النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الفتاوى الفقهية / باب القراض والمزارعة والإجارة إلا يرى في الوزن نقصاني ولا ترى في الناس ذا مسكة فالجاهل اللوطي والزاني وإن يزني أحد راجحاً فالشرع فيه هدم ذا الجاني وقلت إن لم يخل مما به من قال هذا آئم جاني واستفتى الباني فأفتى بأن مقال حق ليس بالواني يا أيها الناس ألا فاسمعوا عند محب كان أوشاني من ذا الذي أولى بتأثيمه يعصي به الله أم الباني أهادم ربعاً بنوه لكي باب القراض مسألة: لو اختلف المالك والعامل فقال المالك دفعت لك المال قراضاً وقال الآخر بل قرضاً من المصدق؟ الجواب: هذا الفرع لم أره منقولاً عندنا وإنما المنقول عكسه وهو في الروضة محكي فيه وجهان بلا ترجيح، ورجح فيما إذا كان المال باقياً تصديق المالك وفيما إذا تلف تصديق العامل، وأما هذا الفرع فالذي يظهر فيه تصديق العامل لأن معه يداً وبلغني أنه منقول عند المالكية كذلك. باب المزارعة مسألة: رجل له أرض اتفق مع شخص عنده قمح على أنهما يزرعان الأرض وأن صاحب القمح يبذر عن صاحب الأرض ما يخصه من القمح وأن ما يخص صاحب القمح يؤدي هو خراجه وإن صاحب الأرض يحرث ما يخصه وما يخص شريكه في مقابلة أنه يصبر عليه بما يخصه من القمح ثم طلع الزرع فما الذي يستحقه كل منهما؟ الجواب: يختص صاحب القمح بجميع الزرع لأن القمح الذي بذره كله ملکه ولم يقع فيه قرض صحيح وعليه أجرة المثل للأرض ولصاحب الأرض أيضاً أجرة المثل لعمله وحرثه لأنه عمل بإجارة فاسدة. باب الإجارة مسألة: رجل أجر أرضاً عشر سنين ثم باعها لآخر بعد ثمان سنين وجعل له أجرة السنتين فامتنع المستأجر من زرعها وقال للمشتري: ازرع أنت أرضك فهل له ذلك؟ الجواب: إذا باع الأرض المؤجرة فالإجارة لازمة باقية على حكمها وليس للمستأجر الامتناع، ومعناه أن عليه بقية الأجرة زرعها أم لا، لأن الأجرة تلزم وإن لم يستوف المنفعة ولا يجبر على الزرع نفسه، لكن الصورة المسؤول عنها فيها جعل الأجرة الباقية للمشتري ١٢٢ الفتاوى الفقهية / باب الإجارة فإن ذكر ذلك في العقد على وجه أنه شرط في البيع بطل البيع . مسألة: فيمن استأجر شخصاً لقلع سن وجعه فحضر لذلك فقال المستأجر سني طيبة وامتنع من قلعها فهل تنفسخ الإجارة أم لا؟ الجواب: أطلق الجمهور أن الإجارة تنفسخ. مسألة: رجل استأجر بيتاً مرخماً على أن يسكنه خاصة وأقبض الأجرة فوضع فيه كتاناً واحترق البيت بسببه فهل يضمن البيت وإذا ضمنه فهل يلزمه قيمته أو بناء مثله؟ وهل تنفسخ الإجارة وهل له الرجوع بأجرة بقية المدة؟. الجواب: إن كان حصول الحريق في البيت بفعل منسوب إليه من نار أوقدها وجرت إلى ذلك فهو ضامن للبيت مطلقاً، وإن كان غير منسوب إليه فضمانه على من نسب إليه الحريق، وهل يكون المستأجر طريقاً في الضمان؟ ينظر فإن كان استأجر للانتفاع مطلقاً فلا أو للسكنى خاصة فهو متعد بوضع الكتان فيصير بذلك غاصباً كما ذكره الأصحاب فيما إذا اكترى ليسكن فأسكن حداداً أو قصاراً، وإذا صار غاصباً صار طريقاً في الضمان والقرار على من نسب إليه الحريق، وعلى كل حال تنفسخ الإجارة بما حصل ويستحق بقية أجرة المدة فيرجع بها أو يحاسب بها مما يلزمه، وأما هل تلزمه قيمة الدار أو بناء مثلها؟ فالذي أفتى به النووي ونقله عن نص الشافعي أنه يلزمه بناء مثلها ولكن فيما إذا هدم جداراً، ولا يظهر بينه وبين ما نحن فيه فرق، وأما الإسنوي فصحح وجوب القيمة لأن الجدار متقوم وأول النص فالعمدة على ما أفتى به النووي وقصة جريح في الصحيح تؤيده. مسألة: استأجر إنسان عيناً مدة ولزمته الأجرة باستيفاء المنفعة فادعى أنه معسر وكان أقر عند الإجارة أنه مليء وقادر فهل يقبل قوله في دعوى الإعسار بعد إقراره؟ . الجواب: لا يقبل قوله إلا ببينة تشهد أنه كان قادراً وتلف ماله. مسألة: رجل استأجر من رجل أرضاً إقطاعية ليزرعها مدة ثلاث سنين فمات المؤجر بعد سنتين وخلف ولداً فهل تنفسخ الإجارة أو تبقى لولد المؤجر؟ . الجواب: الأرض الإقطاعية في إجارتها كلام للعلماء حتى قال المحققون: أنها لا تصح إجارتها لأنها بصدد أن ينزعها الإمام من المقطع ويقطعها غيره، لكن الذي نختاره صحة إجارتها ومع ذلك لا نقول إنها كالأرض المملوكة حتى أنه إذا مات المؤجر تبقى الإجارة بل نقول بانفساخ الإجارة بموته، كما إذا مات البطن الأول وقد أجر الوقف بل أولى لأن البطن الثاني ينتقل إليه الوقف قطعاً والإقطاع لا يتحقق انتقاله إلى الولد فقد يقطعه السلطان إياه وقد لا يقطعه . مسألة: في رجل سافر لبلاد السلطان في طلب مال الذخيرة فأعطوه حق طريقه فأخذ صحبته ثلاثة مماليك في خدمته فأعطى كل واحد منهم عشرة أشرفية فهل له أن يدعي على أحدهم بالمبلغ الذي أعطاه في نظير سفره معه وهل يلزمه أن يعطي من أخذ معه تسفيره؟. ١٢٣ الفتاوى الفقهية / باب الجعالة الجواب: يلزمه أن يعطي الذي أخذه معه تسفيره بشرط أن يشرط عليه ذلك أولاً، فإن سافر معه ولم يذكر له أجرة فلا شيء له، ومتى أعطاه شيئاً وقد شرطه له أولاً أو لم يشرطه ولکن تبرع به فلا رجوع له به. باب الجعالة مسألة: شخص حج حجة نافلة فقال له آخر: يعني ثواب حجتك بكذا فقال له بعتك فهل ذلك صحيح وينتقل الثواب إليه؟ وإذا قال شخص لآخر: اقرأ لي كل يوم ما تيسر من القرآن واجعل ثوابه لي وجعل له على ذلك مالاً معلوماً ففعل فهل يكون ثواب القراءة المجعول له أو مثل الثواب أم لا؟ وإذا انتقل الثواب له فهل يبقى للقارىء ثواب أم لا؟ وكذا إذا لم يقرأ له بجعالة ولكن قرأ له تبرعاً من نفسه وكذا سائر العبادات؟. الجواب: أما مسألة الحج وسائر العبادات فباطلة عند الفقهاء، وأما مسألة القراءة فجائزة إذا شرط الدعاء بعدها والمال الذي يأخذه من باب الجعالة وهي جعالة على الدعاء لا على القراءة، فإن ثواب القراءة للقارىء ولا يمكن نقله للمدعو له وإنما يقال له مثل ثوابه فيدعو بذلك ويحصل له أن استجاب الله الدعاء، وكذا حكم القارىء بلا جعالة في الدعاء. مسألة: فيمن يقرأ ختمات من القرآن بأجرة هل يحل له ذلك؟ وهل يكون ما يأخذه من الأجرة من باب التكسب أو الصدقة؟. الجواب: نعم يحل له أخذ المال على القراءة والدعاء بعدها وليس ذلك من باب الأجرة ولا الصدقة بل من باب الجعالة، فإن القراءة لا يجوز الاستئجار عليها لأن منفعتها لا تعود للمستأجر لما تقرر فى مذهبنا من أن ثواب القراءة للقارىء لا للمقروء له، وتجوز الجعالة عليها إن شرط الدعاء بعدها وإلا فلا وتكون الجعالة على الدعاء لا على القراءة. هذا مقتضى قواعد الفقه وقرره لنا أشياخنا، وفي شرح المهذب أنه لا يجوز الاستئجار لزيارة قبر النبي 18َّ وتجوز الجعالة إن كانت على الدعاء عند زيارة قبره لأن الدعاء تدخله النيابة ولا يضر الجهل بنفس الدعاء وإن كانت على مجرد الوقوف عنده ومشاهدته فلا لأنه لا تدخله النيابة انتهى، ومسألة القراءة نظيره. مسألة : يعم سائلكم في كل ما سألا ماذا جوابكم لا زال فضلكم قصد سوى أنه في الوقف قد حصلا في قارىء يقرأ القرآن ليس له فصار مثل أجير لازم العملا لأخذ معلومه في الوقف لازمة ثوابه في حضور يشبه العملا؟ فهل يثاب على هذي القراءة أو أصاب وجه صواب نلتم نزلا فقد تنازع فيها قائلان فمن نراه ومبتهج والخير قد حصلا ولا برحتم نجوماً والزمان بكم ١٢٤ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات الجواب : ثم الصلاة على المختار منتحلا الحمد لله حمداً يبلغ الأملا أجراً ولا بانتفاء الأجر عنه خلا لا يطلق القول في هذا بأن له بالقلب وهو على النيات قد حملا بل المدار على ما كان نيته أجرو إن ينو محض الجعل عنه فلا فإن نوى قرية الله كان له يرى لدى الحشر في فردوسه النزلا وابن السيوطي قد خط الجواب لكي باب إحياء الموات مسألة: رجل بيده رزقة اشتراها ثم مات فوضع شخص يده عليها بتوقيع سلطاني فهل للورثة منازعته؟ . الجواب: إن كانت الرزقة وصلت إلى البائع الأول بطريق شرعي بأن أقطعه السلطان إياها وهي أرض موات فإنه يملكها ويصح منه بيعها ويملكها المشتري منه وإذا مات فهي لورثته، ولا يجوز لأحد وضع اليد عليها لا بأمر سلطاني ولا بغيره، وإن كان السلطان أقطعه إياها وهي غير موات كما هو الغالب الآن فإن المقطع لا يملكها بل ينتفع بها بحسب ما يقرها السلطان في يده وللسلطان انتزاعها متى شاء، ولا يجوز للقطع بيعها فإن باع ففاسد وإذا أعطاها السلطان لأحد نفذ ولا يطالب. مسألة: ما شرع فيه في هذه الأيام من هدم الأبنية المحدثة في الشوارع وحريم المساجد هل يجوز أم لا؟. الجواب: نعم هو جائز بل واجب. ١٧ - البارع في إقطاع الشارع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، عرض علي ورقة صورتها: فرع يجوز للإمام إقطاع الشارع على الأصح فيصير المقطع به كالمتحجر ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء، وفي وجه غريب يجوز للإمام تملك ما فضل عن حاجة الطريق، ومراد قائله إن للإمام التملك للمسلمين لا لنفسه. وذكر الرافعي في الجنايات أنه تقدم في الإحياء أن الأكثرين جوزوا الإقطاع وأن المقطع يبني فيه ويتملك وهذا ذهول فإن الأصح في الصلح منع البناء وهنا منع لتملك انتهى. وأقول: هذا الفرع منقول برمته من التكملة للزركشي والكلام عليه من وجهين: الوجه الأول في ذكر حكم المسألة إجمالاً وحكمها على ما هو المفهوم من المنقول بعد مراجعة ما تيسر من كتب المذهب كالروضة، والشرح، وتهذيب البغوي، وكافي الخوارزمي، ونهاية ١٢٥ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات إمام الحرمين، وبسيط الغزالي، ووسيطه، والأحكام السلطانية للماوردي، والتلخيص لابن القاص، والبلغة للجرجاني، وتعليق القاضي الحسين، وغير ذلك، ومن كتب المتأخرين الكفاية لابن الرفعة، وشرح المنهاج للسبكي، والمهمات، والخادم أن الإمام إذا أقطع أحداً موضعاً من الشارع كان المقطع أولى به من غيره للارتفاق خاصة دون التملك والبناء، وأنه لو جاء أحد بعد صدور الإقطاع إلى هذا الموضع فجلس فيه أزعج منه ولا يقر، ولو كان المقطع غائباً عنه وليس فيه أمتعته، فإن قلت مقتضى قوله كالمتحجر أنه لو جاء أحد وتعدى وجلس لم يمنع لأن المشبه به وهو المتحجر قالوا إنه يصير أحق من غيره ومع ذلك لو تعدى غيره وبنى لم يكن عليه سوى الإثم ويملك البقعة بالإحياء، ومقتضى ذلك أن المتعدي هنا ليس عليه سوى الإثم ولا يزعج، قلت: ليس الأمر كذلك كما سنبينه مفصلاً. الوجه الثاني في الكلام على ذلك من حيث التفصيل فنقول في هذا الفرع المسؤول عنه أمور: أحدها أن قوله كالمتحجر زيادة زادها الزركشي وليست في كلام الشيخين ولا غيرهما كما سنبين ذلك عند سياق عباراتهم، وحينئذ فلا يرد أصلاً السؤال المتقدم، وعلى تقدير توجهه فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول أن القاعدة المقررة أنه لا يلزم استواء المشبه والمشبه به من كل وجه فيكون التشبيه في الأحقية فقط لا في القدر الزائد أيضاً من حصول متعد بعد ثبوت الأحقية وهذا واضح. الثاني: الفرق بين الصورتين فإن مسألة المتحجر البقعة فيها تقبل التملك فإذا وجد الإحياء الذي هو أقوى سبباً عمل بمقتضاه وقدم على التحجر الذي هو أضعف وذلك من باب نسخ السبب الضعيف لوجود أقوى منه، ونظيره إدخال الحج على العمرة، وطروء الحدث الأكبر على الأصغر، وتقديم المباشرة على السبب في باب الجنايات. وأما مسألة الشارع فالبقعة فيها لا تقبل التملك فلم يوجد سبب أقوى يقدم على هذا السبب فتمسكنا بالسبب السابق الذي هو إقطاع الإمام وألغى كل ما طرأ بعده. الثالث: أن قوله عقب هذا التشبيه ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء يجري مجرى القيد لمحل التشبيه فيكون في معنى قوله إنه كالمتحجر إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتملكه فتكون هذه الجملة مخرجة لتلك الصورة المذكورة في المتحجر وهو تعدي شخص عليه بالإحياء فلا تأتي هنا ويكون إخراجها من منطوق الكلام لا من مفهومه، ولهذا عبر بقوله لأحد الدال على العموم ولم يقل ولا يجوز له تملكه أي للمقطع ليفيد أن المقطع وغيره في ذلك سواء، فبكل من هذه الأوجه الثلاثة عرف أن العبارة لا تعطي ذلك المقتضى المذكور، ووجه رابع وهو أنه شبهه بالمتحجر من حيث إنه لم يملك البقعة بالتحجر وكذلك هو لا يملك البقعة بالإقطاع، وعلى هذا فقوله بعده ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء جار مجرى التفسير لا مجرى التقييد، الأمر الثاني أن قوله وذكر الرافعي في الجنايات إلى قوله وهذا ذهول سبقه إليه ابن الرفعة في الكفاية ثم السبكي في شرح المنهاج ثم الإسنوي في المهمات فاعتمده الزركشي هنا وحاول في الخادم التأويل والجمع بين كلامي الرافعي ونحن نسوق ما تيسر من عبارات الأصحاب في المسألة، قال في الروضة: وهل لإقطاع الإمام فيه ١٢٦ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات مدخل؟ وجهان أصحهما عند الجمهور نعم وهو المنصوص لأن له فيه نظراً ولهذا يزعج من أضر جلوسه، وأما تملك شيء من ذلك فلا سبيل إليه بحال، وحكي وجه في الرقم للعبادي وفي شرح مختصر الجويني لأبي طاهر أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق والمعروف الأول - هذه عبارة الروضة، فانظر كيف لم يذكر فيها قوله كالمتحجر. وقال البغوي في التهذيب: القطائع قسمان أحدهما ما يملك وهو ما مضى من إحياء الموات. والثاني إقطاع إرفاق لا تملك فيه كمقاعد الأسواق والطرق الواسعة، ويجوز للسلطان إقطاعه لكنه لا يملكه بل يكون أولى به، ويمنع أن يبني دكة لأنه يضيق الطريق ويضر بالضرير وبالبصير بالليل، وإذا أقطع السلطان موضعاً كان أحق به سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل لأن للإمام النظر والاجتهاد، وإذا أقطعه ثبت يده عليه، وقال الخوارزمي في الكافي: القطائع ضربان إقطاع إرفاق وإقطاع تملك، أما إقطاع الإرفاق وهو أن يقطع الإمام أو نائبه من إنسان موضعاً من مقاعد الأسواق والطريق الواسعة ليجلس فيه للبيع والشراء فيجوز إذا كان لا يضر بالمارة هذا هو المذهب، ولو أقطعه السلطان موضعاً منه لا يملكه ويكون أولى به نقل متاعه إليه أو لم ينقل ولو قام عنه أو غاب عنه لا ينقطع حقه عنه حتى لو عاد كان أولى به، ولو قعد فيه بالسبق من غير إقطاع كان أولی به ما دام هو فيه، وكذا لو قام وترك فيه شيئاً من متاعه فليس لغيره إزعاجه منه، ولو لم يترك فيه شيئاً فسيق إليه غيره كان الثاني أحق به، والفرق بينهما أن الاستحقاق تم بالإقطاع وهو باق بعد الذهاب والاستحقاق ههنا بكونه فيه وقد زال ـ هذا هو المذهب، انتهى كلام الخوارزمي بحروفه. فانظر كيف صرح بأن المقطع أحق به ولو قام أو غاب ولم يكن له فيه متاع، وأنه لو أراد أحد الجلوس فيه في غيبته أزعج بخلاف من قعد بالسبق من غير إقطاع إذا قام ولم يترك متاعه كان لغيره الجلوس فيه، ثم فرق بين المسألتين ببقاء الاستحقاق بعد الذهاب بالإقطاع وهذا ما قدمنا ذكره في أول الكلام على المسألة، وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: وأما القسم الثالث وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرقات فهو موقوف على نظر السلطان، وفي حكم نظره وجهان: أحدهما أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي ومنعهم من الإضرار والإصلاح بينهم عند التشاجر، وليس له أن يقيم جالساً ولا أن يقدم مؤخراً ويكون السابق إلى المكان أحق به من المسبوق. والوجه الثاني أن نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحاً من إجلاس من يجلسه ومنع من يمنعه وتقديم من يقدمه كما يجتهد في أموال بيت المال وإقطاع الموات، ولا يجعل السابق أحق على هذا الوجه، وليس له على الوجهين أن يأخذ منهم على الجلوس أجراً، وإذا تاركهم على التراضي كان السابق إلى المكان أحق من المسبوق انتهى . والوجه الثاني هو الذي ذكر في الروضة أنه الأصح فانظر كيف صرح الماوردي بأن السابق لا يجعل أحق على هذا الوجه تقديماً لإقطاع الإمام، وقال السبكي في شرح المنهاج: وهل لإقطاع الإمام مدخل في الشوارع؟ وجهان أصحهما نعم ورجحه الأكثرون ١٢٧ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات ونص عليه الشافعي لأن للإمام نظراً واجتهاداً في أن الجلوس في الموضع هل هو مضر أو لا؟ ولهذا يزعج من رأى جلوسه مضراً وإنما يزعجه الإمام وإذا كان لاجتهاده فيه مدخل فكذلك لإقطاعه، والثاني وهو اختيار الجوري، والقفال ورجحه الغزالي أنه لا مدخل للإقطاع في ذلك لأنها منتفع بها من غير عمل فاشبهت المعادن الظاهرة ولأنه لا مدخل للتمليك فيها فلا معنى للإقطاع بخلاف الموات، قال الرافعي: وللنزاع فيه مجال في قوله لا مدخل للتمليك فيه لأن في الرقم للعبادي وفي شرح مختصر الجويني لابن طاهر رواية وجه أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق، وزاد الرافعي فقال في كتاب الجنايات فيما إذا حفر بئراً في شارع بإذن الإمام أن الذي أورده أصحابنا العراقيون والروياني، وصاحب التتمة لا ضمان، وجوزوا أن يخصص الإمام قطعة من الشارع ببعض الناس فإن الخلاف راجع إلى ما تقدم في إحياء الموات أن إقطاع الإمام هل له مدخل في الشوارع؟ وبينا أن الأكثرين قالوا نعم وجوزوا للمقطع أن يبني فيه ويتملكه هذا كلامه في الجنايات، قال السبكي: ولم يتقدم منه في إحياء الموات إلا ما ذكرناه فقوله بينا أن الأكثرين قالوا نعم يريد به تجويز الإقطاع وهو صحيح، وقوله: وجوزوا للمقطع أن يبني فيه يمكن تمشيته على قول من يقول بجواز بناء دكة في الشارع، وقد تقدم في الصلح أن الأصح خلافه، وقوله ويتملكه لا يمكن تمشيته إلا على ما حكاه هنا عن الرقم وشرح مختصر الجويني وهو وجه غريب منكر لا يكاد يعرف فلا يبنى عليه، قال: والظاهر أن الرافعي لما تكلم في الجنايات طال عهده بما ذكره في الصلح وفي إحياء الموات ولم يحرره، قال ابن الرفعة: وكيف قدر فهو بعيد إلا إذا جهل السبب الذي صار به الشارع شارعاً وإذا جهل السبب ومنه ما يمتنع معه التملك جزماً ومنه ما لا يكون كذلك فكيف يقدم على تمليكه، وأيضاً فإن الشارع وإن اتسع في وقت قد يكون في وقت آخر بقدر الحاجة أو أضيق وهو موضوع شارعاً لعموم الأوقات، قال السبكي: وهذا الذي قاله ابن الرفعة صحيح ثم قال: وإذا جوزنا الإقطاع في ذلك فإنما معناه أن يصير المقطع أحق بالارتفاق به من غيره قال: وقد تكرر في كلام الشافعي والأصحاب أن الإقطاع قسمان: إقطاع إرفاق وهو هذا، وإقطاع تمليك وهو ما تقدم في الموات ليتملك بالأحياء فالشارع وأن أطلق عليه اسم الموات فيما عدا المرور ونحوه لا يدخله الاحياء ولا الحمى ولا إقطاع التمليك، ثم قال السبكي: فرع عن الأحكام السلطانية للماوردي إذا قلنا بدخول الإقطاع فلا يجعل السابق أحق، قال: فإن أراد السابق بعد الإقطاع فصحيح لأن بالاقطاع صار المقطع أحق، وأما إذا سبق واحد قبل الاقطاع فينبغي أن يمتنع الإقطاع لغيره ما دام حقه باقياً ولا يأتي فيه خلاف لقوله ◌َّ: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به)). وحاصله أن السبق موجب للأحقية قطعاً بالحديث، والإقطاع موجب للأحقية على الصحيح فإن تعارضا قدم الأقدم تاريخاً، ولو فرضنا أنهما حصلا في وقت واحد فينبغي تقديم السبق لأنه ثابت بالنص وإنما لم نقدمه بعد الاقطاع لأنا نجعل الإقطاع سبقاً، انتهى كلام السبكي. ١٢٨ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات فانظر كيف نقل عن الماوردي أن السابق مع الإقطاع لا حق له وحمله على السابق بعد صدور الاقطاع وقال إنه صحيح وعلله بأن بالاقطاع صار المقطع أحق وبأنا نجعل الاقطاع سبقاً وهو عين ما نقلناه في أول الكلام على المسألة. الأمر الثالث في بقية ما يتعلق بكلام الرافعي قال في المهمات بعد سياق كلاميه: ولا شك في أن المذكور هناك - يعني في الجنايات - سهو فإنه أحال على المذكور هنا فأطلق القول من غير إمعان وقال في الخادم بعد أن ساق كلام الرافعي، وكلام ابن الرفعة في الاعتراض عليه: الذي يظهر أنهما مسألتان إحداهما أن الإمام هل له أن يملك ذلك ابتداء؟ والأصح المنع وهو المذكور هنا، والثانية أنه إذا أقطعه الإمام ذلك فهل للمقطع أن يتملكه إذا بنى فيه والأصح نعم وهو المذكور في الجنايات قال: والحاصل أن هذا الإقطاع بمثابة إقطاع الموات إذا بنى فيه تملك وليس للإمام إن يملكه ابتداء، قال: فإن قلت: يمنع من هذا حوالة الرافعي في الجنايات على المذكور هنا وهو لم يذكر هنا التملك بضم اللام وإنما ذكر التمليك قلت: قد ذكر هنا جواز الاقطاع ومن لازمه جواز التملك وقد صرح بهذا اللازم في الجنايات، وأيضاً فلم يقل في الجنايات أنه يملكه بل يتملكه ومعناه أنه يتملكه بالاحياء للمسلمين، قال: على أن الصواب المذكور هنا وفيما نقله هناك عن الأكثرين نظر، أما قوله أنهم جوزوا فيه البناء فلا يتأتى فيه إلا على تجويز بناء دكة في الشارع إذا لم يضر وهو وجه، والأصح كما قاله في باب الصلح المنع وإن لم يضر، وأما قوله إنهم جوزوا تملكه فلا يتأتى إلا على ما حكاه هنا عن الرقم وهو وجه غريب اهـ. قلت: حط محط كلام الخادم على إبقاء الاعتراض على الرافعي والحكم عليه بالسهو فيما ذكره في الجنايات وهو معذور في ذلك، فإنه حاول الجمع بينهما بالطريق التي ذكرها فوجدها لا تتمشى على الراجح فرجع إلى موافقة المعترضين، وأقول: لا بأس بتأويل كلام الرافعي على وجه يمنع نسبة الذهول والسهو إليه، وعبارته في الجنايات وإن حفر لمصلحة عامة ففيه الوجهان أو القولان، والخلاف راجع إلى ما تقدم في إحياء الموات أن إقطاع الإمام هل له مدخل في الشوارع وبينا أن الأكثرين قالوا: نعم وجوزوا للمقطع أن يبنى فيه ويتملكه انتهى، فمحمل الإيراد هنا إجراء الكلام على أن قوله وجوزوا معطوف على قالوا فيكون منسوباً للأكثرين، وعلى أن قوله: ويتملكه الضمير فيه راجع إلى الشارع كما هو راجع إليه في قوله أن يبني فيه، ويندفع الأول بأن يجعل قوله وجوزوا مستأنفاً لا معطوفاً على خبر أن فيكون إشارة إلى الوجه المذكور في الصلح أنه يجوز البناء في الطريق وهو وجه مشهور لا غريب وإن لم يكن هو المصحح، والقصد بسياق ذلك هنا الإشارة إلى بناء الخلاف في مسألة حفر البئر على هذا الخلاف المذكور في إحياء الموات في إقطاع الإمام للشارع، وعلى الخلاف المذكور في جواز البناء في الشارع، ويوضح ما قلناه من الاستئناف وعدم العطف أن مسألة البناء ليست مذكورة في إحياء الموات وإنما هي مذكورة في باب الصلح، فكيف يظن بالرافعي أنه يعزو إلى باب مسألتين وليس فيه إلا إحداهما، فتعين أن ١٢٩ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات الذي عزاه إلى إحياء الموات إنما هو مسألة إقطاع الإمام فقط وهي التي حكى فيها هناك عن الأكثرين الجواز، وتم الكلام عند قوله وبينا أن الأكثرين قالوا نعم، ثم استأنف كلاماً آخر على طريق التذبيل مرشحاً لما ذكره فقال: وجوزوا - أي طائفة من الأصحاب - للمقطع أن يبني فيه فيكون ذلك ترشيحاً لجواز حفر البئر في الشارع لمصلحة عامة الذي هو الأظهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الراجح في مسألة البناء الجواز لما أشرنا إليه من أن القصد بسياق ذلك بناء الخلاف على الخلاف والترشيح، ولا يلزم من بناء الخلاف في مسألة على الخلاف في أخرى أن يستويا في الترجيح، وأما اعتراضهم عليه في قوله ويتملكه بأن الوجه القائل بتملك الشارع المحكي في إحياء الموات غريب منكر لا يبنى عليه ولا يعول فضلاً عن أن يعزى إلى الأكثرين فإنه يندفع بأيسر شيء، وذلك أن الاعتراض مبني على أن الضمير في يتملكه عائد إلى الشارع ونحن نقول ليس عائد إلى الشارع بل إلى البناء المفهوم من قوله يبني فيه، فيكون ذلك ترشيحاً لجواز حفر البئر، لأنه إذا قالت فرقة بجواز أن يبني في الشارع ما يكون ملكاً لبانيه فجواز حفر البئر التي لا تملك وتجعل لعموم المسلمين أولى، هذا ما تيسر تأويل كلام الرافعي عليه وهو وإن كان فيه بعض تكلف فإنه أولى من نسبه الإمام الرافعي إلى السهو والذهول، ومن النقول في المسألة عوداً وانعطافاً على ما تقدم قال ابن القاص في تلخيصه: القطائع فرقتان: أحدهما ما مضى، والثاني إقطاع إرفاق لا يملك مثل المقاعد في الأسواق هو أحق به، وقال إمام الحرمين في النهاية الذي صار إليه معظم الأصحاب أن الوالي لو أراد أن يقطع المقاعد فله ذلك كما له أن يقطع الموات من محييه، وقال الغزالي في البسيط: الإمام هل له أن يقطع مقاعد الأسواق؟ الذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن له ذلك كما في الموات، وذكر في الوسيط نحوه، وقال الجرجاني في البلغة: وأما الشوارع والرحاب الواسعة فلكل أحد أن يرتفق بالقعود فيها للبيع والشراء بحيث لا يضر بالمجتازين ومتى تركها كان غيره أحق بها، وإن قام عنها ليعود إليها في غد كان أولى بها، فإن أقطع الإمام مكاناً منها كان المقطع أحق بالارتفاق به من غيره، وقال القاضي حسين في تعليقه: الإقطاع قسمان، أحدهما إقطاع تمليك وهو الموات الذي يتملكه المقطع بإحداث أمر فيه، والثاني إقطاع إرفاق وهو مثل الرباطات ومقاعد الأسواق فللإمام أن يقطعها من شاء ليجلس فيها للتجارة وغيرها إذا كان لا يتضرر المارة به إذ لاجتهاده مدخل في هذه المواضع بدليل أنه يمنع عنه من يجلس فيه على وجه يتضرر به الناس، بخلاف المعادن الظاهرة فإنه لا مدخل لاجتهاد الإمام فيها إذ لا يسوغ له منع أحد عنها بحال، ثم الحكم فيه أن المقطع أحق به ما دام يتردد ويرجع إليه، فإن أعرض عنه وتركه فللغير أن . يجلس فيه، وإن اشتغل عنه بعذر أو غيره فحقه قائم فيه ليس للغير أن يجلس مكانه، وإذا مرض أو غاب إن كانت المدة قصيرة لم يكن للغير أن يجلس مكانه، وإن طالت المدة فللغير الجلوس مكانه ولا يملكه المقطع بحال إذ ليس فيه أثر عمارة ولا عين مال بخلاف الموات والمعادن الباطنة على أحد القولين انتهى. ١٣٠ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات فهذه عبارات مشاهير أئمة الأصحاب ليس فيها تعرض لتشبيهه بالمتحجر حتى يتوهم أن يأتي في المتعدى عليه على ما يأتي في المتعدي على المتحجر والله أعلم، قال مؤلفه رضي الله عنه: ألفته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثمانمائة . ١٨ - الجهر بمنع البروز على شاطىء النهر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع في هذه الأيام أن رجلاً له بيت بالروضة على شاطىء النيل أصله قديم على سمت جدران بيوت الجيران الأصلية ثم أحدث فيه من بضع عشرة سنة بروز ذرعه إلى صوب البحر نحو عشرين ذراعاً بالذراع الشرعي بحيث خرج عن سمت بيوت الجيران القديمة، ثم أراد في هذه الأيام أن يحدث فيه بروزاً ثانياً قدام ذلك البروز الأول متصلاً به فحفر له أساساً ذرعه إلى صوب البحر ستة عشر ذراعاً بالذراع الشرعي بحيث يصير مجموع البروزين ستة وثلاثين ذراعاً واقعة في حريم النهر وأرضه التي هي عند احتراق النيل مشرع له وطريق للواردين والمارين فقلت له: لا يحل لك ذلك باتفاق المذاهب الأربعة فشنع علي في البلد أني أفتيت بهدم بيوت الروضة وهذا كذب محض وإشاعة باطلة، فإن البيوت القديمة الباقية على أصولها لا يحل التعرض لها وإنما الكلام في البروز الحادث وما يراد إحداثه الآن، وكثير من الناس يظنون أن مذهب الشافعي جواز البروز مطلقاً وليس كذلك بل شرطه أن لا يكون في شارع ولا في حريم نهر ولا نحو ذلك مما هو مبين في كتب الفقه، وقد وقع في حياة شيوخنا أن أيبك الخاصكي بنى بيتاً بمصر تجاه جامع الريس وبرز فيه على شاطىء النهر فاستفتى الشيخ الإمام العلامة المحقق جلال الدين المحلي الشافعي فأفتى بمنعه من ذلك، وعلله بأن شطوط الأنهار لا تملك ولا يجوز إحياؤها ولا البناء فيها، وهذا هو منقول المذهب نص عليه إمامنا الإمام الشافعي رضي الله عنه. وسائر أصحابه ولا نعلم في ذلك خلافاً في المذهب بل ولا في بقية المذاهب الأربعة بل الأئمة الأربعة وأتباعهم متفقون على هذا الحكم. وهذه نبذة من نقول الأئمة في ذلك. ذکر نقول مذهبنا قال الرافعي في الشرح، والنووي في الروضة: حريم المعمور لا يملك بالاحياء. والحريم هو المواضع القريبة التي يحتاج إليها لتمام الانتفاع كالطريق ومسيل الماء ونحوه، ثم تكلما على حريم الدار وحريم القرية ثم قالا: والبئر المحفورة في الموات حريمها الموضع الذي يقف فيه النازح وموضع الدولاب ومتردد البهيمة ومصب الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض ونحوه. والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه وكل ذلك غير محدود وإنما هو بحسب الحاجة كذا قاله الشافعي، والاصحاب، : ١٣١ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات وفي وجه حريم البئر قدر عمقها من كل جانب وبهذا يقاس حريم النهر - هذا كلام الشيخين، ثم قالا بعد ذلك: عمارة حافات هذه الأنهار من وظائف بيت المال ويجوز أن يبنى عليها قنطرة لعبور الناس لأن ذلك من مصالح المسلمين انتهى. وقال الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج ما نصه: فرع عن أبي حنيفة لا حريم للنهر. وعن أبي يوسف: ومحمد له حريم وهو مذهبنا قال: ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العماير التي على حافات النيل ويقول إنه لا يجوز إحياؤها قال: وهذا قد عمت به البلوى في جميع البلدان، قال: وإذا رأينا عمارة على حافة نهر لا نغيرها لاحتمال أنها وضعت بحق وإنما الكلام في الابتداء أو فيما عرف حاله، ثم قال: ومما عظمت البلوى به اعتقاد بعض العوام أن أرض النهر ملك بيت المال وهذا أمر لا دليل عليه وإنما هو كالمعادن الظاهرة لا يجوز للإمام إقطاعها ولا تمليكها بل هو أعظم من المعادن الظاهرة في ذلك المعنى، والمعادن الظاهرة إنما امتنع التملك والإقطاع فيها لشبهها بالماء وبإجماع المسلمين على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج جميع الناس إليها فكيف يباع، قال: ولو فتح هذا الباب لأدى أن بعض الناس يشتري أنهار البلد كلها ويمنع بقية الخلق عنها، فينبغي أن يشهر هذا الحكم ليحضر من يقدم عليه كائناً من كان، ويحمل الأمر على أنها مبقاة على الإباحة كالموات وأن الخلق كلهم مشتركون فيها، وتفارق الموات في أنها لا تملك بالإحياء ولا تباع ولا تقطع وليس للسلطان تصرف فيها بل هو وغيره فيها سواء، فإن وجدنا نهراً صغيراً بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم فهو ملكهم يتصرفون فيه بما شاؤوا، وإن لم يكن ملكاً ولكن فيه مشارب لقوم مخصوصين فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي - هذا كله كلام السبكي، وهو تصريح بالنقل عن مذهبنا أن النهر له حريم لا يجوز تملكه ولا إحياؤه ولا البناء فيه ولا بيعه ولا إقطاعه، وقال في فتاويه: الأنهار ومجاريها العامة ليست مملوكة بل هي إما مباحة لا يجوز لأحد تملكها وإما وقف على جميع المسلمين، ولا شك إن الأنهار الكبار كالنيل والفرات مباحة كما صرح به الفقهاء في كتبهم، ولا يجوز تملك شيء منها بالاحياء لا بالبيع من بيت المال ولا بغيره، وكذلك حافاتها التي عموم الناس إلى الارتفاق بها لأجلها والأنهار الصغيرة التي حفرها قوم مخصوصون معروفون مملوكة لهم كسائر الأملاك المشتركة انتهى بحروفه، وهو تصريح بالنقل عن الفقهاء إن حافات النيل لا يجوز تملكها ولا إحياؤها. وقال في شرح المنهاج: فرع شخص أراد أن يغرس على حريمه على ماء جار شجرة جاز وإن كان النهر مشتركاً لأنه لا يضر بهم كما يتخذ على باب داره مشرعاً، وفي فتاوى القفال رجل له دار في موضع ويجري نهر على باب داره فأراد أن يغرس شجرة على جانب النهر بحذاء داره لم يجز فقيل له هذا كما لو بنى دكة في الشارع فقال ليس كذلك انتهى. فإذا منع القفال من غرس شجرة فما ظنك بالبناء؟ وقال الزركشي في شرح المنهاج: حافات النيل والفرات لا يجوز تملك شيء منها بالاحياء ولا بالابتياع من بيت المال ولا ١٣٢ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات غيره قال: وقد عمت البلوى بالأبنية على حافات النيل كما عمت بالقرافة مع أنها مسبلة، وذكر الدميري في شرح المنهاج نحو ذلك، وقد راجعت نص الشافعي فوجدته نص في مختصر المزني وفي الأم على أن النهر والماء الظاهر لا يملكه أحد من الناس ولا يصح لأحد أن يقطعه بحال والناس فيه شرع والمسلمون كلهم شركاء في ذلك - هذا نصه في الكتابين، زاد في الأم: ولو أحدث على شيء من هذا بناء قيل له حول بناءك ولا قيمة له فیما أحدث بتحويله. وقال ابن الرفعة في الكفاية: الحرائم هي المواضع القريبة التي يحتاج إليها لتمام الانتفاع بها سميت بذلك لأنها يحرم التعرض لها بنوع عدوان وذلك يختلف باختلاف المحيا، وذكر نحو ما تقدم عن الرافعي، والنووي ثم قال: وحمل الأصحاب قوله وَيقول: ((حريم البئر أربعون ذراعاً» على آبار الحجاز فإنها تكون عميقة تحتاج في المواضع التي يمر فيها الثور إلى ذلك المقدار وحريم النهر ملقى النهر للطين وما يخرج منه من التقن - وهو رسابة الماء - وقال البغوي في التهذيب: من حريم النهر ملقى الطين وما يخرج منه. وقال الخوارزمي في الكافي: حريم النهر ما يلقى فيه الطين عند الحفر، وقال السبكي في شرح المنهاج في سنن البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((حريم البئر أربعون ذراعاً من جوانبها كلها)) وعن ابن المسيب حريم البئر البدئي خمس وعشرون ذراعاً من نواحيها كلها، وحريم العادي خمسون ذراعاً من نواحيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، قال الزهري: وسمعت الناس يقولون: حريم العيون خمسمائة ذراع. وعن أبي هريرة مرفوعاً مثل قول ابن المسيب. وعن ابن عباس: حريم البئر خمسون ذراعاً وحريم العين مائتا ذراع، ثم قال السبكي، والشافعي: لم ير التحديد وحمل اختلاف الروايات على القدر المحتاج إليه وبهذا يقاس حريم النهر قال: ومن حريم النهر ملقى طينه وما يخرج منه مما يحتاج إلى إلقائه عند حفره، قال: وفي كلام الأصحاب وملقى طينه وهو ما ينحى مع الماء وسمي الرسابة، وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مغفل أن النبي وَ إ قال: ((من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَيقول: ((حريم البئر مد رشائها)) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلقر: ((حريم النخلة مد جريدها)) قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ: إذا أحيا أرضاً ليغرس فيها وغرس فليس لغيره أن يغرس بجواره بحيث تلتف أغصان الغراس وبحيث تلتقي عروقها، وقال الماوردي: حريم الأرض المحياة للزراعة طرقها ومفيض مائها وبيدر زرعها وما لا يستغنى عنه من مرافقها. انتهى ما في شرح المنهاج للسبكي في ضبط الحريم. وقال الغزي في أدب القضاء: مسألة: لا يجوز لأحد أن يبني سكراً في النهر العام الكبير الذي ليس بمملوك لأن النهر العام كالطريق المسلوك العام، ولو أراد أن يضع صخرة في طريق واسع منع منه. وفي فتاوى ابن الصلاح: مسألة - إذا أراد رجل أن يبني عمارة سكر في النهر الكبير الذي ليس بمملوك ثم يبني عليه طاحونة وناعورة ولا يضر بمن هو فوقه ولا بمن هو أسفل ١٣٣ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات منه هل له ذلك ويكون ذلك إحياء له ويكون بمنزلة الموات الذي يملك بالإحياء حتى يملك قرار النهر الذي يبني عليه العمارات ويملك حريمه أم لا؟ أجاب: ليس له ذلك فإنه لا يخلو عن ضرر فإنه يمنع من أن ينحدر في مكانه بسباحة أو سفينة أو نحو ذلك، وطريق الماء العام كطريق السلوك العام، ولو أراد مريد أن يضع صخرة في طريق شارع واسع منع منه وهذا شر من ذلك من وجه ولو قدر خلو ذلك عن الضرر لم يجز ملك ذلك الموضع كما لا يملك شيئاً من الطرق الواسعة بشيء من الاختصاصات الجائزة. ذكر نقول المالكية قال ابن الحاج في المدخل: شاطىء النهر لا يجوز لأحد البناء فيه للسكنى ولا لغيرها إلا القناطر المحتاج إليها لقوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل)) رواه أبو داود في سننه، وما ذاك إلا لأنها مرافق للمسلمين، فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول: لعن الله من فعل هذا والنبي وَّ رؤوف رحيم فنهاهم أن يفعلوا ما يلعنون بسببه هذا، وهو مما يذهب بالشمس والريح وغيرهما فكيف بالبناء على النهر المتخذ للدوام غالباً، وقد قال ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم: اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها، والبناء على النهر أكثر ضرراً وأشد من تضييق الطريق لأن الطريق يمكن المرور فيها مع تضييقها بخلاف النهر فمن بنى عليه كان غاصباً له لأنه موردة للمسلمين، فإذا جاء أحد يرد الماء فيحتاج أن يدور من ناحية بعيدة حتى يصل إليه وليس عليه ذلك فكان من أحوجه إلى ذلك غاصَباً وقد قال عليه السلام: ((من أخذ شبراً من أرض ظلماً طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين)) رواه البخاري، ومسلم، قال: وقد تقدم فيمن أرسل سجادة إلى المسجد قبل إتيانه فوضعت هناك ليحصل بها المكان أو كان فيها زيادة على ما يحتاج إليه أن ذلك كله غصب، هذا وهو مما لا يدوم فكيف بالبناء على النهر، قال: وقد قال علماؤنا أن حريم العيون خمسمائة ذراع وحريم الأنهر ألف ذراع، واختلفوا في حريم البئر فقيل خمس وعشرون ذراعاً وقيل خمسون وقيل ثلاثمائة وقيل خمسمائة نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته، وابن يونس في كتابه ولم يحد مالك في ذلك حداً إلا ما يضر بالناس، فعلى هذا ولو كان أكثر من ألف ذراع إذا أضربهم يمنع ثم أفضى الأمر من أجل كثرة البناء عليه إلى أن أمتنع على المسلمين أخذ الماء منه للشرب وغيره إلا مواضع قليلة، ثم جرت هذه المفسدة إلى أن وصلت إلى عماد الدين وأصله وهو فساد الصلاة لأنه إذا صلى أحد في هذه الدار وقع فيها خلاف للعلماء في الصحة والفساد وهذا مشهور معروف، ثم إن البناء على البحر لا بد وأن يفصل شيء من آلة العمارة غالباً أو ينهدم هناك شيء من الدور فيقع ذلك في البحر فتجيء المراكب وليس عندهم خبر فتمر على ذلك فتكسرها غالباً، سيما إذا كانت الحجارة مبنية بارزة مع الزرابي الخارجة عن البيوت في داخل البحر، ثم مع هذه الأذية يمنعون أصحاب المراكب من أن يلتصقوا إليها والموضع مباح ليس لأحد فيه اختصاص، ثم إن المركب قد تأتي في وقت ١٣٤ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات هول البحر مع ثقلها بالوسق فيريد صاحبها أن يرسي في الموضع القريب منه ليسلم من آفات البحر فلا يجد لذلك سبيلاً من كثرة الدور التي هناك فيمضي لسبيله حتى يجاوز الدور فقد يكون ذلك سبباً لغرقه وذلك كله في ذمة الباني هناك، قال: وقد نقل ابن رشد أن حكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه وهي على ثلاثة أوجه: بعيد من العمران، وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه، وقريب منه في إحيائه ضرر، فأما البعيد من العمران فلا يحتاج في عمرانه إلى استئذان الإمام إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب، وأما القريب منه الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام على المشهور في المذهب، وأما القريب منه الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي يكون أخذ الشيء منها ضرراً بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال ولا يبيح ذلك الإمام - هذا كله كلام ابن الحاج بحروفه، ومسألة السجادة التي أشار إليها يأتي نقلها آخر الكتاب، وقد راجعت التنبيهات للقاضي عياض، والتبصرة للخمي، واللباب في شرح ابن الجلاب، والجواهر لابن شاس وغير ذلك من كتب المالكية فوجدتها متفقة على ما نقل ابن الحاج. ذكر نقول الحنفية قال في الهداية: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم لتحقق حاجاتهم إليها فلا يكون مواتاً لتعلق حقهم بها بمنزلة الطريق والنهر، وعلى هذا قالوا: لا يجوز أن يقطع الإمام ما لا غنى للمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها لما ذكرنا، ومن حفر بئراً في برية فله حريمها، فإن كانت للعطن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت للناضح فحريمها ستون ذراعاً عندهما وعند أبي حنيفة أربعون ذراعاً لهما إلى أن قال: وإن كانت عيناً فحريمها خمسمائة ذراع بالتوقيف والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب، والذراع هي المكسرة فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه، ثم قال: والقناة لها حريم بقدر ما يصلح وعن محمد أنه بمنزلة البئر في استحقاق الحريم وقيل: هذا عندهما وعنده لا حريم لها ما لم يظهر الماء لأنه نهر في التحقيق فيعتبر بالنهر الظاهر، قالوا: وعند ظهور الماء على الأرض فهو بمنزلة عين فوارة فيقدر بخمسمائة ذراع، والشجرة تغرس في أرض موات لها حريم أيضاً حتى لم يكن لغيره أن يغرس شجراً في حريمة لأنه يحتاج إلى حريم له يجد ثمره ويضعه فيه وهو مقدر بخمسة أذرع وبه ورد الحديث، وما تركه الفرات أو دجلة وعدل عنه الماء ويجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه لحاجة العامة إلى كونه نهراً وإن كان لا يجوز ان يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريماً لعامر لأنه ليس في ملك أحد لأن قهر الماء يدفع قهر غيره، ومن کان له نهر في أرض غيره فليس له حريم عند أبي حنيفة إلا أن يقيم بينة على ذلك وقالا له مسناة النهر يمشي عليها ويلقي عليها طينه، ثم عن أبي يوسف أن حريمه مقدار نصف بطن النهر من كل جانب، وعن محمد مقدار بطن النهر من كل جانب وهذا أرفق بالناس. ١٣٥ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات ثم قال: اعلم أن المياه أنواع منها ماء البحار ولكل واحد من الناس فيها حق الشفه وسقي الأراضي، حتى أن من أراد أن يكري منها نهراً إلى أرضه لم يمنع من ذلك، والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء فلا يمنع من الانتفاع به على أي وجه شاء، والثاني ماء الأودية العظام كجيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات للناس فيه حق الشفه على الإطلاق، وحق سقي الأراضي، فإن أحيا واحد أرضاً ميتة وكرى منها نهراً ليسقيها إن كان لا يضر بالعامة ولا يكون النهر في ملك أحد له ذلك لأنها مباحة في الأصل إذ قهر الماء يدفع قهر غيره، وإن كان يضر بالعامة فليس له ذلك لأن دفع الضرر عنهم واجب، وعلى هذا نصب الرحى عليه لأن شق النهر للرحى كشقه للسقي. ثم قال: الأنهار ثلاثة نهر غير مملوك لأحد ولم يدخل ماؤه في المقاسم بعد كالفرات ونحوه وهذا كريه على السلطان من بيت مال المسلمين لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤونته من الخراج والجزية دون العشر والصدقات، فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه إحياء لمصلحة العامة انتهى ملخصاً. وقال القدوري: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم، ومن حفر بئراً في برية فله حريمها، فإن كانت للتعطن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت للناضح فستون ذراعاً، وإن كانت عيناً فحريمها ثلاثمائة ذراع، فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه، وما ترك الفرات ودجلة وعدل عنه الماء ويجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه، وإن كان لا يجوز أن يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريماً لعامر من أحياه بإذن الإمام ملكه، ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن يقيم بينة على ذلك، وقال أبو يوسف ومحمد: له مسناة النهر يمشي عليها ويلقي عليها طينة انتهى، وقد عرف بهذا النص وغيره من كتب الحنفية أن الذي نقله السبكي عن أبي حنيفة من أنه لا حريم للنهر إنما هو في النهر المملوك في أرض الغير لا في الأنهار الكبار المباحة كالنيل. والفرات. وقال صاحب النافع - وهو الإمام أبو المفاخر السويدي الزوزني - ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر يترك مرعى لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم، ومن حفر بئراً فله حريمها، فإن كانت بئراً للعطن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت بئراً لناضح فستون ذراعاً، وإن عيناً عيناً فحريمها خمسمائة ذراع من كل جانب، فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه، وما تركه الفرات أو دجلة وعدل عنه ويجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه لحاجة النهر إليه، فإن كان لا يمكن أن يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريماً للعامر، ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن تكون له بينة عليه، وقال أبو يوسف. ومحمد: له مسناة النهر يمشي عليها ويلقي عليها طينه. وفي فتاوى قاضي خان: لو حفر بئراً في المفازة أو في موضع لا يملكه أحد بإذن الإمام كان له ذلك وله ما حوله أربعون ذراعاً حريماً للبئر، ولو حفر نهراً في مفازة بإذن الإمام قال ١٣٦ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات أبو حنيفة: لا يستحق للنهر حريماً، وقال صاحباه: يستحق مقدار عرض النهر حتى إذا كان مقدار عرض النهر ثلاثة أذرع كان له من الحريم مقدار ثلاثة أذرع من الجانبين من كل جانب ذراع ونصف في قول الطحاوي، وعن الكرخي مقدار عرض النهر، هذا في النهر الذي حفره إنسان وملكه، وقال في موضع آخر: ولو احتفر رجل قناة بغير إذن الإمام في مفازة وساق الماء حتى أتى به أرضاً فأحياها فإنه يجعل لقناته ولمخرج مائه حريماً بقدر ما يصلح، وهذا قول أبي يوسف. ومحمد فأما عند أبي حنيفة إذا فعل ذلك بإذن الإمام فإنه يستحق الحريم للموضع الذي يقع الماء فيه على وجه الأرض، وإن كان بغير إذن الإمام لا شيء له لأن عند أبي حنيفة من احتفر نهراً لا يستحق له الحريم والقناة إلا أن يقع الماء على وجه الأرض بمنزلة النهر، وقال في موضع آخر: إذا أحيا رجل مواتاً ليس لها شرب وحفر لها من نهر للعامة حافتها غير مملوكة وساق إليها ما يكفيها من الماء ينظر، إن كان ذلك لا يضر بالعامة كان له ذلك، وإن كان يضر بالعامة ليس له أن يفعل ذلك، ولا للإمام أن يأذن له بذلك، وكذا ليس للإمام أن يزيد في النهر العظيم كوة أو كوتين إن كان يضر بالعامة، وفي النهر الخاص المملوك ليس له أن يفعل ذلك أضر بصاحب الملك أم لم يضر لأن حافة النهر ملكه فلا يملك حفرها وسعتها، وقال في موضع آخر: الأنهار ثلاثة، الأول النهر العظيم الذي لم يدخل في المقاسم كالفرات، ودجلة، وجيحون، وسيحون، والنيل إذا احتاج إلى الكري فاصلاح شطه يكون على السلطان من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مال يجبر المسلمون على كريه، وإن أراد واحد من المسلمين أن يكري منها نهراً لأرضه كان له ذلك إذا لم يضر بالعامة بأن ينكسر شط النهر ويخاف منه الغرق فيمنع من ذلك، ثم قال: نهر يجري في سكة تحفر في كل سنة مرتين ويجتمع تراب كثير في السكة قالوا: إن كان التراب على حريم النهر لم يكن لأهل السكة تكليف أرباب النهر نقل التراب، وإن كان التراب جاوز حريم النهر كان لهم ذلك، وكذلك نهر لقوم يجري في أرض رجل حفروا التراب وألقوا التراب في أرضه إن كان التراب في حريم النهر لم يكن لصاحب الأرض أن يأخذ أصحاب النهر برفع التراب لأن لهم إلقاء التراب في حريم النهر، فإن ألقوا التراب في غير حريم النهر كان له أن يأخذهم برفع التراب، وقال في موضع آخر: رجل بنى في الطريق الأعظم بناء لا يضر بالطريق فعثر به إنسان فعطب أو دابة فتلفت كان ضامناً ولكل واحد من الناس حق المنع والمطالبة بالرفع، وكذا لو نصب على نهر العامة طاحونة لا تضر بالنهر فكالطريق ولكل واحد حق المنع والرفع، فإن ضر في الحالين ترتب عليه الإثم أيضاً، ولو جعل على نهر العامة قنطرة بغير إذن الإمام ولم يزل الناس والدواب يمرون عليه ثم انكسر أو وهى فعطب به إنسان أو دابة ضمن، فإن كان بإذن الإمام لم يضمن لأن فعله حسبة وممراً للناس انتهى ملخصاً. وفي فتاوى البزازي: المياه ثلاثة في عامة العموم كالأنهار والعظام مثل دجلة، ١٣٧ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات وجيحون، وسيحون ليست مملوكة لأحد فيملك كل أحد سقي دوابه وأرضه ونصب الطاحونة والدالية والسانية واتخاذ المشرعة والنهر إلى أرضه بشرط أن لا يضر بالعامة فإن أضر منع، فإن فعل فلكل أحد من أهل الدار منعه المسلم، والذمي، والمكاتب فيه سواء، ثم قال: النهر الأعظم كريه من بيت المال واصلاح مسناته أيضاً لأنه للعامة، وإن لم يكن في بيت المال مال واحتاج المسناة والنهر إلى العمارة يجبر العامة . وقال صاحب الكافي: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم لتحقق حاجتهم إليها فصار كالنهر والطريق وعلى هذا قالوا: لا يجوز للإمام أن يقطع ما لا غنى للمسلمين عنه كالملح، والآبار التي يستسقي الناس منها، ومن حفر بئراً في أرض موات فله حريمها أربعون ذراعاً لقوله عليه السلام: ((من حفر بئراً فله حريمها أربعون ذراعاً)) لأن حافر البئر لا يتمكن من الانتفاع ببئره إلا بما حولها فإنه يحتاج إلى أن يقف على شفير البئر ليستسقي الماء، وإلى أن يبني على شفير البئر ما يركب عليه البكرة، وإلى أن يبني الحوض يجتمع فيه الماء، وإلى موضع تقف فيه مواشيه عند الشرب، وإلى موضع تنام فيه مواشيه بعد الشرب فاستحق الحريم لذلك وقدره الشرع بأربعين ثم قيل أربعون ذراعاً من الجوانب الأربعة في كل جانب عشرة أذرع لأن ظاهر اللفظ يجمع الجوانب الأربعة، والصحيح أن المراد به أربعون ذراعاً من كل جانب لأن المقصود دفع الضرر عن صاحب البئر وهو لا يندفع بعشرة أذرع من كل جانب، فإن كانت الناضح - وهي التي تنزح الماء منها - بالبقر فكذلك عند أبي حنيفة أربعون ذراعاً وعندهما حريمها ستون ذراعاً لقوله عليه السلام: ((حريم العين خمسمائة ذراع وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً)) لأن استحقاق الحريم باعتبار الحاجة وحاجة صاحب البئر الناضح أكثر، وحريم العين خمسمائة ذراع لما روينا، ولأنه يحتاج فيها إلى زيادة المسافة والتوقيف ورد بخمسمائة فاتبعناه إذ لا يدخل الرأي في المقادير، ثم عند بعضهم خمسمائة من الجوانب الأربعة من كل جانب مائة وخمسة وعشرون ذراعاً والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب، والذراع هو المكسرة وهو ست قبضات وكان ذراع الملك سبع قبضات فكسر منه قبضة، ثم قال: وما ترك الفرات أو دجلة وعدل عنه الماء ويجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه لحاجة النهر إليه، ثم قال: الأنهار ثلاثة: نهر غير مملوك لأحد ولم يدخل ماؤه في المقاسم بعد كالفرات، ودجلة، والنيل فكريه على السلطان إن احتاج إليه من بيت المال لأن ذلك من حاجة عامة المسلمين، وبيت المال معد للصرف إلى مصالح المسلمين، فإن لم يكن في بيت المال شيء فللإمام أن يجبر الناس على كريه لأنه نصب ناظراً وفي تركه ضرر عام. وفي خلاصة الفتاوى: المياه ثلاثة في نهاية العموم كالأنهار العظام كدجلة، والفرات، وجيحون وسيحون وهي ليست مملوكة(١) لأحد، ولكل أحد أن يستقي منها ويسقي دابته (١) وهي ليست بمملوكة. ١٣٨ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات وأرضه ويشرب منه(١) ويتوضأ به، ولكل واحد نصب الطاحونة والسانية والدالية واتخاذ المشرعة واتخاذ النهر إلى أرضه بشرط أن لا يضر بالعامة، فإن أضر منع من ذلك، فإن لم يضر وفعل فلكل واحد من أهل الدار مسلم أو ذمي أو امرأة أو مكاتب منعه . وفي مجمع البحرين: وحريم بئر الناضح أربعون كالعطن وقالا ستون وتقدر للعين خمسمائة من كل جانب ويمنع غيره من الحفر فيه ويلحق ما امتنع عود دجلة والفرات إليه بالموات إذا لم يكن حريماً لعامر، وإن جاز عوده لم يجز إحياؤه، قال ابن فرشته في شرحه لأن حق المسلمين قائم لجواز العود وكونه نهراً، ثم قال في المجمع: والنهر في ملك الغير لا حريم له إلا ببينة وقالا: له حريم بقدر إلقاء الطين ونحوه، وقيل: هذا بالاتفاق، وقال ابن فرشته: وفي المحيط قال المحققون للنهر حريم بقدر ما يحتاج إليه بالاتفاق لضرورة الاحتياج إليه، وقال شمس الدين محمد بن يوسف القونوي في درر البحار: وحريم بئر النضح أربعون كالعطن وقالا: ستون خمسمائة من كل جانب ويمنع غيره منه ولحق بالموات ما امتنع عود نحو دجلة إليه غير الحريم، ويقدر حريم النهر بنصف النهر من جانبيه لا كله في وجه . ذكر نقول الحنابلة قال في المغني - وهو أجل كتب الحنابلة - وعلى منواله نسج الشيخ محيي الدين النووي كتابه شرح المهذب ما نصه: وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقي ترابه وآلاته فلا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب، وكذلك ما تعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مياهها لا يملك بالإحياء ولا نعلم فيه أيضاً خلافاً عن أهل العلم، وكذلك حريم البئر والنهر والعين وكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أحيا أرضاً ميتة في غير حق مسلم فهي له)) فمفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء انتهى. وقال في موضع آخر: المعادن الظاهرة وهي التي توصل إلى ما فيها من غير مؤونة ينتابها الناس وينتفعون لها كالملح والماء والكبريت والكحل ومقالع الطين وأشباه ذلك لا يملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعه لأحد من الناس ولا احتجاره دون المسلمين لأن فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم، ولأنه يتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز إحياؤه ولا إقطاعه كمشارع الماء وطرقات المسلمين وقال في موضع آخر: وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالإحياء، قال أحمد في رواية العباس بن موسى: إذا نضب الماء عن جزيرة إلى قناة رجل لم يبن فيها لأن فيه ضرراً وهو أن الماء يرجع إلى ذلك المكان فإذا وجده مبنياً رجع إلى الجانب الآخر فأضر بأهله ولأن الجزائر منبت الكلأ، والحطب فجرت مجرى المعادن الظاهرة انتهى، وذكر نحوه غير واحد من المؤلفين. وفي المستوعب: وما نضب عنه الماء (١) ويشربه. ١٣٩ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات من الرفاق والجزائر فليس لأحد أن يتملكه ولا يجري ذلك مجرى الأرض الموات نص عليه في رواية إبراهيم في دجلة يصير في وسطها جزيرة فيها طرق فأجازها قوم فقال: كيف يجوزونها وهي شيء لا يملكه أحد؟ وقال في رواية يوسف بن موسى: إذا نضب الماء من جزيرة إلى فناء رجل هل يبني فيه؟ قال لا فيه ضرر على غيره لأن الماء قد يعود إليه وإن لم يعد بعد فهو طريق لكافة المسلمين. فائدة لطيفة قال ابن الحاج في المدخل: ليس للإنسان في المسجد إلا موضع قيامه وسجوده وجلوسه وما زاد على ذلك فلسائر المسلمين، فإذا بسط لنفسه شيئاً ليصلي عليه احتاج لأجل سعة ثوبه أن يبسط شيئاً كبيراً ليعم ثوبه على سجادته فيكون في سجادته اتساع خارج فيمسك بسبب ذلك موضع رجلين أو نحوهما أن سلم من الكبر من أنه لا ينضم إلى سجادته أحد، فإن لم يسلم من ذلك وولى الناس عنه وتباعدوا منه هيبة لكمه وثوبه وتركهم هو ولم يأمرهم بالقرب إليه فيمسك ما هو أكثر من ذلك فيكون غاضباً لذلك القدر من المسجد فيقع بسبب ذلك في المحرم المتفق عليه المنصوص عن صاحب الشريعة وَّ ر حيث قال: ((من غصب شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين)) وذلك الموضع الذي أمسكه بسبب قماشه وسجادته ليس للمسلمين به حاجة في الغالب إلا في وقت الصلاة وهو في وقت الصلاة غاصب له فيقع في هذا الوعيد بسبب قماشه وسجادته وزيه، فإن بعث بسجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ففرشت له هناك وقعد هو إلى أن يمتلىء المسجد بالناس ثم يأتي كان غاصباً لذلك الموضع الذي عملت السجادة فيه لأنه ليس له أن يحجزه وليس لأحد فيه إلا موضع صلاته انتهى. ذكر الأحاديث الواردة في إثم من ظلم شيئاً من الأرض وطريق المسلمين أخرج البخاري عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله و # يقول: ((من ظلم من الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين)) وأخرج البخاري، ومسلم عن سعيد بن زيد قال: أشهد لسمعت رسول الله وَل# يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه كانت بينه وبين الناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن رسول الله وَ ﴿ قال: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)) وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي وَلاقى: ((من أخذ شيئاً من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين)) وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا يأخذ أحد شبراً من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة)) وأخرج البزار في سنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَطهو: ((ملعون من تولى غير مواليه ملعون من ادعى إلى غير أبيه ملعون من غير علام الأرض)) وأخرج البخاري في ١٤٠ الفتاوى الفقهية / باب إحياء الموات الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك عن علي بن أبي طالب قال: هذا ما سمعت من رسول الله وَر ((لعن الله من ذبح لغير الله ومن تولى لغير مواليه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله منتقص منار الأرض)) وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن رسول الله وَ لقر قال: ((لعن الله من تولى غير مواليه ولعن الله من غير تخوم الأرض)) وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر قال: ((ملعون من غير حدود الأرض ملعون من تولى غير مواليه)) وأخرج البزار في مسنده عن أبي رافع قال: وجدنا صحيفة في قراب سيف رسول الله وَ ﴿ بعد وفاته مكتوب فيها: ((بسم الله الرحمن الرحيم فرقوا بين مضاجع الغلمان والجواري بل والإخوة والأخوات لسبع سنين واضربوا أبناءكم على الصلاة إذا بلغوا تسعاً، ملعون من ادعى إلى غير قومه أو إلى غير مواليه، ملعون من اقتطع شيئاً من تخوم الأرض)) يعني بذلك طرق المسلمين، وأخرج أحمد، وابن حبان، والطبراني عن يعلى بن مرة قال: سمعت النبي وَ ليل يقول: ((أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي الله بين الناس)) وفي لفظ لأحمد: ((من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر) وفي رواية للطبراني: ((من ظلم من الأرض شبراً كلف أن يحفره حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى المحشر)) وأخرج أحمد، والطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله وَليون: ((من أخذ شيئاً من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين لا يقبل منه صرف ولا عدل)) وأخرج ابن سعد في الطبقات، والطبراني عن الحكم بن الحارث السلمي قال: قال رسول الله وَلقر: ((من أخذ من طريق المسلمين شبراً جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين)) وأخرج أحمد، والطبراني عن أبي مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الظلم أظلم؟ فقال: ((ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الله الذي خلقها)) وأخرج ابن سعد، وأحمد، والطبراني عن أبي مالك الأشجعي عن النبي وَّ ر قال: ((أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين)). خاتمة: أرسلت بقضية هذا الرجل الذي أراد البروز إلى قاضي القضاة الشافعي وأرسلت له نقول المذهب وهذا المؤلف وعرفته أن الذي كانوا يحكمون به من الإذن في البروز بالروضة ونحوها باطل ليس بحكم الله ولا هو مذهب الشافعي فأذعن للحق ومنع نوابه من الحكم بذلك، ثم أراد أن يرسل إلى الخصم ويحكم عليه بالمنع من البروز فأرسلت أقول له: إن أحسن من ذلك أن يحكم حكماً عاماً بالمنع من غير تعيين خصم ولا توجه دعوى فاستغرب ذلك فأرسلت أقول له أن ذلك جائز في مثل هذا ونحوه، وقد حكم الشيخ تقي الدين السبكي نظير هذا الحكم وأبلغ منه وألف فيه مؤلفاً فأرسلت إليه بمؤلف السبكي في ذلك فحكم بمنع البروز في الروضة منعاً مطلقاً إلى أن تقوم الساعة ونفذ هذا الحكم قاضي