيخ داود الباخلي الشاذلي تعرض للمسألة في كتابه
المسمى باللطيفة المرضية في شرح دعاء الشاذلية وبسطها أحسن بسط فقال ما نصه: قوله -
يعني الشيخ أبا الحسن الشاذلي - فقد ابتلى المؤمنون إلى آخره هذا اللفظ موافق للفظ التلاوة
إلا في قوله: فقد ابتلى المؤمنون وليقول المنافقون، والقرآن هنالك ابتلى المؤمنون وإذا
يقول المنافقون ولم يرد بذلك التلاوة ولو أريد التلاوة لتعين الإتيان بلفظها، إذ لا يحل
لمسلم أن يزيد حرفاً في القرآن ولا ينقص حرفاً، وكل مؤمن يعلم ذلك ويقطع به وذلك
معلوم ضرورة عند المؤمنين فكيف العلماء العارفين؟ وإذا لم يقصد التلاوة جاز للإنسان
النطق باللفظ الموافق للتلاوة سواء كان جنباً أو متطهراً، ويجوز مسه مكتوباً على غير وضوء
لأنه إذ ذاك ليس بقرآن، وإذا كان كذلك جاز أن يزيد لفظاً وينقص لفظاً كغيره من الكلام،
قال: وقد وقعت هذه المسألة خصوصاً في وقت وتردد سؤال الناس مني عنها وأجبت عنها
قال: وهذا نص السؤال: هل يجوز ذكر كلمات يسيرة مما يذكر في القرآن العظيم ويقصد به
معنى غير ما هو في القرآن كقوله لمن استأذن عليه ادخلوها بسلام آمنين، أو يا يحيى خذ
الكتاب بقوة، أو عتب على أمر فقال: كان ذلك في الكتاب مسطوراً فإن مدلول اسم
الإشارة في قوله غير ما هو في القرآن أو أراد أن يخبر عن حال نفسه هو فقال: وما أبرىء
نفسي إن النفس الأمارة بالسوء، أو وقعت فتنة فثبت قوم واضطرب آخرون فقال: ليهلك من
هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة، أو ضمن ذلك خطبة أو رسالة قاصداً سياق قوله غير
قاصد معاني التلاوة، وإذا جاز ذلك فهل له أن يزيد في ذلك وينقص منه أو يغير نظمه
بتقديم أو تأخير أو تغيير حركة إعراب ونحو ذلك؟ ونص الجواب: الكلام في جواب هذا
السؤال مستمد من وجهين: أحدهما: تحقيق معاني ذلك وتبيين وجوه قواعد تنبني عليها
وجوه معانيه وذلك يستدعي الكلام من علوم غامضة جليلة هي أساس العلوم ومستنار الفهوم
قل من يصل بالتحقيق إليها، وكثير من الناس لم يعرج عليها وما ذاك إلا لعلوها عن فهم
العموم وغموض معانيها على كثير من الفهوم كعلم قواعد معرفة إعجاز القرآن، وعلم أصول
الدين، وأصول الفقه، ودقائق علوم العربية، واللغة وأسرارهما، وعلم البيان، والبديع،
والمعاني وتصرف اللسان العربي، وسعة ميدانه، والنظر في سرعة تصريف جواد البلاغة عند
إطلاق عنانه في أنحاء أنواع الكلام، والتصرف في بدائع المعاني في التوصل إلى الأفهام،
ولكل عبد في مقدار فهمه ومبلغ علمه حال ولكل مقام مقال
ولقد بلغني عن الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام أنه سئل عن مسألة في نحو ذلك
وكان بالاسكندرية فقال: لا أجيب عن هذه المسألة في هذه البلدة، وما ذاك إلا لدقة
الجواب عن أفهام كثير من الناس لأنه إذا لطف الكلام في دقائق العلوم استصعب ذلك على
فهم من لم يكن ذا فهم ثاقب وذهن صحيح وممارسة لكثير من العلوم التي هي أدوات
لإدراك غامض المعاني، ولقد ذاكرت الشيخ الإمام شيخ وقته وإمام عصره شيخنا الشيخ

٢٦٨
الفتاوى الفقهية / باب جامع
شمس الدين الجزري في مسألة من ذلك فقال لي: حضرت مع جماعة من الفقهاء فحاولت
أن أوصل إلى أذهانهم معنى هذه المسألة فلم يمكن لبعد أذهانهم عن إدراك ذلك، والأصل
الآخر المعتمد عليه في بيان ذلك وهي القواطع السمعية والنقول البينة الجلية التي تقرع
الأسماع ويرتفع عند وجودها النزاع، وفي ذلك أعظم كفاية وأكبر حجة وأجل بيان وأوضح
محجة، إذ النقول الصريحة يصل إلى فهم معناها وإدراك دلالتها عموم الأفهام، ويشترك في
الوصول إلى العلم بها الخاص والعام، وفي تقصيها والنظر لما فيها ما هو جواب عن هذا
السؤال وبيان لمثل هذا الحال وذلك نوعان: أحدهما ذكر ما جاء في ذلك من الأحاديث
والآثار وكلام الأئمة، والعلماء والخطباء، والأدباء وما سطره في ذلك علماء البيان وأئمة
اللسان قولاً. والثاني ما ذكره العلماء أئمة الفتوى في ذلك حكماً، وذلك أمر في ذلك كاف
وجواب في المسألة شاف، أما النوع الأول فمن ذلك ما رواه مسلم عن علي: ((أن
رسول الله لو كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض
حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له
وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)) الحديث، هذا ظاهر في الدلالة على ذلك لأن التلاوة إني
وجهت وجهي وأنا أول المسلمين، ففي ذلك أوضح بيان وأشفى جواب لما ذكر، وقد نص
على ذلك القاضي عياض في شرح مسلم عند ذكره الحديث وقال: وجه قوله من أنه لم يرد
تلاوة الآية بل الإخبار بالاعتراف بحاله فنبه بذلك على قواعد جليلة من أنه يجوز أن يراد
بشيء من كلمات القرآن غير التلاوة، وقد نص على ذلك الأئمة من المالكية والشافعية وعلم
ذلك من قولهم، وأنه إذا أريد بذلك غير التلاوة جاز أن يحذف شيء منه ويزاد على سياق
قول قائلة، ومن ذلك ما رواه البخاري في حديث هرقل فإن فيه: ((ثم دعا بكتاب
رسول الله ◌َ﴿ فإذا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم
سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك
مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة - إلى قوله -
بأنا مسلمون)) فذكر فيه سلام على من اتبع الهدى والتلاوة والسلام، وذكر فيه ويا أهل
الكتاب، ومن ذكل ما رواه البخاري، ومسلم عن أنس قال: ((كان أكثر دعاء النبي ◌َتليفون:
((اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) والتلاوة ربنا آتنا، وقد سماه
أنس دعاءاً ولم يسمه تلاوة، وفي البخاري حديث: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في
الصور فيصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من
يبعث)) الحديث، وحديث عبادة بن الصامت: ((أن النبي وَّر قال: وحوله عصابة من
أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا
تأتوا بيهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف)». وحديث ابن عمر: ((قدم
النبي ◌َ﴿ فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة وقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة)). وحديث البراء: ((كان رسول الله الفي صلى نحو بيت

٢٦٩
الفتاوى الفقهية / باب جامع
المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى
تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فتوجه نحو الكعبة وقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا
وَلَّنْهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ الَِّ كَانُوْ عَلَيْهَا قُل لِلَِّ الْمَشْرِقُ وَاَلْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَةٍ مُسْتَقِيمٍ
[البقرة: ١٤٢] ومن ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقول: ((إذا
خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض))
[وروي أيضاً عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله وَلجر: ((إذا جاءكم من ترضون دينه
وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض))] ففي ذلك دلالة ظاهرة على
المعنيين جميعاً الحذف حيث حذف الهاء من تفعلوه والزيادة والقصد سياق كلام المتكلم إذا
قصد غير التلاوة .
ومن ذلك ما روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله (ص 84* كان
يدعو فيقول: ((اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر. حسباناً اقض عني
الدين وأغنني من الفقر)) وروي في كتاب إلى ملك فارس من محمد رسول الله إلى كسرى
عظيم فارس - إلى قوله: فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول
على الكافرين. وروي في عهد أبي بكر لعمر: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله - إلى
أن قال: والخير أردت ولكل امرىء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وفي رسالة أبي بكر إلى علي أيام توقفه عن البيعة فقال [في آخره] والله على ما نقول شهيد
وبما نحن عليه بصير. وقال علي في جوابه آخر كلام له: وإني عائد إلى جماعتكم ومبايع
صاحبكم - إلى قوله: ليقضي الله أمراً كان مفعولا وكان الله على كل شيء شهيداً.
ومن رسائل القاضي الفاضل: وقد ذكر الفرنج وغضبوا زادهم الله غضباً وأوقدوا ناراً
للحرب جعلها الله لهم حطباً، ومن ذلك قول الفقيه الإمام الخطيب عبد الرحيم بن
محمد بن إسماعيل بن نباتة في خطبه المشهورة السائرة شرقاً وغرباً قال في خطبة: هنالك
يرفع الحجاب ويوضع الكتاب ويجمع من وجب له الثواب وحق عليه العذاب فيضرب بينهم
بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. وقال في خطبة أخرى: يا له من
نادم على تضييعه أسفاً على السيىء من صنيعه حين عاين رتب الصالحين وأبصر منازل
المفلحين الذين قدروا الله حق قدره وكانوا نصب نهيه وأمره ولم تلههم تجارة ولا بيع عن
ذكره. وقال في أخرى: ألا وإن الجهاد كنز وفر الله به أقسامكم وحرز طهر الله به أجسامكم
وعز أظهر الله فيه إسلامكم ، فإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فأحسنوا رحمكم الله
الثقة بمن لم يزل بكم براً لطيفاً وقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، واغتنموا
بمقارعة العدو وقرب الفرج فإن الله اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج. وقال في
أخرى: وخرست الألسن الفصيحة عن الكلام وقضى بدار البوار لمن حرم دار السلام
وعرف المجرمون بسيماهم فأخذوا بالنواصي والأقدام، وكلامه في نحو ذلك كثير في
خطبه، وكذلك غيره من الفصحاء والعلماء وأئمة اللسان، والاستدلال على ذلك بهذه

٢٧٠
الفتاوى الفقهية / باب جامع
الخطب ظاهر جلي لأنها [خطب] اشتهرت على رؤوس المنابر، وذكرت في جمع المسلمين
وجموعهم، وتكررت على أسماع كثير من العلماء والأئمة الأكابر، فالاحتجاج بها على مثل
ذلك جلي ظاهر. وقال القاضي الإمام ناصر الدين بن المنير في خطبه المشهورة مع اشتهاره
بالعلوم الدينية والأدبية وتقدمه وتبحره في ذلك وسيادته فقال في خطبة: كيف بك إذا جئت
وأنت لجميع ما خلفت فاقد وجاءت كل نفس معها سائق وشاهد،. وقال في أخرى: الحمد
الله الذي يدافع عن الذين آمنوا ويكافىء بالحسنى والزيادة الذين أحسنوا. وقال في أخرى:
بل هو الفرد الصمد الواحد الأحد يسمع النجوى ويعلم السر وأخفى وهو تعالى أينما كنا
معنا. وقال في أخرى: فالله الله عباد الله شمروا الذيل فإن السيل قد بلغ الزبي فحلوا الحبا
وسلوا الظبا وأعدوا لعدوكم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبونهم به رهباً.
قال: والاستدلال بهذه الخطب على نحو ما تقدم في تلك وتزيد هذه بوفور علم من
نسبت إليه وتقدمه في العلوم الشرعية عليه. وإنما ذكرت هذه من هذين لشهرتهما وكثرة دور
خطبهما بين الناس وكثرتهما، وإلا فكلام العلماء والفصحاء في هذا المنهاج متسع وكثير،
وسلوك أرباب العلوم والآداب في ذلك معلوم وشهير.
وقال الحريري في المقامة الثانية الحلوانية: فلم يك إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى
أنشد فأغرب، وقال في الخامسة الكوفية: فهل سمعتم يا أولي الألباب بأعجب من هذا
العجاب؟ فقلنا: لا ومن عنده علم الكتاب. وقال في السادسة: لقد جئتم شيئاً إداً وجرتم
عن القصد جداً. وقال فيها أيضاً: فإن كنت صدعت عن وصفك باليقين فأت بآية إن كنت
من الصادقين. وقال في الاسكندرية: واصبر على كيد الزمان ومره فعسى الله أن يأتي بالفتح
أو أمر من عنده. وقال في الرجبية: كلا ساء ما تتوهمون ثم كلا سوف تعلمون. وقال في
الميافارقية :
ولا سما يفتح مستصعبا مستغلق الباب منيعاً مهيب
إلا ونودي حين يسموله
نصر من الله وفتح قريب
وقال في البغدادية: فعاهدني أن لا أفوه بما اعتمد ما دمت حلاً بهذا البلد. وقال في
الملطية: فقال افعل لئلا يرتاب المبطلون ويظنوا بي الظنون، ومثل ذلك ونظائره كثير جداً،
والقصد التنبيه على ما ذكر ليعلم الناظر أنه أمر ظاهر مشهور معلوم والاستشهاد بما في
المقامات لكثرة دورها بين الناس واشتهارها واطلاع علماء الإسلام على ما فيها وقراءتها
وإقرائها وحفظها وشرحها والاعتناء بها يوضح صحة الاستشهاد بما فيها على ما ذكروها. أنا
أذكر جملة دالة على صحة ذلك مؤكدة لما نحن بسبيله مما ذكره الأئمة وعلماء البلاغة
وفرسان اللسان والذين يرجع إليهم في مثل هذا الشأن، ليعلم أن ذلك عندهم معلوم السبيل
علماً جزماً، وأنه مشهور بينهم نثراً ونظماً، وأنشد القاضي أبو بكر الباقلاني في ذلك جملة
في كتاب الإعجاز له. وأنشد الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتاب الفوائد له قال: أنشدني

٢٧١
الفتاوى الفقهية / باب جامع
بعض البغداديين :
في حواشي الحشاء وجداً مقيما
رحل الظاعنون عنك وأبقوا
إذا وجدنا النوى عذاباً أليما
قد وجدنا السلام برداً سلاما
وأما علماء البيان في كتبهم فقد أكثروا من ذلك أنشدوا للحماسيين:
من الحب ميعاد السلو المقابر
إذا رمت عنها سلوة قال شافع
سريرة وديوم تبلى السرائر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا
وقول الآخر :
فسواء أقبلوا أو أدبروا
لا تعاشر معشراً ضلوا الهدى
والذي يخفون منها أكبر
بدت البغضاء من أفواههم
وقول الآخر :
من غير ما جرم فصبر جميل
إن كنت أزمعت على هجرنا
فحسبنا الله ونعم الوكيل
وإن تبدلت بنا غيرنا
وقول الآخر :
فاتقوا الله يا أولي الألباب
خلة الغانيات خلة سوء
فاسألوهن من وراء حجاب
وإذا ما سألتموهن شيئاً
قال: ولولا خشية التطويل لذكرت من ذلك جملة كثيرة، لكن في التنبيه بما ذكر كفاية،
ولأني أكره ذكر التضمين في الشعر لكن المقصود الإعلام بأن ذلك مذكور مشهور.
وأما النوع الثاني: من الاستدلال وهو ما ذكره أئمة الفتوى وعلماء الأصول فقد نص
القاضي أبو بكر الباقلاني إمام هذا الفن والقدوة في هذا الباب في كتاب إعجاز القرآن له
على تضمين كلمات من القرآن في نثر الكلام ونظمه وذكر من ذلك جملة، ولكن أشار إلى
كراهة التضمين في الشعر خاصة، وذلك ظاهر لإجلال كلمات تذكر في القرآن العظيم أن
تساق في أوزان الشعر، وجعل ذلك على سبيل الكراهة في الشعر خاصة دون المنع
والتحريم، والمكروه جائزن الإقدام عليه عند علماء الأصول وهذا بخلاف الكلام، وكلام
مثل هذا الإمام في مثل ذلك كاف، وكذلك ما ذكره القاضي عياض في شرح مسلم كما
تقدم، وذكر الإمام محيي الدين النووي في كتاب التبيان له فقال: قال أصحابنا إذا قال
الإنسان: خذ الكتاب بقوة وقصد به غير القرآن فهو جائز، قالوا: ويجوز للجنب والحائض
أن يقولا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون إذا لم يقصد القرآن، فانظر صريح هذا
النقل، وهذا إمام من المجتهدين في مذهب الشافعي بل هو في هذا الزمان عمدة المذهب
في نقله وتصحيحه، وقد صرح بجواز أن يقصد غير القرآن كرر ذلك في مواضع، وكذلك

٢٧٢
الفتاوى الفقهية / باب جامع
ذكر إمام الحرمين وهو قدوة في العلوم الفقهية والأصول الدينية، ولو بسط القول في ذلك
نقلاً وبحثاً لاتسع جداً، وقد نص على ذلك الأئمة من المالكية والشافعية ولم أر لأحد من
أئمة المذهبين في ذلك خلافاً، وأما علماء البيان وأئمة الفصاحة وأهل الاجتهاد في بدائع
اللسان العربي وهم من أئمة المسلمين وعلمائهم فقد أوضحوا القول في ذلك وسموه
بالاقتباس ولم يكتفوا في ذلك بحكم الجواز فقط، وإنما جعلوه من حسن الكلام وجيده
ومعدوداً في طبقات الفصاحة، إذ هو عندهم من أنواع علم البديع، فقد اجتمع على
التصريح بالمقصود من ذلك أئمة الفتوى وأئمة الفصاحة وهو كما ترى أمر بين معلوم واضح
للمتأملين والمسألة ظاهرة جلية. وشواهدها من السنة، وكلام السلف، والخلف، والعلماء،
والفصحاء كثير جداً، ومما استشهدوا به على الاقتباس مع تغيير اللفظ المنقول قول بعض
المغاربة :
قد كان ما خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا
وقول الآخر :
يريد الجاهلون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يتمه
ومما استشهدوا به على الاقتباس من لفظ الحديث قول ابن عباد:
قال لي إن رقيبي سيىء الخلق قداره
سنة حفت بالمكاره
قلت دعني وجهك الجـ
وهذا لا جائز أن يكون هو الحديث أصلاً، بل هو موافقة في ظاهر عبارة فقط، والله
تعالى المسدد والهادي وهو حسبنا ونعم الوكيل، انتهى جواب الشيخ داود الشاذلي بلفظه،
وهو أحد أئمة المالكية وأحد محققي الصوفية، أخذ التصوف عن الشيخ تاج الدين بن عطاء
الله، والعلوم عن الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري شارح منهاج البيضاوي،
وعن غيره من المشايخ، وله مؤلفات جيدة تؤذن بطول باع ورسوخ قدم وسعة اطلاع رحمه
الله ونفعنا به .
أسئلة واردة من التكرور في شوال سنة ثمان وتسعين وثمانمائة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
هذا كتاب فيه أسئلة من الفقير العاصي الحقير المذنب المنكسر الراجي عفو ربه الكريم
الكبير وسميته مطلب الجواب بفصل الخطاب الحمدلله الكامل الذات الحي القيوم الأزلي
الصفات وصلى الله على حبيبه المفضل على سائر المخلوقات وعلى آله وصحبه وأزواجه
الطاهرات .
فصل: رد الجواب على من علمه الله فرض كما قال الله لآدم: ﴿أَنِهُم بِأَنْمَاءِمٌ﴾

٢٧٣
الفتاوى الفقهية / باب جامع
[البقرة: ٣٣] كما أن السكوت على من لا يعلم فرض كما قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا
عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وكذلك أن تخضع لمن علمه الله ما لم يعلمه لك كما أمر الله الملائكة
أن يسجدوا لآدم فسجدوا وكانوا عباداً مكرمين وأبى إبليس وقيل له: ﴿وَ إِنَّ عَلَيْكَ اٌلَّعْنَةَ إِلَى
يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥] والسؤال على من لم يعلم فرض قال الله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فصل: نسأل عن قوم عادة ملوكهم أخذ الأموال منهم بعادة معروفة في زمن معروف
وأكثره عند ظهور الثريا، أو الشتاء، أو الصيف بأموال شتى منها ما يخرج من الأرض
كالمن، ومنها ما يخرج من الدوم حتى حبالها ونعالها وحصيرها ويفرض ذلك عليهم في كل
سنة فالبلد للملوك ومن أراده منهم فيجيء عندهم فيعطيهم شيئاً ثم يشترطون عليه شروطهم
فيرضونهم فإن نقص شيء من خراجهم أخذوه وعذبوه وأخرجوه وجعلوا في بلادهم من
أرادوا .
فصل: ولهم عند قوم بقرات وشياه ومزاود طعام وغير ذلك من الخراج في كل زمن
معروف فمن أعطى وإلا ضربوه أو نفوه.
فصل: ويأتيهم سادات قوم وكبراؤهم مع جماعاتهم فيطلبون البلاد فيقولون لهم: إن
كانت عادتنا على ما هي عليه فأتوا بقبيلتكم فلنختر واحداً منكم يحكمون لهم بذلك ومرة
يحكمون لمن يعطيهم أموالاً كثيرة أو يرجون منه أو يخافون شره.
فصل: ومنهم من يخاصم على الأحرار ويدعوهم بالعبيد فإن مات من ادعى عليه ذلك
لم يقسموا بين ورثته ثم يدعوهم من بقي باسم الرق، وإن قلت لهم: هؤلاء أحرار كادوا
يقتلونك ويقولون: هؤلاء عبيد أتباع للسيف، ومنهم من يجعلهم كالخدم بالضرب:
والعذاب، ومنهم من يسخر منهم ويأخذ منهم الأموال ولا يضرهم في أنفسهم، ومنهم من
يبيعهم بالتنافس، والتنازع، ومنهم من يؤمر على قوم فيأخذ منه الخراج أكثر مما أخذ منه
الملوك فإن أبوا نفاهم أو سلط عليهم الأمير أو وزراءه، ومنهم من يؤمر على بلد فيتركه
ويمشي إلى أحرار قبيلته حيث كانوا فيأخذ ما أراد حتى يكون القتال في ذلك.
فصل: ومنهم من لا يورث فما تركه بعده لأبناء إخوته وأهل القوة والجاه، ومنهم من
يكون أميراً على قوم فيعطي الملوك ماله ثم يجيء عندهم فيأخذ منهم أضعاف ذلك،
فصل: من بعض أموال الملوك الخراج على المسلمين ومكس الأسفار والاسواق على
كل من جاء بالخيل، أو بالإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الرقيق، أو الثياب، أو الطعام،
وكذلك عند الأبواب عند دخول قوم أو خروجهم ولو بحطب.
فصل: ومنهم من بينه وبين الكفار المصاحبة والمراسلة فإن قتلوا المسلمين أو نهبوهم
أو قطعوا عليهم الطرق لم يبالوا بذلك إن أعطوهم شيئاً، ومنهم من إذا أغرت على الكفار
وآذيتهم آذاك أكثر مما آذيت به المشركين فيكون ذلك عوناً للكفار وضعفاً للمسلمين.

٢٧٤
الفتاوى الفقهية / باب جامع
فصل: ومنهم من اختار الكفار على المسلمين لسكون بلادهم أو ربح تجارته في أرضهم
أو سكون بعض أقاربهم أو بسبب من الأسباب من دنياهم لا يبالون بأوامر الله ونواهيه إلا
حيث كانت اللقمة بداء .
فصل: منهم من لا يبال بالكتاب والسنة إلا حيث كان الدرهم والدينار معه وإلا فلا.
فصل: منهم من لا يعطي المرأة صداقها أصلاً وكان ذلك عادة فليس لهن عند الرجال
إلا الذبيحة والنفقة .
فصل: وعادتهم عدم الحياء عند اجتماعهم بالنساء وخلوتهم بهن واللعب بهن وحديثهن
ورؤيتهن وكشف زينتهن وأكثرهن للمزمار والعود والغناء وضرب الدفوف والزغاريت وآلات
اللهو كلها ويعرضن بأنفسهن، ويقلن إن الجن فينا وإن دواءنا بذلك، وفيهن من يقلن إن من
الخدم من يقتل وإن مسك مرضت وإذا جن الليل يطرن ومعهن النار ويقتلن بذلك.
فصل: ومنهم من يقاتل فيما بينهم تكبراً وتجبراً وتنافساً وينهب بعضهم بعضاً ويغير
بعضهم على بعض، ومنهم من يمنع بلاد الله إذا وكله الأمراء عليهم إلا بالخراج، ويمنع
الماء والفواكه والحشيش والكلأ وكل ما ينبت في الأرض حتى يمنعون الطرق ويسدونها
بالحجارة والأشجار حتى لا يقرب المسافرون بلادهم ويعذبون بهائم المسلمين بآلات من
العذاب والضرب وسد الأفواه ويربطون مع أذناب الأنعام الشوكة وماله أذى.
فصل: منهم من ليس له حرفة إلا الغناء والمزمار ومدح من أعطاه وذم عكسه، ومنهم
من ليس له حرفة إلا أن يكون مع الأمراء والكبراء فيأكل معهم ويعيش في أموالهم الحرام.
فصل: منهم من حرفته أن يكون جالساً حتى يجيء أوان الطعام فيحضر ويسلم ويأكل.
فصل: ومنهم من حرفته القمار والميسر وأمثال ذلك.
فصل: ومنهم من حرفته أن ينكح النساء المطلقات بالثلاث فيحللهن لأزواجهن.
فصل: ومنهم من حرفته أن يرمي عقله فيجعل نفسه كالمجنون فيضحك الناس به،
ومنهم من حرفته السؤال، ومنهم من حرفته أن يتزوج النساء الكثيرات الأموال ويعيش في
رزقهن، ومنهم من حرفته السرقة، ومنهم من حرفته الأختلاس، ومنهم من حرفته أن
يصيد، ومنهم من حرفته أن يكون مع الأمراء فيقضي للناس حوائجهم ويعيش هناك، ومنهم
من حرفته أن يعادي للناس أعداءهم ويحب لهم أحبتهم سواء كانوا على الحق أو الباطل.
فصل: منهم من حرفته علم الحديث والقصص وأخبار الدنيا والحكايات المضحكة
بالحق أو الكذب.
فصل: منهم من حرفته أن يكون نماماً أو مغتاباً أو متجسساً، ومنهم من حرفته معاداة
العلماء والأتقياء والصالحين، ومنهم من حرفته أن يكون رسولاً بين النساء والرجال
كالديوث، ومنهم من حرفته أن يخلط الماء باللبن أو الشحم مع اللحم الهزيل أو دنيء
بجيد، ومنهم من حرفته أن ينزل المسافرين في مسكنه فيخدعهم بقدر طاقته وقلة عقولهم،

٢٧٥
الفتاوى الفقهية / باب جامع
ومنهم من حرفته إلباس الحق بالباطل عند الموازين والمكاييل.
فصل: عوائد بعضهم البخل والجبن وعدم الرحمة للناس كافة وقطع الرحم، ومنهم من
عادته السخاء والكرم والشجاعة إلا أن عندهم مع ذلك كثرة الظلم والفساد والاختلاط
بالنساء الأجانب ويحلفون بالآباء والأمهات والنساء ويشهدون بالزور، ولنسائهم مكان
معروف يخلون فيه بالرجال في يوم نكاح أو يوم عرس أو يوم عيد ولهم لهو يتضاربون فيه
حتى يقع في ذلك شج وكسر سن أو يد أو رجل أو قتل، وعادة بعضهم بناء المساجد
وتلاوة القرآن والعلوم والمدائح والحج ومع ذلك يعبدون الأصنام ويذبحون لها ولا تصوم
نساؤهم ولا يصلين إلا إذا كبرن، ولا يدخلون مساجدهم إلا ومع كل واحد منهم عصا،
وعندهم طلسمات للنكاح والبيع والشراء والرهج والحروب والمحبة ووجع الرأس والضرس
ويزعمون أنهم ملوك الدنيا وأبناء الأنبياء، ومنهم من يجحد البعث والحشر والنشر والحساب
والثواب والعقاب ويسجدون لملوكهم ويركعون لهم، ومنهم من هو مسلم ويجعلون أموالهم
دولاً بينهم يغير بعضهم على بعض ويقتلونهم.
فصل: منهم من عادته أن يجيء إلى قوم فيسألهم إبلهم ليسافروا عليها فيحملوا عليها
الطعام إلى بلد الملح ويحملوا عليها الملح إلى بلاد السودان فيبيعونها بالثياب والمتاع ثم
يرجعون إلى بلادهم فيجيئهم أرباب الإبل فيعطونهم من الثياب ما شاء الله، فمرة يرضون
ومرة يأبون حتى يسترضوهم، وإلا فيخاصمون ما شرط أحد على أحد منهم ذرة.
فصل: منهم من صلاته بالتيمم أبداً فلا يتوضؤون إلا نادراً ولا يغتسلون من الجنابة إلا
نادراً وتوحيدهم بالفم وما يعرفون حقيقة التوحيد، وزكاتهم يجلبون بها مصالح دنياهم أو
يدفعون بها مضارهم، وحجهم بالأموال المحرمة، ومنهم من عادته محبة العلماء والصلاة
على رسول الله ﴿ والأعمال الصالحة والصدقة وإطعام الطعام وقري الضيف وغير ذلك من
وجوه الخير ولا يتركون ما هم عليه من تكبر واسترقاق الأحرار والمقاتلة والظلم وأكل
الحرام، ومنهم من عادته مصاحبة الكفار ومؤاخاتهم وذكر أخبار المسلمين وعيوبهم لهم،
ومنهم من يعادي من عادى الكفار.
فصل: ومن فقهائهم من عادته ترك القرآن والسنة وأخذ الرسالة، والمدونة الصغرى،
وابن الجلاب، والطليطلي، وابن الحاجب حتى عادوا من يفسر القرآن ويقولون قال أبو بكر
الصديق: إن كذبت على ربي أي أرض تحملني، وإذا سمعوا آية تتلى لتفسير نفروا عنها
نفرة الحمر الوحشية.
فصل: منهم من لا يفارق الأمراء طرفة عين يأكل معهم ويشرب ويأخذ من أموالهم
المحرمة، ومنهم من يحلل ذلك للملوك ومن تبعهم، ومنهم من سكت لم يأمر ولم ينه،
ومنهم من نهى فعادوه فخاف فسكت، ومنهم من يأخذ الزكاة ولا يستحقها، ومنهم من
حرفته أن يشترط مع الناس أن يصلي بهم ويقرىء صبيانهم ويرى عندهم المنكر العظيم
ويسكت وإن تكلم قالوا له أسكت فقد ذكرت ما عليك فخذ شرطك ومالك ولا تزر وازرة

٢٧٦
الفتاوى الفقهية / باب جامع
وزر أخرى فيسكت، ومنهم من إذا وعظت الناس قالوا لك: أما نحن فقهاء مثلك؟ فنحن قد
رأينا ذلك وسكتنا عنه، هذا آخر الزمان نهي المنكر فيه منكر ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وتقول له العامة: أما رأيت فلاناً هو أعلم
منك وأتقى وأعز وأشرف؟ وقد ترك ذلك وهو يراه ويقدر على قطعه فيسكتونك بذلك وإلا
جعلوك شر خلق الله وأجهل الناس وأسفه الناس، ومنهم من تعظه من العلماء فيطيعك
ويصدقك فإذا خرج من عندك يكذبك ويذكر للعامة دلائله على تكذيبك وتصديقه، ومنهم
من إذا وعظت العامة وقبلت وتابت خلا بهم فنقض عنهم ذلك حتى تعود العامة على ما
كانت عليه .
فصل: منهم من يأخذ العشر عند الميراث فلا يقسم لأحد إلا إذا أخذ عشره، ومنهم من
اكتسابه بالطلسمات والرقى لباب المحبة والنكاح والوجه عند العامة والخاصة ومن غضبوا
عليه يفعلون به ما قدروا من مكائد السوء فمرة يوافق فعلهم بالقدر ويقولون هذا فعلنا.
فصل: منهم من يشتري القضاء بماله ويأخذ الرشوة والسحت ويحكم بما يريد، ومنهم
من يؤمره الملوك على قوم فيأخذ زكاتهم ولا يقسمها بين من يستحقها.
فصل: منهم من يقرأ بالشواذ ويترك القراءات المشهورة.
فصل: ومنهم الألد الخصم في كل شيء.
فصل: ومنهم من ليس له عمل إلا تلاوة القرآن والحديث والعبادة ولزوم الخلوة وقراءة
الرسالة والشهاب وأمثال ذلك.
فصل: منهم من يكون عند الجهال يأكل معهم ويشرب ويكون إمامهم.
فصل: منهم من يقول ويعتقد أن بعض الناس يقتلون بعضاً بمس أو مقاربة ويزعمون
أنهم يمرضونهم وإن أعطوهم ما أرادوا داووهم، ومنهم من يعتقد أن الجرب، والجذام،
والبرص، والزكام، وسائر الأمراض تعدي، وإذا نكحت امرأة ومات عندها ثلاثة من
الأزواج تشاءموا بها وكذلك الدار والخيل، ومنهم من يزعم أن بعض الطيور أو السباع
أنحس من بعض، ومنهم من إذا رميته بمشط يقول لك: لا فإنه يأتي بطلاق ويقولون في
الأيام بعضها منحوس وبعضها مسعود، ويذمون الحجامة في بعض الأيام وشرب الدواء
ومشي المسافرين والنكاح فيها، وكذلك بعض البلاد والمياه والمراعي يزعمون أن بعضها
أعكس من بعض.
فصل: منهم من يزعم أنه عارف إذا كرهت البهيمة أولادها ويعرف أسباب ذلك ويقول
للناس: تعالوا عندي كلكم فيأتونه فيكيل بذراعه أرجلهم ثم يبقى بعد ذلك ما مسح بيديه
أرجلهم ويعزم بشيء في نفسه ويزعم أن ذلك قراءة ثم يكيلهم ثانية فيزيد الأمر على ما هو
عليه أو ينقص فيأخذ ذلك فيأخذون من أشعار رأسه أو لحيته فيبخرونه على تلك البهيمة
فیوافق مرة ومرة لا .

٢٧٧
الفتاوى الفقهية / باب جامع
فصل: منهم من إذا سرق ماله وأخذ المتهمين فيوقد ناراً ويقيد المتهمين بشيء قصير
ويأمرهم بالمشي عليه فيمرون عليها فالذي يسرق تارة تحرقه والذي لم يسرق لا تحرقه ولا
تمسه، ومنهم من يأخذ المتهم، ويأخذ المرآة ويعلقها على خيط ويأخذ الخيط ويدلي المرآة
ويجعل خطين في الأرض ويجعل الرماد على خط واحد من الأرض ويترك الآخر ويدليها
على وسط الخطين ويقرؤون سورة يس على ذلك فإن تحركت المرآة وجرت على طريق
الرماد ثبتت السرقة عليه وإلا فلا.
فصل: منهم من يقرىء الصبيان فإذا ختم واحد أو بلغ النصف أو الثلث حملوه على
درقة من فوق رؤوسهم أو على فرس أو جمل ويجتمع عليه القراء ويطوفون به البلد كله
يقرؤون عليه آيات الرجاء ومدائح رسول الله وَّ﴿ فيعطيهم الناس طعاماً وشراباً وغنماً وثياباً
فيتركونه للفقيه .
فصل: ومنهم من يمشي بين العوام ويناجي كل من يلقاه ألا أريك رقية العين والنكاح
ودخلة القلوب والوجه عند السلاطين؟ وأمثال ذلك.
فصل: ومنهم من لا يزوجون إلا صاحب نسب وحسب ومال كثير ولا يزوجون الفقير
ولو كان عالماً صالحاً تقياً.
فصل: ومنهم قوم لا يعدون الطلاق فليس له عندهم حد ومنهم من يعد الطلاق فإذا
وصلوا ثلاثاً أعطى شيئاً ثم يعيدها بغير محلل، ومنهم من لا يعتد المرأة فتنكح من أرادت في
العدة، ومنهم من يشتري للتي طلقها ثلاثاً من يحللها أو تشتريه هي بنفسها أو أحد من أهلها.
فصل: منهم ملوك لا يقيمون القصاص أصلاً وإنما يأخذون المال ويقسمونه بين من لا
يستحقه شرعاً.
فصل: منهم من يدعي أنه شريف ليكرم ولا شهادة له في ذلك، ومنهم من يدعي أنه
عالم أو ولي أو عابد لیستخدم وليس كذلك.
فصل: منهم من إذا قصده المسلمون بقتل أو أخذ مال أو نحوه يقاتل حتى يقتل أو يقتل
وفي نيته من قتل دون ماله فهو شهيد، ومنهم من يأتي القتال حتى يقتل بغير حركة منه وفي
نيته إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار كما فعل هابيل ثم عثمان أيهما
أعلى من الآخر؟.
فصل: هل يجب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القتال في ذلك بقدر طاقته؟.
فصل: فقيه رأى منكراً فعلم أنه لا يقبل الناس نهيه ولا أمره يسقط ذلك عنه الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
فصل: ما قلتم فيمن أمر بمعروف ونهى عن منكر وقصد به رياء وسمعة؟.
فصل: ما قلتم فيمن أمر بمعروف ونهى عن منكر وخوفوه فسكت خوفاً. وفيمن أمر
معروف ونهى عن منكر ثم سكت عجزاً عن سوء مقالات الناس له والضرر والتعب؟.

٢٧٨
الفتاوى الفقهية / باب جامع
فصل: ما قلتم في رجلين أمراً بمعروف ونهياً عن منكر حتى رأيا أمراً عظيماً فيه هلاك
النفوس والأموال فتركه واحد منهما ولم يقاتل عليه. وقاتل عليه الآخر حتى قتل وقتل أيهما
أعلى من الآخر؟.
فصل: ما قلتم في رجلين أحدهما يخالط أمراء السوء فيشفع للمسلمين لديهم وينفعهم
والآخر اعتزلهم أيهما أعلى؟ .
فصل: في بلادنا كتب يذكرون عن رسول الله و ﴿ أقاويل ليست في الموطأ ولا في
الصحيحين وليس عندنا من يعلم ذلك فما يفعل فيها؟ .
فصل: هل يتمثل الشيطان بأمر من أمور الله ككتابه وملائكته ورسله وأوليائه أم لا؟ .
فصل: هل يجوز مدح النبي بَّر بالكلام العجمي أم لا؟.
فصل: هل يدخل أحد الجنة بمحبة النبي ◌َّه وهو عاص وتارك بعض الفرائض؟.
فصل: رجل يعظ الرجال فقال له النساء: عظنا معهم فجعل بين الرجال والنساء ستراً لا
يرى أحد الفريقين الآخر أيجوز له ذلك أم لا؟.
فصل: أيجوز لمسلم إن حضر القتال بين المسلمين والكفار أن يرمي نفسه في الغرر
لحب الشهادة؟ .
فصل: أيجب القتال على أمراء المسلمين بأنفسهم أو ليس عليهم إلا تجهيز الأمور
وصلاحها؟ وهل يجوز للأمير أن يرمي نفسه على أشد البأس من الكفار وهو إذا مات لم
يجتمع المسلمون بعده لقتال ولا يجتمعون على غيره إلا بعد مدة طويلة؟.
فصل: هل تقبل هدية الكفار وتجوز صحبتهم وليس عليهم جزية؟
فصل: وتبين لي أمر هيئة السموات والأرض بدلائل القرآن والحديث، وعرض بلدنا
وطولها، وبلغني أنك ألفت شيئاً في حروف التهجي فلا يليق بكرمك أن تكتمه عنا، وأنا
أحبك في الله وأني لمشتاق إلى لقائك غاية، واسمي محمد بن محمد بن علي اللمتوني فلا
تنسني في دعائك والسلام.
فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور
في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحمَةِ
من الفقير عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن
خضر بن أيوب بن محمد بن همام الخضيري السيوطي الشافعي إلى حبيبه وأخيه في الله
الشيخ العالم الصالح شمس الدين محمد بن محمد بن علي اللمتوني أعزه الله تعالى في
الدارين وأزال عن قلبه كل رين سلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى ولدك وأهلك ومن
يلوذ بك. أما بعد فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على نبيه

٢٧٩
الفتاوى الفقهية / باب جامع
محمد ◌ّ، ثم إنه قد وردت على أسئلتك المفيدة التي سميتها مطلب الجواب وهذه
أجوبتها سميتها: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة
من التكرور فاعلم أن جميع ما سألت عنه في هذه الفصول من فعل الملوك والرعية للأشياء
التي وصفتها كلها مذمومة ومحرمة شرعاً إلا ما استثنيته لك وبعضه أشد في الحرمة من
بعض وبعضها مقتض للكفر، وهو ما ذكرت عن قوم أنهم يذبحون للأصنام ويعبدونها،
وقوم أنهم يجحدون البعث والحساب والثواب والعقاب. وقوم أنهم يسجدون لملوكهم فهذا
كله كفر، والباقي محرم لا يقتضي الكفر إلا ما يستثنى - والقدر المستثنى من التحريم من
حرفته أن يكون جالساً حتى يجيء أوان الطعام فيحضر ويسلم ويأكل - ومن حرفته أن ينكج
المطلقات الثلاث فيحللهن لأزواجهن حيث لم يصرح بذلك لفظاً في العقد، ومن حرفته أن
يجعل نفسه كالمجنون يضحك الناس، ومن حرفته السؤال، ومن حرفته نكاح النساء
الكثيرات الأموال ويعيش في رزقهن، ومن حرفته الصيد، ومن حرفته أن يكون مع الأمراء
فيقضي للناس حوائجهم ويرتزق بذلك، ومن حرفته التحديث والقصص ورواية الأخبار
الحق بخلاف الكذب ومن يأخذ إبل قوم للسفر ثم إذا رجع أرضاهم بشيء ولم يشترط في
أول الأمر شيئاً، ومن يكون عند الجهال يؤمهم ويأكل معهم ويشرب، ومن يقرىء الصبيان
فإذا ختم واحد دار به البلد فيعطى عليه ما يعطى، ومن يكتب للناس الرقى إذا لم يكن فيها
مذموم شرعاً، ومن لا يزوج إلا صاحب نسب وحسب ومال، فكل هذه الصور ليست
بمحرمة لكن بعضها مكروه كراهة تنزيه وبعضها مباح - وبقي من الأسئلة ما يذكر جوابه،
فمنها من سكت عن إنكار المنكر لخوف فلا شيء عليه وكذا إذا أنكر وقالوا له: قد بلغت
فاسكت فسكت لا لوم عليه إلا أن يكون من ولاة الأمور أو له شوكة يقدر بها على إزالته
باليد، ومنها من يقرأ بالشواذ وذلك حرام بالإجماع، ومنها الألد الخصم في كل شيء، وقد
ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم))
أخرجه البخاري، وغيره. ومنها من ليس له عمل إلا تلاوة القرآن، والحديث، والعبادة،
ولزوم الخلوة، وقراءة الرسالة، والشهاب، وأمثال ذلك - وهذا من الخصال الحميدة الحسنة
- تقبل الله منه، ومنها من يعتقد أن بعض الناس يقتل بمس، أو مقاربة، أو يمرض - وهذا
اعتقاد فاسد - فإن كان ذلك بسحر أثم فاعله أو كفر، ومنها من يعتقد أن الأمراض تعدي
وهو اعتقاد فاسد قال ◌َّلجر: ((لا عدوى))، ومنها التشاؤم بالمرأة، والدار، والفرس وقد ورد
في ذلك الحديث في الصحيح واختلف العلماء هل ذلك على ظاهره أو مؤول والمختار أنه
على ظاهره وهو ظاهر قول مالك ومنها التشاؤم ببعض الطيور أو السباع أو بالمشط أو
بالأيام ولا أصل لذلك، ومنها ذم الحجامة في بعض الأيام وهو صحيح نهى رسول الله وَلي
عن الحجامة يوم الجمعة، ويوم السبت، ويوم الأحد، ويوم الأربعاء - رواه ابن ماجه،
والحاكم من حديث ابن عمر، وروى أبو داود عن أبي بكرة أنه كان ينهى عن الحجامة يوم
الثلاثاء ويزعم عن رسول الله و # أن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ، وروى البزار،

٢٨٠
الفتاوى الفقهية / باب جامع
والحاكم عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت فأصابه
وضح فلا يلومن إلا نفسه)) وروى أبو يعلى في مسنده عن الحسين بن علي قال: قال
رسول الله : ((إن في يوم الجمعة لساعة لا يحتجم فيها أحد إلا مات)) وصح الأمر
بالحجامة يوم الخميس، ويوم الاثنين في حديث رواه الحاكم وغيره، ومنها ذم السفر
والنكاح في بعض الأيام وهو صحيح أيضاً ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره أن
يتزوج أو يسافر في محاق الشهر وإذا كان القمر في العقرب؛ ومنها ذم شرب الدواء في
بعض الأيام ولم أقف فيه على حديث ولا أثر، ومنها ذم بعض البلاد والمياه والمراعي
وذلك خاص بما حلت به عقوبة من الله كما ورد الحديث بذلك في بابل، والحجر، وآبار
ثمود، ونحوها. ومنها مسألة المتكلم على البهيمة والمتهم بالسرقة وهذا شيء لا أصل له.
ومنها من قصد بقتل أو أخذ مال فقاتل وآخر أبى القتال حتى قتل بغير حركة أيهما أعلى؟
والجواب: الذي أبى القتال أعلى وأفضل من الذي قاتل وفيه ورد الحديث: ((كن عبد الله
المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)). ومنها هل يجب على الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر
القتال في ذلك؟ والجواب: لا. ومنها من رأى منكراً وعلم أن الناس لا يقبلون نهيه وأمره
أيسقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ والجواب: لا يسقط بل يأمر وينهى فإن قبل
قبل فإن رد رد. ومنها من أمر ونهى وقصد به رياءاً وسمعة والجواب: أنه مذموم آثم فشرط
ذلك الإخلاص لوجه الله تعالى. ومنها من أمر ونهى ثم سكت لخوف أو عجز عن سوء
مقالات الناس له أو ضرر أو تعب والجواب: هو معذور. ومنها رجلان أمرا ونهيا ثم قاتل
واحد وترك آخر القتال أيهما أعلى؟ والجواب: أن الذي ترك [القتال] أعلى وأفضل فليس
سل السيف في أمة محمد ◌َ ل# بالهين، ومنها رجلان أحدهما يخالط أمراء السوء فيشفع
للمسلمين لديهم وينفعهم والآخر اعتزلهم أيهما أعلى؟ والجواب: أن الأول أعلى إن أمن
على نفسه الافتتان بهم والدخول في أهوائهم، والثاني أعلى لمن خشي على نفسه ذلك،
ومنها سألت عن كتب فيها أحاديث عن رسول الله ولو ليست في الموطأ ولا في الصحيحين
وليس عندكم من يعلم ذلك فما تفعلون؟ والجواب: لا ترووا منها إلا ما ثبت وروده وإلا
فقفوا عن رواياتها حتى تكتبوا بها إلي وأنبئكم بأمرها، وإذا علمتم أن الحديث في سائر
الكتب الستة أو مسند الإمام أحمد فارووه مطمئنين، وكذلك ما كان مذكوراً في تصانيف
الشيخ محيي الدين النووي، أو المنذري صاحب الترغيب والترهيب فارووه مطمئنين. ومنها
هل يتمثل الشيطان بأمر من أمور الله ككتابه وملائكته ورسله؟ والجواب: قد ورد الحديث أن
الشيطان لا يتمثل بالنبي ول# ولا بالكعبة. ومنها هل يجوز مدح النبي ◌َّ بالعجمي؟
والجواب: نعم. ومنها هل يدخل أحد الجنة بمحبته بَ طّر وهو عاص؟ والجواب: نعم.
ومنها رجل يعظ الرجال والنساء وبين الفريقين ستر لا يتراءيان أيجوز؟ والجواب: نعم.
ومنها هل يجوز اقراء النساء سورة النور؟ والجواب: نعم - روى الحاكم في المستدرك -
وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله وَل و: ((لا تنزلوهن