النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات القضاة الحنبلي، وقاضي القضاة المالكي، وأرسلت بذلك وبهذا المؤلف إلى المقام الشريف مولانا السلطان فأحاط بذلك علماً وتوعد أهل البروزات منعاً وهدماً، وقد ختمت هذا المؤلف بقصيدة نظمت فيها المسألة لأن النظم أيسر للحفظ وأسيره على الألسنة وسميتها : (النهر لمن برز على شاطىء النهر) وهي هذه: وأثني بحمد الله في السر والجهر بدأت ببسم الله في النظم للشعر على المصطفى المبعوث للسود والحمر وصلى إله العرش ما ذكر اسمه وهاتيك أبياتاً يضاهي قريضها فمسنده لابن الفرات عذوبة وألفاظه تحكي عن الماء رقة شذاه إلى الآفاق طار فعرفه وذلك في حكم من الشرع بين به قال أصحاب المذاهب كلهم لقد عمت البلوى بأمر محرم ففي روضة المقياس جار بروز من أتى في حريم النهر بعض بروزه وما قال هذا قط في الدهر عالم وأعظم من ذا في البلية من عزا وما قال هذا الشافعي وصحبه يميناً وفجر والليالي بعشرها بل النص في كتب الإمام وصحبه كلا ذبن لا ملك عليه يحوزه ولا جاز اقطاع لديه ولا انزوى ومن فيه يبني فليهد بناؤه وفي حسرة يمشي على فقد جسره وأما قديماً قد رأينا مؤصلاً فذلك نبقيه ونولي احترامه ومن رام نقلاً يستفيد بعزوه إذا ما رأى الراؤون بالكوكب الدري وبهجته الزهراء تعزى إلى الزهري وفيه معان كلها عن أبي بحر وتحليقه في الجو كالورد والنسر يفوق السني البدري في ليلة البدر وكل إمام قدوة عالم حبر وظن مباحاً، ذاك كل امرىء غمر أراد بأن يسطو على البر والبحر وسائره قد حل في بقعة النهر ولم يستبحه في القديم أولو الخبر إباحته للشافعية بالقسر ولا أحد من قبل أو بعده يدري وشفع ووتر ثم ليل إذا يسري بأن حريم البحر والنهر إذ يجري وإن بناء الناس فيه أخو حظر إلى ملك بيت المال بيعاً لمن يشري وننسفه في اليم نسفاً على قدر وفي خسره أضحی إلى حشره يجري على نمط الجيران في السمت للجدر لوضع بحق سابق غير ذي ختر ليحكي نصوص العلم أن حل في صدر ١٤٢ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات ففي الأم نص الشافعي إمامنا وتعليقة القاضي الحسين وغيره وتهذيب محيي السنة البغوي مع وفي الشرح نص الشافعي وروضة كذا في فتاوى ابن الصلاح بيانه وسار عليه في الكفاية نجمنا وأوضحه في الابتهاج وغيره الإمام وفيه عن القفال لو رام نخلة وبين ذاك الزركشي بشرحه وبينه الغزي في أدب القضا وخذ عن نقول المالكية مسنداً وفي مدخل ابن الحاج أعظم بسطه وحد حريم النهر ألف ذراعه وأما النقول المستفيضة عن أبي وحدوا حريم العين من كل جانب وأما نقول لابن حنبل جمة ومذهبه في الجزر أضيق مذهب ومذهبنا في ذاك أفسح مذهب وأدنى حريم البئر قد قيل خمسة وكل مكان عمه في زيادة وضابطه ما بين سطحين حفرة فحفرة مجرى الماء نهر ومبدأ ومن رام في هذا البناء فإنه يقيم به في أكثر العام ماؤه ومن ههنا مع ههنا كل سالك وليس بها من يقطع الطرق غيره ومختصر عالي الذرى سامي القدر وكافي الخوارزمي ذي الفضل والذكر نقول كثير قد تجل عن الحصر النواوي حياً قبره وابل القطر وناهيك بالحبر النقي عن الاصر أجل فقيه جاء إذ ذاك من مصر التقي السبكي بالبسط والنشر ليغرس بالشاطىء منعناه بالقهر ومن بعد في الشرح الدميري ذو الفخر فخذها نقولاً من بحار أولي در لكل إمام منهم عالم حبر وبين ما فيه من الإثم والضر وذلك أعلى الحد في حرم النهر حنيفة في هذا فأوفى من البحر بخمس ميء من أذرع هي ذو كسر وناهيك بالمغني فكن فيه ذا ذكر لنص له أن ليس يبنى على جزر لأنهم قاسوا الحريم على البئر وعشرون ذرعاً من ذراع أولي الشبر من الماء معدود من الأرض للنهر إذ النهر مردود إلى مادة الحفر الحريم من التسطيح قدراً على قدر أضر على المارين في البحر والبر فلا يجد المارون طرقاً إلى المر يمر وهذا البرز كالطود في البحر فلله ممن يقطع الطرق في الظهر ١٤٣ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات وقد صح في الآثار تطويق سبعة وقد صح أيضاً لعنه وانخسافه فمن رام مع هذا الوعيد بروزه وألفت في منع البروز بشاطىء تضمن من هذي النقول عيونها وقد صب حكم الشرع بالمنع هاكم لزوماً لمنع في العموم لكل من وهذا صحيح نافذ يستمر لا وقد حكم السبكي فيه نظيره ومن لم يطع حكم الشريعة رده من الملك الحامي زمام شريعة ونختم هذا النظم بالحمد دائماً ونثني على الهادي بخير صلاته وآل له خصوا بكل مزية ونتبع هذا بالرضا عن أئمة إمامي أعني الشافعي ومالك وسميت هذا النظم بالنهر زاجراً فموضوعه بحر وبحر علومه أراض لمن يجني من الأرض كالشبر إلى الأرضين السبع في موقف الحشر ففي العصر أن المعتدين لفي خسر على النهر تأليفاً اسميه بالجهر وأوضحت فيه ما تفرق في السفر على كل من رام البروز على النهر أراد بروزاً في الحريم مدى الدهر يشان بإفساد ونقض ولا كسر وألف تأليفاً له عالي القدر إليها برغم راغم سطوة القهر فأيده الرحمن بالعز والنصر لرب العلا المختص بالحمد والشكر وتسليمه فهو المشفع في الحشر وأصحابه الزاكين والأنجم الزهر هم قدوة للخلق في كل ما عصر وأحمد والنعمان كل ذوو قدر لمن رام أن يبني على شاطىء النهر وعدته سبعون بيتاً على بحر ونختم بما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: ((قلت يا رسول الله ما حق جاري؟ قال: ((إن مرض عدته)) إلى أن قال: ((ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح))، وأخرج ابن عدي في الكامل، والبيهقي بسند ضعيف من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله وَّ ار قال: ((ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه))(١) قال «أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته)) - إلى أن قال ـ ((ولا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه))، قال البيهقي: هذا شاهد للذي قبله يعتضد به. مسألة: في أرض آهر ببلد اكدز وهي أرض إسلام ليس فيها إلا المسلمون ولكل قبيلة منهم أرض هم نازلون بها وليس فيها ما ينتفع بها من الحرث والزراعة في الغالب وإنما (١) هو جمع بائقة وهي الداهية، والمعنى من لم يأمن جاره غوائله وشروره ليس بمؤمن. ١٤٤ الفتاوى الفقهية / باب الوقف غالب ما ينتفع به فيها مباحات النبات من الأشجار كثمر الدوام والسدر وغيرهما مما ينبت بغير تكلف آدمي وما شابهه من حبوب الأعشاب النابتة بغير حرث ولا تعب مما هو تبع للأرض، ويحصل لمن اعتنى بجمع ذلك شيء له قيمة والأرض المذكورة تملكها أهلها المذكورون بها بإذن أمين البلاد المولى بإذن أمير المؤمنين وأقطعها أمير البلاد المذكور لأهلها النازلين المذكورين بها لمصالح له وللمسلمين في اقطاعهم إياها فهل لمن هو بها أن يبيع كلأها وشيئاً من شجرها؟ وهل لهم أن يمنعوا غيرهم من الرعي فيها أو الانتفاع منها بشيء؟ وأصل الأرض المذكورة مجهول لا يعرف هل هي أرض عنوة أو أرض صلح؟ وإنما هي من قديم الزمان بيد مقدم البلاد يقطعها لمن يشاء ونشأوا على ذلك خلفاً عن سلف، وغالب مصالحهم ومنافعهم متعلقة بذلك، فإن قلتم: لهم بيع كلائها ومنع غيرهم منه فما معنى الحديث الوارد في منع بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ؟ وما معنى الحديث الوارد فيما يروى أربعة لا تمنع وذكر فيها الماء والكلأ افتونا مأجورين سددكم الله تعالى للصواب بعد السلام عليكم؟ . الجواب: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، اتفق العلماء على أن الكلأ إذا جز من نباته وقطع وحيز بالأخذ والتنازل فإن حائزه يملكه وله بيعه ولا يجب عليه بذله، وأما الكلأ الذي هو في منابته لم يقطع ولم يجز فإن كان نابتاً في أرض موات فالناس فيها سواء كالماء المباح، وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث عن النبي عليه السلام من منعه، وإن كان نابتاً في أرض مملوكة فهو ملك لصاحب الأرض لا يجب بذله ويجوز بيعه، بقي قسم واحد وهو الكلأ النابت في أرض أقطعها السلطان إنساناً وفيه تفصيل فإن كانت تلك الأرض مواتاً لم يجز الإقطاع والحالة هذه لأنه من الحمى المنهي عنه في الحديث في قوله وتلقى: ((لا حمى إلا الله ورسوله)) وإنما يجوز إقطاع الموات الخالي عن الكلأ والعشب وإن كانت تلك الأرض غير موات وهي من أراضي بيت المال التي يقطعها السلطان الآن من الديار المصرية فإن إقطاعها صحيح، ويختص المقطع بالكلأ الذي فيها ينتفع به ويبيعه لأنه مال من جملة أموال بيت المال سوغ السلطان استغلاله لهذا المقطع بعينه، والظاهر أن أرض أكدز بهذه المثابة في الاقطاع والاستغلال والله أعلم. باب الوقف مسألة: وقف تعطل ريعه وفيه إمام وغيره فهل يلزم الناظر أن يستدين على الوقف ويعطيهم؟ . الجواب: لا يلزمه ذلك. مسألة: المسجد المعلق على بناء الغير أو على الأرض المحتكرة إذا زالت عينه هل یزول حكمه بزوالها؟ . الجواب: نعم يزول حكمه إذ لا تعلق لوقفية المسجد بالأرض، وإنما قال الأصحاب: ١٤٥ الفتاوى الفقهية / باب الوقف إذا انهدم المسجد وتعذرت إعادته لم يصر ملكاً إذا كانت الأرض من جملة وقف المسجد بدليل تعليلهم ذلك بأن الصلاة تمكن في عرصته على أن في صحة وقف المسجد على الأرض المحتكرة نظراً لأن بعض أئمتنا أفتى بأن الموقوف في أرض مستأجرة إذا كان ريعه لا يفي بالأجرة أو وفى بها ولم يزد لا يصح وقفه ابتداء لأنه ملحق بما لا ينتفع به، ومعلوم أن المسجد لا ريع له توفي منه أجرة الأرض، وعلى تقدير أن يكون الواقف استأجرها مدة وأدى أجرتها فبعد انتهاء تلك المدة لا يلزم الواقف الأجرة فلا يبقى إلا تفريغ الأرض منه، وعلى تقدير صحة الوقف لا شك في زوال حكمه بزوال عينه ويبني مالك الأرض مكانه ما شاء . مسألة: رجل وقف على أولاده وأولادهم ونسلهم وعقبهم تحجب الطبقة العليا السفلى أبداً على أن من مات منهم ولم يخلف ولداً ولا أسفل منه من ولد الظهر أو البطن ينتقل نصيبه لمن في درجته فإذا انقرضوا كان وقفاً على محمد، وحليمة، وخديجة على أن من مات منهم انتقل نصيبه لمن بقي ثم من بعدهم على أولادهم ونسلهم [وعقبهم] تحجب الطبقة العليا السفلى على ما تقدم تفصيله في أولاد الواقف فانقرضوا وآل الأمر إلى الثلاثة المذكورين فمات محمد عن غير نسل ثم ماتت حليمة عن بنت وخديجة عن ابن بنت فهل يشتركان في الوقف لقوله إنهم على التفصيل المذكور في أولاد الواقف؟ وقد قال هناك إن من لم يخلف منهم ولداً ولا أسفل منه ينتقل لمن في درجته ومفهومه أنه إذا خلف ولداً ما يختص به ولا ينتقل أم تستحق البنت دون ابن البنت؟. الجواب: تستحق البنت فقط دون ابن البنت بصريح قوله تحجب الطبقة العليا السفلى، وأيضاً فإن الوقف لا ينتقل لأولاد الثلاثة المذكورين إلا بعد انقراضهم كلهم لقوله على أن من مات منهم ينتقل نصيبه لمن بقي ثم من بعدهم لأولادهم فلم يجعل للأولاد حقاً إلا بعد انقراض جميع الثلاثة، ثم اعتبر الأعلى فالأعلى فلا حق لابن البنت لأنه محجوب بالعليا. مسألة: رجل وقف وقفاً على جهات وشرط أن ما فضل يصرف للفقراء والمساكين وله أخ وللأخ أربعة أولاد بصفة الفقر والمسكنة فهل للناظر أن يصرف لهم منه؟. الجواب: نعم بل هم أولى من الأجانب. مسألة: رجل وقف في مرض موته على أولاده ثم نسلهم فإذا انقرضوا فعلى أولاد أخته، ومات ثم ماتت أولاده وهم أطفال بعد شهر وله عاصب فطلب أولاد أخته الوقف ونازعهم العاصب وقال: إن الوقف لم يصح لأنه صدر في مرض الموت؟. الجواب: المنقول في هذه المسألة أن الموقوف أن احتمله الثلث صح ولم يحتج إلى إجازة، وإن كان وقفاً على وارث، وإن زاد على الثلث صح في قدر الثلث ووقف الزائد على الإجازة، فإذا مات الأولاد قبل البلوغ فلوارثهم رد الوقف في القدر الزائد خاصة، وأما قدر الثلث فهو لأولاد الأخت لا يجوز إبطاله. مسألة: رجل وقف وقفاً وشرط فيه النظر لمن يصلح من الذرية فثبت صلاح واحد منهم ١٤٦ الفتاوى الفقهية / باب الوقف وحكم له بالنظر، ثم بعد ذلك أثبت حاكم آخر صلاح امرأة منهم وحكم لها بالنظر فهل يشتركان أو تقدم المرأة؟ الجواب: إذا شرط الواقف النظر لمن يصلح من الذرية ولم يزد على ذلك وثبتت الصلاحية للرجل وحكم له بالنظر فلا حق للمرأة بعد ذلك ولو كانت تصلح، ولا يظن اختصاص ذلك بصيغة أفعل التفضيل بل هو في هذه الصيغة أيضاً لأن الحق إذا ثبت لواحد لم ينتقل إلى غيره ولم يتعده، بل لو شرط الواقف بصيغة أفعل التفضيل كالأصلح والأرشد وثبتت الأصلحية والأرشدية لواحد وحكم له به ثم وجد بعد ذلك من صار أصلح أو أرشد لم ينتقل له الحق لأن العبرة بمن فيه هذا الوصف في الابتداء لا في الأثناء وإلا لم يستقر نظر لأحد، ونظير ذلك إذا قلنا لا تنعقد إمامة المفضول مع وجود الفاضل فذاك في الابتداء لا في الدوام، ومقصود الواقف تفويض النظر إلى واحد يصلح لا إلى كل من يصلح وإلا لأدى إلى جعل النظر لجميع الذرية إذا كانوا صالحين، ويحصل بسبب ذلك من اختلاف الكلمة ما يؤدي إلى فساد الوقف فالأولى حمل ((من)) في كلام الواقف على النكرة الموصوفة لا على الموصولة وحينئذ لا عموم لها فإنها نكرة في الاثبات فلا تعم، بل لو فرض فيها عموم كان من عموم البدل لا من عموم الشمول. مسألة: واقف وقف على أولاده ثم أولادهم بالفريضة الشرعية ومن مات منهم انتقل نصيبه إلى ولده ثم إلى ولد ولده بالفريضة الشرعية للذكر مثل حظ الأنثيين فإن لم يكن فإلى إخوته وأخواته، فإن لم يكن فإلى أقرب الطبقات إليه على ما شرح فآل الأمر إلى أن ماتت امرأة من أولاد الأولاد عن أولاد عم ثلاثة محمد، وخاتون إخوان، وفاطمة بنت عم فهل تنتقل حصتها إلى الثلاثة أو إلى محمد فقط كما في حكم الفريضة الشرعية التي عول عليها الواقف من أن ابن العم لا تشاركه إخوته ولا ابن عمه؟. الجواب: الظاهر انتقال حصتها إلى الثلاثة لعموم قوله أقرب الطبقات، وأما قوله بالفريضة الشرعية فمحمول على تفضيل الذكر على الأنثى في الأسهم فقط، ويؤيد هذا الحمل أمور، أحدها قوله عقب ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين فهذه جملة مفسرة للمراد بذكر الفريضة الشرعية. الثاني: أن الفريضة معناها الوضعي المقدرة لا مذلول لها غير ذلك والتقدير من صفات الأنصباء كما قال تعالى: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] فلا دلالة للفظ الفريضة على منع ولا تأخير، الثالث: أنا لو أخذنا بحكم الفريضة الشامل لما ذكر لم نعط بنت العم شيئاً البتة وإن فقد ابن العم لأن حكم الفرائض أنها لا ميراث لها البتة ولا يقول به أحد هنا فتعین تخصيصه بما ذكرنا. مسألة: رجل وقف على أولاده الذكور وسماهم وقال: ومن توفي منهم انتقل نصيبه إلى ولده وولد ولده، وأن الذكور خاصة تحجب الطبقة العليا منهم أبداً الطبقة السفلى، فإن لم يكن للمتوفى ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك رجع نصيبه إلى إخوته المشاركين له في هذا الوقف مضافاً لما بأيديهم، وتوفي الواقف عن أربعة أولاد ثم مات أحد الأربعة عن ١٤٧ الفتاوى الفقهية / باب الوقف ثلاثة ذكور فأخذوا نصيبه ثم مات الثاني عن ولد ذكر فأخذ نصيبه ثم مات الثالث عن ولدين صغيرين وولدي ولد فأخذ ولداه نصيبه ثم مات الولدان الصغيران عن ولدي أخيهما وعن عمهما فهل يرجع نصيبهما إلى ابني أخيهما عملاً بواو العطف ولحرص الواقف على وصول نصيب كل أصل إلى فرعه بقوله: فإن لم يكن للمتوفى منهم ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك ولزوال من حجبهما من ذلك عند موت جدهما أو إلى عمهما .؟ الجواب: يرجع إلى العم دون ولدي الأخ عملاً بقوله: تححب الطبقة العليا السفلى، وما ذكر من التعاليل الثلاثة فاسد، أما قوله عملاً بواو العطف فإنها لم يقصد بها التشريك مطلقاً بل تفيد حجب العليا السفلى وإلا لاستحق ولد الأخ مع وجود عميهما ولا قائل به، وأما قوله: ويحرص الواقف إلى آخره فقد قال السبكي في فتاويه في مسألة وقفية ذكر فيها شبه ذلك المقاصد إذا لم يدل عليها اللفظ لا تعتبر، وأما قوله: ولزوال من حجبهما إلى آخره فذاك إنما يعتبر ابتداء عند موت الأصل الذي هذان فرعاه، وأما زواله في الأثناء بعد انتقال الوقف إلى جهة ليس هذان فرعيه فلا عبرة به بل هذا موت جديد لجهة غير الأولى ينظر نظراً آخر ، ألا ترى أنه لو مات هذان الولدان عن نسل لاستحق نسلهما ما كان بيدهما ولم يعد إلى ولد الأخ شيء فعرف أن زوال الحاجب في مثل ذلك لا أثر له وإلا لاستحقا مع وجود النسل وكانا يقولان قد زال الحاجب لنا وحينئذ نقول هذا مستحق مات عن غير نسل وشرط الواقف حينئذ العود إلى الإخوة المشاركين ولا إخوة مشاركون فانتقلنا إلى أعلى طبقة وهو العم عملاً بتقديم العليا على السفلى، وأكد ذلك قول الواقف المشاركين له في هذا الوقف مضافاً لما بأيديهم والعم مشارك بيده حصة وولدا الأخ لا شيء بأيديهما فلا مشاركة لهما وهذا القدر المؤكد علاوة وليس المعول عليها بل المعول على ما صدرنا به. مسألة: أرض من أراضي مصر بيد جماعة بكرية يستغلونها فسألهم السلطان عن مستندهم فأظهروا محضراً ثابتاً على حاكم شافعي أنها وقف السلطان صلاح الدين بن أيوب عليهم بشهادة جماعة مستندهم السماع وإن لم يصرحوا به وحكم بموجب ذلك فهل يستحقون ذلك؟ وهل للإمام أن يقف بعض أراضي مصر على مثل هذه الجهة من غير أن يشتريها من بيت المال؟ وهل للمخالف الذي يرى أن مصر فتحت عنوة وأن أراضيها لا تملك أن يتعرض لإبطال ذلك؟. الجواب: نعم للإمام أن يقف بعض أراضي بيت المال من غير شراء على مثل الجهة المذكورة على الأصح في المذهب فقد نص الشافعي على ما يشهد لذلك وصرح بصحته القاضي حسين وأفتى به ابن أبي عصرون، وأسعد الميهني، والشاشي، وابن الصلاح، والنووي، وقال ابن الرفعة في المطلب: انه المذهب وصرح كل منهم بأنه لا يجوز لمن يأتي بعد تغييره، وأما السبكي فاختار لنفسه أنه لا يجوز للإمام الوقف لكن ما وجدناه موقوفاً لأحد من الأئمة ليس لنا أن نغيره. فالحاصل أن عدم التغيير متفق عليه. ١٤٨ الفتاوى الفقهية / باب الوقف وقد حكى ابن الصلاح في مجاميعه صورة استفتاء في أراضي وقفها الخليفة أو السلطان نائب الخليفة على رجل ثم عقبه هل يصح؟ وهل يجوز لأحد من الولاة تغييره وصرفه إلى جهة أخرى؟ فأجاب علماء ذلك العصر من سائر المذاهب أن الوقف صحيح ولا يملك أحد من خلق الله اعتراضه ولا تغييره، ومن جملة من أفتى في هذه الواقعة ابن أبي عصرون وهو كان عين الشافعية في زمن السلطانين العادلين نور الدين الشهيد، وصلاح الدين بن أيوب وكان مفتيهما وقاضيهما، وقد نص العلماء على أنهما ما وقفا الذي وقفاه إلا بإفتائه، فالحاصل أن وقف هذه الأرض على المذكورين صحيح، ولا يجوز لأحد تغييره ولا نقله إلى جهة أخرى وثبوت ذلك بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة حيث لم يصرحوا بذلك صحيح، أما في الوقف فأصلاً، وأما في المستحقين فضمناً كما قاله ابن الصلاح، وابن الفركاح، وليس للمخالف الذي يرى أن مصر فتحت عنوة أن يتعرض لذلك بنقض ولا إيطال لأنه إن كان حكم بصحته في الأصل حاكم شافعي فذاك وإلا فمعناه أمران: أحدهما ثبوت الوقف بما ذكر وما ثبت وقفه قديماً لا يتعرض له لأن الظاهر وقوعه مستجمعاً للشرائط، والثاني حكم الشافعي المتأخر، وأمر ثالث وهو أن بعض المتأخرين ذكر أن أمر الإمام الأعظم وفعله يرفعان الخلاف كحكم الحاكم تفخيماً لشأنه، ونص العلماء على أن السلطان صلاح الدين ما وقف الذي وقفه حتى أفتاه بذلك علماء عصره من الشافعية، والحنفية، والحنابلة ولولا إرادة الاختصار لسقت عباراتهم في ذلك. مسألة: إذا ثبت وقفية عين ولم يعلم مآل الوقف وقلنا إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف هل يختص به الفقراء دون الأغنياء أم يشتركون فيه؟ . الجواب: يختص به الفقراء من أقاربه على الأصح فإن كانوا كلهم أغنياء صرف إليهم. مسألة: رجل وقف مصحفاً على من يقرأ فيه كل يوم حزباً ويدعو له وجعل له على ذلك معلوماً من عقار وقفه لذلك فأقام القارىء مدة يتناول المعلوم ولم يقرأ شيئاً ثم أراد التوبة فما طريقه؟ الجواب: طريقه أن يحسب الأيام التي لم يقرأ فيها ويقرأ عن كل يوم حزباً ويدعو عقب كل حزب للواقف حتى يوفي ذلك. مسألة: واقف وقف مدرسة وقرر بها شيخاً وصوفية فهل يجوز للناظر أن يقرر في المشيخة اثنين؟ وهل يجوز للشيخ الاستنابة إذا كان به ضعف في بدنه أو كان له وظيفة أخرى تعارض هذه الوظيفة؟ . الجواب: أوقاف السلاطين، والأمراء كلها أصلها من بيت المال أو راجعة إليه، فيجوز لمن كان بصفة الاستحقاق من بيت المال من عالم بالعلوم الشرعية، وطالب علم كذلك، وصوفي على طريق الصوفية أهل السنة، ونسيب من آل رسول الله وَ لهو أن يأكل مما وقفوه غير متقيد بما شرطوه، ويجوز - والحالة هذه - الاستنابة لعذر وغيره وتناول المعلوم وإن لم يباشر ولا استناب، واشتراك اثنين فأكثر في الوظيفة الواحدة، وأخذ الواحد عدة وظائف، ١٤٩ الفتاوى الفقهية / باب الوقف ومن لم يكن بصفة الاستحقاق من بيت المال لم يحل له الأكل من هذا الوقف ولو قرره الناظر وباشر الوظيفة لأن هذا مال بيت المال لا يتحول عن حكمه الشرعي بجعل أحد وما يتوهمه كثير من الناس من دخوله في ملك الذي وقفه فهو توهم فاسد لا يفيد في باطن الأمر، وأما الأوقاف التي ملكها واقفوها فلها حكم آخر وهي قليلة بالنسبة إلى تلك. مسألة: إذا عجز الوقف عن توفية جميع المستحقين فهل تقدم منه الشعائر والشيخ أم لا؟. الجواب: ينظر في هذا الوقف فإن كان أصله من بيت المال كمدارس الديار المصرية وخوانقها روعي في ذلك صفة الأحقية من بيت المال، فإن كان في أرباب الوظائف من هو بصفة الاستحقاق من بيت المال ومن ليس كذلك قدم الأولون على غيرهم كالعلماء، وطلبة العلم، وآل رسول الله ◌َ ﴿ وإن كانوا كلهم بصفة الاستحقاق منه قدم الأحوج فالأحوج والأفقر فالأفقر، فإن استووا كلهم في الحاجة قدم الآ كد فالا كد فيقدم المدرس أولاً ثم المؤذن ثم الإمام ثم القيم، وإن كان الوقف ليس مأخذه من بيت المال اتبع فيه شرط الواقف فإن لم يشرط تقديم أحد لم يقدم أحد بل يقسم بين جميع أهل الوقف بالسوية الشعائر وغيرهم. مسألة: المدارس المبنية الآن بالديار المصرية وغيرها ولا يعلم للواقف نص على أنها مسجد لفقد كتاب الوقف ولا يقام بها جمعة هل تعطى حكم المسجد أو لا؟. الجواب: المدارس المشهورة الآن حالها معلوم فمنها ما علم نص الواقف أنها مسجد كالشيخونية في الإيوانين دون الصحن، ومنها ما علم نصه أنها ليست بمسجد كالكاملية والبيبرسية، فإن فرض ما لم يعلم فيه ذلك ولو بالاستفاضة لم يحكم بأنها مسجد لأن الأصل خلافه . مسألة: قالوا: إن المسجد الموقوف على قوم مخصوصين لا يجوز لأحد أن يدخله أو يصلي فيه إلا بإذنهم فهل المدارس والربط كذلك؟ وهل يجوز للموقوف عليهم الإذن في الانتفاع مطلقاً بالنوم والجلوس والأكل واجتماع الخصوم والقضاء بينهم وإقراء الصبيان أو هو مقيد بما كان على وفق شرط الواقف؟. الجواب: المسجد الموقوف على معينين هل يجوز لغيرهم دخوله والصلاة فيه والاعتكاف بإذن الموقوف عليهم؟ نقل الإسنوي في الألغاز أن كلام القفال في فتاويه يوهم المنع ثم قال الإسنوي من عنده والقياس جوازه، وأقول: الذي يترجح التفصيل فإن كان موقوفاً على أشخاص معينة كزيد، وعمرو، وبكر مثلاً أو ذريته أو ذرية فلان جاز الدخول بإذنهم وإن كان على أجناس معينة كالشافعية، والحنفية، والصوفيه لم يجز لغير هذا الجنس الدخول ولو أذن لهم الموقوف عليهم، فإن صرح الواقف بمنع دخول غيرهم لم يطرقه خلاف البتة، وإذا قلنا بجواز الدخول بالإذن في القسم الأول في المسجد، والمدرسة، والرباط كان لهم الانتفاع على نحو ما شرطه الواقف للمعينين لأنهم تبع لهم وهم مقيدون بما شرطه الواقف. ١٥٠ الفتاوى الفقهية / باب الوقف مسألة: جامع له ناظر فاتفق موت إمامه والناظر مسافر فقرر السلطان إماماً فهل للناظر إذا حضر عزله وتقرير خلافه؟ . الجواب: إذا ولى السلطان إماماً بعد موت الإمام الأول والوظيفة شاغرة والناظر مسافر فهي ولاية صحيحة يلزم الناظر إبقاءها وليس له عزله وتقرير خلافه. ١٩ - الانصاف في تمييز الأوقاف بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَمَةِ مسألة: أمير وقف خانقاه ورتب بها شيخاً، وصوفية وجعل لهم دراهم، وزيتاً، وصابوناً، وخبزاً ولحماً فضاق الوقف فهل يقدم الشيخ على الصوفية أو يصرف بينهم بالمحاصة؟ وهل يقتصر على صنف من الأصناف التي عينها الواقف ويترك الباقي أو يأخذون من جميع الأصناف التي عينها الواقف بالمحاصة؟ وهل تجوز الاستنابة في شيء من الوظائف أم لا؟. الجواب: أقول أولاً وبالله التوفيق: الأوقاف قسمان، قسم ليس مأخذه من بيت المال ولا مرجعه إليه وهذا الوقف مبناه على التشديد والتحريص لا يجوز تناول ذرة منه إلا مع استيفاء ما شرطه الواقف لأنه مال أجنبي لم يخرج عن ملكه إلا على وجه مخصوص بالشرط المذكور، وقسم مأخذه من بيت المال بأن يكون واقفه خليفة أو ملكاً من الملوك السابقة كصلاح الدين بن أيوب وأقاربه، أو مرجعه إلى بيت المال كأوقاف أمراء الدولة القلاوونية ومن بعدهم إلى زماننا هذا، وإنما قلنا إن مرجعه إلى بيت المال لأن واقفيه أرقاء بيت المال وفي ثبوت عتقهم نظر، وقد ذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي في واقعه وقعت بعد السبعمائة وهي عبد انتهى الملك فيه لبيت المال فأراد شراء نفسه من وكيل بيت المال فأفتى جماعة بالمنع لأن ذلك عقد عتاقة وعبد بيت المال لا يجوز عتقه، وأفتى آخرون بالجواز لأنه عقد بعوض لا مجاناً فلم يضع منه على بيت المال شيء، واختار ابن السبكي هذا الثاني أورده في الترشيح، فإذا اختلف في جواز العتق بعوض فما ظنك به بغير عوض، وإنما لم ينص متقدمو الأصحاب على هذه المسألة بخصوصها لأنها لم تعم بها البلوى في زمنهم وإنما كثر ذلك من بعد الستمائة، وقد قام الشيخ عز الدين بن عبد السلام - لما حدث ذلك في زمنه - القومة الكبرى في بيع الأمراء وقال: هؤلاء عبيد بيت المال ولا يصح عندي عتقهم، وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر بسنده عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل إليه بعض أولاد خلفاء بني أمية فقال له: أعطني حقي من بيت المال فقال له عمر: ما أحوجك إلى أن أبيعك وأصرف ثمنك في مصالح المسلمين قال: وكيف؟ قال: لأن أباك وهو خليفة أخذ أمك من رقيق بيت المال واستولدها إياك ولم يكن له ذلك فهو زان وأنت عبد بيت المال، وفي طبقات الحنفية في ترجمة بعض علمائهم أنه كان من مماليك الخليفة الناصر ١٥١ الفتاوى الفقهية / باب الوقف فاشتغل بالعلم وبرع وصار إماماً قائماً بالتدريس والافتاء فأرسل إليه الخليفة الناصر بعتقه وقال له: إنك قائم بنفع المسلمين فرد إليه العتاقة وقال: أنا عبد بيت المال فلا يصح عتقي فإن قال قائل: فقد ذكر الأصحاب في الأسير أن الإمام يتخير فيه بين القتل والمن والاسترقاق قلنا لا يصح القياس على مسألة الأسير لأنه يجوز تفويته بالقتل فبالمن أولى ولأنه لم يصرف فيه شيء من بيت المال بخلاف هذا الذي اشترى بثمن منه، وأيضاً فقد نص الأصحاب على أنه ليس للإمام ذلك في الأسير بالتشهي بل ينظر ما تقتضيه المصلحة فيفعله وثبوت المصلحة في عتق هذا الجم الغفير من مماليك بيت المال متعذر أو متعسر، وإن وجدت في واحد أو عشرة أو مائة لا توجد في ألوف مؤلفة، وأي مصلحة في عتقهم وجميع ما يراد منهم يمكنهم فعله مع الرق، إذا عرف ذلك عرف أن مرجع ما بأيديهم إلى أنه مال بيت المال فهذا القسم من الأوقاف مبناه على المسامحة والترخيص لأن لكل من العلماء وطلبة العلم من الاستحقاق في بيت المال أضعاف ما يأخذونه منهم. والدليل على هذه التفرقة أمور: منها أن الشيخ ولي الدين العراقي لما حكى قول السبكي في إعطاء وظيفة العالم، والفقيه لولده الصغير فرق بين الاوقاف الخاصة والتي مأخذها من بيت المال وأظن الأذرعي سبقه إلى ذلك، ومنها أنه وقع في بعض كلام البلقيني التصريح بأن طلبة العلم يأكلون من هذه الأوقاف الموجودة الآن على وجه أنهم يستحقون من بيت المال ذلك وأكثر منه ذكر ذلك في مجلس عقد بسبب ذلك أيام الظاهر برقوق، ومنها أنك إذا تأملت فتاوى النووي، وابن الصلاح وجدتهما يشددان في الأوقاف غاية التشديد، وإذا تأملت فتاوى السبكي، والبلقيني، وسائر المتأخرين وجدتهم يرخصون ويسهلون وليس ذلك منهم مخالفة للنووي بل كل تكلم بحسب الواقع في زمنه، فإن غالب الأوقاف التي كانت في زمن النووي، وابن الصلاح كانت خاصة، وإنما حدثت أوقاف الأتراك في أواخر القرن السابع وكثرت في القرن الثامن وهو عصر السبكي ومن بعده وقطعت الأرزاق التي كانت تجري على الفقهاء من بيت المال من عهد عمر بن الخطاب إلى الخليفة المستعصم كل عام فرأى العلماء أن هذه الأوقاف أرصدت لهم من بيت المال عوضاً عما كانوا يأخذونه منه كل عام فرخصوا فيها لأنهم كانوا يأخذون ذلك القدر من غير عمل يكلفونه بل على القيام بالعلم خاصة، فمن كان بهذه الصفة جاز له فيما بينه وبين الله الأخذ منها وإن لم يقم بما شرطه الواقف، ومن لم يكن بصفة القيام بالعلم اشتغالاً وإشغالاً حرم عليه الأخذ منها وإن باشر العمل، وقد قال الدميري في شرح المنهاج: سألت شيخنا - يعني الإسنوي - مرتين عن غيبة الطالب عن الدرس هل يستحق المعلوم أو يعطى بقسط ما حضر؟ فقال: إن كان الطالب في حال انقطاعه يشتغل بالعلم استحق وإلا فلا، ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال لم يستحق لأن المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره، وكان يذهب إلى أن ذلك من باب الارصاد، وقال الزركشي في شرح المنهاج: ظن بعضهم أن الجامكية على الإمامة والطلب ونحوهما من باب الإجارة حتى لا يستحق شيئاً إذا أخل ببعض الصلوات أو ١٥٢ الفتاوى الفقهية / باب الوقف الأيام وليس كذلك بل هو من باب الارصاد والأرزاق المبني على الإحسان والمسامحة بخلاف الإجارة فإنها من باب المعارضة، ولهذا يمتنع أخذ الأجرة على القضاء ويجوز إرزقه من بيت المال بالإجماع انتهى، وهذا الذي قاله الزركشي صحيح وهو محمول على الأوقاف التي هي من القسم الثاني كما كان الأكثر في زمانه، وإذا قلنا بقوله من الاستحقاق مع الغيبة قلنا به مع الاستنابة من باب أولى، ولا نقول بواحد من الأمرين في الأوقاف التي من القسم الأول، وعلى هذا تحمل فتوى النووي بالمنع، ونقول في القسم الثاني بجواز النزول وإعطاء الوظيفة للولد الصغير ولا نقول بذلك في القسم الأول، وينبني على ذلك أيضاً مسألة تقديم الشيخ فما كان من القسم الأول لا يقدم فيه أحد على أحد إلا بنص من الواقف، وما كان من القسم الثاني ينظر، فإن كان الشيخ بصفة الاستحقاق من بيت المال الاتصافه بالعلم وبقية المنزلين ليسوا كذلك قدم الشيخ إذا ضاق الوقف قطعاً لأنه منفرد بالاستحقاق، وإن كان الكل بصفة العلم والشيخ أحوج منهم قدم كما يقدم إذا ضاق بيت المال الأحوج فالأحوج، وإن استووا في العلم والحاجة صرف بينهم بالمحاصة من غير تقديم، وينبني على ذلك أيضاً مسألة الاقتصار على صنف من الأصناف المقررة، ففي القسم الأول لا يقتصر بل يصرف من كل صنف بالمحاصة مراعاة لغرض الواقف، وفي الثاني يجوز الاقتصار عند الضيق والأولى الاقتصار على النقد لأنه أيسر وبه تحصل سائر الأصناف والله أعلم. ٢٠ - كشف الضبابة في مسألة الاستنابة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع السؤال كثيراً عن الاستنابة في الوظائف فقد عمت البلوى بها وتمسك كثير من النظار في عدم جوازها بما نقل عن النووي، وابن عبد السلام أنهما أفتيا بعدم جوازها، وتمسك طائفة منهم في جوازها بما نقله الدميري في شرح المنهاج عن السبكي وغيره أنهم أفتوا بجوازها، وقد أفتيت بذلك غير مرة، وسئلت الآن عن تحرير القول في ذلك من جهة النظر والدليل فوضعت له هذه الكراسة . ونبدأ بنقل كلام السبكي وغيره في ذلك، قال السبكي في شرح المنهاج في باب الجعالة ما نصه: فرع - يقع كثيراً في هذا الزمان إمام مسجد يستنيب فيه - أفتى ابن عبد السلام، والمصنف بأنه لا يستحق معلوم الإمامة لا المستنيب لعدم مباشرته ولا النائب لعدم ولايته، قال: واستنبطت أنا من قول الأصحاب أن المجعول إذا استعان بغيره وحصل من غيره العمل على قصد الإعانة منفرداً أو مشاركاً إذا المجعول له يستحق كمال الجعل أن ذلك جائز، وأن المستنيب يستحق جميع المعلوم لأن النائب معين له لكني أشترط في ذلك أن يكون النائب مثل المستنيب أو خيراً منه لأن المقصود في الجعالة رد العبد مثلاً ولا يختلف باختلاف الأشخاص، والمقصود في الإمامة العلم والدين وصفات أخر، فإذا كان المتولي ١٥٣ الفتاوى الفقهية / باب الوقف بصفة ونائبه مثله فقد حصل الغرض الذي قصده من ولاه فكان كالصورة المفروضة في الجعالة، وإذا لم يكن بصفته لم يحصل الغرض، فلا يستحق واحد منهما إن كانت التولية شرطاً، وإن لم تكن شرطاً استحق المباشر لاتصافه بالإمامة المقتضية للاستحقاق، والاستنابة في الإمامة تشبه التوكيل في المباحات؛ وفي معنى الإمامة كل وظيفة تقبل الاستنابة كالتدريس ونحوه وهذا في القدر الذي لا يعجز عن مباشرته بنفسه، أما في ما يعجز عنه فلا إشكال في الاستنابة - هذا كله كلام السبكي، ونقله الشيخ كمال الدين الدميري في شرح المنهاح وأقره، ثم قال: كان الشيخ فخر الدين بن عساكر مدرساً بالعذراوية، والتقوية، والجاروخية - وهذه الثلاثة بدمشق - والمدرسة الصلاحية بالقدس يقيم بهذه أشهراً وبهذه أشهراً في السنة هذا مع علمه وورعه قال: وقد سئل في هذا الزمان عن رجل ولي تدريس مدرستين في بلدتين متباعدتين كحلب، ودمشق فأفتى جماعة بجواز ذلك، واستنيب منهم قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله البعلبكي، وشمس الدين الغزي، والشيخ عماد الدين الحسباني كلهم من الشافعية، ومن الحنفية، والمالكية، والحنابلة آخرون انتهى. وأقول: قد أباح الله ورسوله وحملة الشرع من جميع المذاهب الاستنابة في عدة مواضع كل واحد منها يصلح على انفراده دليلاً مستقلاً لجواز الاستنابة في الوظائف وهي قسمان: قسم تجوز الاستنابة فيه وإن لم يكن عذر، وقسم لا يجوز إلا مع العذر. فأما القسم الأول ففيه فروع: الأول تجوز الاستنابة في غسل أعضاء الوضوء وإن لم يكن له عذر، قال النووي: ولا نعلم في ذلك خلافاً بين المسلمين إلا ما حكاه صاحب الشامل عن داود الظاهري أنه قال: لا يصح وضوؤه إذا وضأه غيره، ورد عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما قاله، وكذا تجوز الاستنابة في صب الماء على الأعضاء وفي إحضاره للطهارة من غير كراهة فيهما سواء كان له عذر أم لم يكن، فهذه ثلاثة فروع. الفرع الرابع: يجوز لمن أراد التيمم أن يستنيب رجلاً يطلب عنه الماء سواء كان له عذر أم لا، قال النووي: هذا هو المذهب الصحيح المشهور، وحكى الخراسانيون وجهاً أنه لا تجوز الاستنابة إلا لمعذور قال: وهذا الوجه شاذ ضعيف. الخامس: يجوز أن يستنيب من ييممه ويمسح أعضاءه بالتراب وإن لم يكن له عذر على الصحيح وفيه الوجه المذكور أنه لا يجوز بلا عذر قال النووي: وهو شاذ ضعيف. السادس: كان الأصل في الأذان أن يكون من وظائف الإمام الأعظم لأنه من شعائر الإسلام كالإمامة والحكم بين الناس ولهذا قال عمر رضي الله عنه: لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت فتفويضه إلى غيره استنابة. السابع: الإمامة في الصلاة أيضاً من وظائف الإمام الأعظم ولهذا استمر الخلفاء دهراً هم الذين يقيمون الجماعة فتفويض ذلك إلى غيره استنابة، ومما يدل على أنها من وظائف الإمام الأعظم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعنه أبو لؤلؤة وعهد إلى أهل الشورى أوصى أن يصلي صهيب ١٥٤ الفتاوى الفقهية / باب الوقف بالناس حتى يجتمعوا على خليفة، فلما توفي عمر وحضروا للصلاة عليه أراد عثمان أن يتقدم وذلك قبل البيعة فقال له عبد الرحمن بن عوف: ليس ذلك لك الآن إنما هو لصهيب الذي أوصى له. الثامن: من وظائف إمام الصلوات أن يأمر المأمومين بتسوية الصفوف عند إرادة الإحرام، فلو كان المسجد كبيراً استناب رجلاً يأمرهم بتسويتها، التاسع: يجوز أن يستنيب من ينظر له هل طلع الفجر أو زالت الشمس أو غربت الشمس أو غرب الشفق لأجل الصلوات والصوم، ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه وإن لم يكن له عذر. العاشر: إقامة الجمعة والخطبة من وظائف الإمام الأعظم أيضاً على ما قررناه وتفويضه للغير استنابة . الحادي عشر: استخلاف الإمام إذا خرج من الصلاة لحدث أو رعاف رجلاً يتم الصلاة بالمقتدين استنابة. الثاني عشر: إذا صلى الإمام الأعظم العيد في الصحراء بالناس استناب رجلاً يصلي بالضعفة في المسجد. الثالث عشر، والرابع عشر: تجوز الاستنابة في تفرقة الزكاة وفي نيتها. الخامس عشر، والسادس عشر: تجوز الاستنابة في صرف الكفارات والصدقات المندوبة. السابع عشر، والثامن عشر: تجوز الاستنابة في ذبح الهدي وفي ذبح الأضحية . التاسع عشر: تجوز استنابة أصناف الزكاة في قبضها لهم ذكره في الروضة من زوائده. العشرون: الحكم بين الناس وظيفة الإمام الأعظم فإقامته القضاء لفصل الأحكام استنابة ولم يستنب النبي ◌َ﴿ قاضياً ولا أبو بكر وأول من استناب عمر - أخرج الطبراني بسند حسن عن السائب بن يزيد ((أن النبي وَلقر وأبا بكر لم يتخذا قاضياً وأول من استقضى عمر)) قال: رد عني الناس في الدرهم والدرهمين، وأخرج أبو يعلى بسند صحيح عن ابن عمر قال: ما اتخذ رسول الله وَ ﴿ قاضياً ولا أبو بكر، ولا عمر حتى كان في آخر زمانه قال ليزيد ابن أخت نمر: أكفني بعض الأمور - يعني صغارها - الحادي والعشرون إلى الثالث والثلاثين: ولاية الحسبة، وولاية المظالم، وولاية الجرائم، وإمارة الجهاد، وإمارة سائر الحروب، وإمارة تسيير الحجاج، وإمارة إقامة الحج، وولاية قسم الفيء والغنيمة، وولاية الجزية، وولاية الخراج، وولاية الاقطاع، وولاية الديوان، وولاية النظر في بيت المال كلها ولايات شرعية وهي من وظائف الإمام وتفويضه إياها لغيره استنابة وهم نواب له، وقد عقد لها الماوردي أبواباً في كتاب الأحكام السلطانية فليت شعري كيف تنكر الاستنابة في عمل وظيفة ونواب الإمام الأعظم طبقت الدنيا في كل بلد في أنواع الأعمال التي كلها وظائفه ومطوقة به شرعاً ومتعلقة بذمته ومطوقة بعنقه يسأل عنها يوم القيامة عملاً عملاً. الرابع والثلاثون: لولي النكاح أن يستنيب رجلاً في تزويج موليته. الخامس والثلاثون: قال الماوردي وأقره النووي: لو استأجره لزيارة قبر النبي وب ليز لم يصح، وأما الجعالة عليها فإن كان على مجرد الوقوف عند القبر ومشاهدته لم يصح لأنه لا تدخله النيابة، وإن كان على الدعاء عند زيارة قبره جاز لأن الدعاء مما تدخله النيابة ولا يضر الجهل بنفس الدعاء انتهى، فكذلك تدخل النيابة في وظيفة قراءة القرآن والدعاء للواقف. السادس والثلاثون: ذهب ١٥٥ الفتاوى الفقهية / باب الوقف السبكي إلى أنه يجوز أن يستأجر الشخص إنساناً للدعاء فيقول: استأجرتك بكذا لتدعو لي بكذا فيذكر ما شاء من أمور الدنيا والآخرة. فهذه ستة وثلاثون فرعاً كلها في العبادات، ومما جازت فيه الاستنابة من غير العبادات طرفاً البيع بأنواعه والسلم، والرهن، والهبة، والصلح، والإبراء، والحوالة، والإقالة، والضمان، والكفالة، والشركة، والقراض، والمساقاة، والإجارة، والجعالة، والإيداع، والإعارة، والأخذ بالشفعة، والوقف، والوصية، والنكاح، والخلع، والطلاق، والرجعة، والإعتاق، والكتابة، وقبض الديون، وإقباضها، والأموال، والجزية، وتعيين المختارة للنكاح أو الطلاق وتملك المباحات كالاحياء، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء، والدعوى، والجواب، واستيفاء الحدود، وسواء في كل ذلك كان للموكل عذر أم لا ، وجوز بعضهم الاستنابة في الإقرار، والالتقاط، والظهار، والتدبير، فهذه نحو مائة موضع أباح علماء المسلمين الاستنابة فيها من غير عذر وغالبها مما انعقد فيه الإجماع، أفلا يصلح أن تلحق الوظائف التي مبناها على الإحسان والمسامحة بواحد منها؟ ومن ألطف الفروع التي تجوز فيها الاستنابة ما ذكره إمام الحرمين في الأساليب أنه يجوز أن يستأجر رجلاً ليسرق له شيئاً من أموال الكفار من غير قتال ويكون ملكاً للمستأجر، ومن ألطفها أيضاً ما في فتاوى ابن الصلاح أنه يجوز أن يستأجر رجلاً ليقعد مكانه في الحبس فإذا كان هذا في الحبس المقصود منه الزجر والتعلق بإنسان معين ففي سد وظيفة أولى. فصل: وأما القسم الثاني وهو ما يكون عند العذر ففيه فروع، منها جواز الاستنابة في الحج للمغصوب، وجواز الاستنابة في رمي الجمار لمن يحج بنفسه وحصل له عذر أيام الرمي، وجواز الاستنابة في الصوم عن الميت على ما صححه النووي ووردت به الأحاديث الصحيحة، وجواز الاستنابة في الاعتكاف عنه في قول حكاه البويطي عن الشافعي، وجواز الاستنابة في الصلاة عنه في وجه حكاه. فصل: ذكر الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في ترجمة الشيخ محيي الدين النووي أنه باشر تدريس الإقبالية نيابة عن ابن خلكان وكذلك الفلكية والركنية، وهذا من النووي دليل على أنه تجوز الاستنابة لأنه أورع من أن يفعل ما لا يجوز. فصل: ومن الدليل على جواز الاستنابة أن جماعة من الصحابة كانوا يفتون الناس في زمن النبي ◌ّ* والإفتاء بالأصالة إنما هو منصب النبي ◌َّر لأنه المبعوث لتبليغ الناس وتعليمهم، وإفتاء العلماء بعد وفاته إنما هو بطريق الخلافة والوراثة عنه، فإفتاؤهم في حياته بإذنه استنابة منه لهم ليقوموا عنه بما هو منصب له على وجه النيابة، وقد عقد ابن سعد في الطبقات باباً في ذكر من كان يفتي بالمدينة على عهد رسول الله بصير فأخرج فيه عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله وَ ﴾؟ قال: أبو بكر، وعمر، وأخرج عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي يفتون على عهد ١٥٦ الفتاوى الفقهية / باب الوقف رسول الله وَّ﴾. وأخرج عن أبي عبد الله بن نيار الأسلمي قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله وَالر. وأخرج عن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة رسول الله وَ لهر. وأخرج عن سهل بن أبي حثمة قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله ◌َلر ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وقد تحصل من هذه الآثار ثمانية كانوا يفتون والنبي ◌ّ سير حي وقد جمعتهم في بيتين فقلت: يقومون بالإفتاء قومة قانت وقد كان في عصر النبي جماعة معاذ أبي وابن عوف بن ثابت فأربعة أهل الخلافة معهم فصل: ومن الدليل على جواز الاستنابة ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد مسند أبيه عن علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت عشر آيات من براءة دعا النبي ◌َّ أبا بكر ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال لي: أدرك أبا بكر فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه فاقرأه على أهل مكة فلحقته فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: ((لا ولكن جبريل جاءني فقال لي لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك)) وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه عن أنس ((قال: بعث النبي ◌َّه ببراءة مع أبي بكر ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً فأعطاه إياه» فهذه استنابة من النبي ◌َّهر في تبليغ ما أمر بتبليغه، ثم لما أمر أن يستنيب رجلاً من قبيلة مخصوصة رجع إليه، فيستدل بفعله أولاً على جواز الاستنابة مطلقاً إذا سكت الواقف عن شرط، ويستدل بفعله ثانياً على أنه إذا خصص الواقف تخصيصاً يتبع شرطه، وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: ((بعث النبي وَلّ أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً فانطلقا فحجا فقام على أيام التشريق فنادى ذمة الله [ورسوله] بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، فكان علي ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر فنادى بها، فهذه نيابة من أبي بكر عن علي فإنه قصد بالبعث علي، وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: ((بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فهذه نيابة من أبي هريرة أيضاً، والمقصود بالتبليغ في هذه القصة أن تكون من علي. فصل: هذا كله في وقف سكت واقفه عن ذكر الاستنابة إباحة ومنعاً، وكان الواقف حراً مالكاً لما وقفه إما وقف صرح واقفه بتجويز الاستنابة أو بمنعها فإنه يتبع شرطه لا محالة، وأما وقف لم يملكه واقفه وذلك كالذي وقفه أمير المؤمنين أو السلطان من بيت المال فإن ذلك حكمه حكم الأرصاد لا حكم الأوقاف التي ملكها واقفوها فلا يتقيد بما شرطه الواقف فيها لأنه مال بيت المال أرصد لمصالح المسلمين، فإذا قرر فيه بعض من له استحقاق في بيت المال جاز له أن يأكل منه، وإن لم يقم بذلك الشرط ولو لم يكن بصفة الاستحقاق من بيت المال لم يجز له أن يأكل منه ولو باشر تلك الوظيفة، وبهذا صرح المتأخرون من ١٥٧ الفتاوى الفقهية / باب الوقف أصحابنا فقال الزركشي في شرح المنهاج في باب الإجارة: ظن بعضهم أن الجامكية عن الإمامة والطلب ونحوهما من باب الإجارة حتى لا يستحق شيئاً إذا أخل ببعض الصلوات أو الأيام وليس كذلك بل هو من باب الأرصاد والأرزاق المبني على الإحسان والمسامحة، بخلاف الإجارة فإنها من باب المعارضة ولهذا يمتنع أخذ الأجرة على القضاء ويجوز إرزاقه من بيت المال بالإجماع انتهى. وقال الدميري في شرح المنهاج في باب الجعالة: سألت شيخنا - يعني الإسنوي - مرتين عن غيبة الطالب عن الدرس هل يستحق المعلوم أو يعطى بقسط ما حضر؟ فقال: إن كان الطالب في حال انقطاعه يشتغل بالعلم استحق وإلا فلا، ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال لم يستحق لأن المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره وكان يذهب إلى أن ذلك من باب الارصاد انتهى. ومن صور ذلك ما يشتري من أراضي بيت المال بالحيلة من غير بذل ثمن معتبر فحكمه حكم ما وقفه السلطان من أراضي بيت المال، وقد أراد برقوق في سنة نيف وثمانين وسبعمائة إيطال جميع الأوقاف وردها إلى بيت المال بهذه الحجة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء عصره فقال الشيخ سراج الدين البلقيني: أما ما وقف على خديجة وعويشة فنعم، وأما ما وقف على المدارس والعلماء وطلبة العلم فلا سبيل إليه لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك، وإنما يأكلون من هذه الأوقاف بسبب استحقاقهم من بيت المال، ومن صور ذلك ما اشترى بعقد صحيح وبذل فيه الثمن المعتبر ولكن كان مشتريه من الأتراك الذين أصلهم عبيد بيت المال وأعتقهم السلطان مجاناً فإن عتقهم في هذه الصورة غير صحيح فكل ما في أيديهم ملك لبيت المال فتجري أوقافهم على هذا الحكم. ٢١ - المباحث الزكية في المسألة الدوركية بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد فقد ورد على سؤال من بلاد دوركي صورته قال الواقف في كتاب وقفه: وقف على أولاده الذكور وأولاد أولادهم الذكور دون الإناث فإن لم يبق من أولاده الذكور أحد يكون وقفاً على أولاده الإناث، ما تقول السادة العلماء في معنى قوله: فإن لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفاً على أولاده الإناث؟ وفي مرجع الضميرين المجرورين فيه أنهما لماذا يرجعان وبماذا يصح معنى كتاب الوقف وما تقول فيمن قال بتحريم إناث الذكور وانتقال الوقف من نسل الواقف والخروج منهم بانقطاع الأولاد الصلبية بعد ما تصرفوا فيه بإذن الحاكمين الحنفي، والشافعي، مدة سبع وعشرين سنة زعماً منه أن معنى كتاب الوقف هكذا المفهوم من العبارة الواقعة في كتاب الوقف وهي - أي الطاحونة - وقف على أولاده الذكور أي على أولاد الواقف الذكور لما أن الضمير في أولاده راجع إلى الواقف، وعلى أولادهم الذكور الضمير راجع إلى أولاد الذكور دون ١٥٨ الفتاوى الفقهية / باب الوقف الإناث نفي عن إناث الذكور فإن لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفاً على أولاده الإناث فما بعد يكون وقفاً على المسجد الجامع المعمور بدوركي، فعلم من ذلك أن الواقف اختص أولاً إلى ذكور الواقف وخرج من البين إناث الذكور خائبات بحكم عبارة دون الإناث ولم يستحق الوقف إلا من هو من الإناث الصلبية للواقف، ولو بقي أحد من تلك الإناث الصلبية يستحق إلى حين الانقراض وإلا لا يستحق له أحد غيرها فمن عانده يأتي بحجة شرعية لا بحجة عقلية - هذه صورة السؤال. فکتبت عليه ما نصه: قول الواقف على أولاده الذکور وأولاد أولادهم الذكور دون الإناث ينفي أولاد بنات الذكور لا بنات الذكور، والحاصل أن الواقف قصر الوقف على من ينسب إليه فأولاد بنيه يعطونَ ذكوراً كانوا أو إناثاً إذا وجد شرط الإناث وهو فقد الذكور وأولاد بنات بنيه لا يعطون البتة لأنهم لا ينسبون إليه، فبنت الابن تنسب إلى جدها كابن الابن، وبنت البنت أو ابن البنت إنما ينسبان إلى أبيهما لا إلى جدهما أبي أمهما، فضمير أولادهم للأولاد والذكور صفة لأولاد المضاف إلى الضمير لا لأولاد الأول المضاف إلى أولادهم، إذ لو كان صفة له لزم محذور أشد وهو الصرف إلى الأولاد الذكور من نسل جميع أولاد الأولاد الشامل للذكور والإناث فيلزم الصرف إلى ابن بنت الابن وهو خلاف المراد المفهوم من سياق غرض الواقف حيث منع بنات نفسه مع وجود الذكور فلا يمكن إعطاء من أدلى ببنت ابن مع وجودهم ووجود بنات نفسه، فعلم أن مقصوده إعطاء من ينسب إليه من بنيه وبناته وأولاد بنيه ذكوراً وإناثاً وأولاد بني بنيه دون أولاد بنات بنيه، وعلم شرط فقد الذكور في إعطاء الإناث من صلبه بالنص منه ومن بنات أولاده إما بالقياس عليهن وإما بعموم نصه، فإن قوله أولاده في الموضعين وهماً، فإن لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفاً على أولاده الإناث قد يقال لشموله لهم لفظاً لكون الجملة جاءت عقب النوعين، وإن كان الراجح عندنا أن أولاد الأولاد لا يدخلون في الوقف على الأولاد فهذا مدرك آخر خاص بهذه الواقعة - هذه صورة الجواب. وقد أورد عليه أنه على هذا التقرير يلزم خلو نص الواقف عن استحقاق أولاد أولاده، فإنه لم يذكر أولاً أولاده وأولاد أولادهم ولم يذكر أولادهم، وأقول: هذا الأمر مما زادنا يقيناً فيما أفتينا به من استحقاق بنات أولاده بشرط فقد الذكور، ومن أن الذكور صفة لأولادهم لا لأولاد المضاف هو إليه، ومن أن قوله أولاده في الموضعين شامل بعموم لفظه الحقيقة والمجاز أعني أولاد صلبه وأولاد أولاده فإن قلت: بين لي ذلك حتى أفهمه، قلت: الذي يحمل عليه عبارة الواقف أن قوله وقف على أولاده الذكور ليس قاصراً على أولاد صلبه بل عاماً في جميع نسله الذكور الطبقة الأولى والثانية والثالثة وهكذا إلى آخر نسله فإن قلت: كيف تقول ذلك وكيف يسوغ لك هذا الحمل وهذا عندك في المنهاج ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصح فهذا إفتاء بالقول المرجوح قلت: كلا غير ١٥٩ الفتاوى الفقهية / باب الوقف أنك قاصر عن إدراك المدارك، والمدرك في هذا الحمل أمور: الأول أن شراح المنهاج قالوا: إن محل الخلاف فيما إذا لم يرد الواقف جميعهم فإن أراد ذلك دخل أولاد الأولاد قطعاً - ذكره ابن خيران في اللطيف، وإرادة الواقف تعرف بالقرائن وقد قامت هنا وهي ما يذكر بعد هذا. الأمر الثاني: أن قوله وأولاد أولادهم الذكور قرينة ظاهرة في أنه أراد بالأولاد جميع نسله لا أولاد صلبة فقط، ونص على هذا الفرع بخصوصه وهو الطبقة الثالثة ليبين شرطها الخاص بها وهو أن يكون ممن ينسب، إلى الواقف بأن يكون من ذرية أولاد أولاده الذكور لا من ذرية أولادهم الإناث، ولو كان المراد بالأولاد الصلبية فقط لزم أن يعطي الأولاد وأولاد أولادهم دون أولادهم وهو خلاف الظاهر. الثالث: أنه ليس المراد أيضاً بأولاد أولادهم طبقة مخصوصة بل هو عام في كل طبقة من النسل وإن بعدت لا يعطي من طبقات النسل إلا من يدلي إلى الواقف بمحض الذكور، ولا يعطي من أدلى بإناث فكما أن هذا عام في أولاد أولادهم لصلبهم ومن سفل فكذلك قوله على أولاده عام فيمن هم الصلبه ومن سفل. الرابع: لو أخذنا بالخصوص وقلنا الأولاد خاص بالصلبية دون أولاد الأولاد لكان الثاني أيضاً كذلك وهو قوله وأولاد أولادهم، فلم يكن يعطي من أولاد أولادهم إلا طبقة واحدة وهم أولادهم لصلبهم وكان يحرم جميع الطبقات بعدهم وينقرض أهل الوقف بانقراض الطبقة الثالثة ولا سبيل إلى ذلك. الخامس: أن الالفاظ يراعي فيها عرف أربابها والواقف لهذا الوقف والحاكم به والموثق كلهم حنفية ومذهب الحنفية أن الوقف على الأولاد يدخل فيه أولاد البنين. قال في المحيط: لو وقف على ولده يدخل فيه أولاده لصلبه وأولاد أبنائه، وفي أولاد البنات روايتان عن محمد أنهم يدخلون فيه لأن اسم الولد يتناولهم لأن الولد اسم المتولد متفرع من الأصل، وأولاد البنات متفرعة متولدة من الأم، وأمهم متولدة من الجد فكانت بواسطة الأم مضافة إلى الجدة، وقال في موضع آخر: لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على أولادي دخل فيه البطون كلها لعموم اسم الأولاد، وقال في موضع آخر: لو قال هذه صدقة على ولدي وولد ولدي وأولادهم دخل فيه البطون كلها وإن كثروا الأقرب والأبعد فيه سواء لأنه لما قال أولادهم فقد ذكرهم مضافاً إلى أولاده لا إلى نفس الواقف فقد ذكر أولادهم على العموم فيقع ذلك على البطون كلها انتهى. فعلم أن الواقف ومن وثق عنه اقتصر على لفظ الأولاد في الوقف لاعتقاده أنه شامل لجميع نسله بناء على مذهبه، وزاد هذا المراد ايضاحاً تنصيصه على شرط يختص ببعض الفروع النازلة، فعلم أن مراده بقوله على أولاده الذكور جميع نسله من صلبه ومن سفل، فكذلك قوله يكون وقفاً على أولاده الإناث يكون مراداً به جميع الإناث من نسله من كانت الصلبه وبنات بنيه، وخرج ببنات بناته وبنات بنات بنيه بالشرط الذي شرطه، ويرشح أن الواقف والموثق مشياً في لفظ أولاده على الشمول بناء على مذهبهما أن عبارة الواقف وجيزة جداً ليس فيها إلا هذا القدر المذكور في السؤال من غير بسط ولا إطناب كما يفعله ١٦٠ الفتاوى الفقهية / باب الوقف موثقو بلادنا. الأمر السادس: أن الذي زعم إخراج بنات البنين من البنين متمسكاً بما تمسك به أخطأ خطأ ثانياً بعد خطأه أولاً حيث رام إخراجهم من لفظ الأولاد مع دخولهم فيه في مذهبه، وذلك أنه إذا نظر إلى قول الواقف فإن لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفاً على أولاده الإناث، فإن أخذ لفظ أولاده في الشقين على العموم في أولاد الصلب وأولاد البنين فهو المدعي ويلزمه أن يعطي بنات البنين، وإن أخذه على الخصوص فيهما بأولاد الصلب قلنا له يا غافل يلزمك أن لا تعطى من أولاد الأولاد أحداً فإنه رتب على فقد أولاده الذكور إعطاء أولاده الإناث وقد جعلت الأولاد فيهما خاصاً بالصلبية فلزم أن تعطي بنات الصلب عند فقد ذكور الصلب وتصرفه إلى الجامع عند فقد إناث الصلب ويذهب أولاد الأولاد الذكور خائبين فيبقى قول الواقف: وأولاد أولادهم الذكور لاغياً لا يعمل به وهو باطل، وإن أخذه على العموم في الشق الأول دون الثاني فهو تحكم بحت فتعين أن يكون معنى قوله فإن لم يبق من أولاده الذكور أي من فروعه صلبية ومن سفل يكون وقفاً على أولاده الإناث أي فروعه صلبية ومن سفل، هذا ما سنح في هذه المسألة والله أعلم. ٢٢ - القول المشيد في وقف المؤيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع السؤال عن وقف الملك المؤيد شيخ وذلك أنه وقف وقفاً وقال فيه مهما فضل بعد المصارف يصرف لأولاده لصلبه ثم لأولادهم ثم لذريتهم ونسلهم وعقبهم طبقة بعد طبقة تحجب الطبقة العليا منهم أبداً الطبقة السفلى، علی أن من مات منهم عن ولد أو ولد ولد وإن سفل انتقل نصیبہ إلیه فإن لم یکن له ولد ولا نسل ولا عقب انتقل نصيبه إلى من هو في درجته يقدم الأقرب إلى المتوفى منهم فالأقرب، ويقدم في الاستحقاق من أهل الدرجة الإخوة على غيرهم، ويقدم الأخ الشقيق على الأخ للأب وابن العم الشقيق على ابن العم للأب، وعلى أنه من توفي منهم ومن أولادهم ومن أولاد أولادهم ومن أنسالهم وأعقابهم وإن سفل قبل أستحقاقه لشيء من منافع هذا الوقف وترك ولداً أو ولد ولد أو نسلاً أو عقباً أو أسفل من ذلك استحق ولده والأسفل منه ما كان يستحقه المتوفى لو بقي حياً حتى يصير إليه شيء من منافع هذا الوقف وقام في الاستحقاق مقام المتوفى أباً كان أو أماً أو جداً أو جدة ومن يجري مجراهم ومات الواقف وخلف أولاداً ذكوراً وإناثاً ثم ماتوا ولم يبق للواقف إلا ابنة واحدة فماتت وخلفت ابنة وابن ابن فهل تقدم الابنة عملاً بقول الواقف يقدم الأقرب إلى المتوفى منهم فالأقرب أو يشاركها ابن الابن؟ فأفتيت بما نصه: تختص البنت بنصيب أمها ولا يشاركها ابن الابن وذلك لأمرين أحدهما قوله إن من مات عن نصيب وله ولد وأسفل منه ينتقل نصيبه لولده ويقدم الأقرب إلى المتوفى منهم فالأقرب، وهذه صورة هذه الواقعة فإن بنت الواقف ماتت عن نصيب