النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
أحكام القرآن عن تفسير الشافعي، وذهب آخرون وهو رواية عن ابن عباس إلى أنه فيمن
حلف على أمر أن لا يفعله فيرى الذي هو خير منه فأمر الله أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو
خير - هكذا أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهو أصح الطرق
عنه في التفسير، واستفدنا منها أن نفي المؤاخذة في الآية خاص بالإثم دون الكفارة، وذهب
آخرون إلى أن الآية في الحلف على فعل حرام أو ترك واجب فيحنث ويكفر. أخرج ذلك
ابن جرير عن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب وصرحا بأن نفي المؤاخذة خاص بالإثم
دون الكفارة، وذهب آخرون إلى أنها فيمن حلف على الشيء أن يفعله فينسى. الوجه
الثاني: أن القول بأنها فيمن حلف على الشيء يظن أنه كذلك فإذا هو غيره أخرجه ابن جرير
عن أبي هريرة، وابن عباس بإسنادين ضعيفين، وأخرجه عن جماعة من التابعين، ثم هم
ثلاث فرق: فرقة سكتت عن وجوب الكفارة وعدمه. وفرقة صرحت بوجوبها. وفرقة
صرحت بعدمه، فالاستدلال بقول هذه الفرقة معارض بقول الفرقة الأخرى، ويؤيد ذلك
أشياء: منها أن نفي المؤاخذة إنما ينصب على الإثم دون الكفارة بدليل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ
إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ومعلوم أن الكفارات والغرامات غير داخلة في ذلك.
ومنها أن هذا التفسير اختاره مالك كما نقله عنه ابن العربي في أحكامه مع أن مذهبه في
المسألة وقوع الطلاق، فدل على أن الآية ليست دالة على خلاف ذلك، ومنها أن في الآية
ما يدل على وجوب الكفارة مع عدم المؤاخذة وهو قوله: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ﴾ [المائدة: ٨٩]
إلى آخره فإن ابن عباس وغيره قالوا: إن الضمير راجع إلى لغو اليمين الذي لا مؤاخذة فيه
شرعت فيه الكفارة جبراً أو ذهبوا إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُّـ
[البقرة: ٢٢٥] و: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩] في اليمين الغموس وأنها لا كفارة فيها
تغليظاً عليه وهو مذهب جماعة من العلماء، ورأى عندنا جار في القتل عمداً فلم يجعل
هؤلاء فيه الكفارة تغليظاً وخصوصاً بقتل الخطأ، وكذلك ترك الصلاة والصوم عمداً، قال
هؤلاء: لا قضاء فيه تغليظاً وترك أبعاض الصلاة عمداً قالوا: أيضاً لا يجبر بالسجود،
والقائلون بالكفارة في اليمين الغموس وهو المعظم استدلوا بالقياس على غيرها لأنها أولى
بالجبر كما استدلوا بذلك في القتل وما ذكر معه، فإذا ثبت وجوب الكفارة في اللغو المفسر
بالخطأ على هذا التقرير من رجوع الضمير إلى اللغو، ويحرر ذلك على مذهب من يرى
وجوب الكفارة في اليمين الغموس ومن لا يراه. فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور.
قلنا: ليس هذا بدائم ولا غالب بل تارة كذا، وتارة بخلافه خصوصاً إذا ورد التفسير بذلك
من أصح الطرق عن ابن عباس الذي هو ترجمان القرآن وحبر الأمة وإمام العرب وتابعه فيه
أئمة التابعين.
تنبيه: قيل يدل لعدم الحنث قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَغْطَأْتُم بِهِ.﴾
[الأحزاب: ٥] قلت: لا دلالة فيه لأوجه: أحدها أن جماعة قالوا: الآية مخصوصة بنسبة زيد
إلى محمد وهو السبب الذي نزلت فيه الآية وهذا على رأي من يقول: العبرة بخصوص

٢٠٢
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
السبب لا بعموم اللفظ، الثاني: على اعتبار العموم اتفق المفسرون أو أكثرهم على تفسير
الخطأ في الآية بما كان من غير قصد، فعلى هذا إنما يصح الاستدلال بالآية على ما سبق
إليه اللسان من الأيمان فهو كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَئِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
على أصح الأقوال فيه ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَلَكِن ◌َّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] كما قال
هناك ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] الثالث على تقدير تسليم أن المراد
بالخطأ ما هو أعم من ذلك أن الآية دالة على نفي الإثم فقط لأنه معنى الجناح قال
الجوهري في الصحاح: الجناح بالضم الإثم هذه عبارته، ولا يلزم من نفي الإثم نفي
الكفارة، ألا ترى أن القاتل خطأ عليه الكفارة إجماعاً؟ وكذا الجاني في الإحرام بإزالة شعر
أو نحوه خطأ، ومن ظن أن وقوع الطلاق وكفارة اليمين من باب خطاب التكليف لا الوضع
فقد أبعد، وليت شعري ما يقول المحتج بعموم هذه الآية فيمن صلى بنجاسة جاهلاً فإن
قال: لا تلزمه الإعادة أخذاً بعمومها فقد خالف مذهب الشافعي، وإن قال: ألزمه الإعادة
ولا أقيده بجهله إلا عدم الإثم فقد سلم ما قلناه.
تنبيه: فإن قلت: هذا تحرير النقل والدليل فما تحرير الفرق بين المضي والاستقبال من
حيث المعنى حيث قلت بالحنث في الأول دون الثاني؟ قلت: تحرر لي في ذلك ثلاثة
فروق: أحدها: ما أشار إليه ابن رزين أن الانتهاك ونحوه في الأول وقع حالة اليمين بخلاف
الثاني فإن نفس اليمين صدرت سالمة من ذلك ثم طرأ ذلك بعدها وكان هذا راجع إلى أنه
يغتفر في الأثناء ما لا يغتفر في الابتداء. الثاني: ما أشار إليه الأذرعي أن ترك الحنث في
الأول يؤدي إلى إلغاء اليمين الصادرة بالكلية وإلغاء يمين مقصودة لم يسبق إليها اللسان بعيد
بخلاف الثاني فإن ترك الحنث فيه لا يؤدي إلى ذلك بناء على أن اليمين لا تنحل وهو
الأصح فتؤثر بعد ذلك. الثالث: وهو أقواها عندي ولم أر من تعرض له - أن الحالف على
الماضي غير معذور بخلاف الحالف على المستقبل وبيان كونه غير معذور من وجهين:
أحدهما أن الحالف على الماضي لا يقصد به إلا تحقيق الخبر إذ لا يتعلق به حث ولا منع
فكان عليه أن يستثبت قبل الحلف، بخلاف الحالف على المستقبل فإن قصده الحث أو
المنع فله في الحلف قصد صحيح والاستثبات فيه غير متصور، فإذا وقع الفعل المحلوف
عليه مع جهل أو نسيان كان معذوراً، بخلاف الحالف على الماضي غير مستثبت ولا متحقق
فإنه مقصر غير معذور، الوجه الثاني أنه كان يمكنه أن يحلف على أن ظنه كذا أو معتقده أو
ما انتهى إليه علمه لافظاً بذلك أو ناوياً له فيكون صادقاً، فلما ترك ذلك وعدل إلى الجزم
بأنه في نفس الأمر كذلك والواقع بخلافه كان كاذباً مقصراً حيث لم يقتصر في يمينه على
ظنه بل عداه إلى الواقع جازماً به فلم يعذر لذلك، ومما يصلح أن يعد فرقاً رابعاً أن التعليق
في الماضي يقتضي الحنث مع الجهل قطعاً كقوله: إن كانت امرأتي في الحمام فهي طالق،
بخلاف التعليق في المستقبل فإنه لا يقتضي الحنث إذا وقع مع الجهل أو النسيان، وإذا
افترق المضي والاستقبال في التعليق فلا بدع أن يفترقا في اليمين لأنه جار مجراه.

٢٠٣
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
تنبيه: تقدم في كلامي أنه لا يلزم من البناء واجراء الخلاف الاستواء في التصحيح وهذا
أمر متفق عليه. فإن قيل: الغالب الاستواء. قلنا: لا يلزم الحمل على الغالب إلا مع عدم
التصريح بخلافه، على أنه إن أريد بالغالب أن ذلك هو الأكثر مع كثرة مقابله أيضاً فهذا لا
يمنع الحمل على غير الغالب الكثير لما قام من الشواهد لذلك، وإن أريد أن ما خالف ذلك
نادر جداً فليس كذلك بل هو في غاية الكثرة، ولولا خشية الإطالة والخروج عن المقصود
لأوردت مسائل هنا وقد أفردتها بتأليف مستقل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الرافعي: لو نسي
الماء في رحلة فتيمم وصلى فقولان أظهرهما وهو الجديد وجوب الإعادة قال: ولو أدرج
الماء في رحلة وهو لا يشعر به ففيه قولاً النسيان لكن الأصح هنا نفي الإعادة لأنه لا تقصير
فيه، وفي الذهول بعد العلم نوع تقصير، وهذا الفرع أشبه شيء بالمسألة التي نحن فيها،
فإن الناسي في مسألة الاستقبال لا ينسب إلى تقصير، بخلاف مسألة المضي فإن الإقدام على
الحلف على نفي الشيء بعد وقوعه أو عكسه فيه نوع تقصير، وما أحسن قول الشيخ تاج
الدين السبكي في رفع الحاجب: رب فرع لأصل ذلك الأصل يظهر فيه الحكم أقوى من
ظهوره فيه لانتهاض الدليل عليه، ولهذا ترى الأصحاب كثيراً ما يصححون في المبني خلاف
ما يصححونه في المبني عليه انتهى.
تنبيه: مما يحصل الائتناس به لما قلناه قول الفقهاء: إن المسألة ذات الطريقين إذا كان
الأصح فيهما طريقة الخلاف فالغالب أن الأصح فيها ما وافق طريقة القطع، وهذه المسألة
فيها طريقة قاطعة بالحنث كما تقدم أن ابن الصلاح نقل ذلك عن المحاملي، وحينئذ
فالراجح من قولي الطريقة المشهورة ما وافقها، على أن عندي في إثبات القولين في المسألة
نظراً، فإن الأذرعي ذكر أن الأصحاب لم يتعرضوا لقسم المضي فالظاهر اجراء القولين فيها
من تخريج الرافعي، ثم رأيت أن أوسع النظر في كتب الشافعي، والأصحاب في هذه
المسألة لأقف على متفرقات كلامهم فيها وأعلم من تعرض لها ممن لم يتعرض لها.
فراجعت الأم فوجدت فيها ما يدل على الحنث ونصه في أبواب ما اختلف فيه مالك،
والشافعي، قال الربيع: قلت للشافعي: ما لغو اليمين؟ فقال: أما الذي نذهب إليه فما قالت
عائشة: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول
الانسان لا والله وبلى والله، فقلت للشافعي: ما الحجة فيما قلت؟ قال: اللغو في لسان
العرب الكلام غير المعقود عليه فيه من جماع اللغو يكون الخطأ فخالفتموه وزعمتم أن اللغو
حلف الانسان على الشيء يظن أنه كما حلف عليه ثم يوجد على خلافه، قال الشافعي:
فهذا ضد اللغو، هذا هو الإثبات في اليمين بعقدها على ما يقعد عليه وقول الله: ﴿وَلَكِن
◌ُؤَكِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩] ما عقدتم به عقد اليمين عليه، ولو احتمل اللسان
ما ذهبتم إليه منع من احتماله ما ذهبت إليه عائشة وكانت أولى أن تتبع منكم لأنها أعلم
باللسان منكم مع علمها بالفقه ـ هذا نصه بحروفه، فقوله: هذا ضد اللغو إلى آخره صريح

٢٠٤
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
في الحكم بالحنث والمؤاخذة على خلاف ما في اللغو، فإن الشافعي قصد بهذا الكلام الرد
على مالك فإنه اختار تفسير اللغو في الآية بذلك كما تقدم، واحتج به على عدم الحنث في
اليمين فيمن حلف على ظنه ثم تبين خلافه، وإذا كان نص الشافعي صريحاً في الحنث في
اليمين ففي الطلاق أولى لأن مالكاً موافق على الحنث فيه، ثم رأيت في موضع آخر من الأم
ما نصه: قيل للشافعي فإنا نقول إن اليمين التي لا كفارة فيها فإن حنث فيها صاحبها إنها
يمين واحدة إلا أن لها وجهين: وجه يعذر فيه صاحبه ويرجى له أن لا يكون عليه فيها إثم
لأنه لم يعقد فيها إثم ولا كذب وهو أن يحلف بالله على الأمر لقد كان ولم يكن، فإذا كان
ذلك جهده ومبلغ علمه فذلك اللغو الذي وضع الله منه المؤونة عن العباد وقال: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَلِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩] والوجه الثاني
أنه إن حلف عامداً للكذب استخفافاً باليمين بالله كاذباً فهو الوجه الثاني الذي ليست فيه
كفارة لأن الذي يعرض من ذلك أعظم من أن يكون فيه كفارة، وأنه ليقال له تقرب إلى الله
بما استطعت من خير فقال الشافعي: أخبرنا سفيان ثنا عمرو بن دينار، وابن جريج عن عطاء
قال: ذهبت أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة - وهي معتكفة في ستر - فسألتها عن قول الله
عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ قالت: هو لا والله وبلى والله، قال الشافعي:
فلغو اليمين كما قالت عائشة رضي الله عنها وذلك إذا كان على اللجاج والغضب والعجلة لا
يعقد على ما حلف عليه، وعقد اليمين أن يثبتها على شيء بعينه أن لا يفعل الشيء فيفعله أو
ليفعلنه فلا يفعله، أو لقد كان وما كان، فهذا عليه الكفارة، هذا نصه بحروفه، وقوله قيل
للشافعي: يعني من جهة أصحاب مالك فهذان نصان في الأم صريحان في الحنث، وقد
استوعبت الأم من أولها إلى آخرها فلم أجد فيها تعرضاً للمسألة إلا في هذين الموضعين،
وقد جزم فيها بالحنث كما ترى ثم راجعت مختصر المزني.
٢٦ - فتح المغالق من أنت تالق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع السؤال عمن قال لزوجته أنت تالق
ناوياً به الطلاق هل يقع به طلاق؟ فأجبت الذي عندي أنه إن نوى به الطلاق وقع سواء كان
عامياً أو فقيهاً، ولا يقال إنه بمنزلة ما لو قال أنت فالق أو مالق فإنه لا يقع به شيء لأن
حرف التاء قريب من مخرج الطاء، ويبدل كل منهما من الآخر في كثير من الألفاظ فأبدلت
الطاء تاء في قولهم طرت يده وترت يده أي سقطت، وضرب يده بالسيف فأطرها وأترها أي
قطعها وأندرها، والتقطر التهيؤ للقتال والتقتر لغة فيه ويقال في القمطرة كمترة بإبدال القاف
كافاً والطاء تاءاً، وفي القسط كست كذلك، ويقال في ذاطه أي خنقه أشد الخنق حتى دلع
لسانه ذاته بالتاء، ويقال غلط وغلت لغتان بمعنى، ويقال في الفسطاط فستاط في ألفاظ أخر
مذكورة في كتب اللغة والكتب المؤلفة في الأبدال، وأبدلت التاء طاء في نحو مصطفى

٢٠٥
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
ومضطر ومطعن ومظطلم وأطيرنا إلى ما لا يحصى، فثبت بذلك أن التاء والطاء حرفان
متعاوران(١) وينضم إلى هذا الوضع العربي مع النية العرف وشهرة ذلك في ألسنة العوام
كثير، ولشهرة اللفظ في الألسنة مدخل كبير في الطلاق أعتبره الفقهاء في عدة مسائل، فهذه
ثلاثة أمور مقوية لوقوع الطلاق في هذا القسم، فإن كان اللافظ بذلك عامياً حصل أمر رابع
في التقوية .
فإن قال قائل: هذا اللفظ ليس من الصرائح ولا من الكنايات فلا يقع به شيء: قلنا:
أقل مراتبه أن يكون من الكنايات فإن أصل اللفظ بالطاء صريح، وخرج إلى حيز الكناية
بأبدال حرف الطاء تاء، ويؤيد ذلك من المنقول عام وخاص فالعام قال في الروضة: فرع إذا
اشتهر في الطلاق لفظ سوى الألفاظ الثلاثة الصريحة كحلال الله علي حرام أو أنت علي
حرام أو الحل علي حرام، ففي التحاقه بالصريح أوجه أصحها نعم لحصول التفاهم وغلبة
الاستعمال وبهذا قطع البغوي، وعليه تنطبق فتاوى القفال، والقاضي حسين، والمتأخرين.
والثاني لا ورجحه المتولي. والثالث حكاه الإمام عن القفال أنه إن نوى شيئاً آخر من طعام
وغيره فلا طلاق، وإذا ادعاه صدق وإن لم ينو شيئاً، فإن كان فقيهاً يعلم أن الكناية لا تعمل
إلا بالنية لم يقع، وإن كان عامياً سألناه عما يفهم منه إذا سمعه من غيره فإن قال: يسبق إلى
فهمي منه الطلاق حمل على ما يفهمه، والذي حكاه المتولي عن القفال أنه إن نوى غير
الزوجة فذاك وإلا يقع الطلاق للعرف.
قلت: الأرجح الذي قطع به العراقيون المتقدمون أنه كناية مطلقاً والله أعلم، وأما
البلاد التي يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق فهو كناية في حق أهلها بلا خلاف أنتهى. فانظر
كيف صدر الفرع بضابط وهو أن يشتهر في الطلاق لفظ ولم يخصه بلفظ دون لفظ، ولا
يظن أحد اختصاصه بلفظ الحلال على حرام ونحوه فإنما ذكر هذه على سبيل التمثيل،
فالضابط لفظ يشتهر في بلد أو فريق استعماله في الطلاق وهذا اللفظ اشتهر في ألسنة
العوام استعماله فيه، فهو كناية في حقهم عند النووي وصريح عند الرافعي، وأما في حق
غيرهم من الفقهاء وعوام بلد لم يشتهر ذلك في لسانهم فهو كناية، ولا يأتي قول بأنه
صريح، فإن نظر ناظر إلى أن الفقهاء لم ينبهوا على هذا اللفظ في كتبهم. قلنا: الفقهاء
لم يستوفوا كل الكنايات بل عددوا منها جملاً ثم أشاروا إلى ما لم يذكروه بضابط، وقد
استنبط البلقيني من حديث قول إبراهيم لامرأة ابنه إسماعيل عليهما السلام: قولي يغير
عتبة بابه، أن هذه اللفظة من كنايات الطلاق ولم ينص على هذه اللفظة أحد قبله، ولعل
الفقهاء إنما سكتوا عن التعرض للفظة تالق لكونها لم تقع في زمنهم، وإنما حدث ذلك
في ألسنة العامة من المتأخرين. وأما من قال إن تالقاً من التلاق وهو معنى غير الطلاق
فكلامه أشد سقوطاً من أن يتعرض لرد، فإن التلاق لايبنى منه وصف على فاعل، وأما
(١) أي متداولان - لأن التعاور: التداول كما في القاموس وغيره.

٢٠٦
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
الخاص ففي الروضة وأصلها في مسائل منثورة عن زيادات العبادي ولو قال أنت طال
وترك القاف طلقت حملاً على الترخيم، وقال البوشنجي: ينبغي أن لا يقع وإن نوى فإن
قال يا طال ونوى وقع لأن الترخيم إنما يقع في النداء فأما في غير النداء فلا يقع إلا نادراً
في الشعر انتهى. وإبدال الحرف أقرب إلى الوقوع من حذفه بالكلية، قال الإسنوي في
الكوكب: ولم يبين الرافعي المراد بهذه النية فيحتمل أن يكون المراد بها نية الطلاق، وأن
يكون المراد نية الحذف من طالق. قلت: فإن أريد الأول كان كناية أو الثاني كان
صريحاً. فإن قلت: الحذف معهود لغة وفقهاً بهذا الفرع والإبدال وإن عهد لغة لم يعهد
فقهاً ففي أي فرع اعتبر الفقهاء بالإبدال؟ قلت: في فروع، قال الإسنوي في الكوكب:
إبدال الهاء من الحاء لغة قليلة وكذلك إبدال الكاف من القاف، فمن فروع الأول إذا قرأ
في الفاتحة الهمد لله بالهاء عوضاً عن الحاء فإن الصلاة تصح كما قاله القاضي حسين في
باب صفة الصلاة من تعليقه ونقله عنه ابن الرفعة في الكفاية، وأما الثاني فمن فروعه إذا
قرأ المستقيم بالقاف المعقودة المشبهة للكاف فإنها تصح أيضاً كما ذكره الشيخ نصر
المقدسي في كتابه المقصود، والروياني في الحلية، ونقله عنه النووي في شرح المهذب
وجزم به ابن الرفعة في الكفاية، قال الإسنوي: والصحة في أمثال هذه الأمور لأجل
وروده في اللغة وبقاء الكلمة على مدلولها أظهر بخلاف الإتيان بالدال المهملة في الذين
عوضاً عن المعجمة، فإن إطلاق الرافعي وغيره يقتضي البطلان، وأنه لا يأتي فيه الخلاف
في إبدال الضاد ظاء وسببه عسر التمييز في المخرج انتهى.
فصل: فإن لم ينو به الطلاق فله حالان: أحدهما: أن ينوي به الصرف عن الطلاق
ولا شك أنه لا يقع شيء والحالة هذه، ولو قيل بأن ذلك يقبل من الفقيه ويدين فيه
العامي فيؤاخذ به ظاهراً ولا يقع باطناً لم يكن ببعيد، وهذا لا يتأتى على القول بأنه كناية
لأن الكناية لا تديين فيها، وإنما يتأتى إن جعلناه صريحاً وهو قوي جداً، أما على رأي
الرافعي في اللفظ الذي اشتهر فواضح، وأما على ما صححه النووي فهذا لمن تأمله أقوى
من لفظ الحلال على الحرام فإن ذاك لفظ آخر غير لفظ الطلاق ويحتمل معاني، وأما لفظ
تالق يحتمل معنى آخر، وإنما هو لفظ الطلاق أبدل منه حرف بحرف مقارب له في
المخرج، ويؤيد جعله صريحاً ما أشار إليه الإسنوي في أنت طال على إرادة نية المحذوف
بالطلاق، ويؤيده صحة الصلاة بالهمد لله فإنه صريح في أن الحرف المبدل قائم مقام
الحرف المبدل منه من كل وجه فيستمر اللفظ على صراحته كما استمر ذلك اللفظ معتداً
به في القراءة بل أولى، لأن باب الصلاة وإبطالها بسقوط حرف من الفاتحة أضيق وباب
القراءة أشد ضيقاً، فإن القراءة لا تجوز بالمعنى ولا بالمرادف بل ولا بالشاذ الذي قرىء
به في الجملة، ولم يقرأ أحد قط الهمد لله بالهاء، فقولهم بالصحة والحالة هذه لمجرد
الابدال بالحرف المقارب أدل دليل على أن الإبدال بما ذكر لا يخرج اللفظ عن معناه

٢٠٧
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
الموضوع له فانشرح الصدر بذلك إلى القول بصراحة هذا اللفظ والله أعلم، ولا يلزمنا
طرد ذلك في الفقيه لأن هذا الإبدال ليس من نعته ولا من عادته فقبل قوله في عدم إرادته
وكان في حقه كالكناية لا يعمل إلا بالنية. الحال الثاني: أن لا ينوي شيئاً بل يطلق،
والوقوع في هذه الحالة في حق العامي باطناً له وجه مأخذه الصراحة أو الشبه بالصراحة،
وأما ظاهراً فأقوى، بل ينبغي أن يجزم به وفي حق الفقيه محل توقف.
فرع: أما لو قال: علي التلاق بالتاء فهو كناية قطعاً في حق كل أحد العامي، والفقيه،
فإن نوى فطلاق وإلا فلا، والفرق بينه وبين تالق أن تالقاً لا معنى له يحتمل والتلاق له معنى
يحتمله .
فرع: ولو قال: أنت دالق بالدال فيمكن أن يأتي فيه ما في تالق بالتاء لأن الدال والطاء
أيضاً متعاوران في الإبدال، إلا أن هذا اللفظ لم يشتهر في الألسنة كاشتهار تالق، فلا يمكن
أن يأتي فيه القول بالوقوع مع فقد النية أصلاً، مع أن لدالق معنى غير الطلاق، يقال: سيف
دالق إذا كان سلس الخروج من غمده، ورجل دالق كثير الغارات.
فرع ولو قال: أنت طالق بالقاف المعقودة قريبة من الكاف كما يلفظ بها العرب فلا شك
في الوقوع، فلو أبدلها كافاً صريحة فقال طالك فيمكن أن يكون كما لو قال: تالق بالتاء إلا
أنه ينحط عنه بعدم الشهرة على الألسنة، فالظاهر أنه كدالق بالدال إلا أنه لا معنى له يحتمله
وتعاور القاف والكاف كثير في اللغة وقد قرىء. وإذا السماء كشطت وقشطت، وتقدم أنه
يقال في قسط كسط، وفي قمطرة كمترة.
فرع: فلو أبدل الحرفين فقال تالك بالتاء والكاف فيحتمل أن يكون كناية إلا أنه أضعف
من جميع الألفاظ السابقة ثم إنه لا معنى له محتمل، ولو قال ذلك بالدال والكاف فهو
أضعف من تالك مع أن له معاني محتملة منها المماطلة للغريم، ومنها المساحقة يقال:
تدالكت المرأتان إذا تساحقتا فيكون كناية قذف بالمساحقة، والحاصل أن هنا ألفاظاً بعضها
أقوى من بعض فأقواها تالق ثم دالق، وفي رتبتها طالك ثم تالك ثم دالك وهي أبعدها،
والظاهر القطع بأنها لا تكون كناية طلاق أصلاً، ثم رأيت المسألة منقولة في كتب الحنفية
قال صاحب الخلاصة: وفي الفتاوى رجل قال لامرأته أنت تالق أو تالغ أو طالغ أو تالك
عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل أنه يقع وإن تعمد وقصد أن لا يقع ولا
يصدق قضاء ويصدق ديانة إلا إذا أشهد قبل أن يتلفظ وقال: إن امرأتي تطلب مني الطلاق
ولا ينبغي لي أن أطلقها فأتلفظ بها قطعاً لعلتها وتلفظ وشهدوا بذلك عند الحاكم لا يحكم
بالطلاق وكان في الابتداء يفرق بين الجاهل والعالم كما هو جواب شمس الأئمة الحلواني
ثم رجع إلى ما قلنا وعليه الفتوى.

٢٠٨
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
٢٧ - المنجلي في تطور الولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. رفع إلي سؤال في رجل حلف بالطلاق أن
ولى الله الشيخ عبد القادر الطشطوطي(١) بات عنده ليلة كذا فحلف آخر بالطلاق أنه بات
عنده في تلك الليلة بعينها فهل يقع الطلاق على أحدهما أم لا؟ فأرسلت قاصدي إلى الشيخ
عبد القادر فسأله عن ذلك فقال: ولو قال أربعة أني بت عندهم لصدقوا. فأفتيت بأنه لا
يحنث واحد منهما، وتقرير ذلك من حيث الفقه أنه لا يخلو إما أن يقيم كل منهما بينة أو لا
يقيم أحد منهما أو يقيمها واحد دون الآخر، فالحالان الأولان عدم الحنث فيهما واضح لا
ينازع فيه أحد لأنه لا يمكن تحنيثهما معاً كما هو ظاهر، ولا تحنيث واحد معين منهما لأنه
تحكم وترجيح من غير مرجح وأنت خبير بما قاله الفقهاء في مسألة الطائر، وأما الحال
الثالث فقد ينازع فيها من يتوهم أن وجود الشخص الواحد في مكانين في وقت واحد غير
ممكن بل هو مستحيل، وليس كما توهمه هذا المتوهم من الاستحالة، فقد نص الأئمة
الأعلام على أن ذلك من قسم الجائز الممكن، وإذا كان ممكناً فظاهر أنه لا حنث لأن من
حلف على وجود شيء ممكن عنده لم يحكم عليه بالحنث لإمكان صدقه، والطلاق لا يقع
في الظاهر بالشك وهذا أمر لا يحتاج إلى تقرير، وإنما الذي يحتاج إليه إثبات كون هذا
المحلوف عليه ممكناً، وقد وقعت هذه المسألة قديماً وأفتى فيها العلماء بعدم الحنث كما
أفتيت به واستنادهم فيه إلى كونه ممكناً غير مستحيل فأقول: قد نص على إمكان ذلك أئمة
أعلام منهم العلامة علاء الدين القونوي شارح الحاوي، والشيخ تاج الدين السبكي، وكريم
الدين الأملي شيخ الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، وصفي الدين بن أبى المنصور،
وعبد الغفار بن نوح القوصي صاحب الوحيد، والعفيف اليافعي، والشيخ تاج الدين بن
عطاء الله، والسراج بن الملقن، والبرهان الأبناسي، والشيخ عبد الله المنوفي، وتلميذه
الشيخ خليل المالكي صاحب المختصر، وأبو الفضل محمد بن إبراهيم التلمساني المالكي،
وخلق آخرون، وحاصل ما ذكروه في توجيه ذلك ثلاثة أمور: أحدها أنه من باب تعدد
الصور بالتمثل والتشكل كما يقع ذلك للجان، والثاني أنه من باب طي المسافة وزوي
الأرض من غير تعدد فيراه الرائيان كل في بيته وهي بقعة واحدة إلا أن الله طوى الأرض
ورفع الحجب المانعة من الاستطراق فظن أنه في مكانين وإنما هو في مكان واحد، وهذا
أحسن ما يحمل عليه حديث رفع بيت المقدس حتى رآه النبي وَلقه بمكة حال وصفه إياه
لقريش صبيحة الإسراء، والثالث أنه من باب عظم جثة الولي بحيث ملأ الكون فشوهد في
كل مكان كما قرر بذلك شأن ملك الموت، ومنكر، ونكير حيث يقبض من مات في
(١) في بعض الأصول ((الطجطوطي)) وهو تحريف على ما في شذرات الذهب في أخبار من ذهب.

٢٠٩
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
المشرق وفي المغرب في ساعة واحدة ويسأل من قبر فيهما في الساعة الواحدة فإن ذلك
أحسن الأجوبة في الثلاثة. ولا ينافي ذلك رؤيته على صورته المعتادة، فإن الله يحجب
الزائد عن الأبصار أو يدمج بعضه في بعض كما قيل بالأمرين في رؤية جبريل في صورةً
دحية وخلقته الأصلية أعظم من ذلك بحيث أن جناحين من أجنحته يسدان الأفق، وها أنا
أذكر بعض كلام الأئمة في ذلك، قال العلامة علاء الدين القونوي في تأليف له يسمي
الأعلام ما نصه: وفي الممكن أن يخص الله تعالى بعض عباده في حال الحياة بخاصية لنفسه
الملكية القدسية وقوة لها يقدر بها على التصرف في بدن آخر غير بدنها المعهود مع استمرار
تصرفها في الأول، وقد قيل في الأبدال أنهم إنما سموا أبدالاً لأنهم قد يرحلون إلى مكان
ويقيمون في مكانهم الأول شبحاً آخر شبيهاً بشبحهم الأصلي بدلاً عنه، وإذا جاز في الجن
أن يتشكلوا في صور مختلفة فالأنبياء والملائكة والأولياء أولى بذلك، وقد أثبت الصوفية
عالماً متوسطاً بين عالم الأجساد وعالم الأرواح سموه عالم المثال وقالوا: هو ألطف من
عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور
مختلفة من عالم المثال وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]
فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلاً في وقت واحد مدبرة لشبحه الأصلي ولهذا الشبح
المثالي، وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم
جبريل عليه السلام فقال: أين كان يذهب جسمه الأول الذي سد الأفق بأجنحتة لما تراءى
للنبي ◌َّ في صورته الأصلية عند أتيانه إليه في صورة دحية، وقد تكلف بعضهم الجواب عنه
بأنه يجوز أن يقال كان يندمج بعضه في بعض إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر صورة دحية
ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، وما ذكره الصوفية أحسن وهو أن يكون جسمه
الأول بحاله لم يتغير، وقد أقام الله له شبحاً آخر وروحه تنصرف فيهما جميعاً في وقت
واحد وكذلك الأنبياء، ولا بعد في ذلك لأنه إذا جاز إحياء الموتى لهم وقلب العصا ثعباناً
وإن يقدرهم الله على خلاف المعتاد في قطع المسافة البعيدة كما بين السماء والأرض في
لحظة واحدة إلى غير ذلك من الخوارق فلا يمتنع أن يخصهم بالتصرف في بدنين وأكثر من
ذلك، وعلى هذا الأصل تخرج مسائل كثيرة وتنحل به إشكالات غير يسيرة كقولهم: جنة
عرضها السموات والأرض وهي فوق السموات والأرض وسقفها عرش الرحمن كيف أربها
النبي ◌ّله في عرض الحائط حتى تقدم إليها في صلاته ليقتطف منها عنقوداً على ما ورد به
الحديث وجوابه أنه بطريق التمثل، وكما يحكى عن قضيب البان الموصلي - وكان من
الإبدال - أنه أتهمه بعض من لم يره يصلي بترك الصلاة وشدد النكير عليه في ذلك فتمثل له
على الفور في صور مختلفة وقال: في أي هذه الصور رأيتني ما أصلي، ولهم حكايات
كثيرة مبنية على هذه القاعدة وهي من أمهات القواعد عندهم والله أعلم - هذا كله كلام
القونوي بحروفه. وقال الشيخ تاج الدين بن السبكي في الطبقات الكبرى في ترجمة أبي
العباس الملثم: كان من أصحاب الكرامات والأحوال ومن أخص الناس بصحبته تلميذه

٢١٠
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
الشيخ الصالح عبد الغفار بن نوح صاحب كتاب الوحيد في علم التوحيد وقد حكى في كتابه
كثيراً من كراماته من ذلك قال: كنا عنده يوم الجمعة فاشتغلنا بالحديث وکان حديثه يلذ
للمسامع فبينما نحن في الحديث والغلام يتوضاً فقال له الشيخ : إلى أين يا مبارك، فقال
الى الجامع فقال: وحياتي صليت فخرج الغلام وجاء فوجد الناس قد خرجوا من الجامع
قال عبد الغفار: فخرجت فسألت الناس فقالوا: كان الشيخ أبو العباس في الجامع والناس
تسلم عليه فرجعت إليه فسألته فقال: أنا أعطيت التبدل، قال ابن السبكي: ولعل قوله
صليت من صفات البدلية فإنهم يكونون في مكان وشبحهم في مكان آخر، قال: وقد تكون
تلك الصفة الكشف الصوري الذي ترتفع فيه الجدران ويبقى الاستطراق فيصلي كيف كان
ولا يحجبه الاستطراق انتهى. وقال صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته: جرت للشيخ
مفرج ببلده قضية مع أصحابه قال شخص منهم - كان قد حج - لآخر: رأيت مفرجاً بعرفة
فنازعه الآخر بأن الشيخ ما فارق دمامين ولا راح لغيرها وحلف كل منهما بالطلاق الذي كان
قد حج حلف بالطلاق من زوجته أنه رآه بعرفة وحلف الآخر بالطلاق أنه لم يغب عن
دمامين في يوم عرفة فاختصما إليه وذكر كل منهما يمينه فأقرهما على حالهما وأبقى كل
واحد على زوجته، فسألته عن حكمه فيهما وصدق أحدهما يوجب حنث الآخر وكان
حاضراً معنا رجال معتبرون قال الشيخ لنا: قولوا أذنا منه بأن نتحدث في سر هذا الحكم
فتحدث كل منهم بوجه لا يكفي وكأن المسألة قد اتضحت لي فأشار إلي بالإيضاح فقلت:
الولي إذا تحقق في ولايته مكن من التصور في صور عديدة وتظهر على روحانيته في حين
واحد في جهات متعددة فإنه يعطي التطور في الأطوار والتلبس في الصور على حكم إرادته،
فالصورة التي ظهرت لمن رآها بعرفة حق، وصورته التي رآها الآخر لم تفارق دمامين حق،
وصدق كل منهما في يمينه فقال الشيخ؛ هذا هو الصحيح انتهى. وقد ساق ذلك اليافعي في
كفاية المعتقد وقال: فإن قلت: هذا مشكل ولا سبيل إلى أن يسلم الفقيه ذلك ولا يسوغ في
عقله أبداً ولا يصح الحكم عنده بعدم حنث الاثنين أبداً إذ وجود شخص واحد في مكانين
في وقت واحد محال في العقل. فالجواب عن هذا: ما أجاب به الشيخ صفي الدين
المذكور وليس ذلك محالا لأنه إثبات تعدد الصور الروحانية وليس ذلك بصورة واحدة حتى
يلزم منه المحال قال: فإن قيل: الإشكال باق في تعدد الصور من شخص واحد فالجواب:
أن ذلك قد وقع وشوهد ولا يمكن جحده وإن تحير فيه العقل، من ذلك ما اشتهر عن كثير
من الفقهاء وغيرهم أن الكعبة المعظمة شوهدت تطوف بجماعة من الأولياء في أوقات في
غير مكانها، ومعلوم أنها في مكانها لم تفارقه في تلك الأوقات، ومن ذلك قصة قضيب
البان، وروينا عن بعض الأكابر أنه قال: ما الشأن في الطيران إنما الشأن في اثنين أحدهما
بالمشرق والآخر بالمغرب يشتاق كل منهما إلى زيارة الآخر فيجتمعان ويتحدثان ويعود كل
واحد منهما إلى مكانه والناس يشاهدون كل واحد منهما في مكانه لم يبرح عنه. وقال
اليافعي أيضاً في روض الرياحين: ذكر بعض أصحاب سهل بن عبد الله قال: حج رجل سنة

٢١١
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
فلما رجع قال لأخ له: رأيت سهل بن عبد الله في الموقف بعرفة، فقال له أخوه: نحن كنا
عنده يوم التروية في رباطه بباب تستر، فحلف بالطلاق أنه رآه في الموقف فقال له أخوه:
قم بنا حتى نسأله فقاما ودخلا عليه وذكر له ما جرى بينهما وسألاه عن حكم اليمين فقال
سهل: ما لكم بهذا من حاجة اشتغلوا بالله وقال للحالف: امسك عليك زوجك ولا تخبر
بهذا أحداً انتهى.
وقال الشيخ خليل المالكي صاحب المختصر المشهور في كتابه الذي ألفه في مناقب
شيخه الشيخ عبد الله المنوفي ما نصه: الباب السادس في طي الأرض له مع عدم تحركه من
ذلك أن رجلاً جاء من الحجاز وسأل عن الشيخ وذكر أنه رآه واقفاً بعرفة فقال له الناس:
الشيخ لم يزل من مكانه فحلف على ذلك فطلع الشيخ وأراد أن يتكلم فأشار إليه بالسكوت
وذكر وقائع أخرى وقعت له من هذا النوع ثم قال: فإن قلت: كيف يمكن وجود الشخص
الواحد بمكانين؟ قلت: الولي إذا تحقق في ولايته تمكن من التصور في روحانيته ويعطي من
القدرة التصوير في صور عديدة وليس ذلك بمحال لأن المتعدد هو الصورة الروحانية، وقد
اشتهر ذلك عند العارفين بالله كما حكي عن قضيب البان أنكر عليه بعض الفقهاء عدم
الصلاة في جماعة ثم اجتمع ذلك الفقيه به فصلى بحضرته ثمان ركعات في أربع صور ثم
قال له: أي صورة لم تصل معكم فقبل يد الشيخ وتاب، وكما حكي عن الشيخ أبي عباس
المرسي انه طلبه إنسان لأمر عنده يوم الجمعة بعد الصلاة فأنعم له ثم جاء له أربعة كل منهم
طلب منه مثل ذلك فأنعم للجميع ثم صلى الشيخ مع الجماعة وجاء فقعد بين الفقهاء ولم
يذهب لأحد منهم وإذا بكل من الخمسة جاء يشكر الشيخ على حضوره عنده، وقد حكى
جماعة أن الكعبة رؤيت تطوف ببعض الأولياء - هذا كلام الشيخ خليل وناهيك به إمامة
وجلالة، ورأيت في مناقب الشيخ تاج الدين بن عطاء الله لبعض تلاميذه أن رجلاً من جماعة
الشيخ حج قال: فرأيت الشيخ في المطاف وخلف المقام وفي المسعى وفي عرفة فلما
رجعت سألت عن الشيخ فقيل هو طيب، فقلت: هل سافر أو خرج من البلد؟ فقيل لا،
فجئت إليه وسلمت عليه فقال لي: من رأيت في سفرتك هذه من الرجال؟ قلت: يا سيدي
رأيتك فتبسم وقال: الرجل الكبير يملأ الكون لو دعى القطب من حجر لأجاب. وقال
صاحب الوحيد: الخصائص الإلهية لا يحجر عليها، فهذا عزرائيل يقبض في كل ساعة من
الخلائق في جميع العوالم ما لا يعلمه إلا الله، وهو يظهر لهم بصور أعمالهم في مرائي شتى
وكل واحد منهم يشهده ويبصره في صور مختلفة.
وقال الشيخ سراج الدين بن الملقن ومن خطه نقلت في طبقات الأولياء: الشيخ قضيب
البان الموصلي ذو الأحوال الباهرة والكرامات المتكاثرة سكن الموصل واستوطنها إلى أن
مات فيها قريباً من سنة سبعين وخمسمائة ذكره الكمال بن يونس فوقع فيه موافقة لمن عنده
فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم فبهتوا وقال: يا ابن يونس أنت تعلم كل ما يعلمه الله؟ قال

٢١٢
الفتاوى الفقهية / باب الطلاق
لا، قال: فأين كنت أنا من العلم الذي لا تعلمه أنت؟ فلم يدر ابن يونس ما يقول، وسئل
عنه الشيخ عبد القادر الكيلاني فقال: هو ولي مقرب ذو حال مع الله وقدم صدق عنده،
فقيل له ما نراه يصلي، فقال: إنه يصلي من حيث لا ترونه، وإني أراه إذا صلى بالموصل أو
بغيرها من آفاق الأرض يسجد عند باب الكعبة، وقال أبو الحسن القرشي: رأيته في بيته
بالموصل قد ملأه ونمى جسده نماءً خارقاً للعادة فخرجت وقد هالني منظره ثم عدت إليه
فرأيته في زاوية البيت وقد تصاغر حتى صار قدر العصفور ثم عدت إليه فرأيته كحالته
المعتادة انتهى. وفي الطبقات المذكورة من هذا النمط أشياء كثيرة. وقال الشيخ برهان الدين
الأبتاسي في كتاب تلخيص الكوكب المنير في مناقب الشيخ أبي العباس البصير: من كراماته
أنه لما قدم مكة اجتمع بالشيخ أبي الحجاج الأقصري فجلسا في الحرم يتذاكران أحوال
القوم فقال أبو الحجاج: هل لك في طواف أسبوع؟ فقال أبو العباس: إن لله رجالاً يطوف
بيته بهم، فنظر أبو الحجاج وإذا بالكعبة طائفة بهما، قال الأبتاسي: ولا ينكر ذلك فقد
تضافرت أخبار الصالحين على نظير هذه الحكاية.
وقال العلامة شمس الدين بن القيم في كتاب الروح: للروح شأن آخر غير شأن البدن
فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة ببدن الميت بحيث إذا سلم على صاحبها رد السلام
وهي في مكانها هناك وهذا جبريل رآه النبي وَلّ وله ستمائة جناح منها جناحان سدا الأفق
وكان يدنو من النبي ◌َّر حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، وقلوب المخلصين
تتسع للإيمان بأن من الممكن أنه كان يدنو هذا الدنو وهو في مستقره من السموات، وقال
صاحب الوحيد: من القوم من كان يخلي جسده ويصير كالفخارة التي لا روح فيها كما
أخبرني عيسى بن المظفر عن الشيخ شمس الدين الأصبهاني - وكان عالماً ومدرساً وحاكماً
يقوص - أن رجلاً كان يخلي جسده ثلاثة أيام ثم يرجع إلى حاله الذي كان عليه انتهى.
قلت: الأصبهاني المذكور هو العلامة شمس الدين المشهور صاحب شرح المحصول وغيره
من التصانيف في الأصلين نقل ابن السبكي في طبقاته عن الشيخ تاج الدين الفركاح أنه قال:
لم يكن في زمانه في علم الأصول مثله ، وقال ابن السبكي أيضاً في الطبقات الكبرى:
الكرامات أنواع - إلى أن قال: الثاني والعشرون التطور بأطوار مختلفة وهذا الذي تسميه
الصوفية بعالم المثال وبنوا عليه تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال
واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧] ومنه قصة قضيب البان ثم
ذكرها وذكر غيرها. قلت: ومن شواهد ما نحن فيه ما أخرجه أحمد والنسائي بسند صحيح
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلهو: ((لما أسري بي فأصبحت بمكة قطعت وعرفت أن
الناس مكذبي)» - فذكر الحديث إلى أن قال: قالوا وتستطيع أن تنعت المسجد وفي القوم من
قد سافر إليه، قال رسول الله وَالر: ((فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض
النعت فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل)) - أو عقال ــ ((فنعته وأنا أنظر
إليه)) فهذا إما من باب التمثيل كما في رؤية الجنة والنار في عرض الحائط: وإما من باب

١
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
٢١٣
طي المسافة وهو عندي أحسن هنا، ومن المعلوم أن أهل بيت المقدس لم يفقدوه تلك
الساعة من بلدهم، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير، وابن أبى حاتم، وابن المنذر في
تفاسيرهم، والحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَن رَّمَا
بُرْهَنَ رَيٍِّ﴾ [يوسف: ٢٤] قال: مثل له يعقوب، وأخرج ابن جرير مثله عن سعيد بن جیبر،
وحميد بن عبد الرحمن، ومجاهد، والقاسم بن أبي بزة، وعكرمة، ومحمد بن سيرين،
وقتادة، وأبي صالح، وشمر بن عطية، والضحاك، وأخرج عن الحسن قال: انفرج سقف
البيت فرأى يعقوب، وفي لفظ عنه قال: رأى تمثال يعقوب. فهذا القول من هؤلاء السلف
دليل على إثبات المثال أو طي المسافة، وهو شاهد عظيم لمسألتنا حيث رأى يوسف عليه
السلام وهو بمصر أباه وكان إذ ذاك بأرض الشام، ففيه إثبات رؤية يعقوب عليه السلام
بمكانين متباعدين في وقت واحد بناء على إحدى القاعدتين اللتين ذكرناهما والله أعلم.
باب اللعان
مسألة: امرأة نفت ابنها بعد اعترافها به وحكم بالنفي حاكم فهل ينتفي منها وهل لها أن
تقر به ثانياً؟.
الجواب: الولد لا يلحق الأم باعترافها بل لا بد من إقامتها البينة فإن إقامتها فلا يفيد
النفي بعدها .
كتاب النفقات
مسألة: إذا أذن الولي في الإنفاق على الزوجة ومات هل يستمر الإذن إلى البينونة
الكبرى أو ينقطع بموته ويحتاج إلى إذن ولي إن كان أو الحاكم، وإذا قرر لها في نظير
كسوتها مبلغ معين ورضيت به ثم بعد مدة تراضيا على أقل من ذلك هل يصح أم لا؟.
الجواب: المسألة الأولى مسألة حسنة ولم أجدها منقولة والذي يتخرج على القواعد
الإحتمال الثاني لأنه كالوكيل عن الولي في الإنفاق عليها فينقطع بموته هذا مقتضى القواعد،
ولكن الأحسن خلافه لإطباق الناس على عدم النزاع في ذلك من عهد النبي ◌ّي* إلى الآن،
وأما إذا قرر لها في نظير كسوتها دراهم ثم تراضيا على أقل وهي جائزة التصرف فإنه يجوز.
مسألة: في امرأة ناشزة هل تستحق شيئاً من النفقة والقسم والكسوة أم لا؟ وإذا قلتم
بالمنع فهل إذا رجعت في بعض اليوم هل تعود نفقة اليوم أو بعضه؟ وهل تسقط كسوة
الفصل كله أم بعضه؟ وما معنى قولهم الفصل هل هو العام أو بعضه أو أحد الشهور المقرر
فيها الكسوة؟ وإذا ادعى الزوج النشوز وأنكرت الزوجة فهل القول قولها أم قوله؟ وهل يلزم
أحدهما يمين أم يكلف البيئة؟ وإذا طلقها وهي ناشزة فهل لها السكنى؟ وإذا قلتم بالمنع
فلازمت مسكن النكاح وأطاعت فهل تستحق السكنى أم لا؟.
الجواب: لا تستحق الناشزة شيئاً مما ذكر، وإذا رجعت في بعض اليوم لم تستحق لذلك

٢١٤
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
اليوم شيئاً على ما رجحه في زوائد الروضة في النكاح، وحكى في النفقات وجهين بلا
ترجيح، ويسقط بالنشوز كسوة فصل كامل وهو نصف العام ولا تعود بعود الطاعة على
قياس ما ذكر في النفقة، وإذا ادعى النشوز وأنكرته فالقول قولها بيمينها إلا أن تكون له بينة،
وإذا طلقها وهي ناشزة فلا سكنى لها فإن عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى.
مسألة: زوجة خرجت من منزل الزوج بغير إذنه إلى منزل أبيها وأقامت به مدة وطلقها
الزوج طلاقاً بائناً واستمرت نحو عشرة أشهر وادعت أنه مشتملة منه على حمل فهل تستحق
النفقة والكسوة للمدة الماضية؟ وهل القول قوله إنها خرجت من منزله بغير إذنه أو يحتاج
إلى بينة؟ وهل يثبت موت الحمل في بطن أمه بالبيئة أم لا؟ وإذا ثبت موته فهل تستحق
المطلقة النفقة والكسوة أم لا؟ وهل إذا وضعته ميتاً يكون الحكم كذلك أم لا؟ وهل للمطلق
أن يسأل البينة عن قراءة الفاتحة أو عن شيء من شروط الصلاة، وإذا سألها وكانت لا
تحسن شيئاً من ذلك فهل يكون قادحاً في الشهادة أم لا؟ وهل إذا أتت بولد وادعت أنه من
المطلق يلحق بها أم لا؟.
الجواب: إذا طلقت الناشز وهي حامل ففي استحقاقها النفقة رأيان مبنيان على أن النفقة
هل هي للحمل أو لها بسبب الحمل. فإن قلنا: للحمل استحقت أو لها بسببه لم تستحق
وهذا القول الثاني أظهر وهو أنها لها فلا تستحق، والمسألة الثانية أيضاً مبنية على هذا
الخلاف. فإن قلنا: للحمل لم تجب للمدة الماضية لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان.
وإن قلنا: لها وجبت أعني في غير هذه الصورة التي هي صورة النشوز، وقدر الواجب أيضاً
مبني على هذا الخلاف. فإن قلنا: للحمل فالواجب الكفاية من غير تقدير. وإن قلنا: لها
فالواجب مقدر وهو القدر الذي يجب حالة العصمة ويختلف باليسار والإعسار والتوسط،
وهذا أيضاً في غير صورة النشوز لما تقدم من أن الناشز لا تستحق شيئاً والفروع المبنية على
هذا الخلاف اثنان وثلاثون فرعاً سقتها في تأليفي الأشباه والنظائر، وإذا أدعى أنها خرجت
بغير إذنه وأنكرت فمقتضى ما ذكروه في العدد أن القول قول الزوج بيمينه لأن الأصل عدم
الإذن، لكن في الروضة وأصلها في النفقات لو ادعى الزوج النشوز وأنكرت فالصحيح أن
القول قولها لأن الأصل عدم النشوز.
وأما ثبوت موت الحمل في بطن أمه بالبينة فقد رجحوا ثبوت الحمل نفسه بالبينة لأن له
مخائل وقرائن يظهر بها، ومقتضى هذا أن موته في البطن أيضاً يثبت بها لأن لذلك مخائل
يعرفها النساء والأطباء، وإذا ثبت موته أو وضع ميتاً استحقت النفقة والكسوة إلى آخر يوم
الوضع بناء على الأظهر أن النفقة لها لا للحمل والكلام في غير صورة النشوز، وللمدعى
عليه أن يقدح في البينة بالفسق ويفسر ذلك بالتقصير في تعلم واجبات الصلاة، فإذا ثبت
ذلك كان قادحاً في عدالته وشهادته لكن بشرط أن يكون ذلك مما يلزم تعلمه إجماعاً أو في
معتقده، فإن كان مقلداً من لا يرى لزوم تعلم الفاتحة لم يفسق بترك تعلمها، وكذا لو تعذر
عليه حفظها فإنه يعذر في ذلك ويأتي بالبدل فلا يفسق، وإذا أتت المطلقة بولد لحق المطلق

٢١٥
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
من غير دعوى بشرط أن يكون بين الولادة والطلاق أربع سنين فأقل وبشرط أن لا يطرأ
عليها فراش لغيره.
مسألة: رجل تزوج بامرأة ودخل بها ثم غاب عنها أكثر من سنة ونصف ولم يعلم له
مكان فأثبتت غيبته على حاكم شافعي وعدم النفقة وعدم مال له تصرف لها منه نفقتها
فخيرها الحاكم بين الإقامة والفسخ فاختارت الفسخ فأجابها الحاكم وفسخ فهل يجوز هذا
الفسخ أم لا؟ لكون الشهود لا يعلمون مقر الزوج فكيف يعلمون بإعساره؟ .
الجواب: قال ابن العماد في كتابه توقيف الحكام على غوامض الأحكام: فرع: إذا
تحقق الشهود إعسار الزوج ثم غاب مدة طويلة وادعت امرأته إعساره جاز لهم أن يشهدوا
أنه الآن معسر استصحاباً للأصل ولا نظر إلى احتمال طروء اليسار - قاله ابن الصلاح في
فتاويه، قال: ولا يكفي الشهود أن يقولوا نشهد إنه غاب وهو معسر بل لا بد أن يشهدوا أنه
الآن معسر ونظيره الشهادة بالموت على الاستفاضة لا يكفي أن يقولوا: سمعنا أنه مات بل
لا بد أن يقولوا: نشهد أنه مات، ويجوز الجزم اعتمادا على غلبة الظن، قال: ونظير ذلك
ما لو رأى الشاهد انساناً أقرض غيره مالاً ثم غاب عنه مدة طويلة يحتمل أنه وفاه فيها أو
أبرأه فإنه يجوز له أن يشهد للمقرض ببقاء الحق في ذمة المقترض ولا نظر إلى احتمال
الوفاة، انتهى كلام ابن العماد، وحينئذ إذا كان هؤلاء الشهود عرفوا إعساره قبل غيبته ثم
غاب ولم يعرفوا مقره فشهدوا بأنه معسر الآن فشهادتهم مقبولة وفسخ الحاكم المرتب عليها
صحیح .
٢٨ - النقول المشرقة في مسألة النفقة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع السؤال عن رجل تزوج بامرأة حرة
وأراد الدخول عليها في منزله فامتنعت من ذلك وقالت: أنا لا أخرج من منزلي فسكن معها
في منزلها، فهل يلزمه نفقة أم لا؟ وأقول: عبارة الروضة إذا زوج أمته لم يلزمه تسليمها إلى
الزوج ليلاً ونهاراً لكن يستخدم نهاراً ويسلمها ليلاً، ولو قال السيد لا أخرجها من داري
ولكن أخلي لك بيتاً لتدخله وتخلو بها فقولان، أظهرهما ليس له ذلك فإن الحياء والمروءة
يمنعانه دخول دار غيره، وعلى هذا فلا نفقة على الزوج كما لو قالت الحرة: أدخل بيتي ولا
أخرج إلى بيتك، والثاني للسيد ذلك لتدوم يده على ملكه مع تمكن الزوج من حقه فعلى
هذا تلزمه النفقة - هذه عبارة الروضة وهي صريحة أو ظاهرة في أن ذلك فيما إذا جاء الزوج
واستمتع بها في منزلها بدليل قياس مسألة الأمة عليها، فإن محل مسألة الأمة فيما إذا فعل
الزوج ذلك بلا شك فكذلك مسألة الحرة المقيس عليها، ولو كانت مسألة الحرة فيما إذا لم
يفعل ومسألة الأمة فيما إذا فعل لم يصح القياس كما لا يخفى، إذ الفارق حينئذ أن يفرق

٢١٦
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
بين المقيس والمقيس عليه بوجود الاستمتاع في هذا دون هذا، فإن زعم زاعم أن مسألة
الأمة أيضاً محلها فيما إذا لم يفعل. قلنا: قد صرح الشيخ جلال الدين المحلي في شرح
المنهاج بخلاف ذلك فقال ما نصه: ولو أخلى السيد في داره بيتاً وقال للزوج تخلو بها فيه
لم يلزمه ذلك في الأصح لأن الحياء والمروءة يمنعانه من دخول داره ولو فعل ذلك فلا نفقة
عليه - هذا لفظه، ويقويه من جهة المعنى أمران: أحدهما أنها لو كانت فيما إذا لم يدخل لم
يكن فيها قول بوجوب النفقة، فإن الزوج إذا لم يدخل لا نفقة عليه بلا خلاف، والخلاف
في هذه مصرح به في الروضة والشرح كما ترى، فتعين أن يكون محله فيما إذا دخل،
والوجه الثاني أن هذه المسألة كمسألة ما إذا استخدمها السيد نهاراً وسلمها للزوج ليلاً،
والمرجح في تلك أنه لا نفقة على الزوج مع دخوله واستمتاعه كل ليلة فكذا هذه بل هذه
أولى لأن الحرج فيها أضيق من تلك، فإنه هناك تسلمها نصف تسليم وهو الليل كله الذي
هو محل الاستمتاع، وهنا لم يتسلمها أصلاً، ويؤكد ما قلناه من الأولوية أمر آخر وهو أن
قول السيد لا أسلمها إليك نهاراً بل ليلاً فقط مقبول منه ومجاب إليه، وقوله لا أخرجها من
داري ولكن أخلي لك بيتاً فيها غير مقبول منه ولا مجاب إليه، فإذا لم يلزم الزوج نفقة في
حالة مجاب إليها السيد شرعاً فكيف يتخيل أن تلزمه النفقة في حالة لا يجاب السيد إليها
شرعاً هذا ما أفهمته عبارة الروضة، وقال في الروضة أيضاً في كتاب النفقات ما نصه: فرع
لو قالت المرأة لا أمكن إلا في بيتي أو في موضع كذا أو بلد كذا فهي ناشزة، وعبر الرافعي
في الشرح بأوضح من عبارة الروضة فقال: ولو قالت المرأة لا أمكن إلا في بيتي أو في بيت
كذا أو بلد كذا فهي ناشزة لأن التمكين التام لم يوجد، وهذا كما لو سلم للبائع المبيع
وشرط أن لا ينقله إلى موضع كذا هذه عبارة الرافعي، فانظر كيف علله بقوله لأن التمكين.
التام لم يوجد فدل على أنه وجد تمكين ناقص والتمكين الناقص لا تجب معه نفقة وإن
استمتع الزوج، كم عللوا به مسألة الأمة إذا استخدمها السيد نهاراً وأسلمها للزوج ليلاً فإنه
لا نفقة على الزوج مع رضاه به وإجباره عليه شرعاً لأنه ليس بتمكين تام، وانظر أيضاً كيف
شبهه الرافعي بمسألة تسليم البائع المبيع بشرط أن لا ينقله فإن هذا لا يكون تسليماً تاماً وإن
رضي به المشتري، ثم راجعنا كتاب التتمة للمتولي فوجدنا عبارته أوضح من عبارة الرافعي،
والسر في ذلك أن الكتب الأصول تبسط فيها العبارة بسطاً لا يبقى معه إشكال على قاصري
الفهم، والكتب المأخوذة منها تلف فيها العبارة اتكالاً على فهم الفطن أو توقيف الموقف،
ولما كانت الروضة مأخوذة من الشرح كانت عبارة الشرح أوضح من عبارتها، ولما كان
الشرح مأخوذاً من مثل التتمة ونحوها كانت عبارتهم أوضح، وعبارة التتمة نصها: التسليم
الذي يتعلق به استحقاق النفقة أن تقول المرأة لزوجها أنا في طاعتك فخذني إلى أي مكان
شئت، فإذا أظهرت الطاعة من نفسها على هذا الوجه فقد جعلت ممكنة سواء تسلمها الزوج
أو لم يتسلمها، فأما إذا قالت: أسلم نفسي إليك في منزلي أو في موضع كذا دون غيره من
المواضع لم يكن هذا تسليماً تاماً كالبائع إذا قال للمشتري: أسلم المبيع إليك على شرط أن

٢١٧
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
لا تنقله من موضعه أو على شرط أن تتركه في موضع كذا لم يكن تسليماً للمبيع حتى يجب
تسليم الثمن على قولنا تجب البداية بتسليم المبيع - هذا نص التتمة بحروفه، ومنه أخذ
الرافعي. وقال في التتمة أيضاً في مسألة الأمة: لو قال السيد للزوج: أذنت لك أن تدخلي
منزلي متى شئت من ليل أو نهار ولكني لا أمكن الجارية من الخروج من داري فمن أصحابنا
من قال: لها النفقة لأن للسيد فيها حقاً فلا يمكن أن يكلف إزالة يده والزوج قد يمكن منها
على الإطلاق، ومنهم من قال: لا تستحق النفقة لأن الزوج يحتشم من دخول داره في كل
وقت فلا يكمل التسليم - هذه عبارته، فانظر كيف علل الوجه القائل بعدم النفقة الذي هو
المصحح في الروضة بعدم كمال التسليم، فاندفع قول من قال إن التسليم في مسألة لو أخلى
في داره بيتاً كامل إذ يدخل عليها متى شاء من ليل أو نهار بخلاف مسألة تسليمها ليلاً لا
نهاراً فإنه ناقص فيها، فها أنت قد رأيت تصريح المتولي بخلافه، وقد صرح المتولي أيضاً
في مسألة الحرة بالتسوية بين ما إذا قالت أسلم نفسي ليلاً وبين ما إذا قالت لا أسلم نفسي
إلا في بيتي فقال ما نصه: الثالث عشر السيد إذا زوج أمته فإن سلمها إلى الزوج ليلاً ونهاراً
وجبت نفقتها، وأما إن سلمها ليلاً دون النهار اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها
لا تستحق النفقة وهو اختيار ابن أبي هريرة ووجهه أنه تسليم ناقص فلا تستحق النفقة كالحرة
إذا قالت أسلم نفسي ليلاً، أو قالت أسلم نفسي في موضع مخصوص، والثاني تجب النفقة
بخلاف الحرة والفرق أن للزوج أن يسافر بها وليس له أن يسافر بالأمة، فانظر بحمد الله إلى
هذا التصريحِ المطابق لما فهمناه وكيف قطع بعدم وجوب النفقة في الحرة في مسألتين
التسليم ليلاً والتسليم في موضع مخصوص وفرق بينها وبين الأمة حيث [جرى] الخلاف
فيها بأن الزوج يملك المسافرة بالحرة فكان امتناعها من النقلة نشوزاً كامتناعها من المسافرة
معه، ولا يملك المسافرة بالأمة فجرى وجه أنه لا يملك نقلها فلم يكن نشوزاً ولا مسقطاً
للنفقة على هذا الوجه .
وقد صرح النووي أيضاً في الروضة بالتفرقة المذكورة فقال: لو سامح السيد فسلمها ليلاً
ونهاراً فعلى الزوج تسليم المهر وتمام النفقة، وإن لم يسلمها إلا ليلاً فهل تجب جميع النفقة
أو نصفها أم لا يجب شيء؟ فيه أوجه أصحها عند جمهور العراقيين، والبغوي أنه لا يجب
شيء، ويجري الوجهان الأخيران فيما إذا سلمت الحرة نفسها ليلاً واشتغلت عن الزوج
نهاراً. قلت: الصحيح الجزم في الحرة أنه لا يجب شيء في هذه الحال والله أعلم، فانظر
كيف صحح طريقة الجزم في الحرة مع إجراء الخلاف في الأمة. وأما قول من قال: كيف
يدخل ويستمتع في غير مقابل؟ فجوابه أنه في مقابلة المهر وقد قال في الروضة هنا ما نصه:
وأما المهر فقال الشيخ أبو حامد: لا يجب تسليمه كالنفقة، وقال القاضي أبو الطيب:
يجب، قال ابن الصباغ: لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء قد حصل وليس كالنفقة
فإنها لا تجب بتسليم واحد. قلت: الأصح الوجوب والله أعلم.
فإن قال قائل: أيستمتع بها ولا تلزمه نفقة؟ قلنا: الاستمتاع في مقابلة المهر كما هو

٢١٨
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
مصرح به في كلامهم وكيف يتخيل أن النفقة تجب بمطلق الاستمتاع وقد قال صاحب
التنبيه: ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام، قال ابن الرفعة في الكفاية: احترز الشيخ بلفظ
التام عما إذا قالت أنا أسلم نفسي إليك ليلاً دون النهار وفي نهار دون الليل، أو في البلد
الفلاني دون غيره، أو في المنزل الفلاني، فإن النفقة لا تجب بذلك، إذ لم يحصل التمكين
المقابل بالنفقة، وقال: وصورة التمكين التام أن تقول: سلمت نفسي أليك فإن اخترت أن
تصير إلي وتأخذني وتستمتع بي فذاك إليك، وإن اخترت جئت إليك في أي مكان شئت أو
ما يؤدي هذا المعنى.
وعبارة الشيخ في المهذب: إذا سلمت المرأة إلى زوجها ومكن من الاستمتاع بها ونقلها
إلى حيث يريد وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح وجبت نفقتها، فإن امتنعت من
تسليم نفسها أو مكنت من استمتاع دون استمتاع أو في منزل أو في بلد دون بلد لم تجب
النفقة لأنه لم يوجد التمكين التام فلم تجب النفقة، كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع
من تسليم المبيع أو سلم في موضع دون موضع.
وعبارة ابن الصباغ في الشامل: فإذا مكنت الزوجة من نفسها بأن تقول: سلمت نفسي
إليك في أي مكان شئت فقد وجبت لها النفقة، فأما إذا قالت: أسلم نفسي إليك في منزلي
أو في الموضع الفلاني دون غيره لم يكن هذا تسليماً تاماً ولم تستحق النفقة، كما لو قال
البائع: أسلم إليك السلعة على أن تتركها في موضعها أو في مكان بعينه لم يكن تسليماً
يستحق به تسليم العوض إليه ولهذا قلنا: إن السيد إذا زوج أمته وسلمها ليلاً دون النهار لم
تستحق النفقة على الزوج فإنه لم يحصل التسليم التام.
وعبارة المحاملي في المجموع: وإنما يجب بالتمكين التام المستند إلى عقد صحيح،
فإذا قالت المرأة: مكنتك من نفسي فإن شئت أن تتركني في منزلي فافعل، وإن شئت أن
تنقلني إلى حيث شئت فافعل، فإذا وجد ذلك استحقت النفقة، وأما إذا لم يكن ذلك تمكيناً
تاماً بأن قالت: أمكنك من نفسي في منزلي ولا أنتقل معك إلى موضع آخر فإنها لا تستحق
النفقة بحال، كالسيد إذا زوج أمته ولم يسلمها ليلاً ولا نهاراً بل قال: أسلمها بالليل دون
النهار فإن النفقة لا تجب بذلك.
وعبارة ابن أبي عصرون في المرشد: إذا سلمت المرأة قال زوجها ومكن من الاستمتاع
بها ونقلها إلى حيث يريد وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح وجبت النفقة عليه، وإن
امتنعت من تسليم نفسها أو مكنت من استمتاع دون استمتاع أو في منزل دون منزل أو في
بلد دون بلد لم تجب النفقة .
وعبارة سليم الرازي في الكفاية: وإذا لم تسلم نفسها إلى الزوج لم تستحق عليه نفقة
وسواء امتنعت منه بكل حال أو قالت: انتقل معك إلى محلة دون محلة، وهكذا إن تزوج
بها وسكت كل واحد منهما فلم يطلب الزوج أن تسلم نفسها ولم تطلب هي أن يتسلمها لم

1
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
٢١٩
تستحق النفقة، وإذا أرادت أن تسلم نفسها فإن كان الزوج حاضراً سلمت نفسها إليه بأن
تقول: بذلت نفسي لك فإن شئت أن تردد إلي فافعل، وإن شئت أن تنقلني إلى أي موضع
أردت فافعل، وإذا فعلت ذلك استحقت النفقة .
وعبارة صاحب البيان: إذا زوج الرجل أمته فليس عليه أن يرسلها مع زوجها ليلاً ونهاراً
وإنما يجب عليه أن يرسلها معه بالليل دون النهار، فإن اختار السيد إرسالها لزوجها ليلاً
ونهاراً وجب على الزوج جميع نفقتها لأنه قد حصل له الاستمتاع التام، وإن سلمها السيد
بالليل دون النهار ففيه وجهان من أصحابنا من قال: يجب عليه نصف نفقتها والمذهب أنه لا
يجب عليه شيء من نفقتها لأنه لم يسلمها تسليماً تاماً فهو كما لو سلمت الحرة نفسها بالليل
دون النهار، أو في بيت دون بيت.
وعبارة الشاشي في العمدة: إذا سلمت المرأة إلى زوجها وهي من أهل الاستمتاع ومكن
من الاستمتاع بها ونقلها حيث يريد وجب عليه نفقتها، وكذا عبارته في كتابه المسمى
بالترغيب، ثم رأيت الماوردي قال في الحاوي ما نصه: وأما التمكين فيشتمل على أمرين لا
يتم إلا بهما، أحدهما تمكينه من الاستمتاع بها، والثاني تمكينه من النقلة معه حيث شاء في
البلد الذي تزوجها فيه وإلى غيره من البلاد إذا كانت السبل مأمونة، فلو مكنته من نفسها ولم
تمكنه من النقلة معه لم تجب عليه النفقة لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان
الامتناع من النقلة فتجب لها النفقة ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك الزمان هذه
عبارته .
وقد يتمسك بها من أفتى بخلاف ما أفتينا به، بل أنا لما رأيتها توقفت كل التوقف ثم بان
لي أنها لا تعارض ما تقدم وذلك أني رأيت الماوردي اختار في النفقة طريقة ضعيفة خلاف
الطريقة التي صححها الشيخان واعترف هو أن ما اختاره مخالف لما عليه الجمهور ولظاهر
مذهب الشافعي فإنه اختار أنه لا يخلو استمتاع بزوجة عن نفقة وفرع على ذلك واختار في
الأمة إذا سلمت ليلاً لا نهاراً أنه يجب لها القسط من النفقة، وقال في الحرة الممتنعة من
النقلة إذا استمتع بها يجب لها نفقة زمن الاستمتاع على قياس قوله: في الأمة بالتقسيط
ومعلوم أن هذه الطريقة في الأمة ضعيفة والمشهور أنه لا نفقة لها أصلاً.
وهذه عبارة الماوردي: قال: الحالة الثانية أن يمكنها منها ليلاً في زمان الاستمتاع ويمنعه
منها نهاراً في زمان الاستخدام، فلا خيار للزوج في فسخ نكاحها إذا كان عالماً برقها لأنه
حكم مستقر في نكاح الأمة، وفي نفقتها وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق
المروذي، وجمهور أصحابنا - أنه لا نفقة عليه لقصور استمتاعه عن حال الكمال. والوجه
الثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة والأظهر عندي أن عليه نفقتها بقسطه من زمان
الاستمتاع وهو أن يكون على الزوج عشاؤها وعلى السيد غداؤها، لأن العشاء يراد لزمان
الليل والغداء يراد لزمان النهار، وعليه من الكسوة ما تتدثر به ليلاً وعلى السيد منه ما تلبسه
نهاراً، وإنما تقسطت النفقة عليه ولم تسقط عنه من أجل وجود الاستمتاع لئلا يخلو استمتاع

٢٢٠
الفتاوى الفقهية / كتاب النفقات
بزوجة من استحقاق نفقة ــ هذا لفظه بحروفه، فانظر كيف رجح فى مسألة الأمة خلاف ما
رجحه الشيخان وكيف قال في الأول: أنه قول جمهور الأصحاب، وفيما رجحه الأظهر
عندي إشارة إلى أنه اختيار له خارج عما رجحه الجمهور، وانظر كيف بنى أصله على أن
الاستمتاع لا يخلو من نفقة وذلك غير لازم عند الجمهور ومنهم الشيخان فعرف أن قوله
ذلك في الحرة بناء على أصله هو لا على طريقة الجمهور، وقال الماوردي أيضاً بعد هذا
الكلام بورقتين: فإن بوأها معه السيد منزلاً ليلاً ونهاراً وجبت عليه نفقتها، وإن منعه منها
ليلاً ونهاراً سقطت تفقتها وكان السيد متعدياً بمنعها منه في الليل دون النهار، وإن بوأها معه
ليلاً واستخدمها نهاراً لم يتعد، وفي نفقتها ما قدمناه من الوجهين: أحدهما - وهو قول
المروزي - والظاهر من مذهب الشافعي: أنه يسقط عنه جميعها، والثاني - وهو قول أبي
علي بن أبي هريرة، وهو الأصح عندي - أنه يجب عليه من النفقة بقسطها من زمان الليل
دون النهار وهو ما قابل العشاء دون الغداء انتهى. وإنما قال في الأول: إنه الظاهر من
مذهب الشافعي لأنه نص عليه في المختصر كما تقدمت عبارته، ثم تأمل عبارة الماوردي
السابقة في الحرة تجده لم يوجب لها النفقة في كل الأيام إنما أوجب لها نفقة زمن
الاستمتاع خاصة لقوله: ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك الزمان، فقيده بقوله
في ذلك الزمان، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أنه يجب لها إذا استمتع في يوم نفقة ذلك
اليوم كله، فعلى هذا إذا استمتع بها في منزلها أياماً وترك ذلك أياماً أو غاب عنها في البلد
أو في سفر لم تستحق نفقة أيام الغيبة ولا أيام ترك الاستمتاع، ولو كانت في منزله
لاستحقت نفقة هذه الأيام كلها، وهذا أغلظ ما يؤخذ من عبارة الماوردي وهي كالصريحة
فيه. والثاني أنه إذا استمتع بها في يوم لم تجب نفقة ذلك اليوم كله بل بالقسط، فإن استمتع
في النهار لزمه غداؤها دون العشاء، أو في الليل لزمه عشاؤها دون الغداء، كما هو قياس
قوله في الأمة، وهذا يرشد إليه قوله: ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك الزمان
أي في زمن الاستمتاع خاصة، فلا يجب عليه إلا نفقته فقط، لأن العفو مقصور عليه والنفقة
عنده تقسيط، فيجب ما قابل ذلك الزمن فقط إما الغداء أو العشاء وتبقى سائر الأوقات التي
لم يستمتع بها وهي ممتنعة غير عفو فلا يجب لها شيء، ولا شك أن كلا من المعنيين
تحتمله عبارته. ويحتمل أيضاً أصل العبارة معنى ثالثاً وهو أنه لم يرد بذلك التي قالت لا
أسلم إلا في بيتي وإنما أراد من سلمت في منزله وبذلت له الطاعة ثم أراد أن ينقلها إلى
منزل آخر أو يسافر بها إلى بلد آخر فامتنعت فإنه ما دام يستمتع بها في منزلة الأول تجب لها
النفقة استصحاباً للطاعة السابقة والتسليم السابق مع تقويته بالاستمتاع بخلاف من قالت: لا
أسلم إلا في بيتي فإنها لم تدخل تحت قهره وطاعته أصلاً، فلا يفيد الاستمتاع بها نفقة، بل
هو في هذه الصورة كالمحجور عليه من قبلها خلاف موضوع الزوجية، ولا شك أن العرف
قاض بأن للساكن بزوجته في بيت نفسه من الراحة والعز والسلطة وقوة النفس ما ليس
للساكن في بيت زوجته أو عند أهلها، والإنسان لا يكون أميراً في بيت غيره والزوج يحتاج