النص المفهرس

صفحات 121-140

ومثلهم الجيل الذي قبلهم بقليل وعلمهم هذه الجرأة على الطعن ، كأبي عبيدة معمر بن المثني ، فانه مع ما
كان عنده من علم نافع في اللغة والأدب كان خارجياً ، ولا يحفظ القرآن ، شعوبياً يطعن في العرب ، والشعوبية
بدعة ولا شك ، وقد ضعف العلماء بعض أهل العلم لشعوبيتهم ، كما وهو واضح في مواضع عديدة في کتاب
تهذيب التهذيب وغيره، و ( عمل كتاب المثالب الذي يطعن فيه على بعض أتباع النبي صلى الله عليه وآ له
وسلم.) (١)، ولو تفحّصنا حاله لوجدنا أن ( حاله في نسبه، وأبيه الأقرب إليه حالٌ نكره أن نذكرها،
فتكون كمن أمر ولم يأتمر ، وزجر عن القبيح ولم يزدجر ، وهي مشهورة ، ولكن كرهنا أن تدون في الكتب ، وتخلد
على الدهر.) (٢)، فانه ( مدخول النسب) (٣).
وقس على هؤلاء .
بل هناك ما هو أكبر في هذه الفضائح التي أحاطت حياة قادة الحملة الابتداعية ، فان القائد الأعلى والرأس
المدير لتلك الحملة الشعوبية ، وهو الجهم بن صفوان ، الذي ينسب اليه كل جهمي ، كان اليد اليمنى للحارث
ابن سريج في فتنته التي أحدثها في خراسان العايا أواخر زمن الدولة الأموية ، والتي أدت الى مقتل الحارث من
بعد ثلاثة عشر سنة تحوّل فيها الحارث الى أرض المشركين هناك ، ودخل - في نفر معه - في خدمة ملكهم ،
وقاتل جيوش المسلمين خلالها ، يده بيد الكفار المشركين ، وسى خلال تلك السنوات - وهو الذي ينسب نفسه
الى الاسلام - الكثير من النساء المسلمات وأسلمهن بأيدي المشركين غنيمة يستبيحون عرضهن. (٤)
وهل أبو رية أحسن حالاً منهم ؟ اللهم لا ، وعند أفاضل أهل مصر الخبر اليقين ، وهل لأبي ريّة وأمثاله،
حين نلجأ الآن إلى مسند أحمد وبقية دواوين الحديث لنرد الكيد ، إلا أن يلجأوا إلى النظام وأمثاله ؟
ان ما ينسبه أبو رية وغيره من منتقصي أبي هريرة إلى ابن قتيبة الدّينَوَري وغيره من الثقات هو في الحقيقة
مما يورده هؤلاء الثقات على سبيل الحكاية من أقوال النظام والمريسي وهؤلاء الضعفاء بغية تأسيس ردهم عليهم ،
فينسبه أبو رية وأمثاله كذباً وزوراً إلى الثقات ، كأن يقول ابن قتيبة : قال النظام كذا ، ثم يرد عليه ، فيأتي
أبو رية، فينقل قول النظام على أنه من أقوال ابن قتيبة، وهذا من أقبح القبح بل لا قبح ولا سفالة بعد هذا التزوير
العلمي . ومثل ذلك أن ينقل قولاً لأحد الثقات لكنه يسقط منه كلمة تفضحه ، أو يزيد فيه كلمة، أو يبدلها
بغيرها ، أو ينقل بعضه دون بعض ، إلى أساليب تزويرية عديدة مثل هذه لم يتجرأ عليها أحد من يهود الاستشراق
وكل ما رواه أبو رية وشركاؤه في الإثم من النقول يجب أن ينظر إليه نظرة الشك أولاً ، ويجب الرجوع إلى
الصفحة التي ينقلون منها النص لعلها تكون محرفة ، فإذا تبين لنا أن النقل صحيح وجب دراسة النص على ضوء
فنون نقد الأسانيد، إن كان منقطعاً او راويه ضعيفاً، فإن تبينت لنا صحة السند عاملنا المتن على ضوء الحقائق
(٢) رسالة العرب ، او : الرد على الشعوبية ، لابن قتيبة
ص ٢٧١، ضمن رسائل البلغاء لمحمد كرد علي .
(١) التهذيب ٢٤٨/١٠
(٣) التهذيب ٢٤٨/١٠
(٤) تاريخ الطبري طبعة دار المعارف ٣٣٥/٧ وما قبلها .
١٢١

التاريخية والقرائن والروايات الأخرى التي يخالف فحواها فحوى هذا المتن، وعلى ضوء اللغة العربية والأعراف
آنذاك، وعلى ضوء الاصطلاحات التي كانوا يستعملونها، أما النقل الجزائي من كتب الضعفاء المتأخرين فلا قيمة له.
ما نسب إلى عمر من تكذيب أبي هريرة
ونقل أبو رية عن ابن عساكر أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة، رضي الله عنهما: (لتتركن الحديث
عن رسول اللّه أو لألحتمنك بأرض دَوْس.)، وكتاب ابن عساكر مما يكثر فيه الضعيف والموضوع ، فان
صح قوله فانه ( محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها ،
وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرُّخَص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض
الغلط أو الخطأ ، فيحملها الناس عنه ، أو نحو ذلك. ) (١) . إلا أن (ظاهر القصة يدل على أنها من وضع
الروافض الذين يريدون وسم عمر بكراهته حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادة الأثر نفسه على
تناقضه ، فتهديد عمر لأبي هريرة بنفيه الى أرض دوس بلاده ، ألأنها لا تستحق نصح عمر وحمايته لها من
أحاديث أبي هريرة إن كانت غير صحيحة ، وغير الصحيح تحمى منه أرض دوس كما يحمي عنه غيرها ؟ ولو
كانت أحاديث أبي هريرة غير صحيحة، عند عمر لنكّل به بقطع لسانه لا بنفيه إلى أرض قومه أو غيرها.) (٢).
ومثل هذا ما ادّعاه بشر المريسي من أن عمر قال : اكذب المحدثين أبو هريرة ، إذ ( كيف يتهمه عمر
بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستعمله على الأعمال النفيسة ، ويوليه الولايات ، ولو كان عند
عمر رضي الله عنه كما ادعاه المعارض لم يكن بالذي يأتمنه على أمور المسلمين ويوليه أعمالهم مرة بعد مرة.) (٣).
و (أي سب لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من تكذيبه في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؟ وإنه لمن أصدق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظهم عنه، وأرواهم لنواسخ حديثه.) (٤)،
( أفلا يراقب امرؤ ربّه فيكف لسانه ولا يقذف رجلاً من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرميه
بالكذب من غير ثبت ولا صحة ؟ وكيف يصح عند هذا المعارض كذبه وقد ثبته طلحة بن عبيدالله وعبدالله
ابن عمر ؟ لو عض هذا الرجل على حجر أو على جمرة حتى يحرق لسانه كان خيراً له مما تأول على صاحب رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم . )(٥) .
وانا لنقول لك يا مريسي اليوم مثلما قال سلفنا لمريسي الأمس : أن اتق الله ( واستغفره مما ادعيت على
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروف بخلاف ما رميته به، ولو كان لك سلطان صارم يغضب لأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوجع بطنك وظهرك ، وأثر في شعرك وبشرتك حتى لا تعود لسب أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولا ترميهم بالكذب من غير ثبت.) (٦)، (فان تك صادقاً في دعواك فاكشف عن
رأس من رواه ، فانك لا تكشف عن ثقة .) (٧).
(١) البداية والنهاية لابن كثير ١٠٦/٨
(٢) ظلمات ابي رية ص ٤٣
(٣) إلى (٧) من ((رد الامام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر
المريسي العنيد ص ١٣٥/١٣٢
١٢٢

وكذلك ما قيل من ضرب عمر لأبي هريرة بالدّة ، فانها رواية ضعيفة يرويها أبو جعفر الاسكافي
الضعيف .
ومن أبرز ما نستدل به على توثيق عمر لأبي هريرة أن أحفاد عمر من الرواة عنه ، منهم سالم بن عبد الله بن
عمر ، له ثلاثة مواضع عن أبي هريرة في صحيح البخاري مذكورة في القوائم المثبتة في هذا الكتاب (١)،
ومنهم حفص بن عاصم بن عمر ، ذكرت روايته عن أبي هريرة في أحد عشر موضعاً من صحيح البخاري
مذكور بعضها في القوائم ، أفلم يعلموا عن آبائهم تكذيب جدهم له ؟
ما نسب إلى عثمان من تكذيب أبي هريرة
وتكذيب عثمان له إنما نسبه النظام أيضاً ، وقد عرفنا حاله ومبلغ مجونه وسفاهته ، ولا يعتمد الأعداء
شيئاً من الأخبار فيه نوع تكذيب من عثمان لأبي هريرة ، إلا أن الرامهرمزي نسب القول المنسوب سابقاً
الى عمر من تهديده بالحاق أبي هريرة بأرض دوس إن لم يترك الحديث إلى عثمان (٢)، ومذهب عثمان في
الاقلال واضح أيضاً ، وقد نقلنا في الفصل السابق حذره رضي الله عنه من التحديث ، وبه نفسر قوله هذا
ان صح .
ما نسب إلى علي من تكذيب أبي هريرة
( لم يحمل مصدر موثوق بين دفتيه ما يثبت أن علياً رضي الله عنه كذّب أبا هريرة أو نهاه عن التحديث ،
إلا أن بعض أعداء أبي هريرة يستشهدون برواية عن أبي جعفر الاسكافي أن علياً لما بلغه حديث أبي هريرة قال:
ألا إن أكذب الناس ، أو قال : أكذب الأحياء على رسول الله أبو هريرة الدوسي.
هذه رواية ضعيفة مردودة لأنها من طريق الاسكافي ، وهو صاحب هوى داع إلى هواه غير ثقة.) (٣).
بل إنها كذبة كبرى يفضحها تواطؤ الكثير من أبناء الإمام علي رضي الله عنه وأصحابه وفرسانه وجماهير
الشيعة الأوائل وأرهاط الهاشميين على السكوت عن ذكرها وعلى الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو رواية
حديثه عن طريق الثقات إن لم يكونوا سمعوا منه ، كما سنحقق ذلك في فصل قادم ، ولو كان الامام علي قد
نطق بشيء لتداولوه ونقلوه لنا .
(١) كما له أيضاً في صحيح مسلم مواضع ، منها ما في ٢٢٤/٥٩/٨
(٣) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٧٨ ونقل ما ادعاه الاسكاني
عن شرح نهج البلاغة ٤٦٨/١ طبعة بيروت .
(٢) ذكره عنه محمد عجاج ص ٢٧٧ نقلا عن مخطوطة المحدث
الفاصل للرامهرمزي
١٢٣

فتباً لك أيها الكذاب .
توهمت أنا عن فراها نُغَفّلُ
فان كنت تروي عن علي مقالة
فضحت ونكّنا الذي كنت تغزلُ
وان كنت عمداً قد وضعت لها فقد
وابناؤه طراً لها لم يُدَوَّلوا ؟
لماذا اذن صدر التشيع ساكت
( ومن أعجب ما رأيت في هذا الباب ما ادعاه النظام إذ قال : بلغ علياً أن أبا هريرة يبتدىء بميامنه في
الوضوء وفي اللباس ، فدعا بماء فتوضأ فبدأ بمياسره وقال : لأخالفن أبا هريرة .
١.c
وقد نقل هذا الخبر عنالحسين ، ومما يؤسف له أنه عزاه الى ابن قتيبة ، وابن قتيبة بريء منه ، إنما أورده
للرد على النظام .) (١)
علماً بأن الابتداء باليمين في الوضوء أمر أجمعت عليه الصحابة وأجمع عليه التابعون وكل الفقهاء، ولا يوجد
مسلم واحد يقول بالبدء باليسار ، ولا نحتاج إلى ايراد دليل ، فالسنة في هذا معروفة ، ولا يختلف فيها ، وإن
من الخطأ الذي لا يغتفر لعبد الحسين أن ينساق ( وراء ميوله وأهوائه ، حتى ينتهي إلى ما يخالف به أصوله وسيرة
قدوته ، ويستشهد بما يطعن في مرشده ومعلمه . لقد ثبت تمسك على رضي الله عنه بسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فهل يعقل أن يخالف سنة الرسول الكريم لأنه يسيء الظن بأبي هريرة ؟
لا يقول هذا أحد قط ، وإن قاله فهو من أعداء علي رضي الله عنه لا من شيعته ، فكان من الخير لعبد
الحسين الذي يدّعي أنه من أتباع أمير المؤمنين أن يعض على حجر أو على جمرة حتى يحترق لسانه من أن يستشهد
بما يخالف الحقيقة والتاريخ .) (٢).
تدليس أبي هريرة بين قبول أهل العلم وإنكار أهل الجهل
أسرف أبو رية وعبد الحسين في التفتيش عما فيه نوع تضعيف لأبي هريرة مما ينسب إلى الثقات من الكلام
حتى ولو كان ظاهر الزيف أو واهي السند أو يدل عمل الثقة على خلاف القول المنسوب له .
وما فرحا له، وكأنهما ظفرا بكنز ، استغلالهما لقول منسوب إلى الإمام الجهبذ أمير المحدثين شعبة بن الحجاج
البصري يذكر فيه أن أبا هريرة كان يدلّس ، أي يروي أحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يسمعها منه
كعامة حديثه بل رواها له صحابة آخرون ، ولا يذكر أسماءهم ولا يشير إلى عدم سماعه لهذه الأحاديث وإنما
يوردها بلفظ (عن) ، وليس (سمعت) والعنعنة المجردة لا تشير إلى عدم السماع ، فلذلك نقع في الوهم ، ونظن
(١) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٧٩
(٢) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٨١
١٢٤
:

أن هذا الذي يرويه أبو هريرة قد سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بينما هو لم يسمعه وإنما أخذه بواسطة
صحابي .
ثم يأتيان فيقارنان قول شعبة بذم العلماء لتدليس المحدثين وانكارهم له وعدم قبولهم عنعنة الثقة المعروف
بالتدليس ، إيهاماً لمن لا يعلم أصول الحديث وقواعد الجرح والتعديل بأن صنيع أبي هريرة يدخل ضمن ما ذمه
العلماء من التدليس ، إغراء بترك حديث أبي هريرة واعتقاد ضعفه .
وليس الأمر كما يزعم أبو رية وعبد الحسين ، وان من ذم التدليس من العلماء لأرسخ إيماناً من أن يشملوا
أبا هريرة بكلامهم ، وإنما تزويرهما لقواعد العلم هو الذي يغري من لا علم له باعتقاد ما لا أصل له .
ولنبدأ القصة من أولها .
قال ابن عدي : ( أخبرذا الحسن بن عثمان التستري ، اخبرنا سلمة بن شبيب قال : سمعت شعبة يقول :
أبو هريرة كان يدلّس.) (١)
ونقل ابن كثير عن يزيد بن هارون انه قال : (سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس.) (٢).
وقد تصيب السامع لقول شعبة هذا رهبة لأول وهلة ، فان الرمي بالتدليس يقتضي طرح كل أحاديث
أبي هريرة التي جاءت بلفظ العنعنة وما يشبهه من الألفاظ التي لا تدل على السماع ، لكنه في الحقيقة ما أراد
ذلك ، لأن ( تدليس الصحابة كثير ، ولا عيب فيه ، فان تدليسهم عن صاحب أكبر منهم ، والصحابة كلهم
عدول. ) (٣)، (وانما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رووها عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، وإن لم يبينوا السماع في كل ما رووا ، وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر ، ورواه
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه ، لأنهم ، رضي الله عنهم أجمعين - وقد
فعل - كلهم أيمةٌ سادة قادة عدول، نَزّه الله عزوجل أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
أن يُلزَق بهم الوهن .) (٤).
وهذا القبول إنما هو الأمر القديم الذي تلقيناه عن النقاد الأوائل ، شعبة وجيله ، أما المذموم عندنا وعندهم
فهو ( تدليس الأسناد ، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهماً انه سمعه منه ، أو عمن عاصره ولم
يلقه ) (٥) ، أي من المحدثين الذين هم أدنى من طبقة التابعين ، بله الصحابة ، فتدليس هؤلاء ( مكروه جداً ،
ذمّه أكثر العلماء ، وكان شعبة أشدهم ذماً له. ) (٦)، لكن كراهية شعبة تنحصر تجاه من هم دون التابعين ،
(١) مخطوطة الكامل لابن عدي ١٩/١
(٣) من تعقيب الذهبي على قول شعبة في سير اعلام النبلاء ٠ ٤٣٨/٢
(٥) (٦) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٦٦، ص ٦٧
(٢) البداية والنهاية ١٠٩/٨
(٤) من كلام ابن حبان في مقدمة صحيحه ١٢٢/١
١٢٥

أما إذا دلّس الصحابي فروى حديثاً لم يسمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم فانهم لا يسمونه تدليساً ، وإنما
يسمونه إرسالاً ، وإرسال الصحابي لا تتناوله هذه الكراهية ، ( مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث
الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه ، لأن ذلك في حكم الموصول المسند ، لأن روايتهم
عن الصحابة ، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول. ) كما يقول ابن الصلاح (١).
ولما اختصر النووي عبارة ابن الصلاح هذه فقال ( هذا كله في غير مرسل الصحابي ، أما مرسله فمحكوم
بصحته على المذهب الصحيح ) ، قال السيوطي شارحاً ، إن هذا ( محكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي
قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم ، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح ، القائلون بضعف المرسل ،
وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى ، لأن اكثر رواياتهم عن الصحابة ، وكلهم عدول ، ورواياتهم عن
غيرهم نادرة ، وإذا رووها بينوها ، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة ، بل
اسرائيليات أو حكايات أو موقوفات. ) (٢)، ثم ذكر السيوطي أنه لم يشذ عن هذا الإجماع إلا أبو إسحاق
الاسفراييني .
وقبلهم الحاكم ، فانه لم يتطرق إلى عد إرسال الصحابة تدليساً حين بحث التدليس (٣) ، بل لم يذكر إرسال
الصحابة حين بحث الإرسال (٤) ، وفي إهماله ذكره فيهما دلالة على قبوله إرسال الصحابي .
ومن دلائل اعتماد البخاري لإرسال الصحابة أنه اخرج في صحيحه لعبد الله بن عباس ( مائتي حديث
وسبعة عشر حديثاً . ) (٥) ، بينما لم يحص له ابن حجر من الأحاديث التي يصرح فيها ابن عباس بالسماع أو
الرؤية او ما في حكمهما من هذا العدد إلا أكثر من الثلاثين بقليل (٦) ، مع أنه من صغار الصحابة ، ويروي
أشياء ضمن هذه التي لم يصرح فيها بالسماع تتناول أحداثاً لم يرها قطعاً .
وفي البخاري أيضاً ، في باب فضل مكة وبنيانها ، يحدث جابر ابن عبدالله الانصاري عن اشتراك النبي
صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة ، وهو لم يشهد ذلك قطعاً ، ولم يصرح باسم من حدثه بذلك .
ثم ان شعبة ، كما يتضح من خرائط اسانيد احاديث أبي هريرة في الصحيحين التي في هذا الكتاب ، كان
من المكثرين من رواية حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولو كان يعتقد أن تدليسه يحطه عن
مرتبة التوثيق لما روى حديثه ، فما بال المعتد بكلام شعبة لا يقتدي بفعل شعبة ؟
فان قيل : ربما روى له ما صرح فيه بالسماع .
(١) علوم الحديث ص ٥١
(٣) معرفة علوم الحديث ص ١٠٣
(٥) هدي الساري مقدمة فتح الباري ١٩١/٢
(٢) تدريب الراوي ص ١٢٦
(٤) معرفة علوم الحديث ص ٢٥
(٦) تهذيب التهذيب ٢٧٩/٥
١٢٦

فنقول : كلا ، بل قبل شعبة جميع أحاديث ابي هريرة التي قال فيها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أو أتى فيها بالعنعنة ، ولم يشترط شعبة على أبي هريرة لفظ السماع أو نحوه ، كحديث ( شعبة عن سليمان
سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو
في نار جهنم. ) (١) ، وروى غير هذا أيضاً عنه مما ليس فيه تصريح بسماع (٢).
وهذا يزيد بن هارون راوي هذه الكلمة عن شعبة لم يعمل بمقتضى ظاهر كلمة شعبة ، ونجده يروي
حديثاً لأبي هريرة يقول فيه أبو هريرة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم ) (٣) فحسب ولا يصرح بالسماع،
والمدلّس لا يروى له ما فيه عنعنة ، ويروي يزيد أيضاً الحديث المشهور ( ذهب أهل الدثور بالدرجات )
عن أبي هريرة ، وأبو هريرة يرويه بلفظ ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ) (٤)، وقال المجردة مثل
العنعنة ، لا تقبل من المدلس ، إلى غير ذلك مما يرويه يزيد بغير ألفاظ السماع لأبي هريرة ولغيره من الصحابة
الصغار الذين لم يشهدوا الحوادث التي يروونها .
وإذن ، فلو كان شعبة أراد بقوله ما فهمه أبو رية وعبد الحسين لكان يزيد بن هارون أول المسارعين إلى
الأخذ بمذهبه ، لكنه عرف الحق فاتبعه ، ورأى شيخه شعبة يروي ما يدلسه الصحابة فقلده ، فما بال ضعاف
النفوس في هذا الزمن المتأخر يهللون لمثل هذه الكلمة ويدعون فهم كلام شعبة وجهل تلامذته الذين خالطوه
وقصورهم عن فهم كلامه ؟ .
اللهم إن هذا لهو الغرور التام وتحجر القلب .
فلكل هذا ، أجزم بأن شعبة قال قولته هذا مازحاً ، وكان معروفاً بالمزاح ، وكأني بشعبة رحمه اللّه
مزح بهذه الكلمة مع تلاميذه للطور الذي اشتهر به وعلمهم إياه من الابتعاد عن التدليس وكشف عيوب
المدلسين ، ومن له المام بعلم الرجال يعلم حرص شعبة على بيان تدليس الرواة ، ويعلم جهوده التي امتاز
بها عن بقية علماء الجرح والتعديل ونقاد الحديث في هذا الباب ، فكأن مجلساً له حضره يزيد بن هارون
وسلمة بن شبيب كثر فيه ذكر التدليس ، ثم جاء ذكر ابي هريرة ، فاستطرد مازحاً فقال : وابو هريرة
مدلس أيضاً ، والا فلا يمكن توجيه التناقض بين قوله وبين صنيعه العملي وصنيع تلميذه يزيد بن هارون في
الاعتداد بحديث أبي هريرة الذي لا يصرح فيه بالسماع ، ومن كان له قلب حيّ وإنصاف، يعلم هذا الذي
نقوله ويذعن له ، ويقرّ بأن مذهب شعبة هو مذهب بقية المحدثين في قبول تدليس الصحابة .
(١) النسائي ٦٧/٤
(٤) البخاري ٨٩/٨، وورد اسم يزيد مهملا في السند من دون
الاشارة إلى انه ابن هارون ، وهو ابن هارون كما أشار ابن
حجر في هدي الساري ص ٢٢٥
(٢) . هل ما عند النسائي ٢٠٧/٨، وأبي داود ١٢٤/٢،
وابن ماجة ٩٥٥/٢،١٧٢/١
(٣) البخاري ١٥٩/١
١٢٧

وقد تفحصت أحاديث البراء بن عازب رضي الله عنه في مسند أحمد(١) فوجدت أن معظم حديثه مروي من
طريق شعبة عن شيوخه عن البراء ، حتى ظهر شعبة كأنه اختص بجمع حديث البراء ، وروى ما لم يصرح فيه
البراء بالسماع (٢)، مع أن البراء يصرح بعدم سماعه لكل ما يرويه بل لبعضه ، فيقول : ( ما كل ما نحدثكم
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا،
ولكنا لا نكذب . ) (٣).
ومثل ذلك رواية شعبة لحديث أنس ، وهي كثيرة جداً ، لأن أنساً رضي الله عنه سكن البصرة ، وبها
حدث ، وشعبة جمع علم البصرة ، ويروي الكثير مما لم يصرح فيه أنس بالسماع ، مع ان حميداً الطويل يقول
إن أنساً ( ربما سئل إذا حدث ، فيقال له : أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فيغضب ثم يقول : ما كل ما
تحدثكم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان بعضنا يكذب على بعض. ) (٤)، أو يجيب
في أخرى أن ( نعم ، او حدثني من لا يكذب ، والله ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب. ) (٥) .
ففي هذا دلالة كافية على أن شعبة كان لا يرى إرسال الصحابة تدليساً مذموماً .
وبهذا التحقيق يتضح خطأ ابن عساكر فيما ذهب إليه من تفسير كلام شعبة بأن أبا هريرة كان ( يروي
ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز هذا من هذا. ) (٦)، والصواب ان
شعبة قصد أحد معنيين : إما المزاح مع تلامذته ، كما ذهبنا إليه ، أو ( كأن شعبة يشير بهذا إلى حديثه : من
أصبح جنباً فلا صيام له ، فانه لما حوقق عليه قال : أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم.) كما يفسّره ابن كثير (٧) ، وخبر هذا الحديث سنورده مفصلاً في فصل الاستدراك على أبي هريرة .
وأيا كان الأمر ، فان عمل شعبة ، وجمهرة تلامذته ، في إشاعة حديث أبي هريرة وروايته ، سلوك توثيقي
واضح نحتج به على كل من يفسر هذه الكلمة المنسوبة إلى شعبة بغير الذي فسرناها به .
وهكذا ، قطع التحقيق العلمي الصحيح مرة أخرى الحبل بأبي رية وبعبد الحسين، فيالها من سقطة تتكسر
لها الاضلاع .
اخو ثقة مضداد مبدعة علت
يحدث بالاحكام لم يخط سمعها
تلقت رجال عن هداه علومها
وقد دام للأجيال هدي بما روى
به الروح في مستنفر السوء يكسلُ
حريصاً على لفظ الحديث وينهلُ
بطابة والأمصار ظلّت تنوّلُ
كما البدر يهدي من يضل فيوصلُ
(١) المسند ٢٨٠/٤ إلى ٣٠٤/٤
(٣) العلل ومعرفة الرجال للامام أحمد ٤٠٨/١ بسند صحيح ،
تاریخ ابن ابي خیشه ص ٥١
(٥) الكامل ٥٠/١، ومثلهما في مجمع الزوائد ١٥٣/١،
تاريخ ابن أبي خيثمة ص ٥١
(٧) البداية والنهاية ١٠٩/٨
(٢) كما في مواضع كثيرة من المسند ، وكما في سنن النسائي
١٧٩/١٧٣/٢
(٤) مخطوطة الكامل لابن عدي ٥٠/١ بسند صحيح، كتاب
التوحيد لابن خزيمة ص ٣٠١
(٦) نسبه اليه ابن كثير في البداية والنهاية ١٠٩/٨
١٢٨

رَوَاية القضَاء وَالزهاد عَنه وَمغزاهَا التوثيقي
نجد في قائمة الرواة عن أبي هريرة رهطاً من قضاة عواصم الإسلام المهمة يروون عنه ، وفي رواياتهم
عندي مغزى جد مهم ورد على الطاعنين وباذري الشكوك . ذلك ان القضاة في كل العصور وعلى الأخص في
عصر صدر الاسلام - كانوا من أهل التقوى غالباً ، ونظراً لاضطرارهم لسماع الشهود وفحصهم لأحوالهم
وطلبهم من يزكيهم ورد من يبدو ضعيفاً منهم ، نجدهم يتطبعون بطبيعة من الحذر في توثيق الرجال لا تجدها
عند كثير من الفقهاء ، بله غيرهم ، فاذا روى أحد القضاء عن أحد من حملة الحديث فإن ذلك يعني بلا شك
أن الرجل قد مروا به على قنطرتهم الضيقة فعبرها ، وأحاطه شكهم التلقائي فخرقه ونجا ، وأدخلوه كيرهم
فخرج ذهباً أحمر .
من هنا كان لرواية القضاة عن أبي هريرة معنى توثيقي .
ولنأخذك في سياحة نطوف فيها بك على الحواضر الاسلامية المهمة لنرى قضاتها الذين يروون عن أبي هريرة
مباشرة ، أو تأخرت طبقتهم فرووا عنه بواسطة .
ولنبدأ بأم القرى مكة المعظمة شرفها الله تعالى .
فمن قضاة مكة الرواة عنه :
عبيد بن حنين ، تابعي ثقة ولي قضاء مكة (١) ، وروايته عن أبي هريرة عند البخاري (٢) وغيره.
(١) أخبار القضاة لوكيع ٢٦٢/١
(٢) البخاري ١٥٨/٤، ١٨١/٧
١٢٩

والمطلب بن عبد الله بن حنطب، كان قاضياً على مكة (١)، وهو تابعي ثقة من وجوه قريش ، إلا أن
روايته عن أبي هريرة مرسلة (٢)، ونجد أمثلة لرواياته عنه عند ابن ماجة وأحمد (٣) .
ثم قضاة المدينة المشرفة ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام .
ومنهم :
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، تولى قضاء المدينة عدة سنين (٤) ، وروايته عن أبي هريرة كثيرة
جداً وفي جميع مدونات الحديث (٥) .
وعراك بن مالك ، تابعي ثقة صارم في الحق ، ولي قضاء المدينة (٦) ، وكأنه وليه زمن عمر بن عبد العزيز ،
وروايته عن أبي هريرة كثيرة (٧).
وعبد الرحمن ابن أبي عمرة الانصاري ، ولي قضاء المدينة (٨)، وله حديث كثير عن أبي هريرة (٩) .
وعمر بن خلدة الانصاري الزرقي، ولي قضاء المدينة (١٠)، وكان ثقة مهيباً صارماً ورعاً عفيفاً (١١)،
ورواياته عن أبي هريرة أقل من اولئك (١٢) .
وطلحة بن عبدالله بن عوف الزهري ، ابن اخي عبد الرحمن بن عوف ، كان قاضياً على المدينة ، وله
روايات عن أبي هريرة . (١٣).
ورباح بن عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزى ، ولي قضاء المدينة(١٤)، وروى عن
أبي هريرة (١٥).
ومسلم بن جندب الهذلي ، ثقة ولي قضاء المدينة (١٦)، يروي عن أبي هريرة ، ولم أعثر على روايته
وسعيد بن الحارث الأنصاري ، ثقة تولى قضاء المدينة (١٧).
(١) الاغاني لابي الفرج الاصبهاني ٣٣٨/٤
(٣) سنن ابن ماجة ٣٢٣/١، مسند أحمد ٣٨١/٢
(٥) كما في البخاري ١٥٥/٧٤/١
(٧) البخاري ١٤٢/٢، ١٩٤/٨، وغيرها
(٩) كما في البخاري ١٤٢/٣، ٢٠/٤
(١١) التهذيب ٤٤٢/٧
(١٣) التهذيب ١٩/٥
(١٥) كما في مسند أحمد ٤١٧/٢
(١٧) التهذيب ١٢٤/١٠
(٢) التهذيب ١٧٨/١٠
(٤) اخبار القضاة ١١٦/١، تاريخ خليفة بن خياط ٢١٧/١
(٦) الاغاني ١٤٤/٩
(٨) الجرح والتعديل ٢٥/٢/٢٧٣
(١٠) الجرح والتعديل ٣/١٠٦/ق١، أخبار القضاء ١٣٠/١
(١٢) منها في سنن أبي داود ٢٥٧/٢، منتقى ابن الجارود ص ٢١٤
(١٤ ) التهذيب ٢٣٤/٣
(١٦) الجرح والتعديل ١٥/٢/١٢، وروايته عند الترمذي
١١/٣، مسند أحمد ٣٣٨/٢
١٣٠

ولو نزلنا عن هذه الطبقة لوجدنا آخرين من قضاة المدينة تداولوا حديث أبي هريرة ولم يلحقوا به . وأثر
تداولهم لحديثه واضح في تكرر ذكر اسمائهم في خارطات الأسانيد التي اودعناها هذا الكتاب .
منهم :
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، ولي قضاء المدينة (١) ، وكان ثقة معروفاً بالعدل والفهم
والدين والعفاف .
وأحمد ابن أبي بكر أبو مصعب الزهري ، من ذرية عبد الرحمن بن عوف أيضاً ، ثقة فقيه ولي قضاء
المدينة (٢)، وهو من تلاميذ مالك ويروي عنه الموطأ (٣)، والموطأ مشحون بحديث أبي هريرة .
ثم تعال معنا إلى الكوفة ، مركز أصحاب الامام علي وورثة علمه .
فمن قضاتها الرواة عنه :
قاضي الكوفة الشهير ، وصاحب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، عامر بن شراحيل الشعبي ، ( يروي
عن علي والعبادلة وخمسين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ) (٤)، ولي قضاء الكوفة (٥) ،
وله حديث كثير عن أبي هريرة (٦) .
وأبو بردة ابن أبي موسى الأشعري ، فقيه كبير الشأن جداً ، تولى قضاء الكوفة (٧) ( بعد شريح ، وكان
كاتبه سعيد بن جبير ) (٨)، وروايته عن أبي هريرة في مسند أحمد (٩).
وعبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود، ولي قضاء الكوفة (١٠)، وله روايات
عن أبي هريرة (١١) .
ولو نزلنا في الطبقات لوجدنا آخرين من قضاة الكوفة الذين لم يروا أباهريرة فأخذوا حديثه بواسطة ،
والخوارط التي تضمنها كتابنا هذا الأسانيد أبي هريرة في الصحيحين تبين بدقة وسائطهم إلى أبي هريرة .
فمنهم :
(١) التهذيب ٤٦٣/٣، الاغاني ١٠/٦، ١٣/٦
(٣) التهذيب ٢٠/١
(٥) اخبار القضاة ٤١٣/٢
(٧) أخبار القضاء ٤٠٨/٢، تاريخ خليفة بن خياط ٢٩٨/١
(٨) التهذيب ١٨/١٢
(١٠) أخبار القضاة ٤٠٥/٢
(٢) اخبار القضاة ٢٥٨/١
(٤) الثقات لابن حبان ص ١٨٧
(٦) انظر البخاري ١٧٧/٣، ١٥٨/٦، مسلم ٦٦/٨،
مخطوطة مسند ابن راهويه ٢٨/٤
(٩) المسند ٤٠١/٢
(١١) انظر مثلا: سنن أبي داود ٢٠٧/٢
١٣١

عبد الملك بن عمير ، ( استقضى بالكوفة بعد الشعبي ) (١) .
ويحيى بن سعيد الانصاري المدني ، التابعي المشهور ، تولى قضاء الهاشمية قرب الكوفة ايام المنصور (٢).
ثم قاضي الكوفة المقدم، مضرب المثل، شريك بن عبدالله النخعي، وناهيك به إماماً عدلاً مأموناً تقياً متيقظاً،
بل حتى إن العجائز في البيوت يضربن الأمثال بعدله وفراسته ، وهو قد نشأ في الكوفة وخالط طبقات كثيرة
من أعيان الشيعة فيها (٣) .
وعبد الله بن شبرمة ، فقيه الكوفة المبرز ، كان قاضياً أيام المنصور على سواد الكوفة (٤).
ويمكن أن نعد أيضاً في قضاة الكوفة منصور بن المعتمر ، فقد ( أكره على القضاء شهرين ) (٥).
ومنهم : حفص بن غياث ، تولى قضاء الكوفة وبغداد ، وهو ثقة معروف ، (٦) ابنه عمر من شيوخ
البخاري .
ثم قضاة البصرة ، ومنهم :
رأس الزهد الحسن البصري رحمه الله، ولاّه عدي بن أرطأة عامل عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة (٧)
وزرارة بن أوفى ، ولي قضاء البصرة (٨)، وكان ثقة عابداً (٩) ، ورواياته عن أبي هريرة مبثوثة في
كتب كثيرة (١٠) .
وعبد الرحمن بن أذينة بن سلمة العبدي ، كان على قضاء البصرة (١١) و (هشام بن هبيرة القاضي، كان
على قضاء البصرة ، يروي عن أبي هريرة ، روى عنه أهل البصرة ، مات سنة اثنتين وسبعين. ) (١٢)، ولم
أعثر على روايته .
وثمامة بن عبد اللّه الصحابي أنس بن مالك ، ثقة صالح كان على قضاء البصرة (١٣)، وقيل إن روايته
عن أبي هريرة مرسلة (١٤) .
(١) الثقات لابن حبان ص ١٦٣، وحديثه في صحيح مسلم ١٣٣/١ (٢) أخبار القضاة ١٧٨/١، الجرح والتعديل ١٤٨/ج ٤/ق٢
(٤) التهذيب ٢٥٠/٥، كتاب الرجال لابن داود الحلي ص
(٣) انظر روايته لحديث أبي هريرة في صحيح مسلم ٤٩/٧،
٢/٨، ابن ماجة ١٢٨/١، مصنف ابن أبي شيبة ٤١٥/٢
(٥) التهذيب ٣١٥/١٠، وأسانيدة إلى ابي هريرة في
خوارط أبي حازم
(٧) اخبار القضاة ٧/٢، وحديثه عند البخاري ١٩٠/٤ وغيره.
(٨) اخبار القضاة ٢٩٢/١
(١٠) انظر مثلا: البخاري ١٨٠/٣، مسلم ١٥٦/٤، النسائي (١١) الثقات لابن حبان ص ١٥٣، اخبار القضاة ٣٠٤/١،
وروايته عند ابن ماجة ٦٧١/١
١٥٧/٦
(١٢) الثقات لابن حبان ص ٢٨٠
(١٤) روايته في مسند أحمد ٣٨٩/٣٥٥/٢
٢٠٦، وأسانيد روايته لحديث أبي هريرة في خارطة
اسانيد أبي زرعة عند مسلم المثبتة في هذا الكتاب
(٦) التهذيب ٤١٥/٢، وانظر من أمثلة رواياته ما عند
البخاري ١٥٨/١، ١٥٨/٦
(٩) التهذيب ٣٢٢/٢
(١٣) اخبار القضاة ٢٠/٢
٫٠٠
١٣٢

ومن الطبقات النازلة : معاذ بن معاذ العنبري، ولي قضاء البصرة مرتين (١) ، وإليه المنتهى بالبصرة
في التثبت كما يقول الإمام أحمد (٢) ، وحديثه عن شيوخ البصرة مما يتصل سنده بأبي هريرة كثير بينته
في الخوارط .
ثم قضاة دمشق ، ومنهم :
أبو ادريس الخولاني ، تابعي جليل فقيه ، تولى قضاء الشام زمن عبد الملك بن مروان (٣).
وسليمان بن حبيب المحاربي ، ثقة رفيع الشأن ، قضى بدمشق أربعين سنة ، منها سني حكم عمر بن
عبد العزيز (٤) .
وعامر بن لدين الأشعري ، ولي القضاء لعبد الملك (٥) ، وهو تابعي شامي ثقة (٦).
ثم قاضي الجزيرة ميمون بن مهران ، ولاه عمر بن عبد العزيز (٧) ، والجزيرة هي الديار التي بين أعالي
دجلة والفرات ، من حدود الموصل وسنجار ، إلى ديار بكر ونصيبين وما جاورهما .
وقضاة مصر ، ومنهم :
عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني ، من ثقات التابعين وزهادهم ، كان قاضياً على مصر (٨).
ومن الطبقة التي بعده : الفقيه العلم ، الامام الجهبذ، الليث بن سعد، له روايات كثيرة جداً عن الزهري .
عن شيوخه من أصحاب أبي هريرة ، وعن المقبري عن أبي هريرة ، وغيرهم (٩) .
وقاضي إفريقية ، وهي تونس وأنحاؤها في اصطلاح الأقدمين ، أبو علقمة المصري مولى بني هاشم،
تابعي ثقة (١٠) .
وقاضي مرو : عبد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي (١١)، ثقة، أبوه صحابي معروف ،
وقاضي صنعاء : هشام بن يوسف (١٢)، له روايات كثيرة في صحيح البخاري عن معمر عن الزهري
(١) اخبار القضاة ١٤٧/٢
(٣) تاريخ خليفة بن خياط ٢٩٩/١، وروايته عن أبي هريرة
عند البخاري ٥٠/١، مسلم ٨٧/٨
(٦) تعجيل المنفعة ص ١٤٠، وروايته في مسند أحمد ٣٠٣/٢
(٨) التهذيب ١٠٦/٦، وروايته عند أبي داود ٢٠٧/١
(١٠) التهذيب ١٧٣/١٢ وحديثه في صحيح مسلم ١٣/٦، مسند
أحمد ٤١٦/٢
(١٢) الجرح والتعديل ٧٠/ج٤/ق٢
(٢) الجرح والتعديل ٢٤٩/ ٤/ق١
(٤) التهذيب ١٧٨/٤، وروايته عند ابن ماجة ١٣٧٠/٢
(٥) الجرح والتعديل ٣/٣٢٧/ق١
(٧) التهذيب ٣٩١/١٠، وروايته عند ابن ماجة ١٤٤/١
(٩) انظر مثلا: صحيح البخاري ١٢٧/٣
(١١) الجرح والتعديل ٢٥/٢/١٣، التهذيب ١٥٧/٥، ولم
أعثر على نموذج لروايته .
١٣٣

عن أبي سلمة وحميد اني عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ، وعن الزهري عن ابن المسيب عن ابي
هريرة (١) .
ومن اللطائف : اجتماع أربعة تابعين من القضاة في سند حديث واحد عن أبي هريرة ، أحدهم الخليفة
الراشد عمر بن عبد العزيز ، وكان قاضياً قبل خلافته .
قال البخاري : ( حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني أبو
بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم ، أن عمر بن عبد العزيز أخبره ، أن أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام أخبره ، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك
ماله بعينه عند رجل أو انسان قد أفلس فهو أحق به من غيره.) (٢) .
و ( يحيى بن سعيد هو الأنصاري ، وفي هذا السند أربعة من التابعين ، هو أولهم ، وكلهم ولي
القضاء.) (٣).
وابن ماجة (٤) يروي هذا الحديث عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد ، وقدمنا ذكر الليث في قضاة
مصر ، فيكون في السند خمسة قضاة .
وبهذا يجتمع لنا من القضاة الرواة عن أبي هريرة الذين خالطوه وميزوا كلامه، أو ممن وصلهم حديثه
بواسطة ، سبعاً وثلاثين قاضياً يمثلون ركن الجهاز القضائي الاسلامي في عصر التابعين وأتباع التابعين ،
وانظر أسماء قضاة آخرين في القائمة الملحقة بالخوارط رووا حديث أبي هريرة في الصحيحين ، ، أفلا
يسوغ للمتشكك أن يكون حسن ظنه بابي هريرة من حسن ظن هؤلاء البررة الذين صار فحص أحوال الرجال
عندهم سجية وعادة تلقائية ، نتيجة طبيعة عملهم اليومي في فصل الخصومات واستماع الشهود؟ .
والتشدد في توثيق الرجال سمت عام في القضاة ، فكيف في بعض هؤلاء القضاء المذكورين الذين
يضرب المثل بعدلهم وفهمهم ونباهتهم ، كالشعبي ، وشريك . وعمر بن عبد العزيز الخليفة ، وأبي بردة ،
وابن شبرمة ، والحسن البصري ، والليث ؟ .
بل لقد كان بعض القضاة يحتاجون أبا هريرة في يوميات قضائهم ليعلمهم حكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم في بعض ما يعرض أمامهم من قضايا ، مثل ( عمر بن خلدة الزرقي ، وكان قاضي المدينة، قال : جئنا
أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس ... ) (٥) ، ثم ذكر حكمه .
(١) انظر مثلا: البخاري ٢١٤/٤، ١٧٦/٦
(٣) فتح الباري لابن حجر ٤٦٠/٥
(٤) ابن ماجة ٧٩٠/٢
(٥) أبو داود ٢٥٧/٢، ابن ماجه ٧٩٠/٢، المستدرك ٥٠/٢
(٢) البخاري ١٤٧/٣، وأخرجه مسلم ٣١/٥ بنفس هذا.
الاستاد ، ولابي بكر بن عبد الرحمن مواضع أخرى عن
ابي هريرة في صحيح البخاري ، منها ما في ١٨٩/١
١٣٤

أفيكون مرجعاً للقضاة ، يميز لهم وينقض ويبرم ، ولا يكون مرجعاً لنا ؟ ذلك هو الخسران إذن .
#
ثم نلحظ أيضاً أن عدداً من مشاهير الزهاد والعباد أهل الصدق والنسك والورع يروون عن أبي هريرة،
مثل محمد بن واسع ، أحد الزهاد العباد المجاهدين (١) ، وزياد ابن أبي زياد ميسرة المدني ، وهو ثقة زاهد
من أفضل رجال حاشية عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد (٢) ، وغيرهم ممن ذكرناهم سابقاً في استعراض
فقهاء التابعين الرواة عنه ، كالحسن البصري ، وعمرو بن دينار ، وأضرابهم ، وغيرهم ممن لم يلحق به
فروى بواسطة عنه ، مثل فضيل بن عياض ، ووهيب بن الورد المكي ، كما تشير الخوارط .
والزهاد عادة يكون لهم تَوَقّ شديد واحتياط في الرواية عن الناس ، ورواياتهم عن أبي هريرة شهادة
تزكية تملأ القلب طمأنينة ، وكلهم لا يشبهون اهل الزهد المتأخرين الذين عرف عنهم التساهل في تصحيح
الحديث وتوثيق الرجال حين بعدت أزمانهم عن أزمان الرواة ولم يروهم ، إنما كانوا أهل فطنة وحذر شديد
تجاه معاصريهمٍ ، لا يرضون الرواية عن أحد حيّ بينهم إلا أن يكون أهلاً لذلك، بل المشهور عنهم أنهم لا
يذوقون طعام أهل الكذب والباطل والمعاصي ولاشرابهم ولا يخالطونهم على الموائد، بل لا يسلمون علیھم،
فهل رواياتهم عن أبي هريرة إذن إلا دلالة على أنهم خبروه فوجدوه صادقاً فسوغوا لأنفسهم نقل حديثة؟.
*
#
أما قاضي مصر سليمان بن عبر التجيبي فأكثر حباً لأبي هريرة ، وكان يقرؤه السلام ويستغفر له في
ظهر الغيب ، وما أثمن استغفار المؤمنين بعضهم لبعض في ظهر الغيب !
يقول علي بن رباح ، وقد خرج من مصر حاجاً : ( قال لي سليم بن عتز : اذا لقيت أبا هريرة فاقرئه
مني السلام ، وأخبره أني قد دعوت له ولأمه) (٣)، و ( استغفرت الغداة له ولأمه.) (٤).
ولأبي هريرة منا أيضاً تحية وسلام .
أيا حافظ الصحب الكرام الا أستلم
تحايا محبٍ طالما يتبتلُ
يُنفيّ عن الأصحاب غمزاً يُخذَّلُ
ابا هرة نحن الحماة وكلّنا
٥
*
(١) روايته في مسند أحمد ٢٩٦/٢
(٢) روايته في مسند أحمد ٤٧٣/٢
(٣) كتاب الولاة وكتاب القضاة لمحمد بن يوسف الكندي ص٣٠٨
(٤ ) المستدرك ٥١٠/٤
١٣٥

◌َّاة إلي حُرِيرَة بَعد النّبِعَل
أبو هريرة أمير البحرين
أهم أحداث حياة أبي هريرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ، وهي : اشتراكه مع جمهور
الصحابة في حروب الردّة ، وقد عرجنا على ذكر ذلك خلال استعراض جهاده . واستعمال عمر رضي
اللّه عنه له أميراً على البحرين ، وهو موضوع فصلنا هذا ، ونصره عثمان رضي الله عنه حين حوصر ،
وموقفه في الفتنة ، واستخلاف مروان له على المدينة مرتين أيام حج مروان ، وسنذكر ذلك في فصول
قادمة .
مع العلاء بن الحضرمي زمن النبي صلى الله عليه وسلم
قال المعلمي اليماني رحمه الله .
( ذكر جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وفي
طبقات ابن سعد (١) عن الواقدي بسنده إلى العلاء بن الحضرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه منصر فه من
الجعرانة إلى المنذر بن ساوي العبدي بالبحرين ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفراً فيهم أبو
هريرة وقال له : استوص به خيراً . ثم قال الواقدي : حدثني عبدالله ابن يزيد عن سالم مولى بني نصر قال :
سمعت أبا هريرة يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلاء بن الحضرمي وأوصاه بي خيراً
(١) الطبقات ٧٦/٢/٤
١٣٧

فلما فصلنا قال لي : إن رسول الله صلى الله عليه وقد أو سلم صافي بك خيراً فانظر ماذا تحب ؟ قال : قلت :
فاجعلني اؤذن لك ولا تسبقني بآمين ، فاعطاه ذلك . والواقدي ليس بحجة ، لكن للقصة شواهد ، ففي فتح
الباري (١): فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين أن أبا هريرة كان مؤدئاً بالبحرين، وأنه
اشترط على الأمام ان لا يسبقه بآمين ، والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي ، بيّنه عبد الرزاق من
طريق أبي سلمة عنه .
وعند ابن سعد (٢) بسند صحيح عن أبي هريرة قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين ،
ما كنت سنوات أعقل مني ولا أحبّ إليّ أن أعي ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فيهن . هذا
مع أن قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم كان في صفر سنة ٧ . فمنه إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
أربع سنين وشيء ، فاقتصاره على ثلاث سنين يدل على أنه غاب في اثناء تلك المدة سنة أو نحوها ، وقد كان
البعث بعد الانصراف من الجِعْرانة كما مرّ، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أو ذي الحجة سنة ٨،
وفي الطبقات (٣) أن العلاء قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم فولى النبي صلى الله عليه وسلم مكانه أبان بن
سعيد بن العاص ، فعلى هذا لما رجع العلاء رجع معه ابو هريرة ، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة
انه ممن حج مع أبي بكر سنة ٩ ، وكان ينادي مع علي أن لا يحج بعد العام مشرك . انظر صحيح البخاري
- تفسير سورة براءة -، فصح أن غيبته كانت سنة أو دونها. ) (٤) أقول : أما ما ورد في تاريخ البخاري(٥)
بسند غير موصول عن حنش العبدي أنه قال : ( جاورت أبا هريرة في البحرين سنتين ) ، فيبدو أنها في
قدمته الأخرى زمن عمر ، والتي سنتكلم عنها .
وفي دلائل النبوة إشارة إلى صحبته للعلاء (٦) وأشار ابن أبي شيبة إلى أنه كان مؤذناً بالبحرين (٧).
مع العلاء مرة أخرى زمن أبي بكر رضي الله عنه
يقول المعلمي :
( وثم ما يدل أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر ، ففي الطبقات (٨) عن الواقدي بسنده
أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاء بن الحضرمي على البحرين ، وذكر القصة ، وفيها فتح العلاء دارين سنة
أربع عشرة ، ثم ذكر ابن سعد بسند آخر أن عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلف عتبة بن غزوان على
عمله ، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة، فمات العلاء في الطريق ورجع أبو هريرة إلى البحرين، وذكر عن
(١) فتح الباري ٢١٧/٢
(٢) الطبقات ٥٤/٢/٤
(٣) الطبقات ٧٧/٢/٤
(٤) الانوار الكاشفة ص ٢٢٤
(٥) التاريخ الكبير ١٥/٢/١٠٠
(٦) الدلائل ص ٥٠١
(٧) المصنف ٤٢٧/٢
(٨) الطبقات ٧٧/٢/٤
١٣٨

أبي هريرة قوله : ( رأيت من العلاء بن الحضرمي ثلاثة أشياء ولا أزال أحبه أبداً ، رأيته قطع البحر على
فرسه يوم دارين ... وخرجت معه من البحرين إلى صف البصرة ، فلما كنا بلياس (؟) مات .. اهـ. ومن
أهل الأخبار من يزعم أن وفاة العلاء تأخرت إلى سنة ٢١ ، فالله أعلم . أما ما تقدم فانه يدل أن أبا هريرة
رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولاه ابو بكر ، وكان بها سنة اربع عشيرة.) (١).
مع قدامة بن مظعون زمن عمر
قال المعلمي :
( ثم كان ابو هريرة بالبحرين أيضاً في إمارة قدامة بن مظعون عليها، كما يعلم من ترجمة قدامة في
الإصابة وغيرها ، وفي فتوح البلدان (٢) عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي : .. حتى مات ،
وذلك في سنة أربع عشرة او في أول سنة خمس عشرة . ثم إن عمر ولىّ قدامة بن مظعون الجمحي جباية
البحرين ، وولى أبا هريرة الأحداث والصلاة (٣). وفيه (٤) عن الهيثم : كان قدامة بن مظعون على الجباية
والأحداث وأبو هريرة على الصلاة والقضاء . ) (٥) .
الفاروق يولي أبا هريرة البحرين بعد هذا التدرج
قال أبو يوسف القاضي صاحب الأمام أبي حنيفة ، رحمهما الله :
( حدثني المجالد بن سعيد عن عامر عن المحرر ابن أبي هريرة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه دعا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا لم تعينوني فمن يعينني ؟ قالوا : نحن نعينك .
فقال : يا أبا هريرة آئت البحرين وهجر انت العام قال : فذهبت .) (٦)
وهذا النص ثمين جداً ، إذ انه يرينا أن أبا هريرة كان من أعيان المسلمين وأهل الحل والعقد أيام عمر ،
فكان في المحل الذي يتوجه إليه عمر بطلب الإعانة والقيام بالوزارة والمشاركة في تحمل أعباء الدولة .
(١) الأنوار الكاشفة ص ٢٢٥
(٣) لم أجد في النهاية في غريب الحديث لابن الاثير، ولا في غريب
الحديث لابي عبيد ، ولا في لسان العرب معنى للاحداث
يليق بتفسيرها هنا ، وكأنها الخصومات والفصل فيها ، وهو
معنى بعيد ، لذكره القضاء في النص ، وفي اللسان ١٣٢/٢
ان من معاني الاحداث : المطر النازل أول السنة ، ولعله
اشتق منه جباية زكاة الزروع التي تسقى بالمطر ، وهو
معنى بعيد أيضاً ، اذ رأيت في الأغاني ذكر تولية الاحداث
لبعض عمال البصرة ، ولا زرع في البصرة يسقى بالمطر
(٢) الفتوح ص ٩٢
(٤) الفتوح ٩٣
(٥) الأنوار الكاشفة ص ٢٢٥
(٦) كتاب الخراج ص ١١٤، وعامر هو الامام الشعبي.
١٣٩

وكأني بأبي رية يتململ ويقول : هو من روايته ، وكذب في هذا صانعاً دعاية لنفسه ، ولكني أقول :
من أنكر هذا فقد أنكر تولي ابي هريرة البحرين فعلاً، ومن أنكر توليه يلزمه إنكار ما قد روي من محاسبة
عمر له فيما بعد ، كما سنرى بعد قليل ، ولكن أبارية وأمثاله أقاموا الدنيا لمحاسبة عمر له ، وأثبتوها ،
فلزمهم الاعتقاد بتوليه ولاية البحرين فعلاً ، وتوليه لا بد أن يكون قد بدأ بمثل هذا الخطاب من عمر .
و (كأن عمر لما علم فيه أنه ذو خبرة بشؤون البحرين، ومحل ثقة أهلها، ولاه إيّاها.) (١)
فلما رجع ابو هريرة إلى عمر: ( أتاه باربعمائة الف من البحرين ، فقال : أظلمت أحداً ؟ قال : لا .
قال : أخذت شيئاً بغير حقه ؟ قال : لا . قال : فما جئت به لنفسك ؟ قال : عشرين الفأ . قال : من اين
أصبتها ؟ قال: كنت أتجر . قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال. ) (٢)،
وفي لفظ أبي عبيد: ( قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟ قال: لست بعدو الله
ولا عدو كتابه ، ولكني عدو من عاداهما ، ولم أسرق مال الله. قال: فمن اين اجتمعت لك عشرة آلاف
درهم ؟ فقال : خيلي تناسلت ، وعطائي تلاحق ، وسهامي تلاحقت . فقبضها مني . قال أبو هريرة ؛ فلما
صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين . ) (٣)
وقد استغل اعداء ابي هريرة فعلة عمر هذه في التشنيع على ابي هريرة ورميه بالسرقة والنهب ، وليس
الأمر كما قالوا ، فعمر رضي الله عنه إنما ( قاسمه مع جملة العمال ) (٤) ، ولم يفرده بهذه المعاملة ، وسببها
( أن عمرو بن الصعق لما نظر إلى اموال العمال تكثر استنكر ذلك ، فكتب إلى عمر بن الخطاب بأبيات
شعر) (٥) ، ( فبعث عمر إلى عماله، فيهم سعد، وابو هريرة، فشاطرهم أموالهم. ) (٦)، وكذلك عزل
ابا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله ، وعزل الحارث بن كعب ابن وهب وشاطره ماله (٧) .
( فعمر لم يتهم أبا هريرة ولم يشاطره ماله وحده ، بل تلك كانت سياسته مع ولاته ، لا عن شبهة ،
بل من باب الاجتهاد وحسن رعاية أمور المسلمين. ) (٨)، فقد (كان عمر رضى الله عنه يحب للصحابة
ما يحب لنفسه ، فكان يكره لأحدهم ان يدخل عليه مال فيه رائحة شبهة ، وله في ذلك أخبار معروفة في
سيرته . ) (٩)
و ( كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم
(١) من كلام الاستاذ السماحي في المنهج الحديث ص ٣٢٩
(٣) الاموال لابي عبيد ص ٢٦٩
(٥) (٦) الاموال لابي عبيد ص ٢٦٩، وذكر محمد عجاج
الخطيب ص ٢٢٥ عن طبقات ابن سعد ٢٥/٣/١٠٥
مقاسمة سعد .
(٩) الأنوار الكاشفة ص ٢١٣
(٢) طبقات ابن سعد ٣٣٦/٤ بسند صحيح
(٤) البداية والنهاية ١١٣/٨
(٧) اشار محمد عجاج ص ٢٢٥ إلى ان ابن عبد ربه ذكر خبرهما
في العقد الفريد ٣٣/١
(٨) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٢٥، السنة قبل التدوين
ص ٤٣٨
١٤٠
.