النص المفهرس

صفحات 101-120

ابن هرمز ، ومسلم أبو حسان الأعرج ، وعمرو بن ميمون ، وأبو المتوكل الناجي، وهم ثقات ذكر ابن أبي حاتم
أنهم يروون عن ابن عباس (١) .
وجميع هؤلاء نجد أمثلة لرواياتهم عن أبي هريرة في القوائم التي سنذكرها في فصل قادم .
ومن هؤلاء أيضاً الرواة عن ابن عباس وأبي هريرة معاً . سعيد بن جبير ، أحد أعلام التابعين (٢)، ومحمد بن
عمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري (٣) ، وميزان أبو صالح الأشعري (٤).
ثم تتجلى صفحة أخرى من توثيق ابن عباس لأبي هريرة في سماحه لبعض مواليه بالأخذ عنه ورواية ما سمعوا ،
مثل عكرمة (٥) ، وعثمان بن شماس (٦) وسليمان بن يسار (٧) ، أحد موالي ابن عباس أيضاً (٨) ونجد رواياتهم
عن أبي هريرة في القوائم أيضاً . ومنهم أيضاً سليمان ابن أبي سليمان (٩) .
ومن الرواة عن أبي هريرة : سليمان بن غريب ، (وكان صهراً لابن عباس .) (١٠) .
وغير هؤلاء من الرواة عن ابن عباس يروون أيضاً عن أبي هريرة ، رأيت التوقف عن مواصلة سرد أسمائهم
لنزولهم في العلم عن مرتبة من ذكرنا ، ولكن اجتماعهم يكون دلالة أخرى ، مثل قيس مولى حضين بن المنذر
الرقاشي (١١) وأضرابه .
فهؤلاء أكثر من ثلاث وثلاثين صاحباً لابن عباس يروون عن أبي هريرة، أفلا يكون في اجماعهم على الرواية
عنه ما يقذف الطمأنينة في قلب المتشكك ؟
قبول عائشة لأبي هريرة في مجلسها
استفتى أحد التابعين عبدالله بن الزبير ، فقال له : (إذهب إلى عائشة، فاني تركت عندها أباهريرة وابن
عباس.) (١٢)
إذن : كانت تجالسه ، ولو كانت سيئة الرأي فيه لما قبلته في مجلسها .
(١) الجرح والتعديل ٣/٣٩٥/ق١، ٢٤١/ ٤/ق١،
٢٩٣/ ٤/ق٢، ١٥/٤/٢٠١ على التوالي
(٣) ثقات ابن حبان ص ٢٤٠
(٥) مثال لروايته عن ابن عباس عند البخاري ١٥٧/٢
(٧) مثل لروايته عن ابن عباس عند البخاري ٢٢٢/٥
(٩) الجرح والتعديل ٢/١٢٢/ق١
(١١) الجرح والتعديل ١٠٦ /٢٥/٣
(٢) الجرح والتعديل ٢/٩/ق١
(٤) الجرح والتعديل ٤٣٧/جـ١٥/٤
(٦) هومولى ابن عباس كما في الجرح والتعديل ٣/١٥٤/ق١
(٨) ثقات ابن حبان ص ٩٠
(١٠) ثقات ابن حبان ص ٩١
(١٢) التاريخ الكبير للبخاري ٢/٢١ ١٥/١
١٠١

الخدري أحد المستمعين في مجلس أبي هريرة ويصدقه
وهذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ذراه يجلس في مجلس تحديث أبي هريرة مستمعاً ، فيروي أبو هريرة
حديثاً طويلاً فيه قصة الرجل الذي يكون آخر الناس دخولاً للجنة ، فيصدقه أبو سعيد ، ويصرح بسماعه هو
أيضاً للحديث .
يقول الراوي بعد أن سرد الحديث : ( وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يُغيّر عليه شيئاً من حديثه ،
حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه. قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا لك
وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: حفظت: مثله معه.) (٢) ، أي هذا لك من نعيم الجنة ، والحمد لله الذي جعل أبا
هريرة يحفظ العدد الأقل ، وإلا لاتهموه بالتهويل .
بل أكاد أقطع جازماً أن الخدري كان طوال حياة أبي هريرة يكثر من حضور تحديثه التابعين ليروي أيضاً لهم
ما يحدثهم به أبو هريرة ، فكأنه كان منتصراً له حين شاعت عند بعض المتسرعين مقالة إ كثار أبي هريرة، ويدل على
الذي أقول أن المتفحص لمجموعة أحاديث الخدري في مسند الامام أحمد والصحيحين والسنن يجد مقداراً كبيراً من
الأحاديث يرويها عدد من التابعين عن أبي هريرة وأبي سعيد مقرونين معاً ، وتقديمهم ذكر أبي هريرة يدل على أن
صدارة المجلس كانت له .
فمن ذلك رواية حميد بن عبد الرحمن بن عوف لأحاديث عنهما معاً (٣) وأبي مسلم الأغر (٤)، وأبي صالح
السمان (٥)، وسعيد بن المسيب (٦) وعطاء بن يسار (٧) وأبي أمامة بن سهل بن حنيف (٨) وأبي عبد الله القراظ (٩)
وغيرهم ، كلهم يقول : حدثنا أبو هريرة وأبو سعيد قالا كذا ، حتى إن بعضهم لبث يرجع إلى أبي سعيد بعد موت
أبي هريرة للاستيضاح منه عن بعض حديث أبي هريرة ، كأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف إذ يقول : (كان
أبو هريرة يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم ، وهو في صلاة
يسأل الله خيراً إلا آتاه إياه. قال: وقللها أبو هريرة بيده (١٠). قال: فلما توفي أبو هريرة قلت: والله لو جئت أبا
سعيد فسألته عن هذة الساعة.) إلى أن قال : ( قلت : يا أبا سعيد : إن أبا هريرة حدثنا عن الساعة التي في الجمعة
فهل عندك منها علم ؟ فقال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: إني كنت قد أعلمتها ثم أنسيتها.)(١١).
(١) البخاري ١٤٨/٨، مسلم ١١٤/١، مسند أحمد بتحقيق
أحمد شاكر ١٤٤/٥٦/١٤
(٣) مسلم ١٧٦/٢، مسند أحمد ٣١٩/٢، ٤٣/٣ وعشرات
المواضع
(٦) البخاري ١٢٣/٩٦/٣، ١٧٨/٥ مسند أحمد ٧٠/٣
(٨) مسند أحمد ٨١/٣
(١٠) أي وضع أبو هريرة ابهامه على طرف سبابته تمثيلا لصغر
هذه الساعة
(٢) كما في صحيح مسلم ٧٦/٢، والبخاري ١٠٦/١، ومسند
أحمد ٥٨/٣
(٤) مسلم ١٥٨/٣، مسند أحمد ١١/٣
(٥) مسلم ١٥٨/٣، مسند أحمد ١١/٣
(٧) مسند أحمد ٤٨/١٨/٣
(٩) مسند أحمد ٣٣٠/٢
(١١) مسند أحمد ٦٥/٣
:
١٠,٢
:

جمهرة أخرى من أصحاب الخدري تروي عن أبي هريرة
وإضافة لهؤلاء السبعة الذين يروون عن أبي هريرة والخدري الحديث الواحد معاً ، نجد رهطاً آخر من تلامذة
الخدري يروون عن أبي هريرة ، وفي هذا دلالة ، كدلالة رواية أصحاب ابن عباس عن أبي هريرة ، على أن
الخدري كان حسن الظن بأبي هريرة ، وإنه لم يسمعهم أي نوع من تحذير يبعدهم عنه .
غمن هؤلاء الرواة عن الخدري : عطاء بن يزيد الليثي (١)، وأبو عثمان النهدي (٢)، وعبيد الله بن عبدالله بن
عتبة بن مسعود (٣) ، وعبد الرحمن ابن ابي نعم (٤) وأبو ادريس الخولاني (٥) ، وعبيد بن حنين (٦) ، وبسر بن
سعيد (٧) وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد (٨)، وعمر بن الحكم بن ثوبان (٩)، وشهر بن حوشب (١٠) ، وعياض
ابن عبد الله ابن أبي سرح (١١).
فهؤلاء ثمانية عشر تابعياً من الفقهاء الرواة عن الخدري يروون عن أبي هريرة (١٢) ، حملوا عند الحديث قبل
سنة (٥٩ ه)، وهي سنة وفاة أبي هريرة ، مما يدل على أحداً لم يحذرهم منه حين الأخذ، ثم أدوا ما حملوا من الأمانة
بعد موته واستمروا يسمعون أتباعهم أحاديث أبي هريرة إلى ما بعد عشرات السنين من موت أبي هريرة ، مما يدل على
أن أبا هريرة ظل يحتل المكانة السامية في قلوب التابعين إلى أوائل القرن الثاني الهجري ، وإلا فكم من كاذب يحمل
عنه الثقات ثم يفتضح في حياته أو بعد مماته فيمسكون عن تبليغ أحاديثه وهجرونها .
فأما المؤمن فتكون له مثل هذه القرائن حادياً يحدوه إلى حب أبي هريرة ، وأما المغرض أو البليد الذي لا تنفعه هذه
القرائن ماذا ينفعه يا ترى ؟
الخدري يصلي خلف أبي هريرة
وعن سعيد بن الحارث قال : ( اشتكى أبو هريرة - أو غاب - فصلى لنا أبو سعيد الخدري.) (١٣)
وهذا يدل على أن الخدري كان في أيامه العادية مأموماً وأبو هريرة إماماً ، وهو نوع توثيق لا يخفى ، يضاف إلى
القرائن السابقة .
(١) انظر امثلة لروايته عن الخدري عند البخاري ١٥٠/١،
مسلم ٢٠٧/٢-
(٤) امثلة لروايته عن الخدري عند البخاري ٢٠٧/٥،
النسائي ٤٢٨/١
(٧) أمثلة لروايته عند البخاري ، ٦٧/٨
(٩) مثل لروايته عند ابن ماجة ٩٥٥/٢
(١١) مثل لروايته عند مسلم ٧٠/٣
(١٣) مجمع الزوائد١٠٣/٢ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
(٢) مثال لروايته عن الخدري عند النسائي ٢٤٩/٨
(٣) مثال لروايته عن الخدري عند البخاري ٩٧/١
(٥) مثل لروايته عن الخدري عند مسلم ١٤٦/١
(٦) مثل لروايته عند البخاري ٧٣/٥، الترمذي ١٢٨/١٣
(٨) مثل لروايته عند ابن ماجة ٨٢٠/٢
(١٠) مثل لروايته عند التر مذي ٥٨/٧
(١٢) نجد أمثلة لرواياتهم عن أبي هريرة في القوائم المثبتة في
فصل قادم
١٠٣

فهذا ما كان من الخدري رضي اللّه عنه، وهو أحد الصحابة القلائل الذين ترضاهم الشيعة ، ويصفونه
بالاستقامة وبالسبق في الرجوع إلى علي رضي الله عنه ، وبأنه من أصفيائه (١).
جابر وأصحابه ينشرون حديث أبي هريرة
ثم يبرز جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه، وهو أيضاً من الصحابة القلائل الذين ترضاهم الشيعة من
أصفياء علي رضي الله عنه، ووصفه الطوسي بأنه عظيم الشأن (٢)، ونقل ابن داود أن جعفر الصادق رحمه الله وصفه
بالانقطاع اليهم (٣) ، وفي الصحيحين وغيرهما روايات كثيرة للصادق عن أبيه محمد الباقر عن جابر (٤) ومحمد
ابن عمرو بن الحسن بن علي عنه (٥) .
سارع جابر رضي اللّه عنه إلى نشر حديث أبي هريرة ، فروى عنه مباشرة (٦)، إعلاماً لجماهير الشيعة
بتوثيقه له .
ومثل ما كان من سماح ابن عباس والخدري لتلاميذهما بنشر حديث أبي هريرة ، نجد جابراً يسمح لتلاميذه
أيضاً بنشر حديثه .
فمن أصحاب جابر هؤلاء : الشعبي (٧) ومجاهد (٨) وعطاء ابن أبي رباح (٩) ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف(١٠) وعمرو بن دينار (١١)، وأبو صالح (١٢)، ومحمد بن المنكدر (١٣)، وسنان ابن أبي سنان الدولي (١٤)،
ومحمد بن عباد بن جعفر (١٥) ، وسعيد بن ميناء (١٦)، وسعيد بن الحارث (١٧)، وأبو سفيان (١٨)، ومحمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان (١٩)، وسالم ابن أبي الجعد (٢٠)، وشهر بن حوشب (٢١) ، وغيرهم ، وكلهم من الرواة
عن أبي هريرة (٢٢).
(١) رجال ابن داود احلي ص ٣٩٩ ، رجال ابن البرقي ص ٣
(٤) لرواية الباقر عن جابر أمثلة عند البخاري ٢٢٤/١١٩/٣،
١١٠/٤، ١٧٣/٥
(٧) أمثلة لرواياته عن جابر عند البخاري ١٤٨/٣، ١٦/٤ ومواطن
كثيرة جداً .
(١٠) له عن جابر عند البخاري ١٤١/٤، مسلم ٩٨/١
(١١) له عن جابر عند البخاري ١٤/٢، ١١١/٧٨/٤، مسلم
١٢٢/١ ومواطن كثيرة
(١٤) البخاري ٤ /٤٧، ١٤٦/٥
(١٦) البخاري ١١٤/٩
(١٨) مسلم ١٧٨/١
(٢٠) ابو داود ٤٧٢/١
(٣٢) انظر امثلة رواياتهم عن أبي هريرة في القوائم التي سنوردها
في فصل قادم
(٢) (٣) رجال ابن داود ص ٧٩
(٥) كما في البخاري ١٤٠/١
(٦) صحيح مسلم ١٦١/١، مسند أحمد ٤٠٣/٢
(٨) من رواياته عن جابر ما في البخاري ١٦٨/٢
(٩) من رواياته عن جابر ما في البخاري ١٤٩/٢، النسائي
٢٥٥/١
(١٢) له عن جابر عند مسلم ٣٤/١
(١٣) له عن جابر عند أبي داود ١٦٤/٢ ومواطن كثيرة
(١٥) ابن ماجة ٥٤٩/١
(١٧) ابن ماجة ١١٣٥/٢
(١٩) التر مذي ٧٤/٥
(٢١) ابن ماجة ١١٤٢/٢
١٠٤
:
:

بل نجد أن أبا الزبير المكي محمد بن مسلم ، الذي لازم جابراً ملازمة قوية وروى عنه نسخة شهيرة جداً ضمنها
أصحاب الحديث كتبهم ، لما فاته السماع من أبي هريرة ، أبى إلا أن ينال شرف رواية حديثه ، فروى عن أبي
علقمة المصري عن أبي هريرة (١) .
أفلا ترى أيها المنصف أنه من المستبعد جداً أن يكون عند أبناء عليّ رضي الله عنه كلمة قالها في تضعيف أبي
هريرة ثم لا يسمعونها جابراً ؟
أو لا ترى أنه من المستبعد جداً أن يكونوا أسمعوه إياها ثم لا يبلغها إلى تلاميذه أو يخالفهم هو فيروي عنه ؟
وإذا وجدنا الأئمة من تلاميذ أبي الزبير هم كبار الناشرين لحديث أبي هريرة ، فيكون ذلك علامة على ماذا ؟
كسفيان بن عيينة (٢) وابن جريج(٣)، ومالك بن أنس (٤) ، وزهير بن معاوية (٥) ، ومعاذ ابن هشام (٦) وغيرهم ،
ويتضح دورهم في نشر حديث أبي هريرة من النظر في خارطات أسانيد أبي هريرة في الصحيحين المثبتة في كتابنا
هذا ، أفلم يكن نقل أبو الزبير لهم عن جابر تحذيراً وهو وارث علم جابر ؟
وإنما مثلنا بأبي الزبير لشهرة صحبته الجابر ، وإلا فان أغلب الرواة عن أغلب أصحاب جابر، أو أصحاب
ابن عباس والخدري ، هم من ناشري حديث أبي هريرة ، ولو أردنا التدليل على ذلك بالأمثلة لطال الكلام .
فهؤلاء ستة عشر من أصحاب جابر نشروا حديث أبي هريرة .
وأبو أيوب وأصحابه أيضاً
ثم نرى أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه يروي عن أبي هريرة، وهو عظيم الشأن عند الشيعة (٧)، بل
يجعلونه أحد ستة زعموا أنهم لم يرتدوا من الصحابة .
أخرج الحاكم عن شيخ شيوخه أبي بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح أنه قال في أبي هريرة :
(قد روى عنه أبو أيوب الأنصاري مع جلالة قدره ونزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده. ) (٨)، ثم أخرج
من غير طريق ابن خزيمة عن أبي الشعثاء قال : ( قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه،
فقات : تحدث عن أبي هريرة وأنت صاحب منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لأن أحدّث عن
أبي هريرة أحب إلي من أن أحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ) (٩) ، أي إنه يحذر من التحديث مباشرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من الخطأ .
(١) النسائي ٧٩/٣
(٣) من حديثه عن أبي الزبير ما عند مسلم ٢٠٠/٤
(٥) (٦) من حديثهما عن أبي الزبير ما عند مسلم ١٦٠/٤
(٨) (٩) المستدرك ٥١٢/٣
(٢) من حديثه عن أبي الزبير ما عند الترمذي ١٢٣/٤
(٤) من حديثه عن أبي الزبير ما عند التر مذي ١٣٦/٤
(٧) رجال ابن داود ص ٣٩٢
١٠٥

ويتجلى توثيق أبي أيوب لأبي هريرة برواية أصحابه عن أبي هريرة أيضاً ، مما يدل على أنه لم يبلغهم شيئاً مما
زعم الزاعمون أن علياً رضي الله عنه قاله في أبي هريرة ، مع أنه ممن رافق علياً حتى مماته ، وشهد معه معاركه ، وكان
له وزيراً .
فمن هؤلاء أصحاب أبي أيوب وتلامذته : عطاء بن يزيد الليثي (١) وعطاء بن يسار (٢) ، وموسى بن
طلحة (٣) ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٤)، ومعاوية بن قرة المزني (٥)، وكلهم من الرواة عن أبي هريرة كما يتضح
من القوائم التي سنوردها ، وهناك حفيد لأبي أيوب هو من رواة حديث أبي هريرة في الصحيحين ، تجد اسمه في
القائمة الملحقة بالخوارط .
عبدالله بن الزبير يروي عن أبي هريرة ويعمل بحديثه
وشهد التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مجلساً في المدينة أيام إمارة مروان فيه
عبدالله بن الزبير ، فسئل ابن الزبير عن الركعتين اللتين يصليهما بعد العصر ، فقال : ( أخبرني بهما أبو هريرة عن
عائشة). (٦)، ثم سئلت عائشة عنها فذكرت أنها سمعتها من أم سلمة ، فسئلت أم سلمة فأفادت أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم صلاّ هما مرة واحدة في يوم وزع فيه بعض المال بعد أدائه فرض الظهر واستمر منشغلاً حتى أذن
المؤذن بالعصر ، فصلى العصر ثم صلى بعده سنة الظهر التي فاتته، فقال ابن الزبير: (ألله أكبر، أليس قد صلاهما
مرة واحدة ؟ واللّه لا أدعهما أبداً.)
فانظر قول ابن الزبير : ( أخبرني بهما أبو هريرة) وعمله بما أخبره ، فانه توثيق ظاهر. وانتبه الى أن القصة
حدثت زمن إمارة مروان ، أي في أواخر حياة أبي هريرة ، وهذا يعني أنه لم يطرأ حتى قرب موت أبي هريرة ما
يغير رأي الصحابة فيه .
أنس : واثلة في القافلة
ومن الصحابة الرواة عن أبي هريرة أنس بن مالك خادم النبي صلى اللّه عليه وسلم (٧).
ومنهم واثلة بن الأسقع الليّي رضي اللّه عنه، وهو آخر الصحابة موتاً بدمشق ، مات بعد أبي هريرة بعشرين
سنة ، أي إنه ميز جميع ما كان من أعمال أبي هريرة فلم يجد ما يوجب توقفه في الرواية عنه ، فسارع إلى نشر
حديثه . (٨).
(١) من امثلة رواياته عن ابي ايوب عند البخاري ٦٥/٨،
مسلم ١٥٤/١، النسائي ٢٢/١
(٤) مثل لروايته عن ابي ايوب ١٥٨/٧
(٦) مسند أحمد ٢٩٩/٦ بسند صحيح
(٨) انظر روايته عند ابن ماجة ٢/١٤١٠
(٢) مثل لروايته عن ابي أيوب عند ابن ماجة ١٠٥١/٢
(٣) أمثلة لروايته عن ابي ايوب عند البخاري ٦/٨، النسائي ١٢٣٤
(٥) تهذيب التهذيب ٢١٦/١٠
(٧) أنظر أمثلة لروايته عنه عند البخاري ١٩٢/٩، مسلم ٦٦/٨
١٠٦
:

لا زالت القافلة تسير يحدوها أبو هريرة :
ومن الصحابة الرواة عن أبي هريرة : المسوّر بن مخرمة الزهري القرشي رضي الله عنه (١) ، وهو وإن ولد بعد
الهجرة بسنتين، إلا أنه كان غلاماً عاقلاً مميزاً قرب موت النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع منه أحاديث ورواها،
وروى عن كبار الصحابة .
ومنهم : أبو أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن
كبار الصحابة وعن أبي هريرة ، ومثله محمد بن إياس بن البكير (٢) .
ومن الصحابة الرواة عنه : أبو الورد المازني المصري (٣) أجمع أبو حاتم الرازي ، والبغوي وابن قانع وابن
الكلبي والباوردي على أنه صحابي (٤).
وأبو سعيد الخير ، أو أبو سعد ، ذكر أبو داود صاحب السنن أنه صحابي(٥)، ونص على صحبته ايضاً
البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وغيرهم (٦)، يروي عن أبي هريرة (٧).
ومن الصحابة الرواة عن أبي هريرة : عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي ، ابن أخي عبد الله بن مسعود، (٨)،
ووالد عبيد الله بن عبدالله، أحد أبرز أصحاب أبي هريرة أيضاً، وعبدالله هذا: (أدرك النبي صلى الله عليه وسلم،
ورآه ، وروى عنه ) (٩) ، فلماذا لم يحذره عمه الصحابي الجليل وينقل له شيئاً مما زعم أهل الكذب من منع
عمر أو غيره للناس عن أبي هريرة ؟
وبالمناسبة أقول: إن أصحاب ابن مسعود أيضاً هم من الرواة عن أبي هريرة ، كأبي عثمان النهدي (١٠) ،
وقيس ابن أبي حازم (١١)، ومحمد بن كعب القرظي (١٢)، وعون بن عبدالله بن عتبة (١٣) ، ابن هذا الصحابي
الذي يروي عن أبي هريرة ، وغيرهم ، وفي القائمة الملحقة بالخوارط عدد من أحفاد عبدالله بن مسعود رووا
حديث أبي هريرة في الصحيحين .
ولم أستطرد في ذكر من روى من أصحاب ابن الزبير وأنس وواثلة والمسور والآخرين عن أبي هريرة لأن
متأخري الشيعة لا يرضونهم ، بينما يرضون أولئك الذين ذكرنا رواية أصحابهم عن أبي هريرة .
(١) انظر روايته عن أبي هريرة في مسند أحمد ٤٠١/٢
(٣) روايته عنه في مسند أحمد ٤٠١/٢
(٤) التهذيب ٢٧٢/١٢
(٦) التهذيب ١٠٩/١٢
(٨) انظر روايته عن ابي هريرة عند أبي داود ٢٠٧/٢
(١٠) روايته عن أبي مسعود عند أبي داود ١٧٤/١٤٨/١،
ابن ماجة ٤٤٧/٢٦٦/١
(١٣) مثل لروايته عند أبي داود ٢٠٤/١، ابن ماجة ٢٨٧/١
(٢) روايته ابي أمامة عنه في صحيح مسلم ٥٠/٣، مسند أحمد
٢٤٠/٢، ورواية محمد بن إياس عند أبي داود ٥٠٩/١
(٥) أبو داود ٨/١
(٧) أبو داود ٨/١، مسند أحمد ٣٧١/٢
(٩) التهذيب ٣١١/٥
(١١) من روايته عن ابن مسعود عند ابن ماجة ١٤٠٧/٢
(١٢) مثل لروايته عند الترمذي ٣٤/١١
١٠٧

ومن لم أعثر على رواياتهم عن أبي هريرة من الصحابة وهم من المعروفين عنه بالرواية بن : عبدالله سرجس
المدني ، ذكر أن أبي حاتم صحبته وروايته عن أبي هريرة (١) ، وعبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي ، ذكره ابن أبي
حاتم أيضاً (٢)
وعدد الحاكم أسماء الصحابة الذين رووا عن أبي هريرة ، فذكر أغلب هؤلاء ، كما ذكر آخرين لم
أعثر على رواياتهم: زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي بن كعب ، وعائشة ، وعقبة بن الحارث،
وأبو موسى الأشعري ، والسائب بن يزيد ، وأبو نضرة الغفاري ، وأبو رهم الغفاري ، وشداد بن الهاد ، وأبو رزين
العقيلي ، وعمرو بن الحمق، والحجاج الأسامي ، وعبد الله بن عكيم ، والأغر الجهني ، والشريد بن سويد ، رضي
(٣)
الله عنهم (٣) .
وذكر الحاكم معهم أبا الطفيل ، وأظنه أخطأ ، حسب أنه عامر بن وائلة رضي الله عنه، أحد صغار الصحابة
ممن قاتل مع علي رضي الله عنه، وأراه شبيل بن عوف، وشبيل مختلف في صحبته، وسأذكر أمره بعد قليل ،
كما ذكر معهم أبا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظنه أخطأ أيضاً ، اذ أن أبا رافع المشهور
بالرواية عن أبي هريرة هو نفيع الصائغ ، أدرك الجاهلية وليس بصحابي ، وإنما يروي عن أبي هريرة أولاد أبي
رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسنذكر أخبارهم في فصل قادم .
٠
ومن الرواة عن أبي هريرة أيضاً طائفة اختلف العلماء في ذكر صحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن
العلماء من قال إنهم صحابة ، ومنهم من نفى ذلك وقرر أنهم من كبار التابعين فحسب ، فأما من رجح ثبوت
صحبتهم فمنهم :
شبيل بن عوف أبو الطفيل الكوفي ، أدرك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكره جمع من العلماء في الصحابة (٤)
وعبد الرحمن بن عبد القاري ، ذكره البعض فيمن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (٥) .
وعبد الرحمن ابن أبي عمرة الأنصاري ، ذكره مطين الكوفي في الصحابة وأورد له حديثاً، وأورد له ابن السكن
آخر ، وذكره ابن سعد فيمن ولد على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم (٦).
(١) الجرح والتعديل ٢٥/٢/٦٣
(٣) المستدرك ٥١٣/٣
(٥) التهذيب ٢٢٣/٦، وانظر روايته عن أبي هريرة في
مسند أحمد ٢٨٦/٢
(٢) الجرح والتعديل ٢/٣٨/ق٢
(٤) التهذيب ٣١١/٤، وانظر روايته عن أبي هريرة في مسند
أحمد ٣٥٩/٢
(٦) التهذيب ٢٤٢/٦، وانظر من رواياته عن أبي هريرة عند
البخاري ١٤٢/٣، ٢٠/٤
١٠٨
:

وعبد الرحمن بن غم الاشعري، ذكر الليث بن سعد وابن لهيعة أن له صحبة ، ونفاها آخرون ، وهو من كبار
العلماء الفقهاء (١)
وخباب المدني صاحب المقصورة ، ذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة (٢) .
وربيعة الجرشي أبو الغاز الدمشقي ، ذكره ابن مندة والبغوي وأبو نعيم وغيرهم في الصحابة (٣).
وثابت بن الحارث الأنصاري ، ذكره الحسن بن سفيان والبغوي وابن مندة في الصحابة (٤).
وشفي بن ماتع الأصبحي المصري ، ثقة مشهور ، ذكره أبو جعفر الطبري في الصحابة (٥) .
والضحاك بن قيس الفهري القرشي ، أخو الصحابية المشهورة فاطمة بنت قيس ، وهي أكبر منه (٦) .
وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي ، قيل إنه ولد أول سنة بعد الهجرة ، وقيل إنه ما ولد إلا عام الفتح ، وأتي به الى
النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له بالبركة . (٧).
وعامر بن لدين الأشعري ، ذكره ابن مندة في عداد من اختلف في صحبته (٨).
وعبدالله بن قيس بن مخرمة ، عده البعض في الصحابة (٩) .
فها نحن قد عددنا أحد عشر رجلاً من الصحابة الذين عثرنا على أمثلة لرواياتهم ، وثمانية عشر من الصحابة
الذين ذكرهم ابن أبي حاتم أو الحاكم ولم نعثر على أمثلة لرواياتهم ، فإذا صحت الصحبة لهؤلاء ، وعددهم اثنا
عشر رجلاً ، فإن عدد الصحابة الرواة عن أبي هريرة يرتفع الى واحد وأربعين ، أفليس في صنيعهم العملي
بالرواية عنه سبيل اطمئنان للمتشكك ؟
صلاته على جنازة عائشة وحمله جنازة حفصة
فانها ومن الأدلة أيضاً على توثيق الصحابة لأبي هريرة ، فعن نافع ، الامام الثبت مولى ابن عمر ، أنه ( صلى مع
(١) التهذيب ٢٥٠/٦، وانظر روايته عن أبي هريرة في مسند
أحمد ٣٢٥/٢
(٣) التهذيب ٢٦١/٣، وروايته عن أبي هريرة عند أبي داود
٥٣٠/٢
(٥) التهذيب ٣٦٠/٤، وروايته عند الترمذي ٢٢٦/٩
(٧) التهذيب ٣٤٦/٨، وروايته عند البخاري ١٥/٧
(٩) التهذيب ٣٦٣/٥
(٢) التهذيب ١٣٤/٣، وروايته عن أبي هريرة عند أبي
داود ١٨١/٢
(٤) تعجيل المنفعة ص ٤٥ ، وروايته عن أبي هريرة في
مسند أحمد ٣٨٠/٢
(٦) التهذيب ٤٤٩/٤، وروايته في مسند أحمد ٥٢٠/٢
(٨) تعجيل المنفعة ص ١٤٠، وروايته في مسندأحمد ٣٠٣/٢
١٠٩

أبي هريرة على عائشة.) (١)، وقال: ( صلينا على عائشة وأم سلمة، والإمام أبو هريرة يوم صلينا على عائشة ،
وحضر ذلك عبدالله بن عمر. ) (٢)، وفي لفظ: (وابن عمر في الناس لا ينكره.) (٣)، فهذا تصريح بعدم
الانكار ، ونحن نعرف أن المسلمين يختارون أحد أفاضلهم للصلاة على الجنائز ، فكيف وأنها زوجة نبيهم صلى اللّه
عليه وسلم في الدنيا والآخرة ؟
ومثل ذلك : حمله جنازة حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنت عمر ، فانها لما ماتت (حملها أبو هريرة
من دار المغيرة إلى قبرها ) (٤).
إنصات جمهور من الصحابة والتابعين لأبي هريرة واعتدادهم باقراره للغير
عن محمد بن هلال عن أبيه قال : ( كان أبو هريرة يحدثنا يوم الجمعة حتى يخرج الإمام .) (٥) .
وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال : ( رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة فيقبض على رماني
المنبر قائماً ويقول : حدثنا أبو القاسم رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، فلا يزال يحدث حتى إذا
سمع فتح باب المقصورة لخروج الامام للصلاة جلس .) (٦) .
وهذه القصة لها دلالة قوية جداً ، إذ الساعة قبل صلاة الجمعة في المسجد النبوي الشريف يجتمع فيها كافة
الصحابة في مكان واحد ، وأخيار التابعين ، والكاذب يخشى الفضيحة ، فينزوي ويتوارى إلى مجالس الرعاع.
واستغرب نافع مولى ابن عمر بعض صفة الصلاة على ( جنازة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن
الخطاب ، وابن لها يقال له زيد، وضعا جميعاً، والإمام يومئذ سعيد بن العاص.) قال: ( فنظرت إلى ابن عباس
وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة ، فقلت : ما هذا؟ قالوا : هي السنّة.) (٧).
ففي هذا دلالة على اختلاطه ببقية أعيان من بقي من الصحابة ، وأن أمره كان كأمر أي واحد منهم ، ولو كان
فيه نوع كذب لهجروه .
واستشهد عباس ابن الصحابي الجليل المشهور بحب علي وأبنائه سهل بن سعد الساعدي بسكوت أبي هريرة في
مجلس حضره يحدث فيه الصحابي أبو حميد الساعدي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل عباس سكوت
أبي هريرة قرينة على ضبط أبي حميد (٨).
(١) (٢) التاريخ الصغير للبخاري ص ٥٢
(٤) المستدرك ١٥/٤
(٦) مسند أحمد ٢٤٦/١٣ بسند صححه أحمد شاكر، المستدرك
١٠٨/١، ٥١٢/٣ بسند صحيح.
(٣) المستدرك ٦/٤
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٧/٢
(٧) النسائي ٧١/٤ بسند صحيح
(٨) سنن أبي داود ١٦٩/١
١١٠

قبول أهل المدينة تصدر أبي هريرة للفتوى ثلاثاً وعشرين سنة
قال ابن سعد : ( كان ابن عباس ، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة ، وعبدالله بن عمرو بن
العاص، وجابر بن عبدالله، ورافع بن خديج ، وسلمة بن الأكوع ، وأبو واقد الليثي ، وعبد الله بن بحينة ، مع
أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا ، والذين صارت إليهم الفتوى منهم : ابن عباس ، وابن عمر ، وأبو سعيد
الخدري ، وأبو هريرة ، وجابر.) (١) .
التابعون يوثقون أبا هريرة قولاً وعملاً
( أما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة) (٢).
وقد عرف تاريخ الفقه الاسلامي (فقهاء المدينة السبعة) ، الذين طبقت شهرتهم الآفاق في وقتهم وفي الأجيال
التي تلتهم ، بما عرف عنهم من كثرة جمع الحديث ، وسداد الرأي، والعقل الوافر، والتفوق على أقرانهم من التابعين
في الاستنباط .
والمتفحص لروايات هؤلاء السبعة يجد أن خمسة منهم يروون عن أبي هريرة، وهم : أبو بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعبيدالله بن عبداللّه بن عتبة
ابن مسعود (٣) ورواياتهم مذكورة في القوائم التي أوردناها في هذا الكتاب للرواة عن أبي هريرة .
وعد أبو الزناد أربعة هم أميز فقهاء المدينة : ابن المسيب ، وعروة ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن
مروان (٤)، وقبيصة من الرواة عن أبي هريرة ، وقد ذكرناه آنفاً فيمن اختلف في صحبته ، وعبد الملك من الرواة
عنه أيضاً ، وهو الذي صار خليفة .
ولو تفحصنا قائمة الرواة عنه لوجدنا الكثير منهم ، غير هؤلاء ، أعلاماً في الفقه ، يعرف فضلهم وتقدمهم من
له أدنى اطلاع على كتب الفقه والحديث والتفسير ، كالحسن البصري ، وأبي صالح السمان ، والمقبري
وطاوس ، وأني ادريس الخولاني ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن المنكدر ، وأبي العالية
الرياحي ، وأم الدرداء الصغرى زوج أبي الدرداء رضي الله عنه، وعمرو بن دينار، وعمرو بن ميمون الأودي،
ومحمد بن إبراهيم التيمي ، وأبي المتوكل الناجي ، وأضرابهم ، وروايتهم عن أبي هريرة رضي الله عنه صنيع عملي
في توثيقه لا يخفى على المنصف .
ومثلهم أبناء الصحابة ، ممن جمعوا شرف النسب والتضلع في الفقه ، كأبي سلمة وحميد ابي عبد الرحمن بن
(١) طبقات ابن سعد ٣٧٢/٢
(٣) بقية السبعة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وخارجة
بن ز ید بن ثابت
(٢) من قول الحاكم في المستدرك ٥١٣/٣
(٤) الجرح والتعديل ٣/١٢٠/ق٢
١١١

عوف، وسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، وعيسى وموسى
: ابني طلحة بن عبيدالله ، أحد العشرة المبشرة، ونافع بن جبير بن مطعم، وأبي بردة ابن أبي موسى الأشعري ،
ويزيد بن عبدالله بن الشخير العامري ، الى آخرين آباؤهم أقل شهرة من هؤلاء، كمحمد بن إياس بن البكير،
ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبوه وعماه عاقل وخالد ممن شهد غزوة بدر (١) ، وخيثمة بن
عبد الرحمن بن أبي سبرة ، لأبيه ولجده صحبة ، وهو أحد ثقات وصالحي أهل الكوفة (٢) ، وعبد الرحمن بن
أذينة بن سلمة العبدي، ذكره أبو نعيم في الصحابة ، والصواب أنه ابن صحابي (٣)، إلى غير هؤلاء ممن
سترد مناسبة أخرى لذكرهم، ككونهم من القضاة، أو ممن قاتل مع علي رضي الله عنه ، وروايات كل هؤلاء
مذكورة في القوائم التي صنعناها وأثبتناها في هذا الكتاب .
ومثلهم أحفاد الصحابة، كحفص بن عبيدالله بن أنس بن مالك، وتمامةٍ بن عبدالله بن أنس ، وأبي زرعة
ابن عمرو بن جرير بن عبدالله البجلي، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، واسحاق بن عبداللّه ابن أبي
طلحة الأنصاري ، في أضراب لهم أجدادهم أقل شهرة من هؤلاء ، ورواياتهم جميعاً قد بينتها في القوائم التي
أشرت إليها . وإسحاق هذا ، كان جده أبو طلحة رضي الله عنه أحد كبار فرسان الأنصار وأغنيائهم ، وله
المواقف الكثيرة في خدمة الإسلام والقتال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وابنه عبدالله، أبو اسحاق هذا ،
حنكه النبي صلى الله عليه وسلم حين ولد، ودعا له بالبركة في أولاده ، فكان اسحاق منهم ، وكانت روايته
عن أبي هريرة من آثار هذه البركة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم له .
فرواية هؤلاء التابعين من أبناء وأحفاد الصحابة عن أبي هريرة صنيع عملي في توثيقه نضيفه إلى ما سبق .
ومن أعمالهم التي لها مفهوم توثيقي ضمني : سفرهم لاستفتائه ، كصنيع أبي كثير اليمامي اذ يقول :
( دخلت من اليمامة إلى المدينة لما أكثر الناس الاختلاف في النبيذ لألقى أبا هريرة فأسأله عن ذلك ، فلقيته
فقلت : يا أبا هريرة ، إني أتيتك من اليمامة أسألك عن النبيذ، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحدثني
عن غيره . فقال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: الخمر من الكرمة والنخلة.) (٤).
ومن صنيع التابعين الكوفيين الدال على توثيقهم له نزوله عليهم وطلبهم حديثه ، فقد ذكر التابعي
الجليل قيس ابن أبي حازم قال : ( نزل علينا أبو هريرة بالكوفة ، قال : فكان بينه وبين مولانا قرابة . قال
سفيان - يعني ابن عيينة - وهو مولى الأحمس . قال قيس : فأتيناه نسلم عليه، وقال سفيان مرة: فأتاه الحيّ،
فقال له أبي : يا أبا هريرة: هؤلاء أنسباؤك أتوك يسلمون عليك وتحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:
مرحباً بهم وأهلاً .) (٥) .
(١) التهذيب ٦٨/٩
(٣) التهذيب ١٣٥/٦
(٥) ،سند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ١٤٣/١٥ بسند صحيح
(٢) التهذيب ١٧٨/٣
(٤) معاني الآثار للطحاوي ٣٢٢/٢
١١٢

التابعون يوثقون أبا هريرة قولاً
وقال محمد بن عمرو بن حزم : ( أبو هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (١)
وقال أبو صالح السمان : ( كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم،
ولم يكن بأفضلهم .) (٢).
توثيق أتباع التابعين والذين من بعدهم لأبي هريرة
ذكر الشافعي حديث أبي هريرة وغيره : ( الذهب بالذهب) ، المخالف لحديث أسامة بن زيد: ( إنما
الربا في النسيئة) فرجّح حديث أبو هريرة ومن وافقه على حديث أسامة، لكثرتهم ولحفظهم ولتقدمهم في السن
عليه ، ولتفرده ، ثم قال :
(وأبو هريرة أسنُّ، وأحفظ من روى الحديث في دهره.) (٣).
وهذا توثيق ثمين جداً ، لأنه صادر عن الامام الشافعي رحمه الله ، وناهيك به ، فان الشافعي رأس في
الحفظ والفقه والنباهة والتمييز ، وله قدم راسخة في الزهد والورع .
ويقول الإمام الطحاوي ، وهو أحد متقدمي الفقهاء الحنفية ، وله رواية عن صغار شيوخ البخاري ومسلم ،
يقول : ( إنا نحسن الظن به .) (٤).
وأخرج الحاكم عن شيخ شيوخه أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله الذي هو من طبقة مسلم .
( إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون الأخبار :
إما معطل جهمي : يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر ، فيشتمون أبا هريرة ويرمونه
بما اللّه تعالى قد نزّهه عنه، تمويهاً على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة .
وإما خارجي : يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يرى طاعة خليفة ولا امام إذا سمع
أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبه الذي هو ضلال ، ولم يجد حيلة في
دفع أخباره بحجة وبرهان ، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة .
(١) المستدرك ٥١١/٣
(٣) الرسالة للامام الشافعي ص ٢٨١، فتح الباري ٢٢٤/١،
الإصابة ٢٠٣/٤
(٢) التاريخ الكبير للبخاري ٢٥/٣/١٣٣ بسند صحيح،
المستدرك ٥٠٩/٣ بسند صحيح ، الاصابة ٢٠٣/٤
(٤) معاني الآثار ١٣/١
١١٣

أو قدري : اعتزل الإسلام وأهله ، وكفّر أهل الاسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى،
وقضاها قبل كسب العباد لها ، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات
القدر ولم يجد حجة يؤيد بها صحة مقالته التي هي كفر وشرك كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا
يجوز الاحتجاج بها .
أو جاهل : يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه ، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد
اجتبى مذهبه واختاره تقليداً بلا حجة ولا برهان تكلم في أبي هريرة ودفع أخباره التي تخالف مذهبه ويحتج
بأخباره على مخالفيه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه.) (١).
وكلام الامام ابن خزيمة هذا كلام عارف خبير بحقيقة المقاصد التي يتستر وراءها أعداء أبي هريرة، وهم
هم في عصره ذاك وعصرنا هذا .
ومن ذلك أيضاً أن الترمذي أفرد باباً في مناقب أبي هريرة في الجزء الثالث عشر من جامعه من ص ٢٢٥
الى ص ٢٢٩ .
ويقول الحاكم الكبير أبو أحمد أستاذ الحاكم الصغير صاحب المستدرك : ( كان من أحفظ أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمهم له.) (٢).
وقال تلميذه الحاكم صاحب المستدرك أبو عبدالله: ( إن كل من طلب حفظ الحديث من أول الاسلام
وإلى عصرنا هذا فانهم من أتباعه وشيعته ، أن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ.) (٣).
ويقول الحاكم أيضاً في آخر فصل مناقب أبي هريرة الذي عقده في المستدرك : ( اللّه يعصمنا من مخالفه
رسول رب العالمين ، والصحابة المنتخبين ، وأئمة الدين من التابعين ، ومن بعدهم من أئمة المسلمين رضي الله
عنهم أجمعين ، في أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبي هريرة رضي الله عنه.) (٤).
واعلم أن الحاكم الذي ينثر هذا الدر من المعروفين بالتشيع يوم لم يكن التشيع كما هو في يومه هذا ،
ويقول الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء : ( كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله صلى
الله عليه وسلم .) (٥) .
ويقول شمس الأئمة السرخسي الحنفي المتوفى سنة ٤٩٠هـ صاحب كتاب المبسوط : ( إن أبا هريرة ممن
(١) المستدرك ٥١٣/٣، والناسخ لم يضبط النص فاستعنت
بتصحيح محمد أبي زهو لبعض الكلمات الواردة فيه .
(٢) الاصابة ٤٠٣/٤
(٣) المستدرك ٥١٢/٣
(٤) المستدرك ٥١٤/٣
(٥) الاصابة ٢٠٣/٤
١١٤

لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكذلك في حسن حفظه وضبطه،
فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فيما روي عنه.) ثم قال: ( وهو مقدّم في العدالة والحفظ
والضبط .) (١) .
ويقول الإمام الذهبي : ( الحافظ الفقيه .. كان من أوعية العلم ، ومن كبار أئمة الفتوى ، مع الجلالة
والعبادة والتواضع .) (٢).
ووصفه الذهبي أيضاً بأنه إمام مجتهد، وأنه (سيد الحفاظ الأثبات)، (٣)، و (حمل عن النبي صلى الله
عليه وسلم علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، لم يلحق في كثرته.) (٤)، وكان ( طيّب الأخلاق ). ) (٥) ،
(وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث) (٦)، و(هو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه.) (٧).
ويقول ابن كثير ، صاحب التفسير والتاريخ : ( قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة
والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم.) (٨) ( وله فضائل ومناقب كثيرة، وكلام حسن، ومواعظ جمة.)(٩)
وهكذا نرى أن القول والصنيع العملي قد تضافرا لتوثيق أبي هريرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ، ومن بعدهم من أهل القرون الفاضلة ، حتى القرون المتأخرة .
كذب وأخطأ ....!
والذين يتهمون أبا هريرة بالوضع والكذب ، يتناسون قبح الكذب آنذاك وندرته ، وأنهم يعيشون الآن في
زمان فشا فيه الكذب وساد ، وإلا فهل كان هناك من كذاب يستطيع إخفاء نفسه زمن رسول الله صلى الله عليه
وسلم دون أن يفضحه ويجدد له توبته ؟
تقول عائشة رضي الله عنها: ( ما كان شيء أبغض عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الكذب ، وما جرّب منه رسول اللّه من أحد من شيء، وإن قلّ ، فيخرج له من نفسه ، حتى تحدث له
توبة. ) (١٠).
فما الكذب بالأمر الهين إذن حتى يستغفل أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ويحوز ذلك
التوثيق والمدح .
(١) أصول السرخسي ٣٤٣/٣٤٢/١
(٣) إلى (٧) سير أعلام النبلاء ٤٤٩/٤٤٦/٤٤١/٤١٨/٤١٧/٢
(٨) (٩) البداية والنهاية ١١٣/١١٠/٨
(٢) تذكرة الحفاظ ٣٢/١
(١٠) جامع ابن وهب ص ٨٣، مسند أحمد ١٥٢/٦، العلل
ومعرفة الرجال ٤٠٦/١، الترمذي ١٤٨/٨، المستدرك
٩٨/٤، بأسانيد صحيحة .
١١٥

أما ورود كلمة ( كذب فلان) عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا يعنون بها ظاهرها ، انما يقصدون
بها الخطأ والغلط ، ولا يرون فيها جرحاً ولا إهانة .
من ذلك (أن سبيعة بنت الحارث تعالت من نفاسها بعد وفاة زوجها بأيام ، فمر بها أبو السنابل فقال :
إنك لا تحلّ حتى تمكني أربعة أشهر وعشراً، فذكرت ذلك لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : كذب
أبو السنابل ، ليس كما قال ، قد حللت فأنكحي .) (١).
ومن ذلك ما روي عن أبي الدرداء من أنه قال : من أدركه الصبح فلا وتر له ، ( فذكر ذلك لعائشة
فقالت : كذب أبو الدرداء، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصبح فيوتر.) (٢).
ومن ذلك أن أسماء بنت عميس كانت هاجرت إلى الحبشة فيمن هاجر ، فقال لها عمر رضي الله عنه:
(سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت وقالت كلمةً: ((كذبت
يا عمر :) (٣).
( وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ . وأنشد بيت الاخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ .
وقال ذو الرمة :
وما في سمعه كذب ،
وفي حديث عروة : قيل له : إن ابن عباس يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة
سنة ، فقال: كذب ، أي أخطأ.) (٤)، (سماه كذباً لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب ، كما أن الكذب
ضد الصدق ، وإن افترقا من حيث النية والقصد .) (٥).
فالكذب إذن ( نوعان : كذب عمد ، وكذب خطأ . فكذب العمد معروف ، وكذب الخطأ ككذب أبي
السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها .) (٦) ( ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : كذب من
قالها ، لمن قال : حبط عمل عامر ، حيث قتل نفسه خطأ ، ومنه قول عبادة بن الصامت : كذب أبو محمد ،
حيث قال : الوتر واجب ، فهذا كله من كذب الخطأ، ومعناه : أخطأ قائل ذلك.) (٧)، وهي لغة أهل
المدينة فيما قيل .
(١) سنن سعيد بن منصور ٣٥٢ /١٥/٣ بسند صحيح
(٣) صحيح مسلم ١٧٢/٧
(٦) (٧) مدارج السالكين لابن القيم ٣٦٤/١
(٢) الكامل لابن عدي ١٣/١
(٤) (٥) لسان العرب ٧٠٩/١
١١٦
:

وقال ابن تيمية :
( ان الكذب كانوا يطلقونه بازاء الخطأ كقول عبادة : كذب أبو محمد . لما قال : الوتر واجب . وكقول
ابن عباس : كذب نوف ، لما قال : صاحب الخضر ليس موسى بني اسرائيل.) (١)
وكذلك قولهم : زعم، فالعرف الحالي يستعمل زعم في حالات الشئ في صدق الراوي أو ترجيح كذبه ،
بينما كانوا يستعملونها سابقاً بمعنى الإخبار فقط ، كقول جابر رضي الله عنه: (زعم أبو سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (٢)، وسرد حديثاً، وأبو سعيد من أفاضل الصحابة، وجابر أرفع حالاً
من أن يشك بصدق أبي سعيد ، لكنها اصطلاحابهم .
ومنه قول زينب امرأة ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم : ( زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت
به عليهم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق.) (٣)، وقول الزهري:
زعم محمود بن الربيع الانصاري أنه سمع عتبان بن مالك (٤).
( وأنشد بن الاعرابي لأمية في الزعم الذي هو حق :
وإني أذين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم .) (٥)
قول الزبير : صدق . كذب .
وبهذا التقرير لمعاني كذب وزعم في لغة الأقدمين نستطيع أن نفسّر قول الزبير رضي الله عنه في بعض
أحاديث أبي هريرة : إنها كذب ، إن صح أنه قالها .
ذكر الشيخ المعلمي رحمه الله أن في البداية والنهاية (٦) ( عن ابن اسحاق ، عن عمر أو عثمان بن عروة
ابن الزبير ، عن عروة ، قال : قال لي أبي ، الزبير : أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فانه يكثر
الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث ، وجعل الزبير يقول :
صدق . كذب . صدق . كذب . قال : قلت : يا أبت ما قولك : صدق . كذب ؟ قال : يا بني : أما أن
يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلا أشك فيه ، ولكن منها ما يضعه على مواضعه
ومنها ما وضعه على غير مواضعه .)
(١) مجموع الفتاوى ٢٦٦/٣٢
(٣) البخاري ١٤٢/٢
(٥) لسان العرب ٢٦٤/١٢
(٢) مسلم ١٨٤/٧
(٤) البخاري ٧١/٢
(٦) البداية والنهاية ١٠٩/٨
١١٧

يقول المعلمي معقباً : (في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تقرؤون هذه الآية: ( يا أيها الذين
آمنوا عليكم أنْفُسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم) الآية، وانكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمّهم بعقابه. إنظر
تفسير ابن كثير (١) ، فالوضع على غير الموضع ليس بتغيير للفظ ، فان الناس لم يغيروا من لفظ الآية شيئاً ،
وإنما هو الحمل على المحمل الحقيقي . ومثال ذلك في الحديث أن يذكر أبو هريرة حديث النهي عن الادخار
من لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، وحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت (٢) ، فيرى الزبير أن
النهي عن الادخار إنما كان لأجل الدافة (٣) ، وأن النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان إذ كانوا حديثي
عهد بشرب الخمر ، لأن النبيذ في تلك الآنية يسرع اليه التخمر ، فقد يتخمر فلا يصبر عنه حديث العهد
بالشرب ، ونحو ذلك ، وإن أبا هريرة اذ أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه ، وذلك وضع له على
غير موضعه ، ففي القصة شهادة الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل ، فأما أخذه عليه فلا يضرّه ، فإن في
الأحاديث الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمفيد ، وقد يعلم الصحابي هذا دون ذاك ، فعليه أن يبلغ ما
سمعه ، والعلماء بعد ذلك يجمعون الاحاديث والأدلة ويفهمون كلاً منها بحسب ما يقتضيه مجموعها.) (٤)
ومع قوة هذا الدفاع ، ومع تضمّن الكلمة ذاتها تبرئة أبي هريرة من الكذب، فان الكلمة هذه لا تصح عن
الزبير ، إذ يرويها عن ابن اسحاق محمد بن سلمة ، ( فإن كان محمد بن سلمة بن قرباء البغدادي أو محمد بن
سلمة بن كهيل أو محمد بن سلمة البناني أو ابن فرقد، فهؤلاء كلهم متروكون وضعاف ، فان كان من جهة
واحد منهم فالخبر ضعيف ، ولو كان واحداً غير هؤلاء فهو مجهول .) (٥) .
وإني لأرى القصة موضوعة ، إذ الزبير قتل يوم الجمل ، وأبو هريرة لم يكثر إلا بعد ذلك الوقت ، ثم إن
الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريبه، وكان معه ويرى أبا هريرة، ولا أراه يقول : هذا اليماني،
كأنه يقول : هذا اليماني الذي دخل المدينة البارحة .
ثم إن ابنه عروة من الرواة عن أبي هريرة ، كما ذكرنا ، فلو كان الزبير كذبه في تلك الحادثة فلم يرو عنه
عروة في الوقت الذي كان هو دون غيره من أبناء الزبير قائد أبيه في تلك الحادثة ؟ ثم هشام بن عروة هذا من رواة
حديث أبي هريرة في الصحيحين كما تبين الخوارط ، فهل لم ينتبه ؟
والزهري المعروف بجمع حديث أبي هريرة ونشره يروي عن أبناء الزبير ، عروة وغيره ، فلم لم يخبروه
بتكذيب الزبير له ؟
(١) التفسير ٢٥٧/٣، وهو في مسند احمد .
(٢) الدباء : هو القرع الكبير المجوف يتخذ آنية . والنقير :
هو كعب النخلة ينقر فيصير اناء، والمزفت: ماطلي
بالزفت .
(٤) الانوار الكاشفة للمعلمي ص ١٧١
(٣) الدافة : هم الاعراب الذين كانوا يقدمون المدينة عند عيد
الاضحى ، فنهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن ادخار
لحوم الاضاحي من أجل التصدق بها على هؤلاء الاعراب
القادمين . انظر لسان العرب ١٠٥/٩
(٥) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٩٩
١١٨
:

لا جواب ، ولا نسمع من أبي رية وعبد الحسين ركزاً .
ومن أعجب الصلافة أن أبارية نقل من القصة قوله : صدق . كذب ، فقط ، ولم ينقل بتميتها لتضمنها
نفي الشك .
الراشدون لم يكذبوا أبا هريرة
وأما ما قيل من تكذيب عمر وعثمان رضي الله عنهم لأبي هريرة فكله كذب وبهتان ادعاه النظام المعتزلي ،
فانه قد ( ذكر أبا هريرة فقال: اكذبه عمر، وعثمان، وعلي.) (١). أو ادعاه أبو جعفر الاسكافي، المعتزلي
الضعيف ، الذي يسوق الاخبار بلا أسانيد ، أو ادعاه بشر المريسي ، المبتدع الجهمي ، أو مما ذكره أبو القاسم
البلخي بلا أسانيد ، ولم يثبت من ذلك حرف واحد من طريق الثقات .
ولا بد لنا أن نفقه أمراً مهماً هنا ، وهو أن كلام النظام وهؤلاء في أبي هريرة وجرحهم إياه كان جزءاً من
الفتنة الاعتزالية الجهمية الباطنية الشعوبية التي امتحنت بها الأمة أوائل القرن الثالث الهجري ، ذلك أن جموع
المبتدعة ، وفلول المجوس ، وأعداء العقيدة الاسلامية الذين حاربوها بترجمة كتب فلاسفة اليونان ، وبعضهم
من المترجمين اليهود ، أفلحوا كلهم في استمالة المأمون سنة ٢١٨ هـ فقال بقولهم في خلق القرآن وبأقوال أخرى
زائغة ، واستغلوه ، وزينوا له تقليد المناصب الى من يقول بأقوالهم ، ومحاربة العلماء الذّابين عن سنة النبي صلى
اللّه عليه وسلم ، وتمكنوا من دفع أحمد ابن أبي دؤاد ليكون وزيراً للمأمون وقاضياً للقضاة ، فأشرف على تنفيذ هذه
العملية ، وخاض الامام المبجل البطل أحمد بن حنبل وحزبه من فحول العلماء حرباً طويلة صعبة مع المأمون
وهؤلاء المبتدعة ، ثم مع المعتصم والواثق اللذين نهجا نفس منهج المأمون ، وكانت أياماً سوداء ، تضمخ بعض
أبطال سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بدم الشهادة فيها ، وسجن آخرون ، وشرد الكثيرون الى مصر وإلى
خراسان التي كانت آنذاك مهد العقيدة الصافية وكان أمراؤها الطاهريون لم يبتدعوا فيما أرى، وعزل الكثيرون
أيضاً ممن هم من حزب الإمام أحمد عن وظائفهم فغدوا جياعاً ، واستمرت حرباً رهيبة كادت الأمة فيها أن
تضلّ لولا ثبات الإمام أحمد ورفضه الاذعان لقول المعتزلة والجهمية وتحمله العذاب الشديد ، وكان قادة الفتنة ،
كابن أبي دؤاد والنظام وبشر المريسي وأضرابهم ، كلما زاد المؤمنون ثباتهم وأتوهم بأحاديث صحاح يفندون فيها
أقوالهم الابتداعية ، زادوا هم ، لعنهم الله، من تكذيب رواتها من الصحابة والتابعين، فمن ثم نشأ تكذيبهم لأبي
هريرة ، باعتباره من أكثر الصحابة إيراداً للأحاديث العقائدية التي تفضح بدعتهم ، ومن ثم وصف المستشرقون
عصر المأمون بأنه العصر الذهبي ، لأنهم إنما ينقدون التاريخ وفق مفهومهم وما يحقق غاياتهم ، وقد كان حقاً عصراً
ذهبيا بالنسبة لهم ، حاول المأمون فيه إطفاء مصابيح الهدى وإمالة الأمة عن قرآنها إلى قذارات فلاسفة اليونان .
وقد استمرت هذه المحنة الصعبة أربعة عشرة سنة ، وجاء المتوكل فنهج في أوائل خلافته نهج أسلافه في
(١) تأويل مختلف الحديث ص ٢٢
١١٩

التنكيل بحزب الامام أحمد ، ولكن ثبات الدعاة إلى الحق هذه المدة الطويلة قذف في قلب المتوكل رحمه الله
معاني التطلع إلى حقهم ، فتطلع ، وأصغى ، فانتفض سنة ٢٣٢ هـ، وأحدث انقلاباً شاملاً داخل دولته ،
نصر فيه أهل الحق ، وأبعد فيه كل العناصر الفاسدة وأولها ابن أبي دؤاد ثم صادر أمواله ، فمات كمداً بعد ثلاثة
أيام ، وأبى الله إلا أن يحفظ دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسمعة رواتها ، وثبتت الأمة على عقيدتها ، وقدم
أولئك الرهط الفاضل من الدعاة ثمن ذلك رؤوساً وجوعاً ورسفاً في الأغلال وتشرداً ، ودونوا بثباتهم ذاك قانون
دعاة الاسلام الحق في الأجيال التي تليهم ، واستمر أمر العقيدة في عز ، وأمر البدع في خمود ، حتى جاء
القادر بالله ابن إسحق بن جعفر المقتدر باللّه، وكان فقيها، ودون كتاباً في العقيدة أقرّه عليه علماء الأمة،
واستنسخ منه الكثير وبعثه إلى القرى والأمصار ، وألزم الأمة أن تعتقد بتلك العقيدة ، فماتت بدعة الاعتزال
والتجهم نهائياً .
وذكر الخطيب أنه من الموصوفين بـ ( الستر والديانة وادامة التهجد بالليل ، وكثرة البر والصدقات ، على صفة
اشتهرت به ، وعرف بها عند كل أحد ، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد ، وكان صنف كتاباً في الاصول
ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث ، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز ،
وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن ، وكان الكتاب يقرأ كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ،
ويحضر الناس سماعه ، وتوفي القادر باللّه في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين
وأربعمائة ... ، وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، ولم يبلغ هذا القدر في الخلافة غيره.)(١)
ولو تفحّصنا سيرة أولئك المفتونين لوجدناها تماماً كسيرة أعداء أبي هريرة الآن، من قلة الورع، واقتراف
الآثام ، واتباع الشهوات ، وخدمة الأجنبي .
فقائدهم أحمد ابن أبي دواد بدأ حياته معدماً ، ولما عزله المتوكل وحاسبه وجد أنه يملك عشرات الضياع
والبساتين العامرة ، وثروة لا تحصى ، نهبها وصادرها .
وأما النظام فيكفينا في التعريف به قول ابن قتيبة ، الثقة المعاصر له . يقول : ( وجدنا النظام شاطراً من
الشطار ، يغدو على سكر ، ويروح على سكر ، ويبيت على جرائرها (٢)، ويدخل في الأدناس ، ويرتكب
الفواحش والشائنات ، وهو القائل .
وأستبيح دماً من غير مجروح
ما زلتُ آخذُ روح الزِقِّ في لُطُفٍ
حتى انثنيتُ ولي روحان في جسدي
والزقُ مُطْرِحٌ جسمٌ بلا روح.) (٣)
(١) تاريخ بغداد ٣٧/٤
(٣) تأويل مختلف الحديث ص ١٧
(٢) لم يستبعد محقق الكتاب ان تكون (جرائره) جمع جريرة ،
وهي الذنب ، وانا اراها ( جرارها ) ، اي جرار الخمر .
١٢٠
:
: