النص المفهرس

صفحات 1-20

الحَاوِيّ للفَتَادِي
في الفِقْهِ وَعُلومِ الْتَفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ
وَالأصُولِ وَالْنِحَوْ وَالإِعرابِ وَسَائِ الفنونُ
ـل
تأليف
الإمام العلامة جَلال الدّين عَبدالرحمن بن أبي بكر السّيولي
المتوفىسنة ٩١١هـ
ضبطه وصحه
عبداللطيف حسن عبدالرحمن
الْجُزْءُ الأوَّل
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرَكْبِ السُّنّةِ وَاجْمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ ١١٠ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 }) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-3088-9
90000>
9 782745 130884
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى
آله المطهرين وأصحابه الخيار المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد؛ فهذا كتاب جليل للإمام السيوطي جمع رسائل كثيرة في علوم مختلفة ومسائل
شتّى من الفقه والحديث والتفسير والأصول والنحو والإعراب إلى غيرها من فنون العلم.
وقد ارتأينا إعادة طبعه وإصداره بحلّة جديدة مصخّحة ومبوّبة حسب المسائل والفتاوى.
ونسأل الله تعالى أن يوفّقنا في إصدار هذه الطبعة متوكلّين على الله تعالى؛ والحمد لله أولاً
وآخراً.
ترجمة المصنّف
خير ترجمة له ما تحدّث به هو عن نفسه في كتابه ((حسن المحاضرة))(١) إذ قال:
((عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر
الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين
محمد ابن الشيخ همام الدين الْخُضَيري الأسيوطي.
أما جدِّي الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريق، ومَنْ دونه
كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحِسْبَة بها،
ومنهم مَنْ كان تاجراً في صحبة الأمير شَيْخُون، وبنى مدرسة بأسيوط وقف عليها أوقافاً؛
ومنهم من كان متموّلاً؛ ولا أعرف منهم مَنْ خدم العلم حقَّ الخدمة إلا والدي (٢).
وأما نسبتنا إلى الخضيري فلا أعلم ما تكون هذه النسبة إلاّ الْخُضَيْرِيّة: محلة ببغداد.
وقد حدثني مَنْ أَثِق به أنه سمع والدي رحمه الله تعالى يذكر أنّ جَدّه الأعلى كان
أعجميًّا أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.
وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد، مستهلّ رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة،
وحُمِلْتُ في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل من كبار الأولياء بجوار المشهد
النفيسي فبارك عليّ.
ونشأتُ يتيماً، فحفظتُ القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العُمْدة، ومنهاج
الفقه، والأصول، وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع
(١) الجزء الأول، ص: ٣٣٥.
(٢) ولد بأسيوط، واشتغل بها، ثم تولّى القضاء فيها قبل أن يرحل إلى القاهرة، وتوفي سنة ٨٥٥هـ.
٣

٤
ترجمة المصنف
وستين فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذتُ الفرائضَ عن العلامة فَرْضِيّ
زمانه الشيخ شهاب الدين الشارِمْسَاحِي(١) الذي كان يقال إنه بلغ السن العالية، وجاوز المائة
بكثير، والله أعلم بذلك؛ قرأت عليه شرحه على المجموع، وأَجْزِتُ بتدريس العربية في
مستهل سنة ست وستين وثمانمائة .
وقد أَلَّفتُ في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته شرح الاستفادة والبسملة، وأوقفت عليه
شيخنا علم الدين البُلْقيني، فكتب عليه تقريظاً، ولازمته في الفقه إلى أن مات.
فلزمت ولده، وقرأت عليه من أوّل التدريب لوالده إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول
الحاوي الصغير إلى العدد، ومن أول المنهاج إلى الزكاة، ومن أول التنبيه إلى قريب من
الزكاة؛ وقطعة من الروضة، من باب القضاء، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي،
ومن إحياء الْمَوَات إلى الوصايا أو نحوها، وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين
و ثمانمائة، وحضر تصديري .
فلما تُوفِّي سنة ثمان وسبعين وثمانمائة لزمتُ شيخ الإسلام شرف الدين المناوي،
فقرأت عليه قطعةً من المنهاج، وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالسَ فاتَّتْنِي، وسمعت
دروساً من شرح البهجة، ومن حاشية عليها، ومن تفسير البيضاوي.
ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبته
أربْعَ سنين، وكتب لي تقريظاً على شرح ألفية ابن مالك، وعلى جَمْع الجوامع في العربية
تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبَنَانه، ورجع إلى قولي مجرَّداً في
حديث؛ فإنه أورده في حاشيته على الشفاء حديث ابن أبي الجمرا في الإسراء، وعزاه إلى
تخريج ابن ماجه، فاحتجتُ إلى إيراده بسَنَدِه، فكشفت في ابن ماجه فلم أجده، فمررت
على الكتاب كله فلم أجده، فاتَّهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدتُ ثالثة فلم
أجده، ووجدته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ وأخبرته، فبمجرد ما سمع
مني ذلك أخذ نسخته، وأخذ القلم فضرب على ابن ماجه، وألْحق ابْنَ قَانع في الحاشية،
فأعظمت ذلك، وهِبْتُه لعِظم منزلة الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي، وقلت: ألا
تَصْبِرُونَ لعلكم تراجعون! فقال: لا؛ إنما قلدت في قولي ابن ماجه البرهان الحلبي. ولم
أنفك عن الشيخ إلى أَنْ مات.
ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة، فأخذتُ عنه
الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك، وكتب لي إجازة عظيمة.
وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروساً عديدة في الكشاف والتوضيح،
وحاشيته عليه، وتلخيص المفتاح، والعَضُد.
وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين وثمانمائة، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة
(١) منسوب إلى شارمساح: قرية قريبة من دمياط.

٥
ترجمة المصنّف
کتاب سوی ما غسلته ورجعت عنه .
وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب،
والتكرور .
ولما حَججْتُ شربت من ماء زمزم لأمور، منها أن أَصِلَ في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج
البُلْقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.
وعقَدْت إملاء الحديث من مُسْتَهَل سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة .
ورُزِقتُ التبخُرَ في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني،
والبيان، والبديع؛ على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العَجم، وأهل الفلسفة.
والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنُّقول التي اطلعت
عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلاً عمن دونهم، وأما الفقه فلا
أقول ذلك، بل شيخي فيه أوسع نظراً، وأطول باعاً.
ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه، والجدل، والتصريف، ودونها الإنشاء
والترسل، والفرائض، ودونها القراءات - ولم آخذها عن شيخ - ودونها الطبّ.
وأما علم الحساب، فهو أعْسَرُ شيء عليّ، وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة
تتعلق به فكأنما أحاول جبلاً أحمله. وقد كملت عندي آلات الاجتهاد بحمد الله؛ أقول
ذلك تَحدُّثاً بنعمة الله تعالى، لا فخراً أو أي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر،
وقد أَزِف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيّبُ العمر. ولو شئتُ أن أكتب في كل مسألة
مُصَنَّفاً لها بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسية، ومداركها ونُقُوضِها وأجوبتها، والموازنة بين
اختلاف المذاهب فيها، لقدرتُ على ذلك من فَضْل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول
ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وقد كنت في مبادىء الطَّلَب قرأتُ شيئاً في علم المنطق، ثم ألقى اللَّهُ كراهيته في قلبي،
وسمعت أنّ ابن الصلاح أفْتى بتحريمه، فتركته لذلك، فعوضَّني الله تعالى عنه علم الحديث
الذي هو أشرفُ العلوم.
أمَّا مشايخي في الرواية سماعاً وإجازة فكثيرون؛ أوردتهم في الْمُعجم الذي جمعْتُهم
فيه، وعدّتهم نحو مائة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية لاشتغالي بما هو أهم وهو
قراءة الدراية)) انتهى.
أما كتبه فقد عدَّ منها في حسن المحاضرة (١: ٣٤٠) ثلاثمائة كتاب (سوى ما غسله
وتاب عنه) في التفسير والقراءات والحديث والفقه والأجزاء المفردة والعربية والآداب.
وعدَّ له بروكلمان ٤١٥ مصنَّفاً، وفلوغل ٥٦٠ مصنّفاً، وذكر له جميل بك العظم ٥٧٦
مصنَّفاً. وقال ابن إياس في تاريخه (٢: ٦٣): بلغت مؤلفاته ستمائة مؤلف. وقال الشعراني
في ذيل طبقاته: له من المؤلفات أربعمائة وستون مؤلفاً مذكورة في فهرس كتبه.

٦
ترجمة المصنّف
وقد تفرَّغ السيوطي طوال عمره للتدريس والفتيا والتأليف؛ ولكنه حينما تقدمت به السن
هجر الإفتاء والتدريس، واعتزل الناس متجرداً للعبادة والتصنيف، وألَّف في ذلك كتاباً
أسماه: ((النفيس في الاعتذار عن الفتيا والتدريس)).
أما عن تاريخ وفاته، فقد قال الشعراني في ذيل طبقاته: أرسل لي ورقة مع والدي
بإجازته لي بجميع مروياته ومؤلفاته، ثم جئت إلى مصر قبيل وفاته، واجتمعت به مرة
واحدة، فقرأت عليه بعض أحاديث من الكتب الستة، وشيئاً من المنهاج في الفقه تبركاً، ثم
بعد شهر سمعت ناعِيّه يَنْعَى موته، فحضرت الصلاة عليه عند الشيخ أحمد الأباريقي
بالروضة عقب صلاة الجمعة.
ومات رضي الله عنه في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة
وتسعمائة، وكان مرضه سبعة أيام بورم شديد في ذراعه اليسار؛ فقد استكمل من العمر
إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوماً. وكان له مشهد عظيم، ودُفن بحوش
قوصون خارج باب القرافة، وقبره ظاهر وعليه قبة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله جامع الشتات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالآيات البينات،
وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرات.
وبعد فقد استخرت الله تعالى في جميع نبذ من مهمات الفتاوى التي أفتيت بها على
كثرتها جداً، مقتصراً على المهم والعويص وما في تدوينه نفع وإجداء، وتركت غالب
الواضحات. وما لا يخفى على ذوي الأذهان القادحات، وبدأت بالفقهيات مرتبة على
الأبواب. ثم بالتفسير. ثم بالحديث. ثم بالأصول. ثم بالنحو والإعراب، ثم بسائر الفنون
إفادة للطلاب، وسميت هذا المجموع ((الحاوي للفتاوى)).
٧

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
الفتاوى الفقهية
كتاب الطهارة
مسألة: في قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه في بعض كتبه: الماء المطلق إنه الذي يقول
رائيه: هذا ماء، وتبعه في ذلك الأصحاب هل ينافي قول كثير من شارحي المنهاج في قوله: فإن
بلغهما بماء ولا تغير فطهور إنه نكر الماء ليشمل الطهور والطاهر والمتنجس حيث جعل التنكير
والعري عن القيد وصفاً للماء في الأول بالإطلاق دون الثاني إذ لا منافاة بين الوصفين.
الجواب: أن المذكور في حد الماء المطلق («إنه الذي يقول رائيه: هذا ماء)) راجع إلى
العرف، والمذكور في قوله فإن بلغهما بماء بالنظر إلى المعنى اللغوي فإن الماء في اللغة
يصدق بالطهور وبالطاهر وبالنجس ، ولهذا قالوا في قول التنبيه باب المياه إنه جمع الماء
وإن كان اسم جنس واسم الجنس لا يجمع إلا عند اختلاف أنواعه لأن أنواع الماء مختلفة
فيتنوع إلى طاهر وطهور ونجس وحرام ومكروه فعلم بذلك صدقه على هذه الأنواع لغة،
وأما الضابط المذكور في حد المطلق فإنما أخذ من العرف لاعتبار الشارع له، والعرف لا
يطلق الماء على ما عدا المطلق إلا مقيداً لا مطلقاً بأن يقول: ماء نجس أو ماء مستعمل أو
ماء زعفران، ويؤكد كونهم نظروا في ضابط المطلق إلى العرف قول الشيخين في سلب
الطهورية عن المتغير بالمخالط في الكثير، ولهذا لو حلف لا يشرب ماءاً ما لم يحنث بشربه
لأن الأيمان مبناها على العرف والعرف لا يسمي هذا ماءاً، وقولهم في قاعدة ما لا ضابط له
في الشرع ولا اللغة إنه يرجع فيه إلى العرف من ذلك الماء المطلق فعلم بهذا كله أنه لا
منافاة بين الكلامين، لأن الأول ضابط جرى على المصطلح العرفي، والثاني تعبير جرى
على الوضع اللغوي ، والمنكر بوضعه شامل المطلق والمقيد.
مسألة: في القطران المستعمل في القرب إذا تغير به طعم الماء أو لونه أو ريحه هل
يكون ذلك مانعاً له من إطلاق اسم الماء حتى يسلب الطهورية؟ وهل هو مجاور أو مخالط؟
والزفت المستعمل في الجرار إذا غيَّر الماء هل يسلبه الطهورية أم لا؟ .
الجواب: قال النووي رحمه الله في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله عنه في
الأم: إذا وقع في الماء قطران فتغير ريحه جاز الوضوء به، ثم قال بعده بأسطر: إذا تغير
بالقطران لم يجز الوضوء به فقال الأصحاب: ليست على قولين بل على حالين فإن القطران
ضربان مختلط وغيره، وقال بعض الأصحاب: هما قولان وهو غلط هذا كلام شارح
المهذب، قلت: بقي صورتان لم ينبه عليهما، إحداهما: ما إذا تغير لونه فإن الشافعي رضي
٩

١٠
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
الله عنه إنما فرض المسألة في تغير الريح ويظهر لي أن التغير باللون دليل المجاورة، والثانية: ما
إذا كان من صلاح الوعاء فإني سمعت أن القرب إذا لم تدهن به أسرع اليها الفساد فقد يقال: إن
هذا حينئذ من المعفو عنه كالذي في مقر الماء وغيره، وقد يقال: لا والفرق واضح.
باب الآنية
مسألة: قالوا: لو اشترى آنية ذهب أو فضة جاز، وهو مشكل على قولنا: لا يجوز
اتخاذ آنية الذهب والفضة .
الجواب: لا إشكال لأن مرادهم صحة الشراء لا إباحته، وقد يصح الشيء مع تحريمه،
وفرق بين الأمرين. على أن النووي قال في شرح المهذب: ينبغي تخريجه على جواز
الاتخاذ فإن منعناه كان كبيع المغنية .
باب أسباب الحدث
مسألة: قال بعض المحققين الآن في شرحه في الكلام على الاستتار عند قضاء الحاجة:
ويكفي الستر بالوهدة ونحوها وبإرخاء الذيل، ولا يخفى أن محل عد الستر من الآداب إذا
لم يكن بحضرة من يرى عورته ممن لا يحل له نظرها، أما بحضرته فهو واجب وكشف
عورته بحضرته حرام كما صرح به في شرح مسلم وجزم به صاحبا التوسط والخادم
والبلقيني في فتاويه، وقد قال الشيخ شهاب الدين بن النقيب في نكته في قوله: ويبعد
ويستتر أي يستر عورته ولو بشجرة، وقال الشيخ جمال الدين الإسنوي في القطعة في قوله:
ويستتر عن عيون الناس فتحرر أن المراد ستر العورة عن عيون الناظرين، وقد قال - أعني
الإسنوي - في أثناء الكلام على قوله يقدم داخل الخلاء يساره والخارج يمينه: تنبيه: جميع
ما هو مذكور في هذا الباب من الآداب محمول على الاستحباب إلا الاستقبال والاستدبار
في الصحراء قاله في شرح المهذب وسنذكر من لفظ المصنف ما يدل عليه فاعلمه. ثم قال
في كلامه على قوله ويحرمان بالصحراء: تنبيهات: أحدها أن عدول المصنف هنا إلى
التحریم دون ما قبله وما بعده من الآداب یعرفك عدم تحریمھا وهو کذلك کما سبق انتھی،
وقد قالوا في الغسل: إنه يحرم كشف العورة له بحضرة الناس، والمسؤول بيان ما يعول
عليه من ذلك هل هو عدم جواز كشف العورة له بحضرة الناس في قضاء الحاجة والغسل
والاستنجاء أو جواز الكشف لذلك وعلى الناس غض أبصارهم؟ وبيان أن الثلاثة على نسق
واحد في الجواز وعدمه أو أن بعضها مخالف لبعض، وإذا قلتم: إن بعضها يخالف الباقي
فما الفرق؟ وهل يقال: إن الغسل محل حاجة بدليل أنه يمكن مع الستر بالإزار، والبول
والاستنجاء محل ضرورة في الجملة فيسامح فيهما بما لا يسامح في الغسل، والمسؤول بيان
ما يعول عليه من ذلك متفضلين بعزو ما يكون منقولاً وبتوجيه غيره لتكمل الفائدة.
الجواب: المعول عليه تحريم كشف العورة بحضرة الناس في قضاء الحاجة والغسل
والاستنجاء، فالذي قاله الشارح المشار إليه صحيح، وأما استشكاله بقول الإسنوي: إن

١١
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
جميع ما في الباب محمول على الاستحباب وعد من ذلك الستر وفسره بقوله عن عيون
الناس فقد تبع في هذه العبارة أكثر الأصحاب، وقد استشكل ذلك على الأصحاب الجيلي
ثم النووي كلاهما في شرح التنبيه فقالا: إن عد ذلك أدباً فيه إشكال لأن ستر العورة واجب
وعبارة الروضة حسنة فإنه قال: إن يستر عورته عن العيون فيمكن حمل العيون على عيون
الجن فيصح عد ذلك أدباً بهذا الاعتبار، وقد ظهر تأويل حسن لعبارة من قال: عن عيون
الناس ذكرته في حاشية الروضة وهو أنه ليس المراد بالناس الحاضرين بل من قد يمر من
الطارقين حال قضاء الحاجة، فخوطب من أراد قضاء الحاجة وهو خال من المارين
بالاستعداد للاستتار لاحتمال أنه إذا جلس بلا سترة يمر عليه فجأة مار فيقع بصره على
عورته، وهذا مستحب بلا شك لأنه ليس فيه كشف العورة بحضرة أحد، وقد يفرغ من
حاجته قبل أن يمر أحد أو يشعر بمن مر قبل أن يراه فينحرف أو يرخي ذيله، وهذا التأويل
حسن أو متعين، فيفسر قولهم: عن عيون الناس - أي الطارقين بغتة - لا الحاضرين، أما
الحاضرون فالستر عنهم واجب، وحاصل الفرق أن النظر من الحاضرين حاصل في الحال
فكان الستر واجباً ومن الطارقين متوقع أو متوهم فكان أدباً إذ لا تكليف قبل الحصول،
ويحتمل أن يقال بالتفرقة بين صورة وصورة، فمن كان قريباً من الناس بحيث يميز البصر
عورته حرم الكشف للبول والاستنجاء بحضرتهم عليه، ومن كان بعيداً وهم يرونه على بعد
من غير تمييز لعورته ولا إدراك للون جلده بل إنما يرون شبحاً كما يقع كثيراً لمن يستنجي
على شطوط الأنهار، فهذا يظهر أن يقال فيه بالجواز، ويظهر أن يقال بالجواز أيضاً في
صورة وهو أن يأخذه البول وهو في مكان محبوس بين جماعة ولا سبيل إلى جهة يستتر
بها، فهذا يجوز له التكشف للبول وعليهم غض أبصارهم، وكذا لو احتاج إلى الاستنجاء
وقد ضاق وقت الصلاة ولم يجد بحضرة الماء مكاناً خالياً فهذا أيضاً يجوز له وعليهم الغض
والله أعلم.
مسألة: لو شم الشخص يده بعد الاستنجاء فأدرك فيها رائحة النجاسة فقد صرح النووي
بنجاسة اليد دون المحل وهو مشكل لأن اليد منفصلة عن المحل ومكتسبة منه .
الجواب: ذكر في شرح المهذب أن المسألة مبنية على مسألة ما لو غسلت النجاسة
وبقيت رائحتها - يعني مع العسر - والأرجح فيها الطهارة فكذلك هنا الأرجح طهارة المحل،
وأما اليد فلم تغسل بعد فهي باقية على النجاسة يجب غسلها .
باب الوضوء
مسألة: لو بالغ في المضمضة وهو صائم هل يحرم أو يكره؟
الجواب: المبالغة للصائم مكروهة، صرح بالكراهة في شرح المهذب.
مسألة: لو نوى الاغتراف بعد غسل الوجه فهل يحتاج إلى تجديد النية لكون نية
الاغتراف قاطعة لرفع الحدث كما لو طرأت نية التبرد؟

١٢
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
الجواب: لا يحتاج إلى ذلك، أفتى به الشيخ جلال الدين البلقيني وعلله بأن نية التبرد
فيها صرف لغرض آخر وإنما ينوي الاغتراف لمنع حكم الاستعمال، فهذا ولا بد يكون
ذاكراً لنية رفع الحدث.
باب مسح الخف
مسألة: لو كان سليم إحدى الرجلين والأخرى عليلة بحيث يسقط غسلها فهل يجوز
لبس الخف في إحداهما؟ وقد قطع الدارمي بالصحة وقطع العمراني بالمنع .
الجواب: قد صحح في زوائد الروضة مقالة العمراني.
باب الغسل
مسألة: إذا اغتسل عن الجنابة هل يشترط في الوضوء الذي يتوضأه قبله الموالاة أم لا؟
وإذا توضأ هذا الوضوء ثم انتهى بسبب من الأسباب قبل الغسل مع قرب الزمن هل يشترط
إعادته لتحصيل السنة أم لا؟ وهل سنة الوضوء كذلك إذا انتهت قبل تمامه؟
الجواب: لا تشترط الموالاة ولا الإعادة.
مسألة: لو ألقت المرأة بعض ولد ولم تر بللاً فلا غسل عليها، وهو مشكل مع قولنا:
إن الولد يخلق من منيهما .
الجواب: لم أر التصريح ببعض الولد في كلامهم، وقد قالوا فيما لو ألقت علقة أو
مضغة بلا بلل: إنه يجب الغسل، ومقتضاه أن بعض الولد كذلك ويمكن الفرق.
مسألة: البلل [الخارج] على الولد هل هو طاهر أو نجس؟ وهل ينجس ما أصابه؟
الجواب: قال الماوردي في الحاوي ما نصه :
فصل: فأما حمل الميتة فإن انفصل بعد موتها حياً فهو طاهر، ولكن قد نجس ظاهر
جسمه بالبلل الخارج معه، ولو كان قد انفصل منها في حياتها كان في البلل الخارج معه
ومع البيضة من الطائر وجهان لأصحابنا، أحدهما نجس كالبول. والثاني طاهر كالمني،
وهكذا البلل الخارج من الفرج في حال المباشرة على هذين الوجهين، وقال البغوي في
التهذيب: يجب غسل البيضة إن وقعت حالة الانفصال في مكان نجس، وإن وقعت في
مكان طاهر لا يجب على قول من يقول: بلل باطن الفرج طاهر، وعلى قول من يقول: بلل
باطن الفرج نجس يجب غسله، وقال صاحب البيان: وفي نجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه
وجهان كمنيه، فإذا قلنا: إنه طاهر فهل يجب غسل ظاهره؟ فيه وجهان بناءاً على نجاسة
رطوبة فرج المرأة، وفي فتاوى ابن الصلاح سئل هل يكون المولود إذا وقع على الأرض
نجساً أم لا؟ فأجاب: لا يحكم بنجاسة المولود عند ولادته على الأصح الظاهر من أحوال
السلف رضي الله عنهم، وفي شرح المهذب في باب الآنية ما نصه: وأما البيضة الخارجة
في حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي، والروياني،

١٣
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
والبغوي، وغيرهم بناءاً على الوجهين في نجاسة رطوبة فرج المرأة، وكذا الوجهان في الولد
الخارج في حال الحياة ذكرهما الماوردي، والروياني، وفي شرح المهذب أيضاً في باب
إزالة النجاسة وهل يجب غسل ظاهر البيض إذا وقع على موضع طاهر؟ فيه وجهان حكاهما
البغوي، وصاحب البيان وغيرهما بناءاً على أن رطوبة الفرج طاهرة أم نجسة، وقطع ابن
الصباغ في فتاويه بأنه لا يجب غسله وقال: الولد إذا خرج طاهر لا يجب غسله بإجماع
المسلمين فكذا البيض، وقال بعده بأوراق ما نصه: الرابعة في الفتاوى المنقولة عن صاحب
الشامل أن الولد إذا خرج من الجوف طاهر لا يحتاج إلى غسله بإجماع المسلمين: قال:
ويجب أن يكون البيض كذلك فلا يجب غسل ظاهره، قال: والنجاسة الباطنة لا حكم لها
ولهذا اللبن يخرج من بين فرث ودم وهو طاهر حلال، وقال الإسنوي في المهمات: رأيت
في الكافي للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوع المولود فيه على الأصح قال: فيحتمل أن
يكون الخلاف مفرعاً على الخلاف، وأن يكون مفرعاً على القول بعدم وجوب الغسل لكونه
نجساً معفواً عنه انتهى، لكن جزم الرافعي في الشرح الصغير بنجاسة البلل الخارج مع
الولد، ونقله الزركشي في الخادم وحكاه عن تصحيح الروياني في البحر، فإن قصد الرافعي
ولد غير الآدمي فهو على أصله لأن الأصح عنده نجاسة مني غير الآدمي، ونجاسة رطوبة
الفرج من غير الآدمي، وإن أراد الآدمي وغيره فهو مخالف للبناء الذي ذكره الماوردي
وغيره
مسألة: هل يجوز للجنب قراءة سورة الكهف لا بقصد القرآن؟
الجواب: يجوز للجنب ايراد شيء من القرآن إذا لم يقصد القرآن بل قصد الذكر أو
الوعظ أو الإخبار مثل: ﴿يَيَحْيَى خُذِ الْكِتَبَ﴾ [مريم: ١٢] ونحو ذلك، أما قراءة سورة
الكهف لا بقصده فإن ذلك لا يتصور إيراده بلا قصد القرآن لأنه إنما يظهر الخلو عن قصد
القرآن في آية أو نحوها، أما مثل سورة كاملة فإنها لا يتصور فيها ذلك لأنها لا يقصد منها
كلها شيء مما ذكر، واللفظ موضوع للتلاوة.
باب النجاسة
مسألة: الأرض الترابية إذا تنجست نجاسة مغلظة ثم وطئها شخص وعلق به التراب أو
الوحل المتنجس فهل يحتاج في تطهيره إلى تعفير أم لا؟ وإذا قلتم: إنه يحتاج إلى تعفير فما
الفرق بينه وبين ما إذا أصابه شيء من الغسلة الثانية وقد عفر في الأولى بجامع أن ما أصابه
من الغسلة الثانية لا يجب تعفيره إذ هو من شيء لا يطلب تعفيره وكذلك ما أصابه من
الأرض من شيء لا يطلب تعفيره؟
الجواب: يحتاج إلى التعفير وذلك منقول، والفرق بينه وبين الأرض الترابية حيث لا
تحتاج هي أن لا تعفر أنه لا معنى لتتريب التراب وهنا المتنجس غير التراب وهو البدن أو
الثوب بالتراب المتنجس والتراب المتنجس لا يكفي في الولوغ، وفي وجه يكفي فلا يحتاج

١٤
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
إليه على هذا، قال ابن السبكي في الطبقات: كان أبو بكر الضبعي يذهب إلى أن تراب
الولوغ يجوز أن يكون نجساً وهو وجه غريب حكاه الرافعي، قال أبو عاصم: وذكر أنه
ركب يوماً فأصاب ذراعه طين من وحل كلب فأمر جاريته بغسله وتعفيره فقالت الجارية: أما
في الطين تراب؟ فقال: أحسنت أنت أفقه مني انتهى ما حكاه ابن السبكي، وهذه عين
المسألة المسؤول عنها، وقد صرح ابن السبكي بأن ارتضاءه بعدم التعفير مبني على رأيه من
الاكتفاء بالتراب النجس وهو وجه ضعيف، فيكون على مقابله وهو الأصح محتاجاً إلى
التعفير وقد أوضحنا علته، وأما الفرق بينه وبين ما يصيب من الغسلة الثانية بعد التعفير فهو
أنه من شيء وقع تعفيره لا من شيء لم يطلب تعفيره في الأصل، وقد تقرر أن حكم غسالة
النجاسة كحكم المغسول بها بعد غسلها فما كان حكمه كان حكم ما أصابته .
مسألة: لو أكل الشخص لحم كلب أو خنزير وراثه من غير استحالة هل يسبع المحل؟
الجواب: لا يسبع نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه ونقله المتأخرون.
مسألة: إذا وقع أو ألقى في الخمر عين طاهرة كحصاة أو جريدة أو شيء مما يؤكل
وأزيل ثم انقلبت خلاً هل تطهر أو لا؟ وإذا بقي فيها شيء مما ذكر حتى صارت خلاً هل
ينجسها أو لا؟ وإذا انفصل شيء من الخمر أو فصل وعاد إليه أو أعيد أو صب عليها خمر
ثم انقلبت خلاً هل تطهر أم لا؟
الجواب: عن الصورة الأولى أنها تطهر ففي فتاوى النووي: إذا وقعت في الخمر نجاسة
أخرى كعظم ميتة ونحوه فأخرجت منها ثم انقلبت الخمر خلاً لم تطهر بلا خلاف ذكره
صاحب التتمة، وعبارة الزركشي في الديباج: الخمر إذا تخللت تطهر إجماعاً، قال في
التتمة: هذا إن لم يقع فيه نجاسة أخرى، فإن وقعت ثم أخرجت وتخللت لم تطهر قطعاً،
ففرض المسألة فيما إذا كان الواقع نجاسة وأخرجت قبل التخليل يقتضي أنه لو لاقاها عين
طاهرة وأخرجت قبل التخليل فإنها تطهر إذا تخللت فإن المدرك هنا طرف نجس أجنبي،
ومنه أخذ من أخذ أن النجس نجس وهو هنا مفقود، ولا عبرة بما عساه يتوهم من أن العين
تنجس ثم تنجس فإن ذاك إنما يظهر أثر بعد الانقلاب كما لا يخفى، ومن نظائر ذلك أن
طروء النجس الأجنبي يمنع الاستنجاء بالحجر ولا يمنعه مر الحجر الطاهر من أول المحل
إلى آخره وإن تلوث بأول جزء إذا لم ينفصل، وكذا مر الماء على الثوب النجس المراد
تطهيره وعلى محل الحدث.
وحاصل ما ذكرناه التفرقة بين النجسة والطاهرة في الملاقاة قبل التخليل لما في الأولى
من طروء نجاسة أجنبية وإلى ذلك يشير قول النووي: نجاسة أخرى والتفرقة في الطاهرة بين
ما إذا زالت قبل التخليل وما إذا بقيت بعده فإنها في الحالة الأولى مشاكلة وفي الثانية مغايرة
فإنها في الأولى متلوثة بخمر في خمر فلا تؤثر. وفي الثانية متلوثة بخمر في خل فتنجس،
وعن الثانية أنها لا تطهر على الأصح وهي منقول الكتب، وعن الثالثة أن الظاهر أنها تطهر
لأنه لا فرق في وضع الخمر في الدن بين أن يوضع دفعة واحدة أو شيئاً بعد شيء، فصب

١٥
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
خمر على خمر بمثابة ما لو وضع في الدن أولاً كوز منه ثم كوز ثم كوز وهكذا، فلا فرق
في ذلك بين طول الزمان وقصره، ولا بين أن يوضع عليه خمر من خارج أو يؤخذ منه
ويعاد إليه والله أعلم.
١ - تحفة الأنجاب بمسألة السنجاب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
ورد علي سؤال صورته ما قول مولانا شيخ الإسلام حافظ العصر مجتهد الوقت عالم
أهل الأرض المبعوث في المائة التاسعة في شعر السنجاب ونحوه من شعور الميتة هل يطهر
بالدباغ تبعاً للجلد أو لا؟ ولسنا نسألكم عن مشهور مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه فإن
الأظهر من قوليه عند الجمهور عدم الطهارة، بل نسألكم عما يقتضيه الدليل والنظر من حيث
الاجتهاد، والمسؤول أن يكون الجواب على طريقة الاجتهاد وأصحاب الاختيارات.
الجواب: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، الكلام على هذه المسألة يحتاج
إلى تحرير مقدمتين: الأولى في أن الشعر هل ينجس بالموت أو لا ينجس به بل يبقى على
طهارته؟ والثانية في مذاهب العلماء في طهارة الجلد بالدباغ وعدمها وحجج كل منهما.
أما المقدمة الأولى: فقد اختلف العلماء في نجاسة الشعر بالموت فذهب جماعة إلى
نجاسته منهم عطاء، والشافعي فيما حكاه عنه جمهور أصحابه، البويطي، والمزني، والربيع
المرادي، وحرملة، وأصحاب القديم، وصححه جمهور المصححين، وقال أكثر الأئمة: إن
الشعر لا ينجس بالموت منهم عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وحماد بن أبي
سليمان الكوفي، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي في آخر قوليه، قال صاحب الحاوي:
حكى ابن شريح عن أبي القاسم الأنماطي عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجس
الشعر، وذهب إليه أيضاً أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر،
وداود، وقال أبو حنيفة: لا ينجس شيء من الشعر بالموت إلا شعر الخنزير، واحتج هؤلاء
بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وهذا
عام في كل حال وبقوله ◌َّر في الميتة: ((إنما حرم أكلها)) رواه الشيخان، وبأن الشعر لا
تحله الحياة بدليل أنه إذا جز لا يألم صاحبه فلا يحله الموت المقتضي للتنجيس فلا يكون
نجساً بل يبقى على طهارته كما كان قبل الموت، وبأن المقتضي لتنجيس اللحم والجلد ما
فيها من الزهومة ولا زهومة في الشعر فلا ينجس، وحكى العبدري عن الحسن، وعطاء،
والأوزاعي، والليث بن سعد أن الشعر ينجس بالموت ولكن يطهر بالغسل، واحتجوا
بحديث أم سلمة عن النبي وَالر: ((لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ولا بشعرها إذا غسل)) رواه
الدارقطني وسنده ضعيف، وبالقياس على شعر غيرها إذا حلت فيه نجاسة فإنه يطهر بالغسل

١٦
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
كسائر الجامدات إذا طرأت نجاستها، وحكى الربيع الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع
للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، وهذا أقوى المذاهب كما سنذكره.
وأما المقدمة الثانية: فالعلماء في جلود الميتة سبعة مذاهب: أحدها لا يطهر بالدباغ
شيء منها، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه، وعائشة وهو أشهر الروايتين عن
أحمد، ورواية عن مالك. والثاني يطهر بالدبغ جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب
الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور. وإسحاق بن راهويه، ورواية أشهب عن مالك.
والثالث يطهر به كل جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وهو مذهب
الشافعي، وحكوه عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والرابع يطهر به الجميع إلا جلد
الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك حكاها ابن القطان، والخامس يطهر
الجميع حتى الكلب والخنزير إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابس دون
الرطب ويصلى عليه لا فيه وهو مذهب مالك فيما حكاه أصحابنا عنه، والسادس يطهر
الجميع حتى الكلب والخنزير ظاهراً وباطناً، قاله داود وأهل الظاهر وحكاه الماوردي عن
أبي يوسف وحكاه غيره عن سحنون من المالكية، والسابع ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ
ويجوز استعمالها في الرطب واليابس - حكوه عن الزهري، واحتج أصحاب المذهب الأول
بأشياء. منها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] هو عام في الجلد وغيره،
وبحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله وَ لّ قبل موته بشهر ((أن لا تنتفعوا من
الميتة بإهاب ولا عصب)) وهذا الحديث هو عمدتهم، وقد أخرجه الشافعي في حرملة،
وأحمد في مسنده، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن
ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، قال الترمذي: سمعت أحمد بن
الحسين يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى حديث ابن عكيم هذا لقوله قبل وفاته بشهر
وكان يقول: هذا آخر الأمر، قالوا: ولأنه جزء من الميتة فلا يطهر بشيء كاللحم، ولأن
المعنى الذي نجس به هو الموت وهو ملازم له لا يزول بالدبغ ولا يتغير الحكم، واحتج
أصحاب المذهب الثالث بما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن ابن عباس
((أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) وفي لفظ: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))
وبما أخرجه البخاري، ومسلم عن ابن عباس ((أن النبي ◌َّو مر بشاة ميتة فقال: هلا أخذوا
إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ قالوا: يا رسول الله إنها ميتة قال: ((إنما حرم أكلها)) وبما أخرجه
البخاري عن سودة زوج النبي وم طار قال: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها (١) ثم ما زلنا ننتبذ فيه
حتى صار شناً (٢)، وروى أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ((ماتت شاة
لسودة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة - يعني الشاة - فقال رسول الله وقالله: فهلا أخذتم
مسكها؟ قالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت)) فذكر تمام الحديث كرواية البخاري وروى مالك
(١) المسك بسكون السين المهملة الجلد.
(٢) الشن القربة الخلقة .

١٧
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
في الموطأ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه بأسانيد حسنة عن عائشة ((أن النبي وَ ل أمر أن
يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت)) وروى أحمد في مسنده، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم
في المستدرك، والبيهقي في سننه وصححاه عن ابن عباس قال: ((أراد النبي وَلّ أن يتوضأ
من سقاء فقيل له إنه ميتة فقال: دباغة يذهب بخبثه - أو نجسه أو رجسه)) وروى أحمد، وأبو
داود، والنسائي، وابن حبان والدارقطني، والبيهقي باسناد صحيح من طريق جون بن قتادة
عن سلمة بن المحبق ((أن رسول الله وَل في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة قالت: ما
عندي إلا ماء في قربة لي ميتة قال: أليس قد دبغتها؟ قالت: بلى قال: ((فإن دباغها ذكاتها))
وروى أبو داود، والنسائي، والدارقطني، عن ميمونة قالت: ((مر على النبي وُ لّ رجال
يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال لهم النبي وهي: لو أخذتم أهابها؟ قالوا: إنها ميتة، فقال
رسول الله ملة: يطهرها الماء والقرظ)) (١) وروى الدارقطني والبيهقي في سننهما بسند حسن
عن ابن عباس قال: مر النبي ◌َّ بشاة ميتة فقال: ((هلا انتفعتم بإهابها)) فقالوا: يا رسول الله
إنها ميتة قال: ((إنما حرم أكلها أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها؟)) وفي لفظ عند
الدار قطني قال: ((إنما حرم من الميتة أكلها)) وفي لفظ عنده [قالوا: إنها ميتة ((قال: إن دباغها
ذكاتها)) وفي لفظ عنده] قال: ((إنما حرم لحمها ودباغ إهابها طهوره)) وفي لفظ عنده قال:
((إنما حرم عليكم لحمها ورخص لكم في مسكها)) قال الدارقطني: هذه أسانيد صحاح،
وروى الدارقطني عن عائشة عن النبي ◌ُّر قال: ((ذكاة الميتة دباغها)) وفي لفظ: ((طهورها
دباغها)) وروى الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((دباغ كل إهاب طهوره))
وروى الدارقطني بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَل: ((أيما إهاب دبغ فقد
طهر)) وروى الخطيب في تلخيص المتشابه من حديث جابر مثله، وروى الطبراني في الكبير،
والأوسط عن أبي أمامة أن رسول الله وَّل خرج في بعض مغازيه فمر بأهل أبيات من العرب
فأرسل إليهم: ((هل من ماء الوضوء رسول الله وَّة؟ فقالوا: ما عندنا ماء إلا في إهاب ميتة
دبغناها بلبن فأرسل إليهم أن دباغة طهوره فأتى به فتوضأ ثم صلى)) وروى أبو يعلى في
مسنده عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ◌َّير فقال لي: ((يا بني ادع لي من هذه الدار
بوضوء)) فقلت: رسول الله وَلّ يطلب وضوءاً فقالوا: أخبره أن دلونا جلد ميتة؟ فقال:
سلهم هل دبغوه؟ قالوا: نعم قال: ((فإن دباغه طهوره)) وروى الطبراني في الكبير عن ابن
مسعود قال: مر رسول الله وَّله بشاة ميتة فقال: ما ضر أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ وروى
الطبراني في الكبير عن سنان ابن سلمة ((أن النبي وَلّ أتى على جذعة ميتة فقال: ما ضر أهل
هذه لو انتفعوا بمسكها؟)) وروى الدارقطني عن ابن عمر ((أن النبي وَل مر على شاة فقال: ما
هذه؟ فقالوا: ميتة قال النبي وَله: ((أدبغوا إهابها فإن دباغة طهوره)) وروى الدارقطني عن
زيد بن ثابت عن النبي ◌َّ قال: (دباغ جلود الميتة طهورها) * وروى الدارقطني عن عائشة
(١) القرظ - بالتحريك: ورق السلم يدبغ به، وقيل قشر البلوط، والسلم شجر من العضاه الواحدة سلمة
بالتحريك .

١٨
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
عن النبي وَير قال: (طهور الأديم دباغة) وروى أبو يعلى، والطبراني، والدارقطني عن أم
سلمة أنها كانت لها شاة فماتت فقال النبي والر: أفلا انتفعتم بإهابها؟ قلنا إنها ميتة فقال
النبي وَّر: ((إن دباغها يحل كما يحل الخل من الخمر)).
وروى أحمد، والطبراني عن المغيرة بن شعبة قال: (طلب النبي وَ لّ ماء من امرأة
أعرابية فقالت: هذه القربة مسك ميتة ولا أحب أنجس به رسول الله وَ لّ فأخبرته فقال:
أرجع إليها فإن كانت دبغتها فهو طهورها فرجعت إليها فقالت: لقد دبغتها فأتيته بماء منها))
وروى الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن أنس بن مالك ((أن النبي وال# استوهب وضوءاً
فقيل له: لم نجد ذلك إلا في مسك ميتة فقال: أدبغتموه؟ قالوا: نعم قال: فهلم فإن ذلك
طهوره، وروى الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: كنا نصيب مع
النبي ◌َّ في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقسمها كلها ميتة، وبالقياس لأنه جلد
طاهر طرأت عليه نجاسة فجاز أن يطهر كجلد المذكاة إذا تنجس.
وأجابوا عن احتجاج الأولين بالآية بأنها عامة خصصتها السنة، وأما حديث عبد الله بن
عكيم فأجاب عنه البيهقي، وجماعة من الحفاظ بأنه مرسل، وابن عكيم ليس بصحابي،
وكذا قال أبو حاتم، وقال ابن دقيق العيد: روي أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي،
وأحمد بن حنبل في جلود الميتة إذا دبغت فقال الشافعي: دباغها طهورها فقال له إسحاق :
ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة ((أن
النبي وَّ قال: هلا انتفعتم بإهابها؟)) فقال له إسحاق: حديث ابن عكيم كتب إلينا النبي وَل
قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا بشيء من الميتة بإهاب ولا عصب، فهذا يشبه أن يكون ناسخاً
لحديث ميمونة لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعي رضي الله عنه: هذا كتاب وذاك سماع،
فقال إسحاق: إن النبي ◌ُّ لّ كتب إلى كسرى، وقيصر فكانت حجة عليهم عند الله فسكت
الشافعي فلما سمع ذلك أحمد ذهب إلى حديث ابن عكيم وافتى به ورجع إسحاق إلى
حديث الشافعي، قال ابن دقيق العيد: كان والدي يحكي عن شيخه الحافظ أبي الحسن
المقدسي وكان من أئمة المالكية أنه كان يرى أن حجة الشافعي باقية، يريد لأن الكلام في
الترجيح بالسماع والكتاب لا في إبطال الاستدلال بالكتاب، وقال الخطابي: مذهب عامة
العلماء جواز الدباغ والحكم بطهارة الإهاب إذا دبغ ووهنوا هذا الحديث لأن ابن عكيم لم
يلق النبي وَ ل﴿ وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم، قال: وقد يحتمل - أن ثبت الحديث - أن
يكون النهي إنما جاء عن الانتفاع بها قبل الدباغ، فلا يجوز أن تترك به الأخبار الصحيحة
التي قد جاءت في الدباغ وأن يحمل على النسخ، وقال غيره: قد عللوا حديث ابن عكيم
بأنه مضطرب في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة كذا
حكاه الترمذي وهؤلاء الأشياخ مجهولون لم تثبت صحبتهم، وقد حكى الترمذي عن
أحمد بن حنبل أنه كان يذهب إلى هذا الحديث ثم تركه لهذا الاضطراب، وقال الخلال:

١٩
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف فيه، وقد روي قبل موته بشهر وروي بشهرين
وروي بأربعين يوماً وروي بثلاثة أيام، وروي من غير تقييد بمدة وهي رواية الأكثر، وهذا
الاضطراب في المتن، وأجيب عنه أيضاً بأن أخبار الدباغ أصح إسناداً وأكثر رواة فهي أقوى
وأولى، وبأنه عام في النهي، وأخبار الدباغ مخصصة للنهي بما قبل الدباغ مصرحة بجواز
الانتفاع بعد الدباغ، والخاص مقدم على العام عند التعارض، وبأن الإهاب في اللغة هو
الجلد قبل أن يدبغ ولا يسمى بعده إهاباً - كذا قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وأبو
داود السجستاني، وكذا قاله الجوهري، وآخرون من أهل اللغة، وهذا من القول بالموجب.
فإن قالوا: هذا الخبر متأخر فيقدم ويكون ناسخاً، فالجواب من أوجه: أحدها لا نسلم
تأخره عن أخبار الدباغ لأنها مطلقة فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته و # بدون شهرين
وشهر)) الثاني أنه روي قبل موته بشهر وروي بشهرين وروي بأربعين يوماً، وكثير من
الروايات ليس فيها تاريخ، وكذا هو في رواية أبي داود فحصل فيه نوع اضطراب فلم يبقى
تاريخ يعتمد. الثالث: لو سلم تأخره لم يكن فيه دليل لأنه عام وأخبار الدباغ خاصة والخاص
مقدم على العام سواء تقدم أو تأخر كما هو معروف عند الجماهير من أهل أصول الفقه
وأما الجواب: عن قياسهم على اللحم فمن وجهين: أحدهما أنه قياس في مقابلة
نصوص فلا يلتفت إليه. والثاني: أن الدباغ في اللحم لا يتأتى وليس فيه مصلحة له بل
يمحقه بخلاف الجلد فإنه ينظفه ويطيبه ويصلبه، وبهذين الجوابين يجاب عن قولهم: العلة
في التنجيس الموت وهو قائم * واحتج أصحاب المذهب الثاني بما رواه أبو داود،
والترمذي، والنسائي، والحاكم، وغيرهم بأسانيد صحيحة عن أبي المليح عامر بن أسامة
عن أبيه رضي الله عنه ((أن رسول الله (ّ نهى عن جلود السباع)) وفي رواية للترمذي: ((نهى
عن جلود السباع أن تفترش)) قالوا: فلو كانت تطهر بالدباغ لم ينه عن افتراشها مطلقاً،
وبحديث سلمة بن المحبق السابق: ((دباغها ذكاتها)» قالوا: وذكاة ما لا يؤكل لا تطهره،
قالوا: ولأنه حيوان لا يؤكل فلم يطهر جلده بالدبغ كالكلب، وأجاب أصحابنا بالتمسك
بعموم ((أيما إهاب)) و((إذا دبغ الإهاب)) وأن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت فإنها عامة في
كل جلد، قالوا :
وأما الجواب: عن حديث النهي عن جلود السباع فمحمول على ما قبل الدباغ
فإن قيل: لا معنى لتخصيص السباع حينئذ بل كل الجلود في ذلك سواء
فالجواب: أنها خصت بالذكر لأنها كانت تستعمل قبل الدباغ غالباً أو كثيراً، وأما حديث
سلمة فمعناه أن دباغ الأديم مطهر له ومبيح لاستعماله كالذكاة فيما يؤكل، وأما قياسهم على
الكلب فجوابه الفرق بأنه نجس في حياته فلا يزيد الدباغ على الحياة.
واحتج أصحاب المذهب الرابع، والخامس، والسادس بعموم أحاديث الدباغ، وأجاب
الأولون عنها بأنها خص منها الكلب، والخنزير للمعنى المذكور وهو أنهما نجسان في

٢٠
الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة
الحياة فلا يزيد الدباغ عليها؛ واحتج أصحاب المذهب السابع برواية وردت في حديث ابن
عباس ((هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به؟)) ولم يذكر الدباغ، وأجاب الأولون بأن هذه الرواية
مطلقة فتحمل على الروايات المقيدة لما تقرر في أصول الفقه من حمل المطلق على المقيد.
إذا تقرر ذلك فنعود إلى مسألتنا فنقول: من ذهب إلى أن الشعر لا ينجس بالموت بل
هو باق على طهارته - وهم أكثر الأئمة كما تقدم - فلا إشكال على مذهبه، وكذا من ذهب
إلى أنه ينجس بالموت ويطهر بالغسل، وأما من قال: بنجاسته بالموت وأنه لا يطهر بالغسل
- وهو الشافعي رضي الله عنه في أول قوليه وهو المشهور من مذهبه - فهل يطهر الشعر عنده
بالدباغ تبعاً للجلد أو لا؟ فيه قولان مشهور أن عن الشافعي، قال صاحب المهذب: فإن دبغ
جلد الميتة وعليه شعر قال في الأم: لا يطهر الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه، وروى الربيع بن
سليمان الجيزي عنه أنه يطهر لأنه شعر نابت على جلد فهو كالجلد في الطهاره كشعر
الحيوان في حال الحياة، قال النووي في شرح المهذب: هذان القولان للشافعي مشهوران
وأصحهما عند الجمهوري نصه في الأم أنه لا يطهر، وممن صححه من المصنفين أبو
القاسم الصيمري، والشيخ أبو محمد الجويني، والبغوي، والشاشي، والرافعي وقطع به
الجرجاني في التحرير قال: وصحح الأسناد أبو إسحاق الإسفراييني، والروياني، طهارته
قال الروياني: لأن الصحابة في زمن عمر رضي الله عنه قسموا الفراء المغنومة من الفرس
وهي ذبائح مجوس، واستدل من صحح القول الأول بحديث أسامة السابق ((أن
رسول الله (* نهى عن جلود السباع)) وروى أبو داود، والنسائي بإسناد حسن عن
المقدام بن معدي كرب أنه قال لمعاوية: أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله وَ طيقر نهى عن
لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، وروى أبو داود عن معاوية أنه قال لأصحاب
النبي ◌ُّ: هل تعلمون أن رسول الله وَ ل* نهى عن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال
الأصحاب: يستدل بهذه الأحاديث على أن الشعر لا يطهر بالدباغ لأن النهي متناول لما بعد
الدباغ، وحيث لا يجوز أن يكون النهي عائداً إلى نفس الجلد فإنه طاهر بالدباغ بالدلائل
السابقة فهو عائد إلى الشعر، هذا ما في شرح المهذب، وأقول: الذي يترجح عندي بالنظر
في الأدلة ما رجحه الإسفراييني، والروياني من طهارة الشعر بالدباغ. وقد رجحه أيضاً
العبادي وقال: عليه تدل الآثار، وصححه من المتأخرين ابن أبي عصرون في المرشد لعموم
البلوى به. والشيخ تقي الدين السبكي قال ولده في التوشيح: صحح ابن أبي عصرون طهارة
الشعر بالدباغ قال الوالد في مجاميعه: وهو الذي اختاره وأفتى به للحديث، وقال صاحب
الخادم: قال بعضهم : - كأنه يعني البلقيني - هو المختار من جهة الدليل لا سيما وقد قيل:
إن الشعر لا ينجس بالموت، قلت: ومن الأدلة على ما اخترته ما أخرجه مسلم في صحيحه
من طريق أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني(١) قال: رأيت على ابن أبي وعلة السبائي فرواً
(١) بفتح التحتانية والزاي بعدها نون.