النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ الفتاوى الفقهية / باب جامع الجواب: قراءة القرآن بالألحان والأصوات الحسنة والترجيع إن لم تخرجه عن هيئتة المعتبرة سنة حسنة وإن أخرجته فحرام فاحش ـ هذا منقول المذهب - صرح به النووي في الروضة والتبيان، ويدل للشق الأول أحاديث، منها حديث البخاري أن النبي وَّر ((قرأ سورة الفتح في السفر يرجع فيها ويقول آآآ) ومنها حديث البراء أن رسول الله وَ ل قال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، ورواه الدارمي، والبيهقي بلفظ ((حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)) ومنها حديث فضالة بن عبيد الأنصاري أن رسول الله وَ لو قال: «لله أشد أذاناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ومنها حديث أبي هريرة أن رسول الله وَ لقر قال: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)) رواه الشيخان - وأذن بمعنى استمع - وفي معناه حديث سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعائشة أن النبي ◌َّر قال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) على أحد التأويلين في الحديث وهو في المستدرك، وفي لفظ عن سعد: ((إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فأبكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا)» رواه البيهقي في شعب الإيمان، ومنها حديث بريدة أنه وَّر سمع قراءة أبي موسى فقال: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)) رواه مسلم. ويدل للشق الثاني ما رواه البيهقي عن ابن عباس قال: سئل رسول الله وَل من أحسن الناس قراءة؟ فقال: ((من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله)) وما رواه أيضاً عن حذيفة عن النبي وسلم قال: ((أقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتاب فإنه سيجيء قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)، وروي أيضاً عن عابس الغفاري قال: ((سمعت النبي ◌َّ# يذكر خصالاً يتخوفهن على أمته من بعده إمارة السفهاء واستخفافاً بالدم وقطيعة الرحم وكثرة الشرط ونشواً يتخذون القرآن مزامير يتغنون غناء يقدمون الرجل بين أيديهم ليس بأفضلهم ولا أعلمهم لا يقدمونه إلا ليغني لهم)) وروى الدارمي عن الأعمش قال: قرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان فكره ذلك أنس. وروي عن محمد بن سيرين قال: كانوا يرون هذه الألحان في القراءة محدثة، والأحاديث والآثار في الشقين كثيرة وفيما أوردناه كفاية . باب جامع مسألة: رجل سلم على جماعة مسلمين وفيهم نصراني فأنكر عليه ذلك فقال: ما قصدت إلا المسلمين فقيل له: من حقك أن تقول السلام على من أتبع الهدى فهل يجزىء اللفظ الأول أو يتعين الثاني؟ . الجواب: لا يجزىء في السلام إلا اللفظ الأول ولا يستحق الرد إلا به، ويجوز السلام على المسلمين وفيهم نصراني إذا قصد المسلمين فقط، وأما السلام على من أتبع الهدى فإنما شرع في صدور الكتب إذا كتبت للكافر كم ثبت في الحديث الصحيح. ٢٤٢ الفتاوى الفقهية / باب جامع مسألة: إذا قال من يشمت العاطس يرحم الله سيدي أو قال من يبتدىء السلام: السلام على سيدي أو الراد وعلى سيدي السلام هل يتأدى بذلك السنة أو الفرض؟. الجواب: قال ابن صورة في كتاب المرشد: وليكن التشميت بلفظ الخطاب لأنه الوارد، قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: وهؤلاء المتأخرون إذا خاطبوا من يعظمونه قالوا: يرحم الله سيدنا أو ما أشبه ذلك من غير خطاب وهو خلاف ما دل عليه الأمر في الحديث قال: وبلغني عن بعض علماء زماننا أنه قيل له ذلك فقال: قل يرحمك الله يا سيدنا، قال: وكأنه قصد الجمع بين لفظ الخطاب وبين ما اعتادوه من التعظيم انتهى. ويقاس بذلك مسائل السلام. مسألة: رجل قال: اللهم أجمعنا في مستقر رحمتك فأنكر عليه شخص فمن المصيب؟. الجواب: هذا الكلام أنكره بعض العلماء ورد عليه الأئمة منهم النووي وقال: الصواب جواز ذلك ومستقر الرحمة هو الجنة . مسألة: رجل من الصوفيه أخذ العهد على رجل ثم اختار الرجل شيخاً آخر وأخذ عليه العهد فهل العهد الأول لازم أم الثاني؟ . الجواب: لا يلزم العهد الأول ولا الثاني ولا أصل لذلك. مسألة : مؤذن لخطيب كلما صعدا؟ ما قولكم يا أولي الألباب في رجل خير البرية من جاء الأنام هدى ضرورة أنه بالمجد منفردا خلق وأخلاقه محمودة أبدا إذ شرفت بعزيز خص متحدا وقد تعاهد هذا كل من وجدا؟ متن الحديث الذي في ضمنه وردا وفضله ظاهر والخير منه بدا وزال عنه بفتياكم أذى وردى أعيت ونلت منالاً ناله السعدا يقول ملتزماً بعد الصلاة على وزده يا رب تشريفاً وقد علموا وقدره زائد وهو المكمل في لم يسأل الشرف العالي لرتبته فهل عليه اعتراض في مقالته أو قوله ذا يضاهي ما يجوزه ذكر الترحم يا من للعلوم يرى أنت الذي ناله من فيضكم مدد لا زلت ترشد محتاجاً لمسألة الجواب: الحمد لله حمداً دائماً أبدا ثم الصلاة على الهادي النبي ومن من قال للمصطفى أثناء دعوته سبحانه لم يزل بالحمد منفردا هدى بدعوته الأدنين والبعدا وزده يا رب تشريفاً فقد رشدا ٢٤٣ الفتاوى الفقهية / باب جامع ولا التفات إلى إنكار من فندا ولا اعتراض عليه في مقالته ألا ترى النووي الحبر قال كذا وهو المكمل حقاً في فضائله لكن زيادات فضل الله ليس لها في صدر خطبة كتب عددت عددا من غير ريب ولا نقص يهي أبدا حد تحاط به أو تنتهي أمدا مضمونها بالذي قد قلت قد شهدا وانظر أحاديث أوصاف الجنان تجد والمؤمنون نوالاً لم يكن عهدا في كل يوم يراه الأنبياء بها دعا النبي وتشريفاً كما وردا وعند رؤية بيت الله زده على بأن ذا توهم ما ليس معتمدا؟ فهل يقول امرؤ في كعبة عظمت يوم المعاد يجيء في زمرة السعدا وابن السيوطي قد خط الجواب عسی مسألة: هل يستدل لجواز قول الناس ما لي إلا الله وأنت بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَّنِ أَتَّبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (g)﴾ [الأنفال: ٦٤]؟. الجواب: قد يتمسك به المتمسك لكن يرد عليه أمور، منها أن الأرجح فيمن اتبعك أنه معطوف على الكاف لا على الجلالة، والتمسك إنما يصح إذا قدر معطوفاً على الجلالة، ومنها أن هذا الكلام صادر من الله وهو صاحب هذا المنصب فلا يصلح أن يقاس عليه المخلوقون في قولهم مثل ذلك، ونظيره أنه تعالى أقسم بالمخلوقات في قوله: ﴿وَلَّرِيَتِ﴾ [الذاريات: ١] ﴿وَلُورِ ﴾﴾ [الطور: ١] ﴿وَالنَّجْرِ﴾ [النجم: ١] ﴿وَالْفَجْرِ ﴾ [الفجر: ١] (١)) [الضحى: ١] ﴿ وَأَلِّنِ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [الشمس: ١] ﴿وَّلِ﴾ [الليل: ١] ﴿وَالضُّحَى وَالزَّبُونِ ()﴾ [التين: ١] ﴿وَاَلْعَصْرِ ﴾ [العصر: ١] وليس ذلك لغيره، وكان النبي وَّل يدعو لغيره بلفظ الصلاة لأنه صاحب منصب الصلاة وليس لغيره أن يدعو لأحد من الأمة بلفظ الصلاة، وذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في قوله وَله: ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن التشريك في الضمير من خصائصه وم طهر وإن كان قد نهى عنه في قصة الخطيب، ويؤيد عدم الاستدلال بالآية على ذلك ما ورد: ((أن رجلاً قال للنبي وَلجر: ما شاء الله وشئت فقال: جعلتني لله عدلاً بل ما شاء الله وحده)). مسألة: الصلاة على النبي وَلهم عند التعجب هل تستحب أو تكره؟ فقد ذكر بعض العلماء أنها تستحب وقال: أخذته من نص الشافعي رضي الله عنه في قوله: وأحب أن يكثر الصلاة عليه في كل الحالات قال: فدخل في عمومه حاله التعجب، ثم نقل عن سحنون أنه كرهها عند التعجب وقال: لا يصلي عليه إلا على طريق الاحتساب وطلب الثواب ثم نازعه في ذلك بأن ذكر الله التعجب مشروع، وقد بوب عليه البخاري فقال: باب التكبير والتسبيح عند التعجب وروى فيه حديث عمر، وحديث صفية، وهل ورد دليل خاص بكراهتها كما قال سحنون؟. الجواب: قد يستدل لسحنون بما أخرجه الحاكم عن ابن عمر أن رجلاً عطس بحضرته ٢٤٤ الفتاوى الفقهية / باب جامع فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد الله والسلام على رسول الله ولكن ما هكذا علمنا، لكن الذي تختاره خلاف قول سحنون: لأنه لم يرد عن النبي وَّ نهى عن الصلاة عليه حالة التعجب، ولا ترد قصة ابن عمر في العطاس، لأن العطاس ورد فيه ذكر يخصه فالعدول إلى غيره أو الزيادة فيه عدول عن المشروع وزيادة عليه وذلك بدعة ومذموم، فلما كان الوارد في العطاس الحمد فقط كان ضم السلام إليه من الزيادة في الأذكار وذلك متفق على ذمه، وقد نهى الفقهاء عن الصلاة عليه عند الذبح لأنه زيادة على ما ورد من التسمية، وقد عقد النووي في الأذكار باباً لجواز التعجب بلفظ التسبيح والتهليل ونحوهما وأورد فيه عدة أحاديث وآثار وقع فيها ذكر سبحان الله عند التعجب، فقول النووي: ونحوهما يدخل فيه فصل القول في ذلك أن الصلاة عند التعجب لا تكره لعدم النهي ولا تستحب لعدم دليل على طلبها حينئذ بل هي من الأمور المباحة كما أشار إليه النووي بلفظ الجواز في الترجمة . ٣١ - القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. مسألة: في شخص يدعي فقهاً يقول: إن توحيد الله متوقف على معرفة علم المنطق، وأن علم المنطق فرض عين على كل مسلم، وأن لمتعلمه بكل حرف منه عشر حسنات ولا يصح توحيد من لا يعلمه، ومن أفتى وهو لا يعلمه فما يفتي به باطل، وقال: إن الحشيشة كل من استعملها كفر وقال: إن المجتهد يحل الحرام ويحرم الحلال، وقال: إن أبا حامد الغزالي ليس بفقيه وإنما كان زاهداً فماذا يجب عليه في ذلك؟. الجواب: فن المنطق فن خبيث مذموم يحرم الاشتغال به مبني بعض ما فيه على القول بالهيولى الذي هو كفر يجر إلى الفلسفة والزندقة وليس له ثمرة دينية أصلاً بل ولا دنيوية - نص على مجموع ما ذكرته أئمة الدين وعلماء الشريعة - فأول من نص على ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه، ونص عليه من أصحابه إمام الحرمين، والغزالي في آخر أمره، وابن الصباغ - صاحب الشامل - وابن القشيري، ونصر المقدسي، والعماد بن يونس، وحفده، والسلفي، وابن بندار، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن الصلاح، وابن عبد السلام، وأبو شامة، والنووي، وابن دقيق العيد، والبرهان الجعبري، وأبو حيان، والشرف الدمياطي، والذهبي، والطيبي، والملوي، والإسنوي، والأذرعي، والولي العراقي، والشرف بن المقري، وأفتى به شيخنا قاضي القضاة شرف الدين المناوي، ونص عليه من أئمة المالكية ابن أبي زيد - صاحب الرسالة - والقاضي أبو بكر بن العربي، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو الوليد الباجي، وأبو طالب المكي - صاحب قوت القلوب - وأبو الحسن بن الحصار، وأبو ٢٤٥ الفتاوى الفقهية / باب جامع عامر بن الربيع، وأبو الحسن بن حبيب، وأبو حبيب المالقي، وابن المنير، وابن رشد، وابن أبي جمرة، وعامة أهل المغرب. ونص عليه من أئمة الحنفية أبو سعيد السيرافي، والسراج القزويني، وألف في ذمه كتاباً - سماه نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلي بحب علم المنطق - ونص عليه من أئمة الحنابلة ابن الجوزي، وسعد الدين الحارثي، والتقي بن تيمية - وألف في ذمة ونقض قواعده مجلداً كبيراً - سماه نصيحة ذوي الأيمان في الرد على منطق اليونان وقد اختصرته في نحو ثلث حجمه - وألفت في ذم المنطق - مجلداً سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك، وقول هذا الجاهل: إن المنطق فرض عين على كل مسلم يقال له إن علم التفسير، والحديث، والفقه التي هي أشرف العلوم ليست فرض عين بالإجماع بل هي فرض كفاية فكيف يزيد المنطق عليها، فقائل هذا الكلام إما كافر أو مبتدع أو معتوه لا يعقل، وقوله: إن توحيد الله متوقف على معرفته من أكذب الكذب وأبلغ الافتراء ويلزم عليه تكفير غالب المسلمين المقطوع بإسلامهم، ولو أن المنطق في نفسه حق لا ضرر فيه لم ينفع في التوحيد أصلاً، ولا يظن أنه ينفع فيه إلا من هو جاهل بالمنطق لا يعرفه لأن المنطق إنما براهينه على الكليات والكليات لا وجود لها في الخارج ولا تدل على جزئي أصلاً، هكذا قرره المحققون العارفون بالمنطق، فهذا الكلام الذي قاله هذا القائل استدللنا به على أنه لا يعرف المنطق ولا يحسنه فيلزم بمقتضى قوله: إنه مشرك لأنه قال: إن التوحيد متوقف على معرفته وهو لم يعرفه بعد. فإن قال: أردت بذلك أن أيمان المقلد لا يصح وإنما يصح أيمان المستدل. قلنا: لم يريدوا بالمستدل على قواعد المنطق بل أرادوا مطلق الاستدلال الذي هو في طبع كل أحد حتى في طبع العجائز، والأعراب، والصبيان كالاستدلال بالنجوم على أن لها خالقاً، وبالسماء، والأنهار، والثمار، وغيرها، وهذا لا يحتاج إلى منطق ولا غيره، والعوام والأجلاف كلهم مؤمنون بهذا الطريق. وقوله: إن للمتكلم بكل حرف منه عشر حسنات هذا شيء لا نعرفه إلا للقرآن الذي هو كلام الله جل جلاله، فإن أراد هذا الجاهل أن يلحق المنطق الذي هو من وضع الكفار بكلام رب العالمين فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً، والعجب من حكمه على الله بالباطل والأخبار بمقادير الثواب لا يتلقي إلا من صاحب النبوة عليه الصلاة والسلام، وقوله: إن من لا يعلم المنطق ففتواه لا تصح يلزم عليه أن الصحابة، والتابعين [وأتباع التابعين] لم تصح فتواهم، فإن المنطق إنما دخل بلاد الإسلام في حدود سنة ثمانين ومائة من الهجرة فمضى الإسلام هذه المدة ولا وجود للمنطق فيه، وقد كان في هذه المدة غالب المجتهدين من الأئمة المرجوع إليهم في أمر الدين أفيظن عاقل مثل هذا الظن؟ وقد نص الشافعي رضي الله عنه نفسه على ذم الاشتغال بالمنطق أفيقول هذا الجاهل هذه المقالة في :مثل الشافعي رضي الله عنه؟ ومن سميناهم من أئمة المذاهب الأربعة الذين دونوا الفقه وأوضحوا سبل الفتاوى وهم عصمة الدين، وقول هذا الجاهل: أن الغزالي ليس بفقيه ٢٤٦ الفتاوى الفقهية / باب جامع يستحق عليه أن يضرب بالسياط ضرباً شديداً ويحبس حبساً طويلاً حتى لا يتجاسر جاهل أن يتكلم في حق أحد من أئمة الإسلام بكلمة تشعر بنقص، وقوله هذه الكلمة: صادر عن جهل مفرط وقلة دين فهو من أجهل الجاهلين وأفسق الفاسقين، ولقد كان الغزالي في عصره حجة الإسلام وسيد الفقهاء، وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه فإنه نقح المذهب وحرره ولخصه في البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة وكتب الشيخين(١) إنما هي مأخوذة من كتبه، والحاصل أن هذا الرجل الذي صدرت عنه هذه المقالة رجل غلب عليه الجهل والحمق والفسق، فالواجب على المحتاط لدينه أن يهجره في الله ويتخذه عدواً يبغضه فيه إلى أن تأتيه من الله قاصمة تلحقه بالغابرين، وقوله في الحشيشة: من استعملها كفر لا ينكر عليه إطلاق هذه المقالة لأن مثل هذه يجوز أن يقال في معرض الزجر والتغليظ كقوله ◌َ ر: ((من ترك الصلاة فقد كفر)) فيكون مؤولاً على المستحل أو المراد كفر النعمة لا كفر الملة، فإن أراد حقيقة الكفر من غير تأويل فباطل لأن مذهب أهل السنة أنه لا يكفر أحد بذنب، والعالم إذا أفتى بمثل هذه العبارة إنما يطلقها متأولاً على ما ذكرنا، والمجتهد لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً، فالتحليل والتحريم الله وحده لا شريك له، بل ولا يحدث قولاً من عنده إنما وظيفته أن ينظر في أقوال من تقدمه ويختار ما قام الدلیل عنده علی رجحانه. مسألة: في رجل ألهمه الله طباً يداوي به المسلمين ويحصل به نفع لهم وداوى به جماعة في بلده بعشب من الأعشاب الذي ألهمه الله وحصل لهم به الشفاء فاعترض عليه جماعة حساد وأرادوا منعه من مداواة المسلمين فهل يجوز لهم ذلك أم لا؟ والحال أن الطبيب المذكور أحضر الجماعة الذين داواهم وهم أكثر من عشرين نفراً إلى شهود المسلمين واعترفوا بحصول الشفاء على يده وكتب بذلك محضراً واتصل بحاكم؟ وهل يثبت بهذا المحضر عدالة الطبيب؟ وهل يجوز لهم إخراجه من البلد؟ وهل إذا قال الطبيب ألهمت من الله هذا الدواء يسوغ لأحد الاعتراض عليه؟. الجواب: الإلهام لا ينكر لكنه إنما يصح غالباً مع الصوفية الخلص أرباب القلوب الصافية النيرة، وقد يحصل لغيرهم من آحاد المسلمين لكنه قد يصح وقد لا يصح، فإن كان هذا الذي ألهم الطب من الصوفية أرباب القلوب فإنه لا يخطىء في الغالب بحسب تمكن حاله وقوته، وإن كان من غيرهم فعليه توقي ذلك والرجوع إلى قانون الطب الذي تعارف الناس المداواة به، وليس لأحد منعه من المداواة ما لم يظهر عليه كثرة الخطأ، والأولى له في الحالين أن يبين للمداوي أنه لم يعتمد في ذلك على القانون المتعارف في الطب لينظر ذاك لنفسه ويحتاط لها لئلا يدخل في قوله وَ لقر: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) والمحضر المذكور لا فائدة فيه ولا يثبت به عدالة ولا يجوز إخراجه من البلد بهذا السبب. (١) إذا أطلق الشيخان عند الشافعية يراد بهما النووي والرافعي. كما هو منصوص عليه في غير موضع. ٢٤٧ الفتاوى الفقهية / باب جامع مسألة: في رجل اشتهر بوقتنا هذا بعلم التعبير وفتح عليه فيه ونور الله بصيرته بمعرفة تفسير الرؤيا وإن كان في غيرها مزجي البضاعة فإذا قص عليه أحد رؤيا بادر إلى تفسيرها فيحمد الله تعالى ويصلي على نبيه محمد وَل ثم يفسرها بكلام أهل الصناعة ويستشهد عليه بأدلة من الكتاب والسنة وما وافق القواعد والمنقول في هذا الفن متبعاً شروطه وآدابه في الأغلب، ولم يقل عنه مع كثرة تعبيره أنه أخطأ في شيء من ذلك خطأ فاحشاً خالف فيه منقول أهل الفن هذا وقد قرأ فيه كتباً على مشايخ عصره وتفهم ظواهرها بحسب الحال وشاع نفع الناس به وقصدوه من الأمكنة البعيدة لفقد العلماء بذلك، ثم إن رجلاً كبيراً من الناس قام على هذا الرجل المذكور وأنكر عليه كثرة تعبيره لكل سائل كائناً من كان وسرعة مبادرته لذلك فزجره ونهاه عن تعبير الرؤيا مطلقاً قاصداً نصحه، وقال له ما معناه: هذا العلم تخييلات من باب الظن والحدث وهو مظنة الكذب والخطأ فلا يجوز العمل به ولا الاعتماد عليه، فانزجر الرجل المذكور وكف عن تعبير الرؤيا مدة طويلة فتضرر كثير من الناس بسبب ذلك ورموه بألسنتهم وظنوا بامتناعه أن قصده به طلب الدنيا من الأكابر بسؤالهم له في ذلك واحتياجهم إليه، وقد وقع في ورطة مع الناس بسبب ذلك وحصل عنده شك وارتياب في هذا العلم هل له حقيقة أو كما يقوله هذا المعترض؟ وهل الأولى له الرجوع إلى ما كان عليه من التعبير لكل سائل إذ الحاجة والضرورة إليه أم لا؟ وإذا كان لم يأخذ عليه جعالة فهل يثاب عليه أم لا؟. الجواب: القول بأن الرؤيا وتعبيرها تخيلات لا أصل لها يكاد يخرق الإجماع فإن الكتاب والسنة طافحان بإعتبار الرؤيا وتأويلها، وقد ورد في الحديث: ((أن رؤيا العبد كلام يكلمه ربه في المنام)) وفي أثر آخر: ((إن الله وكل بالرؤيا ملكاً يريها للنائم)) والأحاديث في ذلك ونحوه كثيرة عن حد الحصر، وإنما قصر علم الناس عن كثير من المغيبات لعدم وقوفهم على السنة واشتغالهم بها وهي لا تؤخذ إلا من جهة الوحي فعدلوا عن معدنها ورجعوا إلى أقوال الحكماء والفلاسفة الجهال الضلال الذين حدسوا بأفكارهم وخمنوا فلم يقفوا على حقيقة الحال كقولهم هذا في الرؤيا، وكقولهم: في الطاعون، والزلزلة، والرعد، والبرق، والصواعق، والقوس، والمجرة، والمطر، والسحاب، وسائر ما فوق الملكوت وما تحت الأرضين كل ذلك خاض فيه الفلاسفة قبحهم الله بالظنون الفاسدة فأتوا فيها بأشياء أكذبهم فيها صاحب الشريعة ول# الموحي إليه بعلوم الأولين والآخرين، وقول المنكر فلا يجوز العمل به كلام عجيب فإن الرؤيا ليست علم عمل بل إما تبشير بخير أو تحذير من شر، فأي عمل هنا؟ نعم التثبت مطلوب وعدم المسارعة والمبادرة وقد تكون الرؤيا صورتها واحدة، ويختلف تأويلها بحسب الرائي وحاله وصفته وما اتفق له في أيام الرؤيا، وقد تكون الرؤيا من أنواع الكشف الذي يحصل لأرباب الأحوال في كثير من أوقاتهم، وهذه لا يليق بكل معبر تأويلها إنما يأولها صاحب حال له معرفة بأحوال القوم، وفي جواز أخذ الجعالة على تأويل الرؤيا وقفة، ويقرب الجواز لأنه ليس من الفروض والعبادات التي يمتنع أخذ ٢٤٨ الفتاوى الفقهية / باب جامع الأجرة عليها، ووجه التوقف كونه كلاماً يقال فيشبه الاستئجار على كلمة لا تتعب ولكن الفرق أوضح، وفي الثواب عليه إذا لم يأخذ أجرة وقفة أيضاً والأقرب أنه لا ثواب لأنه ليس من العلوم المفروضة ولا المندوبة بل من المباحات والله أعلم. ٣٢ - رقع الباس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن والاقتباس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ مسألة: استعمال ألفاظ القرآن في المحاورات والمخاطبات والمجاوبات والإنشاءات والخطب، والرسائل، والمقامات مراداً بها غير المعنى الذي أريدت به في القرآن يسمى عند الصدر الأول من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة والعلماء ضرب مثل وتمثلاً واستشهاداً إذا كان في النثر، وقد يسمى اقتباساً بحسب اختلاف المورد، فإذا كان في الشعر سمي اقتباساً لا غير، فأما الأول وهو الذي في النثر سواء كان تمثلاً أو اقتباساً فجائز في مذهبنا بلا خلاف عندنا - نص عليه الأصحاب إجمالاً وتفصيلاً - واستعملوه في خطبهم وإنشائهم ورسائلهم ومقاماتهم، أما النصوص فقالوا في باب الغسل: أنه يجوز للجنب أن يورد ألفاظ القرآن لا بقصد القرآن وقالوا في باب شروط الصلاة: إن المصلي لو نطق بنظم القرآن لا بقصد القرآن بل بقصد التفهيم فقد بطلت صلاته، فإن قصد القراءة والتفهيم معاً لم تبطل، ولم يحكوا في المسألة خلافاً، قال النووي في شرح المهذب في باب الغسل ما نصه: قال أصحابنا ولو قال لإنسان: خذ الكتاب بقوة ولم يقصد القرآن جاز وكذا ما أشبهه؛ وقال الرافعي في الشرح: وأما إذا قرأ شيئاً منه لا على قصد القرآن فيجوز، وفي الروضة مثله، وقال الإسنوي في شرح المنهاج عند قوله: ويحل إذا كان لا بقصد قرآن هذا الحكم لا يختص بأذكار القرآن بل يأتي أيضاً في مواعظه وأحكامه وأخباره وغير ذلك كما دل عليه كلام الرافعي فإنه عبر بقوله: أما إذا قرأ شيئاً منه لا على قصد القرآن فيجوز هذه عبارته وذكر مثلها في الروضة. وصرح القاضي أبو الطيب في تعليقه بالأوامر انتهى. وقال الرافعي في باب شروط الصلاة إذا أتى المصلي بشيء من نظم القرآن قاصداً به القراءة لم يضر، وإن قصد مع القراءة شيئاً آخر كتنبيه الإمام أو غيره والفتح على من ارتج عليه وتفهيم الأمر من الأمور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول: ادخلوها بسلام آمنين أو يقول: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وما أشبه ذلك، ولا فرق بين أن يكون منتهياً في قراءته إلى تلك الآية أو ينشىء قراءتها حينئذ، وقال أبو حنيفة: إذا قصد شيئاً آخر سوى القراءة بطلت صلاته إلا أن يريد تنبيه الإمام والمار بين يديه وإن لم يقصد إلا الإفهام والإعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة كما لو أفهم بعبارة أخرى انتهى. وذكر مثله في الشرح الصغير، والمحرر، وذكر النووي مثله في الروضة، وشرح المهذب، والمنهاج، وإنما بدأت بنقل كلام الشيخين لأن الاعتماد الآن في الفتيا على ٢٤٩ الفتاوى الفقهية / باب جامع كلامهما وإلا فالمسألة متفق عليها بين الأصحاب قال إمام الحرمين في النهاية في باب شروط الصلاة: ولو قرأ المصلي آية أو بعضاً من آية فأفهم بها كلاماً مثل أن يقول: خذها بقوة أو يقول: وقد حضر جمع فاستأذنوا ادخلوها بسلام فإن لم تخطر له قراءة القرآن ولكن جرد قصده إلى الخطاب بطلت صلاته، وإن قصد القراءة ولم يخطر له إفهام أحد بحيث لو دخلوا لم يرد دخولهم من معنى قوله فلا شك أن صلاته لا تبطل، وإن قصد قراءة القرآن وقصد إفهامهم فالذي قطع به الأئمة أن الصلاة تبطل، وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بهذا، وقال في باب الغسل: لو قال الجنب شيئاً من القرآن وقصد به غير القرآن لم يعص وإن أجراه على لسانه ولم يقصد قراءة ولا غيرها فقد كان شيخي يقول: لا يعصي وهذا مقطوع به انتهى: وقال البغوي في التهذيب لو قال الجنب شيئاً من القرآن لا بقصد قراءة القرآن فإنه يجوز، وكذلك لو تكلم بكلمة توافق نظم القرآن، وقال في باب شروط الصلاة: ولو تكلم بكلام موافق نظمه نظم القرآن مثل أن دق رجل الباب فقال: ادخلوها بسلام، أو أراد دفع كتاب فقال: يا يحيى خذ الكتاب نظر إن لم يكن قصد به قراءة القرآن بطلت صلاته وإن قصد قراءة القرآن وإعلامه لا تبطل. وعند أبي حنيفة تبطل، وقال الغزالي في البسيط: إذا أتى الجنب بالقرآن على قصد غيره لا يعصي، فإن لم يقصد لا القراءة ولا غيرها قال الشيخ أبو محمد: لا يعصي لأن قصد معتبر في هذا الجنس، وقال في باب شروط الصلاة: إذا استأذن جمع وهو في الصلاة فقال ادخلوها بسلام أو قال: خذها بقوة أو غير ذلك من خطاب الآدميين، فإن قصد التفهيم دون القراءة بطلت صلاته، وإن قصد القراءة دون التفهيم لم تبطل، وإن قصدهما جميعاً قال أصحابنا: لا تبطل، وقال أبو حنيفة: تبصل، وقال المتولي في التتمة الخامسة: إذا نابه أمر في الصلاة فتلا آية من القرآن يحصل بها تنبيه الغير (٤٦)﴾ [الحجر: على بعض الأمور مثل إن دق الباب فقرأ قوله تعالى: ﴿أُدْخُلُوهَا بِسَلَرٍ ءَامِنِينَ ٤٦] أو رأى إنساناً اسمه موسى يمشي بالنعل على بساطه فقرأ قوله تعالى: ﴿فَاَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ﴾ [طه: ١٢] فإن قصد به التنبيه تبطل الصلاة لأن هذا خطاب وافق نظم القرآن، وإن قصد القراءة لا تبطل صلاته وإن تضمن ذلك تنبيهاً، وقال أبو حنيفة: تبطل، ودليلنا ما روي أن علياً رضي الله عنه كان يصلي في مسجد الكوفة فدخل عليه رجل من الخوارج فعرض به وقال: لا حكم إلا لله ورسوله وقصد الإنكار حيث رضي التحكيم فتلا علي: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَخِقََّّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٣)﴾ [الروم: ٦٠] فلما سلم قال: كلمة حق أريد بها باطل، ولو كان ذلك يبطل الصلاة لما أقدم عليه علي رضي الله عنه، ونقول الأصحاب في ذلك لا تحصى وفيما أوردناه كفاية . وقال النووي في التبيان: فصل في قراءة القرآن يراد بها الكلام ذكر ابن أبي داود في هذا اختلافاً فروي عن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يتناول القرآن لشيء يعرض من أمر ٢١ وَطُورِ سِنِينَ الدنيا، وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة ﴿وَأَلِّينِ وَاُلْزَّيْتُونِ ٢٥٠ الفتاوى الفقهية / باب جامع ﴾ [التين: ٣]، وعن حكيم - [التين: ١، ٢] ثم رفع صوته: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ بضم الحاء - بن سعد أن رجلاً من المحكمة أتى علياً رضي الله عنه وهو في صلاة الصبح فقال: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي وهو في الصلاة: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَحِقَّتَّكَ اَلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (®﴾ [الروم: ٦٠]، قال أصحابنا: إذا استأذن إنسان على المصلي فقال المصلي: ادخلوها بسلام آمين فإن أراد التلاوة أو التلاوة والإعلام لم تبطل صلاته، وإن أراد الإعلام أو لم تحضره نية بطلت صلاته، انتهى كلام النووي في التبيان. فانظر كيف أخذ حكم المسألة مما ذكره الأصحاب في المصلى، والأثر المذكور عن علي أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في سننه وترجم عليه باب ما يجوز من قراءة القرآن في الصلاة يريد به جواباً أو تنبيهاً . ٣٣ - ذكر من استعمل ذلك من الصحابة والتابعين غير من تقدم ذكره أخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبيهقي في دلائل النبوة عن الشعبي قال: لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى، وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية لا امرؤ كان أحق به مني وهو حق لي تركته إرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر ونزل، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها بلغها قتل عثمان فقالت: ﴿قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في قصة الإفك: وإني لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ومن هنا سميٍ العلماء استعمال ذلك ضرب مثل وتمثلاً، وكذا من قوله ◌َ ﴿ لأبي بكر، وعمر حين استشارهما في أسرى بدر: ((مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حيث قال: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا عمر مثل نوح حيث قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] - وفي رواية - إن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى (١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] وإن قال: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ لْكِيمُ مثلك يا عمر مثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] فمن هذا وأمثاله أطلق السلف والخلف على ذلك ضرب مثل. وقد ورد في الحديث المرفوع استعمال ما نحن فيه وكفى به حجة أخرج الترمذي وحسنه عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله وَلهو: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض))، وقد سبقني إلى الاحتجاج بهذا الحديث على التمثل بنظم القرآن الحافظ أبو بكر بن مردويه حيث أورد هذا ٢٥١ الفتاوى الفقهية / باب جامع الحديث في تفسيره عند قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى اَلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] وأخرجه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفيه حجة لأمر آخر وهو أنه يجوز تغيير بعض النظم بإبدال كلمة بأخرى وبزيادة ونقص كما يفعله أهل الإنشاء كثيراً لأنه لا يقصد به التلاوة ولا القراءة ولا إيراد النظم على أنه قرآن، ومن الأحاديث التي يستدل بها لجواز ذلك ما أخرجه مالك، وابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم عن أنس: أن النبي ◌َل خرج إلى خيبر فجاءها ليلاً فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم(١) فلما رأوه قالوا محمد والله محمد والخميس(٢) فقال النبي وَالفقر: ((الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)). قال بعضهم: هذا الحديث من أدلة الاقتباس، وقال ابن عبد البر في التمهيد: في هذا الحديث جواز الاستشهاد بالقرآن فيما يحسن ويحمل، وذكر ابن رشيق مثله في شرح الموطأ - وهما مالكيان - وقال النووي في شرح مسلم: في الحديث جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور المحققة، وقد جاء لهذا نظائر كثيرة كما ورد في فتح مكة: أنه جعل يطعن في الأصنام ويقول: ((جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد جاء الحق وزهق الباطل))، قال: وإنما يكره ضرب الأمثال من القرآن في المزح ولغو الحديث فيكره. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله واله الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، وقعيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح - فذكر الحديث - إلى أن قال: وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان فلما دعا رسول الله وَلقر للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ◌َّلتر فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى فبايعه بعد الثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: ((أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله)). وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّر: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً». وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: كتب أبي في وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر ويتقي الفاجر ويصدق الكاذب أني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وإن يجر ويبدل أعلم الغيب فلا ﴿وَسَيَعْلُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وأخرج ابن أبي شيبة عن بكرة قال: لما انتهى الربيع بن خيثم إلى مسجد قومه قالوا له: يا ربيع لو قعدت لتحدثنا اليوم فقعد فجاء حجر فشجه فقال: ﴿فَمَنْ جَُّ (١) قال صاحب النهاية المساحي جمع مسحاة - وهي المجرفة من الحديد - والميم زائدة والمكاتل جمع مكتل بكسر الميم الزبيل والكبير. (٢) الخميس: الجيش، سمي به لأنه مقسم بخمسة أقسام المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. وفي بعض النسخ ((الخميس)) بالحاء المهملة وهو خطأ . ٢٥٢ الفتاوى الفقهية / باب جامع مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله مل إذا رأى الهلال قال: آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك. وأخرج البخاري عن هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنه وابنة ابن وأخت قال: للابنة النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود : إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فقلت: غلط أبو عبد الرحمن إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ قَائِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (19)﴾ [النحل: ١٢٠] فأعادها علي فقال إن معاذبن جبل ﴿كَانَ أُمَّةُ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، فقلت: إنه تعمد الأمر تعمداً فسكت فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم فقال: الأمة الذي يعلم الناس . الخير والقانت المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان معاذ كان يعلم الناس الخير وكان مطيعاً لله ولرسوله. وأخرج ابن سعد عن مسروق قال: كنا عند ابن مسعود فقال: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فقال فروة بن نوفل: نسي أبو عبد الرحمن إبراهيم - يعني قال: وهل سمعتني ذكرت إبراهيم؟ الأمة الذي يعلم الناس الخير والقانت الذي يطيع الله ورسوله. وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن عبد الله بن مسعود أنه أتى مكة فمر بأعرابي وهو يصلي وهو يقول: نحج بيت ربنا في كلام له فقال عبد الله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن أبي ليلى الكندي قال: أشرف عثمان على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال: يا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد، يا قوم لا تقتلوني إنكم إن تقتلوني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه. وأخرج الشافعي في الأم عن عروة قال: كان أبو حذيفة بن اليمان شيخاً كبيراً فخرج يوم أحد يتعرض للشهادة فابتدره المسلمون فتواشقوه(١) بأسيافهم وحذيفة يقول: أبي أبي فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فقضى النبي ◌َ # فيه بديته. وأخرح الشافعي عن المطلب بن حنطب أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: قد فعلت قال فقرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ ◌ِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة ثبت. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن هشام بن عروة قال: أتى عمر بن عبد العزيز بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال: لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأخرج ابن أبي شيبة عن أم راشد قالت: كنت عند أم هانىء فسمعت رجلين يقولان بايعته (١) بالواو بعد التاء المثناة من فوق أي قطعوه وشائق كما يقطع اللحم إذا قدد. اهـ النهاية . ٢٥٣ الفتاوى الفقهية / باب جامع أيدينا ولم تبايعه قلوبنا فذكرت ذلك لعلي فقال علي: ﴿فَمَن ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْلَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال: من أدرك ذلك الزمان فلا يطعنن برمح ولا يضرب بسيف ولا يرم بحجر واصبر فإن العاقبة للمتقين. وأخرج الزجاجي في أماليه عن جويرية بنت أسماء قال: قدم عمر بن الخطاب مكة فوضع الدرة بين أذني أبي سفيان وضرب رأسه فجاءت هند فقالت: أتضربه فوالله لرب يوم لو ضربته لاقشعر بك بطن مكة؟ فقال عمر: أجل والله جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وأخرج ابن عساكر عن محمد بن عبد الملك قال: سمع عبد الله بن مسعود أعرابياً ينادي بالصلاة فأتاه ابن مسعود فقرأ بأم القرآن ثم قال: نحج بيت ربنا ونقضي الدين وهن يهوين بنا بخطرات يهوين قال ابن مسعود: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. وأخرج الطبراني من طريق قتادة عن أنس عن أبي طلحة أن النبي والر لما صبح خيبر تلا هذه الآية («إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))(١). وأخرج ابن سعد في طبقاته عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب لما طعن عليه ملحفة صفراء قد وضعها على جرحه وهو يقول: وكان أمر الله قدراً مقدوراً. وأخرج ابن سعد عن عمرو بن ميمون أن عمر لما طعن دخل عليه كعب فقال: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين قد أنبأتك أنك شهيد، فقلت: من أين لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب؟. وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن رافع قال: طعن ابنا معاذ بن جبل فقال معاذ: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين. وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر قال: قال علي بن أبي طالب للحسن: قم فاخطب الناس يا حسن قال: إني أهابك أن اخطب وأنا أراك فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه فقام الحسن فخطب ثم نزل فقال علي: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم أن أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص تكلما فقال أبو موسى لعمرو: إنما مثلك كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال له عمرو: أنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً. وأخرج ابن سعد عن ابن أبي ملكية قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول لعبيد بن عمير: كيف أنت يا ليثي؟ قال: بخير على ظهور عدونا علينا، فقال جابر: ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. وأخرج أحمد في مسنده عن سلمان الفارسي أنه قيل له: ما كان بينك وبين حذيفة؟ قال: وكان الإنسان عجولا. وأخرج أحمد عن أبي الدرداء أنه بلغه أن أبا ذر أخرج إلى الربذة فاسترجع قريباً من عشر مرات ثم (١) هذا نصّ الحديث، أمّا نص الآية ١٧٧ من سورة الصافات فهو: ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرین﴾ ٢٥٤ الفتاوى الفقهية / باب جامع قال: فارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة: اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه وإن اتهموه فإني لا أتهمه، والذي نفسي بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول الله ◌َ* يقول: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)). وأخرج ابن سعد عن عمارة بن أبي حفصة أن عمر بن عبد العزيز قيل له في مرضه: من توصي بأهلك؟ فقال: إن ولي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة عن هبيرة بن خزيمة قال: قال الربيع بن خيثم حين قتل الحسين: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. وأخرح ابن أبي شيبة عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن الزبير لعبيد بن عمير: كلم هؤلاء - لأهل الشام - رجاء أن يردهم ذاك فسمع ذلك الحجاج فأرسل إليهم ارفعوا أصواتكم فلا تسمعوا منه شيئاً فقال عبيد: ويحكم لا تكونوا كالذين قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي يعلى قال: كان الربيع بن خيثم إذا مر بالمجلس يقول: قولوا خيراً افعلوا خيراً وداوموا على صالحة ولا تقسوا قلوبكم ولا يتطاول عليكم الأمد ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق أنه قدم فأتاه أهل الكوفة وناس من التجار فجعلوا يثنون عليه ويقولون: جزاك الله خيراً ما كان أعفك عن أموالنا فقرأ هذه الآية: ﴿أَفَسَنَ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّتَعْنَهُ مَتَ الْحَيَوْمِ الدُّنَا﴾ [القصص: ٦١] وكان يقرأها كذلك. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن قتادة أن عبد الله بن غالب كان يقص في المسجد الجامع فمر عليه الحسن فقال: يا عبد الله لقد شققت على أصحابك فقال: ما أرى عيونهم انفقأت ولا أرى ظهورهم اندقت والله يأمرنا يا حسن أن نذكره كثيراً وتأمرنا أن نذكره قليلاً، كلا لا تطعه واسجد واقترب، فقال الحسن: والله ما أدري أسجد أم لا . وأخرج أبو نعيم عن عون العبدي أن الحجاج لما أمر بقتل سعيد بن جبير قال سعيد بن جبير: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، فقال الحجاج: شدوا به لغير القبلة، فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله، فقال الحجاج: كبوه لوجهه، فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم. وأخرج أبو نعيم عن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتى سعيد بن جبير الحجاج قال: لأقتلنك، قال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: أينما تولوا فثم وجه الله إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الكريم قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا دخل بيتاً قال: بسم الله والحمد لله ولا قوة إلا بالله والسلام على نبي الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا. ٢٥٥ الفتاوى الفقهية / باب جامع وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن واسع قال: قدمت من مكة فانطلق بي إلى مروان ابن المهلب - وهو أمير على البصرة - فرحب بي فقلت: إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني عدي؟ قلت: العلاء بن زياد استعمل صديق له مرة على عمل فكتب إليه، أما بعد فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف وبطنك خميص وكفك تقية من دماء المسلمين وأموالهم فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، قال مروان: صدق والله ونصح. ذکر ما وقع للإمام مالك رضي الله عنه من ذلك أخرج الخطيب البغدادي وغيره عن سعيد بن بشير بن ذكوان قال: كان مالك بن أنس إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة يقول: وللبسنا عليهم ما يلبسون. ذكر ما وقع للإمام الشافعي رضي الله عنه من ذلك رأيت في تاريخ من دخل مصر للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في ترجمة التاج الأرموي تلميذ الإمام فخر الدين الرازي ومصنف الحاصل مختصر المحصول في الأصول ما نصه: أملي علي الإمام تاج الدين محمد بن الحسين الأرموي بالقاهرة نسخة كتاب شاهده بمدينة ساوة في الخزانة الموضوعة في جامعها بخط الإمام الشافعي رضي الله عنه كتبه إلى صاحب مكة شفاعة في الحاج وهذه عبارة الإمام إني مهد إليك يا سيد البطحاء كلمة طيبة ﴿ كَشَجَرَةِ طَتِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرَعُهَا فِى السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وأنا أتشفع إليك في ضعفاء الحاج من ركب الريح ومضغة الشيخ. كتبه محمد بن إدريس بن شافع وكان التاريخ مذكوراً فأنسيته انتهى. ذكر ما وقع لحجة الإسلام الغزالي من استعمال ذلك قال في أول كتابه المسمى بالانتصار لما في الإحياء من الأسرار ما نصه: سألت - يسرك الله لمراتب العلم تصعد مراقيها وقرب لك مقامات الولاية تحل معاليها - عن بعض ما وقع في الإملاء الملقب بالإحياء مما أشكل على من حجب فهمه وقصر علمه ولم يفز بشيء من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه وأظهرت التحزن لما غاش به شركاء الطعام، وأمثال الأنعام، وأتباع الأعوام، وسفهاء الأحلام، وعار أهل الإسلام حتى طعنوا عليه ونهوا عن قراءته ومطالعته وأفتوا بمجرد الهوى على غير بصيرة باطراحه ومنابذته، ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال، ونبذوا قراءة ومنتحليه بزيغ في الشريعة واختلال، فإلى الله انصرافهم ومآلهم، وعليه في العرض الأكبر إيقافهم وحسابهم، فستكتب شهادتهم ويسألون ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إنك قديم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ أَلَّذِينَ يَسْتَنِْطُونَهُ مِنْهُمّ﴾ [النساء: ٨٣] ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] ولا عجب فقد ثوى أدلاء بيم ٢٥٦ الفتاوى الفقهية / باب جامع الطريق وذهب أرباب التحقيق فلم يبق في الغالب إلا أهل الزور والفسوق - إلى أن قال: حجبوا عن الحقيقة بأربعة: الجهل، والإصرار، ومحبة الدنيا، والإظهار والله من ورائهم محيط وهو على كل شيء شهيد، فكان قد جمع الخلائق في صعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ولا تطع كل أفاك أثيم (١) ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلُّمَا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم ◌ِثَايَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿وَلَوَّ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ [هود: ١١٨] ﴿وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩] ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَمْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] - هذا نص الغزالي بحروفه . وقد وقع في دمشق أن الشيخ تقي الدين بن الصلاح أفتى بالمنع من صلاة الرغائب ثم لما قدم الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى بالمنع منها فعارضه ابن الصلاحِ ورجع عما أفتى به أولاً وألف كراسة في الرد عليه وضرب له المثل بقوله تعالى: ﴿أَرَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ®﴾ [العلق: ٩، ١٠] فألف الشيخ عز الدين كراسة في الرد على ابن الصلاح وقال فيها: وأما ضربه لي المثل بقوله تعالى: ﴿أَرَبَيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ (9)﴾ فأنا عَبْدًا إِذَا صَلََّ إنما نهيت عن شيء نهى عنه رسول الله وَله . وقد حكى ذلك أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث وقال: إن الناس ضربوا لابن الصلاح المثل بقول عائشة في حق سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية، ويشبه هذا ما ورد عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يرى صلاة النافلة قبل صلاة العيد، وأنه دخل مسجد الكوفة يوم العيد فرأى قوماً يصلون فلم ينههم فقال له من معه: ألا تنهاهم؟ فقال: لا أكون ممن نهى عبداً إذا صلى. وعن مالك بن أنس أنه أمر بصلاة في وقت كراهة فقام فصلى فقيل له في ذلك: فقال: لا أكون ممن إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. فصل: عند علماء البلاغة هذا الأمر شرطاً من شروط الإنشاء - قال ابن الأثير في كتابه المثل السائر - يفتقر صاحب هذا الفن إلى ثمانية أنواع من الآلات: الأول معرفة العربية من النحو والتصريف. الثاني: معرفة اللغة. الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم ومعرفة الوقائع التي جاءت في حوادث خاصة بأقوام فإن ذلك يجري مجرى الأمثال. الرابع: الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة المنظوم منه والمنثور والتحفظ للكثير منه. الخامس: معرفة الأحكام السلطانية. السادس: حفظ القرآن الكريم والتدرب باستعماله وإدراجه في مطاوي كلامه. السابع: حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي وَؤد والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال انتهى. وقد أطبق أرباب الفن على اشتراط ذلك واستعماله في مطاوي الخطب، والرسائل، (١) قوله ((ولا تطع كل أفاك أثيم)) ليس نصّ آية كما قد يتبادر إلى الذهن. ٢٥٧ الفتاوى الفقهية / باب جامع والمقامات ونحو ذلك وفهم أئمة فقهاء كبار ومحدثون وزهاد وورعون، وقد ألف الحريري صاحب المقامات كتاباً سماه توشيح البيان بالملتقط من القرآن قال فيه: أما بعد فإنك أشرت أيها الحبر البر إلى أن ألتقط لك من القرآن الذي أخرس الفصحاء وأفحم البلغاء ما يوشح به المتمثل لفظه، والواعظ وعظه، والكاتب كتبه، والخاطب خطبه فامتثلت أمرك بالانقياد مع الاعتراف بقصور شأو الارتياد عن استغراق هذا المراد والانتهاء إلى جوامع المواد إذ كانت أسرار القرآن لا يدرك غورها وعجائبه لا يزال ينمي نورها ونورها - إلى أن قال: وها أنا قد جمعت لك من هذا النمط والدر الملتقط ما رجوت أن يجمع بين رضا الباري وارتضاء القاري . ذكر ما استعمله الشيخ تاج الدين السبكي في خطبة كتاب الأشباه والنظائر من تضمين الآيات، والأحاديث قال: فمنهم أو كلهم من أحب حب الخير وسار على منهاجه أحسن سير - إلى أن قال: وسيد هذه الطائفة أبو بكر بن الحداد تقدم هذه الفرقة تقدم النص على القياس وسبق وهي تناديه ما في وقوفك ساعة من باس وتصدر ولو عورض لقال لسان الحال الحق مروا أبا بكر فليصل بالناس - إلى أن قال: وأنفق من خزائن علمه ولم يخش من ذي العرش إقلالاً هكذا هكذا وإلا فلا لا - إلى أن قال: وجاء هذا الكتاب على وفق مطلوبه، كاملاً في أسلوبه، شاملاً للفضل بعيده وقريبه، شفاء لما في الصدور ووفاء لما للعلم في ذمة بني الدهور - إلى أن قال: وحررته في الدجى بشهادة النجوم، ولاقيت عسره بهمة نبذت سهيلاً بالعراء وهو مذموم - إلى أن قال: وراح الفقيه المستفيد يبدي ويعيد ولا مزيد على تحقيقه، وينفق سوقه فلا يجد من يسكع في ظلام الشبهات غير صبح فضله، استغلظ فاستوى على سوقه، وكمل كتاباً طبخ قلوب الحاسدين لما استوى، وسحاباً لا تغير معه الأغراض الأموية، قائلة لا نبرح نحن ولا أنت مكاناً سوي - إلى أن قال: ولا آمن طائفة تطوف على محاسنه فتأخذها وتدعيها وتدخل وتخرج وليت لها أذناً واعية فتعيها، وتسرح في روضة فتجني على مصنفه وتجني كل زهر وتسرق ثمره وتقول لا قطع في ثمر ولا كثر - إلى أن قال: لعب بها شيطان الحسد وشد وثاقها الذي لا يوثق به بحبل من مسد. ذكر ما استعمله الشيخ بهاء الدين السبكي من ذلك في خطبة كتاب عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح قال: تشتمل على جناس القلب فتسكن بمد النصر لهباً يرمي بشرر كالقصر إذا التفت الساق بالساق واشتد كرب ذلك اللف والنشر - إلى أن قال: وردوا مناهل هذا العلم فصدروا عنها بملء سجلهم، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم - إلى أن قال: أولى له فأولى أن يعطي القوس باريها كأنما ضرب بينه وبين العلم بسور من الشدائد وقيل ارجع وراءك فالتمس نوراً إنما أنت تضرب في حديد بارد، ولو أوتي رشده لألف أن يسخر منه ٢٥٨ الفتاوى الفقهية / باب جامع الساخر، واغترف من هذا البحر الزاخر، واعترف بأنه الذي يلتقط منه جواهر المفاخر، وترى الفلك فيه بشراع العلم مواخر. ذكر ما استعمله العلامة زين الدين بن الوردي في مقامته الحرقة للخرقة من ذلك قال: أسقط في يوم مشهود تسعة من أعيان الشهود فلو لا نفر من كل فرقة من يذم هذا للبراز الجري على تخريق الخرقة - إلى أن قال: سطوة وعتواً واستكباراً في الأرض وعلواً وخوفاً على الدرهم والدينار بل مكر الليل والنهار - إلى أن قال: وقالوا: كبرت كلمة واستحلوا سبة وشتمه - إلى أن قال: فأقسموا بالله جهد أيمانهم أن ذلك لم يكن في أديانهم - إلى أن قال: لقد بالغ في الختل والفتنة أشد من القتل - إلى أن قال: ما أولى أحكامه بالانتقاض وما أحقه بقول السحرة لفرعون: ﴿فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾ [طه: ٧٢] ولولا العافية لتوهمت أن (ما) ها هنا نافية - إلى أن قال: فكم صاحب مكتوب يبكي على حاله كأنما أوتي كتابه بشماله - إلى أن قال: أذهب حب الذهب دهن ذهنه وأفنى ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفٌَ ﴿ أَنْ زَّوَهُ أَسْتَغْتَ (٣)﴾ [العلق: ٦، ٧] - إلى أن قال: فلا قوة لنا من خمرته ولا حول لا يحب الله الجهر بالسوء من القول - إلى أن قال: سكر بخمر الولاية إن في ذلك لآية - إلى أن قال شعراً: على الاعراض بالاغراض ضاري جرحت الأبرياء وأنت قاض ويعلم ما جرحتم بالنهار ألم تعلم بأن الله عدل إلى أن قال: لقد غاظني عامي يعلو بنفسه والعامة عمي أفتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء - إلى أن قال: خذوه فغلوه فإنا نخاف أن يقتلوه واحسموا مادة هذا الكذاب المبير ﴿إِلَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقال ابن الوردي أيضاً في مقامة الطاعون: وقهر خلفاً بالقاهرة وتنبهت عينه لمصر فإذا هي الساهرة وقال أيضاً في منطق الطير في الباز: وحنت الجوارح إلي وبعث إلى الطير فإذا هم بالساهرة من عيني - إلى أن قال في الحمامة: حملت الأمانة التي أبت الجبال عن حملها وامتثلت مرسوم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فمهما حدث على البعد من أخصامك أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك - إلى أن قال في البنفسج: فأنا في الحالين مستطاب ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب - إلى أن قال في اليوم: ألم تر ما بالحيوان يفعلون فمنها ركوبهم ومنها يأكلون أتدري من يرزق اليوم؟ الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فلا تغتر بما إدراكه فوت كل نفس ذائقة الموت - إلى أن قال في المنثور: وفي اختلاف صبغتي واتحاد طينتي دليل على وحدانية جبلتي الذي خلق الإنسان من مضغة ﴿سِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ [البقرة: ١٣٨] - إلى أن قال في الريحان: اعتدل لوني ولطف كوني وما أبرىء نفسي إذ كان النمام من جنسي وأرجو أن يكون للتوبة منتهياً : : ٢٥٩ الفتاوى الفقهية / باب جامع وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً - إلى أن قال في الخفاش: وبالليل أكشف الغطا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ - إلى أن قال في الديك: أنا قد أذنت فأقمت الصلاة ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله أنهاكم عن معصية الله بخروج الوقت فلا تعصوه والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه كم منحت أهل الدار إخائي وولائي وهو يذبحون أبنائي ويستحيون نسائي - إلى أن قال: ومزقوا قباءه الملون فاصبر واحتسب تماماً على الذي أحسن - إلى أن قال في الخزامي: واهين بالدوس واللمس وشروه بثمن بخس - إلى أن قال في البط: فما هو بماش على الماء إليه ولا طائر يطير بجناحيه - إلى أن قال في النمل: أتدري من أعطى النمل هذي القوى فألق الحب والنوى - إلى أن قال: فانتفخ الشقيق في عروقه فاستغلظ فاستوى على سوقه ـ إلى أن قال: فسرت سر سير ولباس التقوى ذلك خير لا تكن كالمنافقين الذين بطن كفرهم وظهر إسلامهم وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم - إلى أن قال: أما أنت أيها الفراش فلا تتبع الهوى ولا تكذب في الدعوى - إلى أن قال: فتلقي نفسك فيها غروراً وتحسب النار نوراً فتدعو ثبوراً وتصلى سعيراً - إلى أن قال: فإن كنتم من النسكة فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بلى من أراد الفخار بشهادة اثنين إذ هما في الغار - إلى أن قال: نحن من الموت على يقين قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين - إلى أن قال: أفي كتاب منزل رأيتموها أم عن نبي مرسل تلقيتموها إن هي إلا أسماء سميتموها - إلى أن قال: تحسدني على سواد الثياب وقال: يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب - إلى أن قال: فلو صحت حتى تنشق وجاءت سكرة الموت بالحق - إلى أن قال: وهون الأشياء ولا تنس نصيبك من الدنيا . وقال ابن الوردي أيضاً في مفتتح كتاب خريدة العجائب، وفريدة الغرائب: الحمد لله غافر الذنب قابل، التوب شديد العقاب عالم الغيب راحم الشيب منزل الكتاب - إلى أن قال: ساطح الغبراء على متن الماء فيمسكه بحكمته عن الاضطراب منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم يوم الحشر والمآب، وقال ابن الوردي أيضاً في مفاخرة السيف، والقلم: فقال القلم: بسم الله مجراها ومرساها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها - إلى أن قال: بسم الله الخافض الرافع وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع - إلى أن قال: الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الدم يخرج من خلاله ما هو كالقلم المشبه بقوم عروا عن لبوسهم ثم نكسوا على رؤوسهم فكأن السيف خلق من ماء دافق أو كوكب راشق - إلى أن قال: قال القلم: أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو قائم عن الشمال الجالس عن اليمين - إلى أن قال: أنت للرهب وأنا للرغب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ما ذهب - إلى أن قال: فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين فأصبحت من النفاثات في عقدك يا مسكين - إلى أن قال: تفصل ما لا يفصل وتقطع ما أمر الله به أن يوصل لا جرم سمر السيف وصقل قفاه وسقي ماءاً حميماً فقطع أمعاه - إلى أن قال: أنا من مارج من نار والقلم من صلصال كالفخار - إلى أن قال: فتلا ذو القلم لقلمه إنا أعطيناك ٢٦٠ الفتاوى الفقهية / باب جامع الكوثر، فتلا صاحب السيف لسيفه فصل لربك وانحر. فتلا ذو القلم لقلمه إن شانئك هو الأبتر، قال القلم: أما وكتابي المسطور وبيتي المعمور - إلى أن قال: مع أني ما ألوتك نصحاً أفتضرب عنكم الذكر صفحاً . وقال القاضي عياض في خطبة كتاب الشفا: وكذب به وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، وقال أيضاً: حملتني من ذلك أمراً إمراً وأرهقتني فيما ندبتني إليه عسرا. وقال الخطيب بن نباتة القديم في خطبة له: فيا أيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون ما لكم لا تشفقون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل أنكم تنطقون. وقال عبد المؤمن الأصفهاني صاحب أطباق الذهب في الوعظ: فمن عاين تلون الليل والنهار لا يغتر بدهره، ومن علم أن الثرى مضجعه لا يمرح على ظهره، فيا قوم لا تركضوا خيل الخيلاء في ميدان العرض آآمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض. وقال العماد الكاتب في كتاب فتح بيت المقدس والبلاد الشامية واستخلاصها من يد الفرنج على يد السلطان صلاح الدين بن أيوب: والفرق بين فتوح الشام في هذا العصر وبين فتوحه في أول الأمر فرق يتبين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر - إلى أن قال: والشام الآن قد فتح حيث الإسلام قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا، وهريق شبابه وقد عاد غريباً كما بدأ غريباً، وطال الأمد على القلوب فقست ورانت الفتن على البصائر فطمست وعرض هذا الأدنى قد أعمى وأصم حبه، ومتاع هذه الحياة القليل قد شغل عن الحظ الجزيل في الآخرة كسبه وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وأمدهم في طغيانهم يعمهون - إلى أن قال: فكل معاد معادي إلا هذا المعاد، وكل مداد يكتب به أسود إلا هذا المداد، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. إلى أن قال: فساروا مدججين وسروا مدلجين وصبحوا صفورته وساء صباح المنذرين . وقال الإمام ضياء الدين بن الأثير في رسالة: وعباد الله الصالحون إذا حلوا بأرض أمنت وسكنت وأخذت زخرفها وازينت. وقال في رسالة أخرى: وقلما ولى أمرؤ قوماً فشكروا أثر مقامه وتألموا لفقد أيامه إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، وقال في تقليد حسنه: فابدأوا أولاً بالنظر في العقائد واهد فيها إلى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا موطن الحق فأقاموا وقالوا ربنا الله ثم استقاموا، ومن عداهم فشعب كانوا دياناً، وعبدوا من الأهواء أوثاناً، واتبعوا ما لم ينزل الله به سلطاناً، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول - إلى أن قال: فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى - إلى أن قال: وأما التسعير فإنه وإن آثره القاطنون وحكم به القاسطون قيل إن ذلك لمصلحة الفقير في تيسير العسير فليس لأحد أن يكون نداً لله في خفض ما رفع وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن لك من مصلحة الخلق، ولا تكن ممن تبع الرأي والنظر وترك الآية