النص المفهرس

صفحات 221-240

وروى الشعبي صاحب ابي هريرة عن أبي جحيفة عن علي (١).
ومن أصحاب علي : مولاه هانىء بن هانىء (٢)، وروى عنه من أصحاب أبي هريرة : عبد الرحمن
ابن يعقوب (٣).
ومن أصحاب علي : الحارث الأعور (٤)، وهو وإن وثقّه البعض، إلا أنه متهم بالكذب ، والأرجح
ضعفه ، والمفروض أن يكون الحارث أسرع من غيره من أصحاب علي إلى نقل كلمته المزعومة في تكذيب
أبي هريرة ، إذ المعروف عن كل كاذب أنه يتسقط أخبار تكذيب الثقات ليشيعها ، تخفيفاً من تركيز
الهجوم عليه هو فقط ، وصرفاً للهجوم إلى غيره ، وله هنا في تكذيب أبي هريرة مصلحة أوفر ، إذ فيه
إشراك صحابي أرفع منه في نفس ما يتهم به ، لكن الحارث لم يفعل لأنه لم يسمع من علي شيئاً مما يفترى ،
ولم يكن يدر بخلده ، وهو المتهم بالكذب ، أن في الامكان تكذيب صحابي مثل أبي هريرة .
سكوت عين أعيان الشيعة أيام اتباع التابعين
قال ابن داود الحلي :
( أجمعت الصحابة (٥) على ثمانية عشر رجلاً ، فلم يختلفوا في تعظيمهم ، غير أنهم يتفاوتون ثلاثة
درج :
الدرجة العليا : لستة منهم من أصحاب أبي جعفر عليه السلام (٦)، أجمعوا على تصديقهم ، وإنفاذ
قولههم ، والانقياد لهم في الفقه، وهم : زرارة بن أعين ، معروف بن خرّبوذ ... ) (٧) .
بينما نجد لمعروف هذا تلامذة من متداولي حديث أبي هريرة ، كعبيد الله بن موسى (٨) ، وأبي عاصم
النبيل شيخ البخاري(4)، وسليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند المشحون بحديث أبي هريرة (١٠) .
فلماذا لم يحذرهم ؟ ولماذا لم يسأل إمامه الباقر إذ رآه يروي عن أبي هريرة عما حدا به إلى مخالفة وصية
جده ؟
(١) الترمذي ١٨٠/٦، ابن ماجة ١٠٩/١
(٣) ذكر ابن حبان في الثقات ص ٢٨٢ أنه يروي عن هانى ..
(٤) من روايته عن علي ما عند ابن ماجة ٤١١/٤٩/١
(٦) محمد الباقر بن علي بن الحسين أبو جعفر الصادق.
(٨) روايته عن معروف عند البخاري ٤٣/١
(٩) روايته عن معروف في كتاب الاغاني ١٤٧/١٥
(٢) يروى عن علي كما عند ابن ماجة ٥٢/١، وأبي داود
٥٣٠/١
(٥) لا يقصد الاصطلاح العربي ، بل يعني أصحاب أئمة الشيعة .
(٧) رجال ابن داود الخلي ص ٣٨٤، وعده البرقي أيضاً
ص ١ في أصحاب الباقر .
(١٠) روايته عن معروف عند مسلم ٦٨/٤
٢٢١

وقد روى معروف عن أبي الطفيل عن علي (١) ، وقد عرفنا مكانة أبي الطفيل عند علي ، أفلم يكن
نقل له شيئاً ينقله بدوره إلى تلامذته ؟ .
الناشرون حديث ابي هريرة يواصلون الاختلاط بآل ابي رافع
وقد ذكرنا في الفصل الماضي كاتب أمير المؤمنين عبيد الله ابن أبي رافع ، وروايته عن أبي هريرة ،
وسكوته .
ونجد أن من بعده من آل أبي رافع واصلوا سكوتهم .
منهم ابنه عبدالله بن عبيد الله بن أبي رافع ، ولقبه عباد ، روى عنه محمد بن عجلان ، أحدُ ناشري
حديث أبي هريرة ، وابن أحد الرواة عن أبي هريرة (٢) .
وابن أخيه عبيد الله بن علي ابن أبي رافع ، روى عنه محمد بن عجلان ، ومحمد بن اسحاق صاحب
السيرة . (٣).
وحفيد هذا : إبراهيم بن علي بن حسن بن علي ابن أبي رافع ، روى عنه ابراهيم ابن المنذر ، ويعقوب
ابن حميد بن كاسب ، شيخا البخاري (٤)
(٤) .
وارث علم علي لا يجد إلاّ خيراً
ونجد أبا اسحاق السبيعي من أبرز صغار التابعين الذين اعتنوا بجمع علم علي من طريق كبار أصحابه .
فهو يروي عن عبد خير عن علي (٥) ، وعن عاصم بن ضمرة السلولي عن علي (٦) ، وعن أبي جحيفة
عن علي (٧) ، وعن ناجية بن كعب عن علي (٨) وعن شريح بن النعمان عن علي (٩) ، وعن الحارث عن
علي (١٠)، وعن هبيرة بن يريم عن علي (١١)، وعن صعصعة بن صوحان عن علي (١٢) ، وعن عمارة بن
(١) روايته عنه عند مسلم ٦٨/٤
(٣) التهذيب ٣٧/٧
(٥) أبو داود ٣٦/١
(٧) ابن ماجة ١٠٩/١
(٩) النسائي ٢١٦/٧، الترمذي ٢٩٦/٦
(١١) النسائي ١٦٥/٨
(٢) التهذيب ٣٠٥/٥
(٤) التهذيب ١٤٦/١
(٦) ابن ماجة ٣٦٧/١، النسائي ٢٢٩/٣
(٨) النسائي ٧٩/٤
(١٠) الترمذي ٢٤٧/٢
(١٢) النسائي ١٦٦/٨
٢٢٢

عمير عن علي (١). وعن زيد بن يثيع عن علي (٢) ، وعن أبي حية خالد بن علقمة عن علي (٣)، وكنا
ذكرنا في الفصل السابق روايته عن كميل بن زياد عظيم خواص علي رضي الله عنه .
وكذلك روى أبو اسحاق عن أبي تمامة الصائدي عن الحسين بن علي (٤) . وروى عن وزراء علي من
الصحابة ، كروايته عن مسلم بن نذير عن حذيفة (٥) ، وعن صلة بن زفر عن عمار بن ياسر (٦) ،
وعن حارثة بن مضرب عن خباب (٧) ، وغيرهم رضي الله عنهم .
وبالمقابل نجد أن تلامذة أبي اسحاق هم أئمة الناشرين لحديث أبي هريرة ، مثل شعبة (٨)، وحفيده
إسرائيل (٩)، ومحمد بن اسحاق (١٠)، وسفيان الثوري (١١)، وسفيان بن عيينة (١٢)، وشريك بن عبدالله
النخعي (١٣)، وأبي عوانة الوضاح (١٤)، وغيرهم مما يبدو دورهم في الخوارط واضحاً.
بل ذكرنا في الفصل الماضي روايته هو عن كميل عن أبي هريرة .
أفما كان سمع من أولئك الرهط الكرام من أصحاب عليّ ما فيه نوع تحذير؟.
ومثل أبي اسحاق قتادة بن دعامة البصري أستاذ شعبة وغيره ، فقد روى عن جري ابن كليب ،
وأبي حسان الأعرج ، وخلاس ، عن علي (١٥) ، وعن حسان بن بلال عن عمار بن ياسر (١٦) ، وعن
أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي عن أبيه عن علي (١٧) .
وهكذا تجتمع كل هذه القرائن لتجزم لنا وتؤكد براءة لسان علي مما نسب اليه ، وليس الأمر بحمد الله
كما قالوا ، ولكن ، كما قال الشعبي رحمه الله: ( ما كُذب على أحدٍ في هذه الأمة ما كُذب على عليّ
رضي الله عنه) (١٨).
(١) التر مذي ٧٧/٧
(٣) التر مذي ٦١/١
(٥) النسائي ٢٠٦/٨
(٧) الترمذي ١٩٤/٤
(٩) يروي اسرائيل عن جده أبي اسحاق عند الترمذي
١٦٧/٤ وغيره، واسرائيل من كبار الحفاظ الاعلام.
(١١) روايته عن ابي اسحاق عند النسائي ٢٢٩/٣، ٧٩/٤،
التر مذي ١٥/٥
(١٣) روايته عن ابي اسحاق عند الترمذي ١٢/٥، ٢٢٥/٦
(١٥) رواياته عنهم عند النسائي ١٣٠/٢٤/٢١٧/٧ على التتابع.
(٢) التر مذي ٢٣٣/١١
(٤) ذكر ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٥١/جـ٢٥/٤
(٦) التر مذي ٢٠٢/٣
(٨) يروي شعبة عن ابي اسحاق عند الترمذي ١٩٤/٤
(١٠) يروي عن ابي اسحاق كمما في الترمذي ١٨٠/٤-
(١٢) روايته عن أبي اسحاق عند ابن ماجة ٥٨٠/١
(١٤) روايته عن أبي اسحاق عند التر مذي ١٢/٥
(١٦) ابن ماجة ١٤٨/١، الترمذي ٤٨/١
(١٧) ابن ماجة ١٧٥/١
(١٨) تذكرة الحفاظ ٨٢/١
٢٢٣

الاستدراك عَلى أبي هُريْرَة
استدرَاكات عائشة وابن عمررضي الله عنهما
( لقد طال العهد بعائشة أم المؤمنين وبأبي هريرة ، فاحتاج الناس إليهما كثيراً ، فروي عنهما من
الحديث ما لم يرو عن غيرهما . وقد كان أبو هريرة يحدث، فتستدرك عليه السيّدة عائشة تارة ، وتصدقه
أخرى ، كما كان يحدث مع غيره من الصحابة ، فقد استدركت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى
ابن عمر ، وعلى أبي هريرة ، وجمع الامام بدر الدين الزركشي كتاباً في ذلك تحت عنوان : الاجابة
لايراد ما استدركته عائشة على الصحابة وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث ، أو الدليل
في المسألة التي يفتي بها المسؤول . كما استدرك غيرها عليها ، كما أنها كانت توجه من يسألها أحياناً إلى من
هو اعرف منها في تلك المسألة ، وقد ثبت أنها وجهت من سألها عن مسح الخف إلى علي رضي اللّه عنهما ،
وفي كل هذا لم يشعر الصحابة بغضاضة أو حرج ، لأن هدفهم واحد ، وهو تطبيق الشريعة . وما كان
الصحابة يكذب بعضهم بعضاً ، إلا أن من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة من
النقاش العلمي ، أو التثبت في الحديث ، وجعلوا منه مادة طيبّة ينفذون من خلالها إلى مآربهم ، ويحققون
غاياتهم ، ولكنهم لم يفلحوا ، لأن الأمة لم تعدم العلماء المخلصين ، والساهرين النابهين ، الذين بيّنوا الحق
من الباطل ، ووضعوا كل شيء في موضعه.) (١) .
(١) من كلام محمد عجاج الخطيب ص ٢٨١، وذكر ان قصة السائل عن مسح الخف عند أحمد ١٧٥/٢.
٢٢٥

إنكارها حديثه في افطار الصائم إذا أصبح جنباً
من أهم الأمثلة التي أحدثوا حولها الضجيج ترك أبي هريرة لرواية حديث في إفطار الصائم اذا أصبح
جنباً بعد إنكار عائشة عليه وروايتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله
ثم يغتسل ويصوم .
وأوضح رواية لهذه الحادثة رواية مسلم في صحيحه (١) . قال:
( حدثني محمد بن رافع - واللفظ له - حدثنا عبد الرزاق بن همام اخبرنا ابن جريج اخبرني عبد
الملك ابن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال : سمعت أبا هريرة يقص ، يقول في قصصه : من
أدركه الفجر جنباً فلا يصم . قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث ، لأبيه (٢) ، فأنكر ذلك ،
فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك ، قال :
فكلتاهما قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم ، فانطلقنا حتى دخلنا
على مروان ، فذكر ذلك له عبد الرحمن . فقال مروان : عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى ابي هريرة
فرددت عليه ما يقول .. قال : فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله . فذكر له عبد الرحمن فقال
أبو هريرة : أهما قالتاه لك ؟ قال : نعم . قال : هما أعلم ، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى
الفضل بن العباس ، فقال أبو هريرة : سمعت ذلك من الفضل ولم اسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ،
قال : فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك . قلت لعبد الملك : أقالتا في رمضان ؟ قال : كذلك كان
يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم . ).
وأبو بكر المذكور هو أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قاضي المدينة .
وأخرج البخاري أيضاً انكارهن ورجوعه فقال:
( حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبر تاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم . وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث : أقسم بالله
لتُقَرَّعَنَّ بها أبا هريرة، ومروان يومئذ على المدينة. فقال أبو بكر: فكره ذلك عبد الرحمن " ثم قدر
لنا أن نجتمع بذي الحليفة ، وكانت لأبي هريرة هنالك أرض، فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذا كر
لك أمراً ، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة وأم سامة ، فقال : كذلك حدثني
(١) صحيح مسلم ١٣٧/٣
(٢) قوله : لأبيه، بيان من الراوي ان عبد الرحمن هذا هو أبو
ابي بكر
٢٢٦

الفضل بن عباس وهو أعلم. ) ، وفي رواية النسفي لصحيح البخاري كما في الحاشية : (وهن أعلم ) ، وهو
الأصوب كما يبدو ، إذ هو الموافق لرواية الإمام أحمد . (١)
وقد أطال الزركشي في ( الاجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة . ) (٢) وغيره في الجواب
والاعتذار لأبي هريرة وبيان احتمال كون الأمر بالفطر صحيحاً ثم نسخ ولم يعلم أبو هريرة بالنسخ ،
والناظر لرد عائشة بعين الانصاف يرى بوضوح ان ( اقتصارها إذ بلغها حديثه هذا على أن بعثت عليه أن
لا يحدث بهذا الحديث وذكرها فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل دلالة قوية انها عرفت الحديث ولكنها
رأت انه منسوخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا أن ابن اختها وأخص الناس بها وأعلمهم بحديثها:
عروة بن الزبير استمر قوله على مقتضى الحديث الذي ذكره أبو هريرة ، وهذا ثابت عن عروة ، وذكر
مثله أو نحوه عن طاوس وعطاء وسالم بن عبدالله بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي ، وهؤلاء من
كبار فقهاء التابعين بمكة والمدينة والبصرة والكوفة ، والنظر يقتضي هذا ، وشرح ذلك يطول . وكأن
عروة حمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرته عائشة على الخصوصية او غيرها مما لا
يقتضي النسخ ، واستدل الجمهور على النسخ بقول الله تعالى: (أحلّ لكمْ ليلةَ الصيامِ الرّفَتُ إلى
نسائِكُمْ). قالوا : فهذه الآية نسخت بالإجماع ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد
النوم ، وهي تتضمن إحلاله في آخر جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل ، ومن ضرورة ذلك أن يصبح
جنباً ، فهذان شاهدا عدل بصحة حديث أبي هريرة وصدقه : الأول : اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه ،
الثاني : مذهب تلميذها وإبن اختها عروة .
وثم شاهد ثالث وهو أن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دل القرآن أنه كان الحكم أولاً تحريم الجماع
في ليالي رمضان بعد النوم ، وأن من فعل ذلك لم يصحّ صومه ذلك اليوم ، والحكمة في ذلك والله أعلم أن
يطول الفصل بين الجماع وبين طلوع الفجر ، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعض الناس إلى السهر
طول الليل ويجامع قبيل الفجر بحجة أنه انما جامع قبل النوم ناسب ذلك ان يحرم كونه جنباً عند طلوع
الفجر ليضطر من يريد الجماع ممن يسهر إلى أن يقدمه قبل الفجر بمدة تتسع له وللغسل بعده ، فيحصل
بذلك المقصود من طول الفصل ، وهذا هو مقتضى حديث أبي هريرة .
وشاهد رابع وهو أنا مع علمنا بصدق أبي هريرة وامانته لو فرضنا جدلاً خلاف ذلك فأي غرض
شخصي لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبي صلى اللّه عليه وسلم ليحمل الناس على ما تضمنه حديثه ؟
لاغرض له البتة ، وإذن فلا بد أنه كان عنده دليل فهم منه بذلك، وقد عرفنا أنه قلما يلجأ إلى الاستنباط
الدقيق، وإنما يتمسك بالنصوص ، وقد نص هو على أن دليله هو ذاك الحديث ، فبان أن الحديث كان عنده .
(١) البخاري ٣٦/٣، مسند الامام أحمد ٣١٣/٣٠٨/٦
(٢) الاجابة ص ٥٧
٢٢٧

فهذه أربعة شهود على صدق أبي هريرة في هذا الحديث.) (٥)
وعلى كل ، فأبو هريرة قد خرج من العهدة بنسبة الحديث إلى الفضل بن العباس وأنه هو الذي حدثه
به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية النسائي أنه نسبه إلى أسامة بن زيد .
( أما ما أخرجه ابن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال : كنت حدثتكم : من
أصبح جنباً فقد أفطر وإن ذلك من كيس أبي هريرة ، فلا يصحّ ذلك عن أبي هريرة ، لانه من رواية عمر
ابن قيس ، وهو متروك. ) (٢).
والعجيب أن عبد الحسين شرف الدين الذي ينكر على أبي هريرة هذا يفعل ما يقتضيه حديث ابي
هريرة ، إذ هو شيعي إمامي ، والفقه الشيعي يقول بافطار الذي يصبح جنباً ، أفليس هذا من العجب العجاب؟
لم تنكر عليه ما تفعله أنت وتفتي به الناس ؟ .
إن بعض المغرضين قد استدل على كذب أبي هريرة بنسبته إلى الفضل وهو ميت ، وأنه أوهم الناس
أنه سمع الحديث من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو كان صحيحاً لذكر الفضل أول مرة . وهذا
تجاهل لطريقة الصحابة رضي الله عنهم في تحديث بعضهم عن بعض مما ذكرناه في فصل سابق ، ومثل هذه
القصة رأيتها حدثت أيضاً لابن عباس ، إذ كان عبدالله بن عباس رضي الله عنهما يفتي بأنه لاربا إلا في
نسيئة ، فانكر عليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وقال له : ( أرأيت الذي تقول : الدينارين بالدينار
والدرهمين بالدرهم ؟ أشهد أني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : الدينار بالدينار والدرهم
بالدرهم لافضل بينهما.) فيجيبه ابن عباس: (اني لم أسمع هذا ، إنما اخبرنيه أسامة بن زيد. ) ، قال
أبو سعيد: ( ونزع عنها ابن عباس ) ، وفي سند آخر أنه أجاب : ( ولكن أسامة بن زيد حدثني أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ربا إلا في الدين.) (٣).
فهل تحكم بأن ابن عباس ايضاً من الكذابين الوضّاعين لأنه عين ما جرى لابن عباس هنا ، فأحكم
بانصاف .
(١) من كلام المعلمي اليماني رحمه اللّه في الأنوار الكاشفة
ص ١٦٨، واشار على ان استمرار عروة وبقية
التابعين المذكورين في الأفتاء بمقتضى حديث ابي
هريرة ذكره ابن حجر في فتح الباري ١٣٤/٤
(٢) من كلام ابن حجر في فتح الباري ٤٩/٥
(٣) معاني الآثار ٢٣١/٢، مسند أحمد ٢٠٩/٢٠٠/٥
بسند صحيح .
٢٢٨

ومن أمثلة إنكارها عليه : ما أخرجه الطحاوي عن أبي صالح قال : ( قيل لعائشة : إن أبا هريرة
يقول : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً، فقالت عائشة : يرحم الله أبا هريرة ،
حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخره . إن المشركين كانوا يهاجون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
لأن يمتلى ء جوف أحدكم قيحاً خير له من ان يمتلىء شعراً من مهاجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (١)
لكن إنكار عائشة ترده رواية صحابة آخرين لهذا الحديث وافقوا أبا هريرة فيها ، أخرجها الطحاوي أيضاً
في نفس الفصل ، فقد رواه عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، رضي الله
عنهم ، ثلاثتهم لم يوردوا زيادة عائشة ، ورجح البخاري اقتصار ابن عمر على زيادة عائشة فأخرجها في
صحيحه دون رواية عائشة (٣) . وذكر الزركشي أن أبا يعلى الموصلي أخرج هذا الحديث عن جابر بن عبدالله
بلا زيادة (٣).
وأرى أنه لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خص المهاجاة لما وجه الخطاب لأصحابه وقال :
( أحدكم)، ولقال: (أحدهم ) . وأياً كان الأمر فقد خرج أبو هريرة من العهدة بمتابعة هؤلاء الصحابة
الأربعة له .
وأما تأويل لفظ ابي هريرة وهؤلاء فواضح ميسور ، وأقدم نص في تأويله وجدته عند أبي عبيد القاسم بن
سلام اذ يقول راداً على من خص به شعر المهاجاة : ( والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول ، لأن
الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم لو كان شطر بيت لكان كفراً، فكأنه اذ حمل وجه الحديث على
امتلاء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه ، ولكن وجهه عندي أن يمتلىء قلبه من الشعر حتى يغلب عليه،
فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله ، فيكون الغالب عليه ، من أي الشعر كان ، فإذا كان القرآن والعلم
الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا ممتلئاً من الشعر . ) (٤)
ومن ذلك ايضاً إنكارها عليه حديث دخول المرأة النار في هرّة حبستها ، فهو يروي هذا الحديث في
صحيح البخاري وغيره ، وقد أورد الهيثمي (٥) إنكار عائشة هذا الحديث عليه ، وعزاه إلى أحمد وبين
أن رجاله رجال الصحيح ، لكني وجدت أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته ، اذ رواه ابن عمر أيضاً في
(١) معاني الآثار ٣٧١/٢
(٣) الاجابة ص ١٦٥
(٤) غريب الحديث ٣٦/١، وانظر ما يقارب هذا المعنى
شرح النووي لصحيح مسلم ج١٥ ص١٤
(٢) البخاري ٤٥/٨، وبين ابن حجر في فتح الباري
٤٥٢/١٠ ضعف سند رواية عائشة من وجهين
(٥) مجمع الزوائد ١١٦/١، واورده الزركشي عن
البزار ، ولم يبين وجه الصواب .
٢٢٩

البخاري (١)، وروته أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما في البخاري أيضاً (٢)، فهل كانت لهما هور
أيضاً ؟ إن حصول هاتين الروايتين تسقط التبعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ولا حاجة للخوض في
تفسير الحديث .
ومن ذلك أيضاً إنكارها عليه حديث عذاب الميت ببكاء الحي عليه الذي يرويه في صحيح البخاري
وغيره ، فتقول : ( رحم الله أبا هريرة، أساء سمعاً فأساء إصابة. )، ثم تقول: ( لم يكن الحديث على
هذا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال :
انهم ييكون عليه وانه ليعذب، والله عز وجل يقول: ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.)(٣)، وتقول: (إنما
مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وانها لتعذب في
قبرها . ) (٤)
ولم يجب الزركشي عن أبي هريرة في هذا ، لكني وجدت ان عائشة رضي الله عنها إما أن تكون هي
التي أساءت سمعاً لا هو ، وإما أن تكون شهدت حادثة ثانية غير التي شهدها أبو هريرة ، إذ رأيت أن
أكثر من صحابي يؤيد أبا هريرة في روايته ، إذ يرويه في البخاري عمر والمغيرة بن شعبة وابن عمر رضي
الله عنهم (٥) ، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن قزعة بن يحيي قال: ( قلت لابن عمر: يعذّب الله هذا
الميت ببكاء هذا الحي ؟ فقال : حدثني عمر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما كذبت على عمر ،
ولا كذب عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.)(٦)، وفي طبيعة جوابه ما يشير إلى صدور انكار من
أحد حتى يضطر إلى انكار الكذب ، وقد حدث ابن عمر بهذا الحديث في وقت آخر ايضاً كما هو واضح
في رواية اخرى (٧) .
وأما عمر فحدث به في وقتين بينهما مدة طويلة ، فقد حدث به حين موت أبي بكر، رواه عن عمر
ابن المسيب (٨) وحدث به لما طعن هو وبكى عليه القوم ، رواه عنه ابنه عبد اللّه (٩)، وعبد الله بن عباس
وغيره (١٠) . والتحديث به في زمنين دلالة على التأكد لا الوهم من عمرولا من السامع.
ومع ذلك تظل عائشة تنكر على عمر أيضاً هذا الحديث فتقول : ( وهم عمر بن الخطاب رضي اللّه
(١) ١٣٩/٣ وكذلك ١٥٧/٤
(٣) المستدرك ٢١٥/٢
(٤) البخاري ٩٧/٢
(٦) المسند ٢٦٩/١
(٥) البخاري ١٠١/٩٧/٢ وعن عمران بن حصين عند
النسائي ١٧/١٥/٤ / وابن الاخيثمة ص ٥٠
(٧) المسند ٢٨١/١
(٩) المسند ٢٨٢/١
(٨) المسند بشرح أحمد شاكر ٣٠٠/١
(١٠) البخاري ٩٦/٢
(٢) ١٣٩/٣
٢٣٠

عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان .. ) (١). وتقول: (رحم الله عمر، والله ما حدّث
رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ان اللّه ليزيد الكافر عذاباً .. ) (٢)، وفي لفظ آخر الطحاوي بعد ان أخرجه عن عمر ( فذكر ذلك
لعائشة فقالت : أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين ، ولكن السمع يخطىء، وإن لكم في القرآن
لما يشفيكم: أن ((لا تزر وازرة وزر أخرى))، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد
الكافر عذاباً ببعض بكاء أهله عليه. ) (٣). وتنكر على ابنه عبد الله فتقول: (وَهِلَ) (٤)، يعني ابن
عمر ، ( أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ . ) (٥) .
فتبين أن عائشة لا تكذب بإنكارها أبا هريرة كما قال بعض الأعداء ، لأنه من الواضح أنها لم تكن تعني
تكذيب عمر أو ابنه في ردها ، بل هي ترحمت في ردها على جميعهم وصرحت بأنهم ليسوا من الكاذبين .
المهم أن العهدة ارتفعت عن أبي هريرة برواية الآخرين لهذا الحديث .
وروي أن أبا هريرة روى حديثاً أجاز النبي صلى الله عليه وسلم فيه البكاء ، فقد اخرج أحمد بسند
صحيح إلى التابعي محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة ( أنه كان جالساً مع ابن عمر بالسوق ومعه سلمة بن
الازرق إلى جنبه ، فمر بجنازة يتبعها بكّاء ، فقال عبدالله بن عمر : لو ترك أهل هذا الميت البكاء لكان
خيراً لميتهم ، فقال سلمة بن الأزرق : تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : نعم أقوله . قال : إني سمعت
أبا هريرة - ومات ميت من أهل مروان فاجتمع النساء يبكين عليه فقال مروان : قم يا عبد الملك فانهن
أن يبكين - فقال أبو هريرة : دعهن ، فانه مات ميت من آل النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء
يبكين عليه ، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن ويطردهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن
يا ابن الخطاب ، فان العين دامعة ، والفؤاد مصاب . وان العهد حديث . فقال ابن عمر : أنت سمعت
هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال: يأثره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فالله ورسوله
أعلم . (٦) ).
ويمكن الجمع بين هذا الحديث المجيز وتلك الأحاديث المانعة بأن البكاء المجاز هو الذي لا عويل فيه
ولا نياحة ولا لطم ، فقد دمعت عين النبي صلى اللّه عليه وسلم لموت ابنه ابراهيم وقال: (إن العين تدمع.)(٧)
وبكى ودمعت عينه عند وفاة بنته (٨)، ولما رأى نساء الأنصار يبكين قتلى معركة أحد قال : ( لكن حمزة
(١) مسلم ٢١٠/٢ معاني الآثار ٩٠/١
(٣) معاني الآثار ٢٦٨/٢
(٥) المسند ١٠٧/٦
(٦) المسند ١٨٦/٦
(٨) البخاري ٩٦/٢
(٢) البخاري ٩٧/٢
(٤) المستدرك بسند صحيح ص ٨٨ من جزء نسيته ، بفتح
الواو وكسر الهاء وفتح اللام
(٧) البخاري ١٠١/٢
٢٣١

لا بواكي له. )، وقال ابن عمر يصف ساعة اشتداد مرض سعد بن عبادة رضي الله عنه: (فبكى النبي
صلى الله عليه وسلم، فلمّا رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: ألا تسمعون! إن الله
لا يعذّب بدمع العين ولا يحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه ، أو يرحم ، وإن الميت يعذب
بيكاء أهله عليه . (١)). وهذا صريح جداً في أن المقصود هو العويل ، وفيه بيّن النبي صلى الله عليه وسلم
البكاء الجائز من غير الجائز ، وبه يجب أن نفسر كافّة الأحاديث السابقة ، وهو رد قوي جداً على عائشة ،
إذ فيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله يوم ظن موت سعد بن عبادة، وأنه ليس ثمة مجال لتفسيره
بموت اليهود . وجمع البخاري بين الأحاديث المتعارضة بأن صرح بأن الميت يعذب إذا كان الموت من سنته
هو قبل موته وأنه عود أهله على البكاء أو أمرهم به . (٢) .
ومن انكار عائشة على أبي هريرة ما أخرجه الحاكم عن عروة بن الزبير قال : (بلغ عائشة رضي الله عنها أن
أبا هريرة يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن أمتع بسوط في سبيل اللّه أحب إلي من أن أعتق
ولد الزنا ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولد الزنا شر الثلاثة ، وإن الميّت يعذب ببكاء الحي.
فقالت عائشة : رحم الله أبا هريرة : أساء سمعاً فأساء اصابة .
أما قوله : لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب الي من أن أعتق ولد الزنا: انها لما نزلت: ((فلا اقتحم العقبة
وما أدراك ما العقبة)) قيل: يا رسول اللّه: ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه ،
فلو أمرناهن فزنيْنَ فجئن بالأولاد فاعتقناهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن أمتع بسوط في سبيل
الله أحب الي من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد .
وأما قوله : ولد الزنا شر الثلاثة ، فلم يكن الحديث على هذا ، انما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم فقال : من يعذرني من فلان ؟ قيل: يا رسول اللّه: مع ما به ولد زنا ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: هو شر الثلاثة، والله عز وجل يقول: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)). (٣) ..
أما قولها في البكاء على الميت فقد نقلناه آنفاً .
فهو يخطىء أحياناً ، ونحن لمّا نشيد بحفظه لا نعني أنه معصوم ، فما من أحد إلا وتؤثر عنه أخطاء ، ولذلك
رأى علماء الجرح والتعديل أن الخطأ القليل عند المحدث الثقة لا يهبط به عن منازل التوثيق والحفظ ، وربما قالوا
إن فلاناً حافظ ثقة يحتج بحديثه ثم يعددوا له الأوهام القليلة كقولهم في الإمام العلم الجهبذ شيخ البخاري ومسلم
وغيرهما قتيبة بن سعيد ، ولهذا امتنع بعض الصحابة من الإكثار خوفاً من مثل هذا الوهم ، أما أبو هريرة فأكثر
(١) البخاري ١٠١/٢، وقد شفي سعد من هذا المرض.
بعد اذ ظن النبي صلى اللّه عليه وسلم انه قد مات
وعاش بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم أشهراً .
(٢) البخاري ٩٥/٢، فتح الباري ٣٩٣/٣، وانظر
في احاديث البكاء ايضاً مصنف ابن أبي شيبة ٣٩١/٣
(٣) المستدرك ٢١٥/٢ بسند صحيح أقره الذهبي
٢٣٢

فوقع في هذين الخطأين اللذّين لم نحص له غيرهما . ومع ذلك فلوضوح كون الحق في جانب أبي هريرة في مسألة
البكاء على الميت لا أستبعد أن يكون هناك وجه لرواية أبي هريرة ومتابع له في هذين الحديثين . وقد وجه الطحاوي
لفظ ولد الزنا بأنه (إنما كان لإنسان بعينه كان منه الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان، مما صار به
كافراً شراً من أمه ومن الزاني الذي كان حملها به). (١).
ومما جعلوه من انكارها عليه قول أبي رية : (وعن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا : إن
أبا هريرة يحدث عن رسول الله: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار. فطارت شققاً ثم قالت: كذب والذي أنزل
القرآن على أبي القاسم ، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار. ثم قرأت: ((ما أَصابَ من مصيبةٍ في
الأرضِ ولا في أَنفسِكِم إلاّ في كتابٍ منْ قَبْلِ أن نَبْرَأَهَا)).).
قال المعلمي اليماني رحمه الله راداً ومبيناً: (أخرج أحمد وأبو داود بسند جيد عن سعد ابن أبي وقاص مرفوعاً:
لا عدوى ولا طيرة ولاهام، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار. والطيرة والشؤم بمعنى واحد (٢)،
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر (٣) قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: انما الشؤم في
ثلاثة . في الفرس والمرأة والدار ، لفظ البخاري في كتاب الجهاد ، باب ما يذكر من شؤم الفرس . وفي
الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد (٤) مرفوعاً : إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن . زاد مسلم :
يعني الشؤم. وجاء نحوه بسند جيّد عن أم سلمة وزادت: والسيْف. راجع فتح الباري ٤٧/٦، وفي صحيح
مسلم من حديث جابر مرفوعاً : إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس .
أما روايته عن أبي هريرة فعزاه أبو رية إلى تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ، وقد رواه الامام أحمد في
المسند ١٥٠/٦ و٢٤٠ و٢٤٦ من طريق قتادة عن أبي حسان وليس بالصحيح عن عائشة ، لأن قتادة
مدلس ، ولو صح عن عائشة لما صح المنسوب إلى أبي هريرة لجهالة الرجلين ، وليس في شيء من روايات أحمد
لفظ : كذب ، ولو صحت لكانت بمعنى : أخطأ ، كما يدل عليه آخر الحديث . وقد تبين أنه لا خطأ ، فقد
رواه جماعة من الصحابة ، كما علمت .
فأما معناه والجمع بينه وبين الآية فيطلب من مظانه). (٥).
(١) مشكل الآثار ٣٩٣/١
(٣) البخاري ٣٥/٤، ١٧٩/١٧٤/٧
(٥) الأنوار الكاشفة ص ١٧٢
(٢) أنظر مسند أحمد الحديث ٥٠٢ و ٥٥٤، وفي فتح الباري ٤٥/٦
(٤) البخاري ٣٥/٤
٢٣٣

وهناك أمثلة أخرى أقل أهمية من هذه استعرضها الزركشي وبيّن متابعات بعض الصحابة له في روايتها
أو ورودها بأسانيد ضعيفة ، ويمكن مراجعتها هناك ، إذ لا حاجة للإطالة وتتبع ما يلقيه أصحاب القلوب
المريضة من التشكيك بعد إذ ثبتت لنا عدالة أبي هريرة ، ولو أردنا تتبع كل شكوكهم لطال المقام ، إذ أنهم
ما تركوا حديثاً نبوياً إلا شككوا فيه ، وأوّلوه على غير وجهه الصحيح .
وعلى كلٍ فإنا لم نر أبا هريرة يتوارى عن أنظار عائشة بعد هذه الاستدراكات ، ورأيناه يرد عليها مجيباً
بقوله : (شغلتك المرآة والمكحلة)، كما ذكرنا في فصل سابق ، وجوابه هذا (يدلّ على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه
بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان). (١).
ونلاحظ في أمر عائشة أنها أكثرت أيضاً و ( انفردت بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها ، فلم ينكرها
عليها أحد) (٢) ولو كان كل مكثر في شأن من الشئون ينكر عليه لأنكر على عائشة أحاديثها في الخلوة ، ولقال
قائل: ( إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما لها، فما بال الرواية
عنهن قليلة جداً بالنسبة إلى رواية عائشة؟ ) (٣)، لكن أحداً لم يقل.
والمهم أن لا نتصوّر هنا كما يحلو للمغرضين أن عائشة نصبت من نفسها خصماً دائماً لأبي هريرة ، إذ هي
تؤيد صحة حديثه في مناسبات أخرى عارضه فيها بعض الصحابة ، وأذنت لابن أخيها القاسم بن محمد بالرواية
عنه (٤).
من هذه الأحاديث ما رواه في مقدار أجر من يتبع الجنازة .
قال البخاري : ( حدثنا أبو النعمان ، حدثنا جرير بن حازم قال : سمعت نافعاً يقول: حُدِّث ــ بضم
الحاء - ابن عمر أن أبا هريرة رضي الله عنهم يقول: من تبع جنازة فله قيراط، فقال: أكثر أبو هريرة علينا،
فصدقت ، يعني عائشة ، أبا هريرة وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ، فقال ابن عمر رضي
الله عنهما : لقد فرطنا في قراريط كثيرة.) (٥) . أي قراريط من أجر اتّباع الجنائز وتصديق الحديث .
ويورد مسلم هذه القصة بألفاظ أوضح وأتم .
أخرج الإمام مسلم عن سعد ابن أبي وقاص (أنه كان قاعداً عند عبدالله بن عمر إذا طلع خبّاب صاحب
(١) (٢) (٣) الأنوار الكاشفة ص ١٦٧
(٥) البخاري ١٠٥/٢
(٤) يروي القاسم بن محمد ابن أبي بكر عن أبي هريرة
في سنن الترمذي ١٦٤/٣ ومسند أحمد ٢٦٨/٢،
وهو أفضل أهل زمانه علماً وديناً ، واستودعته
عائشة علمها كله .
٢٣٤

المقصورة فقال: يا عبدالله بن عمر: ألا تسمع ما يقول أبو هريرة إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر ، كل قيراط مثل أحد ،
من صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد ؟ فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي
هريرة ثم يرجع اليه فيخبره ما قالت ، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه
الرسول فقال : قالت عائشة : صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال :
لقد فرّطنا في قراريط كثيرة .) (١) .
وقد أخرج مسلم(٢) وأحمد هذا الحديث عن ثوبان أيضاً رضي الله عنه (٣)، والقصّة في طبقات ابن سعد (٤)،
وعند ابن أبي شيبة (٥)، والطحاوي (٦) والحاكم (٧).
#
أما ابن عمر فرأيته يحاور أبا هريرة في حديثين فقط ، لا يكذّبه فيهما ولا يوهمه، لكن أصحاب الاغراض
جعلوا محاورته له تكذيباً .
فأما أولاً : فيقولون ان ابن اعمر اتهمه حين روى حديث : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل
الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية ، فقيل لابن عمر : إن أبا هريرة يقول : أو كلب زرع .
فقال ابن عمر : إن لأبي هريرة زرعاً ). (٨).
والحقيقة أن ابن عمر لا يعني بذلك تكذيباً ، وإنما أراد بيان أن أبا هريرة حفظ ذلك لأنه صار صاحب زرع
فيما بعد فتذكره كاملاً . قال ابن حجر : ( يقال إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة
وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه ، ومن كان مشتغلاً بشيء احتاج الى تعرف
أحكامه). (٩) . ويحتمل أنه أراد الملاطفة ، لأن ابن عمر نفسه يروي حديث الزرع أيضاً، إذ أخرج مسلم
بسنده إليه أنه يحدث (عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : من اتخذ كلباً إلا كلب زرع أو غنم أو صيدٍ ينقص
من أجره كل يوم قيراط ). (١٠)، وهذه اللفظة واردة في رواية الطحاوي أيضاً عن ابن عمر (١١)، ولفظ أحمد عن
ابن عمر أيضاً (من اتخذ كلباً غير كلب زرع أو ضرع أو صيد نقص من عمله.) (١٢)، وفي الرواية الثانية عند
مسلم للحديث الأول قول ابن عمر: (يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع). (١٣)، فدعا له بالرحمة .
(١) مسلم ٥٢/٣
(٣) مسند أحمد ٢٧٦/٥
(٥) المصنف ٣٢٠/٣
(٧) المستدرك ٥١٠/٣
(٩) الفتح ٤٠٣/٥
(١١) معاني الآثار ٢٢٧/٢
(١٣) مسلم ٣٨/٥
(٢) مسلم ٣٦/٥
(٤) الطبقات ٢٦٣/٢، ٣٣٢/٤
(٦) مشكل الآثار ١٠٤/٢
(٨) مسلم ٣٦/٥
(١٠) ٣٧/٥
(١٢) المسند ٢٩/٧ بسند صحيح وكذلك ٢٨١/٧
٢٣٥

وحديث الزرع يرويه أيضاً الصحابي سفيان ابن أبي زهير رضي الله عنه بلفظ : ( من اقتنى كلباً لا يغني عنه
ولا ضرعاً نقص من عمله كل يوم قيراط . قال : آانت سمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال :
إي ورب هذا المسجد.) (١) . فهل كذب هذا الصحابي أيضاً ؟ ولأي مصلحة يقسم على كذبه ؟؟
كذلك أورد الصحابي عبدالله بن مغفل رضي الله عنه لفظة الزرع في روايته ، كما عند مسلم في نفس الباب
وعند النسائي (٢) ، فهل واطأهما على الكذب ؟
٠
والمحاورة الثانية لإبن عمر معه حول حديث الاضطجاع بعد سنة الفجر ، إذ أخرج أبو داود بسند صحيح
إلى أبي هريرة قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع
على يمينه . فقال له مروان بن الحكم : أما يجزىء أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال عبيد الله
في حديثه (٣): قال: لا . قال : فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه . قال : فقيل لابن
عمر : هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال : لا ، ولكنه اجترأ وجَبُنًا. قال: فبلغ ذلك أبا هريرة قال : فما ذنبي
إن كنت حفظت ونسوا ؟ . ) (٤)
وهذا النص قد سد فيه ابن عمر رضي الله عنه الباب بوجه من يريد أن يستغله لتكذيب أبي هريرة ، وكفانا
الرد .
(١) البخاري ١٥٩/٤ مسلم ٣٨/٥، مسند أحمد ٢١٩/٥
و معاني الآثار ٢٢٧/٢
(٤) ابو داود ٢٩٠/١
(٢) النسائي ١٨٨/٧
(٣) وهو أحد شيوخ ثلاثة رووا لأبي داود هذا الحديث .
٢٣٦

رَدّ النخعي والحنفية لبَعَض حديث أبي هُريرة
هناك صنيع غريب للتابعي الفقيه الكبير إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي ، ذلك أنه كان يترك بعض حديث
أبي هريرة إذا خالف الأقيسة الفقهية .
وبسبب من اعتماد أبي حنيفة اعتماداً كبيراً على ما رواه له حماد ابن أبي سليمان عن النخعي ، فإنا نجد
أبا حنيفة وبعض أصحابه ، يقتفون أثر النخعي ، ويردون بعض حديث أبي هريرة .
ومن ثم ، كان هذا الصنيع من النخعي وأبي حنيفة عمدة لمنتقدي أبي هريرة ، إذ أخذوه على ظاهره ، وطلبوا
له وزمروا ، وافتعلوا الضجيج ، حتى شككوا قلوب أناس مخلصين ، ولكنا سنبحث الأمر بتوسع إن شاء الله،
ونبين بطلان كيد الكائدين ، الذين فسروا صنيع النخعي وأبي حنيفة على غير حقيقته ، وسنأتي ببحث في ذلك
نتم به البحوث التي قدمها من دافع عن أبي هريرة ، بضرب أمثلة لم يوردوها ، وباستخدام مصادر أصيلة في
الموضوع لم يستخدموها ، كأصول السرخسي ، وكتاب العلل للإمام أحمد بن حنبل ، وآثار الشيباني ، وميزان
الذهبي .
قول النخعي وتحليله
وأقدم نص عثرت عليه في ذلك ما رواه عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل . قال : (حدثني أبي ، قال حدثنا
أبو أسامة ، عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صيرفياً في الحديث ، أجيؤه بالحديث . قال : فكتب مما أخذته
عن أبي صالح عن أبي هريرة . قال : كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة.)(١).
(١) كتاب العلل ومعرفة الرجال للامام أحمد ص ١٤٠، وابو اسامة هو حماد بن اسامة، ثقة جليل المكانة، من رجال الصحيحين.
٢٣٧

وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى الأعمش أنه قال : ( كان إبراهيم ، يعني النخعي ، صيرفياً في
الحديث ، وكنت أسمع من الرجال ، فأجعل طريقي عليه، فأعرض عليه ما سمعت.) (١) .
وقد وجدت الفقيه الحنفي الكبير ، شارح كتب الشيباني ، شمس الأئمة السرخسي ، المتوفى سنة ٤٩٠ هـ،
ينسب صراحة إلى النخعي أخباره عمن سبقه أنهم ( كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون). (٢) .
كذلك نقل ابن كثير أن الثوري ذكر (عن منصور عن ابراهيم قال : كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة
شيئاً ، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة ، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار ، أو حث على عمل
صالح ، أو نهي عن شر جاء القرآن به.) (٣) .
وشرح النخعي سبب هذا التمييز ، فادعى أن أبا هريرة لم يكن فقيهاً (٤)، وهذا ما جرأ الحنفية على ترك
كل حديث من مرويات أبي هريرة يخالف القياس الجلي ، وقالوا بأن (ما وافق القياس من روايته فهو معمول
به ، وما خالف القياس : فان تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به ، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على
روايته فيما ينسد باب الرأي فيه ) (٥) ، (لأن كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ،
فما خالف القياس الصحيح من كل وجه فهو في المعنى مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع.) (٦) ، على
حد قولهم .
فلندع أنفسنا لتحليل هذه النصوص ، واستعراض رأي الحفاظ فيها .
أول من تراه غاضباً : الإمام الذهبي ، فيعلن بأن (هذا لا شيء ، بل احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه،
لحفظه وجلالته واتقانه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: أفت يا أبا هريرة .) (٧)، ولذلك (نقموا
عليه قوله . ) (٨) .
( وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة ، ورد هذا الذي قاله إبراهيم النخعي (1) ، وصرح ابن كثير بأن
صنيع الكوفيين مردود ، وأن ( الجمهور على خلافهم .) (١٠).
ويجب ألا ننسى أن النخعي يحصر اعتراضه على بعض أحاديث أبي هريرة في الأحكام فقط ، وأنه لا
يعترض على كثير من أحاديثه الأخرى في الأحكام وعلى جميع أحاديثه في غير الأحكام ، إذ صرح النص نفسه
بأن النخعي كان يكتب فعلاً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، ولو لم يكن صدوقاً ثقة عنده لما
کتب حديثه وحرص عليه .
(١) الجرح والتعديل ١/١٧/ق١
(٣) البداية والنهاية ١٠٩/٨
(٥) (٦) أصول السرخسي ٣٤١/١
(٨) ميزان الاعتدال ٣٥/١
(٢) اصول السرخسي ٣٤١/١
(٤) ميزان الاعتدال ٣٥/١
(٧) سير أعلام النبلاء ٤٣٨/٢
(٩) (١٠) البداية والنهاية ١١٠/١٠٩/٨
٢٣٨

وكأني أرى أن هناك عاملاً نفسياً شجّع النخعي على هذا المسلك في رد بعض حديث أبي هريرة ، وهو ما
بلغه من ردود عائشة واعتراضاتها على أبي هريرة ، إذ المعروف عن النخعي أنه أولى عناية كبرى لحديث عائشة ،
وبلغه بواسطة بعض أخواله الفقهاء من أصحاب عائشة ، وكأنه لم يعلم بمتابعات الصحابة للأحاديث التي انتقدتها
عائشة ، مما ذكرنا أخبارها في الفصل السابق .
ولو لم يكن الأمر كذلك ، فبماذا نفسر شدة اعتناء الأعمش راوي هذا الخبر ووارث علوم النخعي
بمرويات أبي هريرة ، إلى درجة جعلته أحد قلائل نفذوا مهمة إشاعة وإذاعة مرويات أبي هريرة ، كما يبدو
ذلك واضحاً في خوارط أسانيد الصحيحين إلى أبي هريرة ؟
ولا يخفى أيضاً الدافع النفسي لكل الكوفيين آنذاك ، والذي حملهم على قلة العناية بحديث أبي هريرة وكثير
من الصحابة وغيره . إذ أن الصفة الرسمية التي جعلها عمر رضي الله عنه لعبد الله بن مسعود في تعليم أهل الكوفة ،
ثم اتخاذ الإمام عليّ الكوفة مقراً له ، جعلت فقهاء الكوفة يعتمدون على مروّيات وفتاوى ابن مسعود وعليّ فقط
في معظم المسائل ، وما زيادة النخعي عليهم في الاعتماد على حديث عائشة أيضاً إلا بسبب تتلمذه على بعض
أخواله من فقهاء التابعين الذين صحبوا عائشة صحبة قوية ، وإلا فلا نجد النخعي معتمداً على غير عائشة من
صحابة المدينة إلا يسيراً .
وعلى أي حال ، فان النخعي قد أفصح عن بعض مخالفاته لحديث أبي هريرة ، بسبب هذه النظرة ، والمقارنة
بين فقه ما يرويه أبو هريرة ، وبين فقه ما ركن إليه النخعي هي المعول عليها في هذا المجال في الحكم لطرف
من الطرفين ، لأبي هريرة أو النخعي ، وسنرى بوضوح تام أن النخعي مع امامته وجلالته وكثرة فقهه الصائب لو
كان ركن إلى حديث أبي هريرة المروي في تلك المسائل لكان خيراً له وأصوب ،
لكن يلاحظ أن التدوين في فترة النخعي لم يكن كثيراً ، ولذلك لم أعثر على نصوص أقواله ، وإنما نأخذ
أقوال الإمام المقدم أبي حنيفة رحمه الله ، لأنه أسس أكثر مذهبه على أحاديث النخعي واجتهاداته ، وعلى قوله في
ترك الحديث إذا خالف القياس الجلي ، وتبعه في تلك المسائل التي خالف فيها حديث أبي هريرة .
المثل الاول : رفض رد الشاة المصرّاة إذا بيعت
من ذلك حديث أبي هريرة في تجويز رد الشاة التي تباع بعد ما يحبس البائع لبنها بعدم الحلب ، فيظن
المشتري أنها كثيرة الحلب، بشرط أن يرجع المشتري إلى البائع معها صاعاً من تمر بدل الحليب ، رواه البخاري(١)
وأخرج عقبه فتوى لابن مسعود توافقه . وتسمى هذه الشاة : المصرّاة ، أي (قد صرى اللبن في ضرعها ، يعني
(١) البخاري ٨٧/٣
٢٣٩

حقن فيه وجمع أياماً فلم تحلب أياماً ، وأصل التّصرِيّة حبسُ الماء وجمعه) ( والمحفلة: هي المصراة بعينها )
( وانما سميت محفلة لأن اللبن قد حَقّل في ضرعها واجتمع.) (١) ...
وقد أخذ بهذا الحديث جمهور الفقهاء ، إلا أن النخعي، وتبعه أبو حنيفة، رأياه مخالفاً للقياس فرفضاه، أي
رأياه مخالفاً للمبادىء العامة والقواعد المقررة في الشريعة، أي أرادوا أنه مخالف للقياس العام، وهو الأخذ بمبادىء
الشريعة وقواعدها ، والحق أن النص متى ثبت صار أصلاً من الأصول ، ولا يترك لمجرد ظننا أنه يخالف القياس
والأصول . ويبدو أن هذا الأمر كان واضحاً للإمام القاضي أبي يوسف ، ولزفر بن الهذيل . وهما من أكبر
أصحاب أبي حنيفة ، فتركا قوله وقول النخعي ، وعملا بحديث أبي هريرة .
قال ابن حجر : ( وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم ، وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ،
ولا مخالف لهم من الصحابة ، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن
الذي احتلب قليلاً أو كثيراً ، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا .
وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية ، وفي فروعها آخرون .
أما الحنفية فقالوا: لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر ، فقال بقول الجمهور،
إلا أنه قال : يتخيّر بين صاع تمر أو نصف صاع بر ، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية ، إلا
أنهما قالا : لا يتعين صاع التمر بل قيمته . وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك ، لكن قالوا : يتعين
قوت البلد قياساً على زكاة الفطر . وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب إنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت
أو غيره كفى ، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك ، وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر : هل تلزمه
قيمته ببلده أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه ؟ وبالثاني قال الحنابلة .
واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شى .
فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة ،
فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجلي ، وهو كلام آذى قائله به نفسه ، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه،
وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله ، كما في الوضوء بنبيذ التمر ، ومن القهقهة في الصلاة ،
وغير ذلك ، وأظن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أن ابن
مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة ، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس
الجلي في ذلك . ) .
--
(١) غريب الحديث لابي عبيد ٢٤٢/٢
٢٤٠