النص المفهرس
صفحات 81-100
النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى أهله حتى يظهر أمر الاسلام ، فلما كانت الهجرة وفد إلى المدينة ، ثم سأل عن الصلاة فعلّمه الرسول صلى الله عليه وسلم إياها وعلّمه الوضوء ، فجعل يحدث بذلك بعد ، فحدث (أبا أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة: انظر ما تقول!)، فقال عمرو : (يا أبا أمامة: لقد كبرت سي، ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسول الله ، لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً - حتى عدّ سبع مرات - ما حدثت به أبداً ، ولكني سمعته أكثر من ذلك.) (١) . وهذا يزيد بن حيان يحدثنا عن زيد بن أرقم رضي الله عنه فيقول : ( شهدت زيد بن أرقم وبعث اليه عبيدالله بن زياد فقال : ما أحاديث بلغني عنك تحدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزعم أن له حوضاً في الجنة ؟. فقال : حدثنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدناه . فقال : كذبت ولكنك شيخ قد خرفت . قال : أما إنه سمعته أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني وسمعته يقول : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، وما كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.) (٢). أفكانا كاذبين ؟ وهذا علي رضي الله عنه يقول: ( إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخِرَّ من السماء أحبّ إلي من أن أكذب عليه.) (٣). وهذا أبو ذر ينفي الكذب عن نفسه فيما أخرجه الحاكم عن مطرّف بن عبد الله بن الشخيّر قال: كان يبلغني عن ابي ذر حديث ، فكنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت : يا أبا ذر: كان يبلغني عنك حديث ، فكنت أشتهي لقاءك. قال : لله أبوك، فقد لقيتني. قال: قلت: حدثني. بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثك قال : إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة . قال: فلا أخالي أكذب على خليلي. قال : قلت هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال : رجل .. ) فعددهم (٤) فهل نستدل من ذلك على أن أبا ذر كذاب لأنه نفى عن نفسه الكذب وهو الذي لم يكن محتاجاً لتركية أحد بعد ما قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما أقلّت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)) وهذا البراء بن عازب ينفي عن نفسه الكذب فيقول بعد أن يروي حديثاً : ( ما كل ما تحدثكم عن (١) مسلم ٢١٠/٢، المستدرك ١٦٥/١، مسند أحمد ١١٢/٤/ (٢) مستدرك ٧٧/١ بسند صحيح أقره الذهبي مشكل الآثار ١٧٠/١ ١١٤ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٤/١ ونسبه إلى معجم الطبراني الكبير والبزار ، ورجاله رجال الصحيح ، وكذا إلى مسند أحمد : (٣) مسند أحمد ٢٤٥/٢ بتحقيق أحمد شاكر، بسند صحيح، (٤) مستدرك٨٩/٢ بسند صحيح اقره الذهبي ، مسند أحمده/١٧٦ مسند أبي عوانة ٧٧/٤ ٨١ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا، ولكننا لا نكذب (١) ، وفي لفظ الحاكم: ( ليس كلنا سمع حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كانت لنا ضيعة وأشغال ، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب.) (٢). وكذلك أنس رضي الله عنه، فعن حميد قال: ( كنا مع أنس بن مالك فقال : والله ما كل ما تحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضاً. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح .) (٣). ويقول تابع التابعين أبو بكر بن عياش بعد أن روى حديثاً عن أبي اسحاق عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود: ( والله ما كذبت على أبي اسحاق ، ولا أرى أبا اسحاق كذب على أبي وائل ، ولا أرى أبا وائل كذب على عبدالله.) (٤) . أما إنهم رضي الله عنهم استوقفوا أبا هريرة وناظروه ، أو استنكروا بعض حديثه فاضطر للدفاع عن نفسه ، فتلك كانت مسالكهم فيما يبدو لي لتنبيه الثقة إلى ضرورة الاتقان ، كما فعلوا بعمرو بن عبسة رضي الله عنه. إنكم لتأتون أمراً عظيماً سيشدد اللّه حسابكم عليه أيها المكذبون للصحابة، وإن لكم ولأبي هريرة لموقفاً أمام جبار منتقم . ولندع كل هؤلاء ، ألم ينف الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه الكذب ؟ أسمعه يقول : (اذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به ، فاني لن أكذب على الله عز وجل .) (٥) . أفرسول الله صلى الله عليه وسلم يفصح عما في باطنه من الكذب بصورة نفيه ؟ حاشاه وهو الصادق المصدوق . إنه تفسير لئيم مسموم لأقوال أبي هريرة . نعم إنه تفسير لئيم يتجاهل أن أبا هريرة إن انكرت عليه بعض الأحاديث واستوثقوا منه حولها أو أنكر عليه الإكثار فليس هو في ذلك إلا واحداً من رهط من افاضل الصحابة تعرضوا لمثل هذا الإنكار ثم تأيد صدقهم. من ذلك ما أخرجه النسائي بسند صحيح من قصه تيمّم عمار في غزوة كان فيها مع عمر رضي الله عنهما بتمرغه في التراب وقول الرسول صلى الله عليه وسلم إليهما بعد رجوعهما : (إن كان الصعيد لكافيك، (١) أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٤٠٨/١ بسند صحيح إلى البراء ، وهو في تاريخ ابن أبي خيثمة ص ٥١ (٣) مجمع الزوائد ١٥٣/١، تاريخ ابن أبي خيثمة ص ٥١ (٥) مسلم ٩٥/٧ (٢) مستدرك ١٢٧/١ بسند صحيح أقره الذهبي (٤) مستدرك ٢٩٩/٢ ٨٢ وضرب بكفيه إلى الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه .) ثم كانت مدة فاستفتي عمر في خلافته في التيمم فذكره عمار بهذا فقال عمر: ( اتق الله يا عمار. فقال: يا أمير المؤمنين : إن شئت لم أذكره . قال : لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت .) (١). قال السيوطي : ( قوله : ولكن نوليك : كأنه ما قطع بخطئه ، وإنما لم يذكره فجوّز عليه الوهم وعلى نفسه النسيان.) (٢). وعلى كلٍ فان عمر (لم يقنع بقول عمار) كما يقول عبدالله بن عمر. (٣). فهل كان ذلك تكذيباً لعمار وهو من نعلم في قدم إسلامه وحبه لعلي رضي الله عنه واستشهاده معه ؟ إن الصحابة رضي الله عنهم كان يرد بعضهم بعضاً وينسون ، ويحصل عندهم الوهم والنسيان وغير ذلك ، وهل أبو هريرة إلا أحدهم ؟ ومن ذلك ما عرف عن عمر أيضاً من أنه كان يستوثق المحدث . أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : ( كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً . قلنا : ما شأنك ؟ قال : إن عمر أرسل إليّ أن آتيه ، فأتيت بابه ، فسلّمت ثلاثاً فلم ترد علي فرجعت فقال : ما منعك أن تأتينا ؟ فقلت : اني أتيتك فسلّمت على بابك ثلاثاً ، فلم يردوا علي فرجعت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع . فقال عمر : أقم عليه البينة وإلا أوجعتك . فقال أبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم . قال أبو سعيد: قلت : أنا أصغر القوم . قال : فاذهب به .) (٤)، وفي لفظ آخر لمسلم: ( فأتى أبو موسى الأشعري) ولفظ (لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا .) ولفظ (فلاجعلنك عظة) ولفظ (فجعلوا يضحكون) قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع تضحكون ؟ انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة . ثم قال عمر ( أحببت أن أتثبت . ) (٥) . وفي لفظ البخاري لهذه القصة أن عمر قال بعد ذلك : ( أخفي علي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألهاني الصفق بالأسواق . يعني الخروج إلى تجارة .) . وفي لفظ أبي داود أن عمر اعتذر فقال لأبي موسى : (إني لم أتهمك ، ولكن الحديث عن رسول الله صلى (١) نساني ١٦٩/١، أبو داود ٧٨/١ (٣) نسائي ١٧١/١ (٥) مسلم ١٨٠/٦ (٢) هامش النسائي (٤) مسلم ١٧٧/٦، البخاري ٦٩/٣، ١٣٣/٩، ورواية مسلم أوضح ، وانظر كذلك ابا داود ٦٣٧/٢ ٨٣ اللّه عليه وسلم شديد.) وله أيضاً: ( أما إني لم اتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم.) فهم هكذا كانوا يحاسبون الثقات ليرتهب من يريد الكذب . قال المعلمي: ( قد ثبت عن عمر الأخذ بخبر الواحد في أمور عديدة - من ذلك أنه كان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحّاك بن سفيان الكلابي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ، فرجع إليه عمر . وعمل بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده في النهي عن دخول بلد فيها الطاعون ، وعمل بخبره وحده في أخذ الجزية من المجوس . وهذا كله ثابت . راجع رسالة الشافعي ص ٤٢٦ . وفي صحيح البخاري وغيره عن عمر أنه قال لابنه عبدالله: إذا حدثك سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فلا تسأل عنه غيره ، وكان سعد حدث عبدالله حديثاً في مسح الخفين . فأما قصة أبي موسى فإنما شدد عمر لأن الاستئذان مما يكثر وقوعه ، وعمر أطول صحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأكثر ملازمة وأشد اختصاصاً ولم يحفظ هو ذلك الحكم فاستغربه .) ثم قال: (قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالاسلام فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة والرهبة طلباً للمخرج مما يدخل فيه فأراد أن يعلمهم.) (١) . ومن أمثلة انكارهم أيضاً أن ابن عباس حدث عبدالله بن شقيق العقيلي حديثاً في الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . يقول ابن شقيق : ( فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. ) (٢) . فهل هذا تكذيب لابن عباس ؟ وهل لأن أحداً حاك في صدره شيء من بعض حديث ابن عباس يجب التشكك بحديثه وتكذيبه ؟ إن أبا هريرة لم تزد حاله على أن استغرب البعض حديثه فحاك في صدورهم شيء فسألوا فأيّد الصحابة الآخرون حديثه . وقصة أخرى حدثت لابن عباس يروي فيها طاوس استغراب زيد بن ثابت رضي الله عنهم لبعض فتوى ابن عباس، (فقال له ابن عباس: أمّا لا فسل فلانة الأنصارية : هل أمرها بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت.) (٣). فهل ما أنكر على أبي هريرة إلا من هذا القبيل الذي يظهر بعد أن الصواب فيه معه ؟ (١) الانوار الكاشفة ص ٦٧ (٣) صحيح مسلم ٩٣/٤ (٢) مسلم ١٥٣/٢ ٨٤ : وعن عبد الملك بن عمير قال : ( حدثني قزعة أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . قال : فأعجبني ، فدنوت منه ، وكان في نفسي ، حتى أتيته فقلت : أنت سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: فغضب غضباً شديداً، قال: فأحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمعه ؟ نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ) (١). وحدث الخدري رضي الله عنه في أخرى بحديث طويل في عذاب جهنم فيه معان غريبة ، وكأنه رأى استغراب البعض فقال : ( إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤا إن شئتم: ان الله لا يظلم مثقال ذرة). (٢). أفيجوز أن تتهمه بالكذب لقوله هذا ؟ وحدث أبو أمامة رضي الله عنه بحديث فقيل له : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : ( بل كنا في قوم ما كذبونا ولا كذبنا .) (٣) ومثل ذلك مسارعة الرواة من التابعين إلى نفي الكذب عن الصحابة الذين حدثوهم، كقول جرير بن حازم: (سمعت الحسن يقول . حدثنا جندب بن عبداللّه في هذا المسجد ، ما نسيناه منذ حدثنا ، وما نخشى أن جندباً كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.)(٤) وكقول عبدالله بن يزيد: (حدثني البراء وهو غير كذوب.)(٥) وروي أن علياً رضي الله عنه كان يستحلف المحدث ، فيقول : (إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فاذا حلف لي صدقته. ) (٦)، رواه عنه أسماء بن الحكم الفزاري وهو ثقة يخطىء (٧)، وقال ابن عدي : ( هذا الحديث طريقة حسن وأرجو أن يكون صحيحاً . ) (٨) إلاّ أن البخاري أنكره ، وقال: إن أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قد روى بعضهم عن بعض ولم يحلف بعضهم بعضاً.) (٩). وتبعه العقيلي في إنكاره مستشهداً بأن علياً سمع من عمر فلم يستحلفه (١٠) ، وتبعهم ابن حجر محتجاً بأنه قد ( جاءت عنه رواية عن المقداد وأخرى عن عمار ورواية عن فاطمة الزهراء رضي الله عنهم وليس في شيء من طرقهم أنه استحلفهم ) (١١) إلا أننا على فرض ثبوت سلوك علي رضي الله عنه لهذا المسلك حين سماعه حديثاً : هل لنا إلا أن نحمل مسلكه على أنه مسلك احتياطي يبتغي به التثبيت ولا يعني به احتمال كذب الراوي ؟ إن عبارة علي رضي الله عنه شاملة تشمل كل الصحابة ، وهو أرفع من أن يتوقع الكذب من الصحابة جميعاً (١) مسند أحمد ٥١/٣ بسند صحيح (٣) مسند أحمد ٢٦٨/٥ (٥) البخاري ١٦٨/١ (٨) الكامل لابن عدي ص ١٥٠ (٩) التهذيب ٢٦٧/١ (٢) مسلم ١١٦/١ (٤) مسند أبي عوانه ٤٦/١ (٦) التر مذي ١٩٦/٢ وقال: حديث حسن (٧) ثقات ابن حبان ص ١٦ (١٠) (١١) التهذيب ٢٦٨/١ ٨٥ بلا استثناء بما فيهم المهاجرين الأولين وأهل العقبة ، لكنه التوثق والتثبيت ودعوة الراوي إلى الإتقان . يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله: ( أما أن الصحابة كان يشك بعضهم في صدق بعض فهذه دعوى لا برهان لها إلا في كتب الروافض من غلاة الشيعة الذين نقلوا عن علي رضي الله عنه تكذيبه لمن خالفه من الصحابة وسبه لهم وإطلاق لسانه فيهم ، ولكن النقل الصحيح والتاريخ النزيه عن أهواء ذوي الغايات يثبت ببيان لا غموض فيه أن الصحابة كانوا أبعد الناس عن أن يسب بعضهم بعضاً ، أو يشك بعضهم في صدق بعض ، والأدلة على هذا متوافرة جداً ، فقد كان الصحابي إذا سمع من صحابي آخر حديثاً صدق به ولم يخالجه الشك في صدقه وأسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما لو كان سمعه بنفسه.) (١). ٠ ٠ ٠ ويمكن أن نجد تفسيراً آخر لإنكار الصحابة رضي الله عنهم الإكثار على أبي هريرة ، غير متكلف ولا ظالم ولا مرجح لنظرة السوء ، يبرز لنا من خلال ما يؤثر عنهم من التوقّي والحذر الشديد في الرواية ولجوئهم إلى قلة التحديث وعدم الإكثار ، لخوفهم من الخطأ ، في الحين الذي استرسل أبو هريرة في سرد مسموعاته ، غير هياب مثلهم ، لوثوقه بحفظه وذاكرته . فلا غرابة أن نجد الذي يرى اكثاره واقلال الآخرين مستنكراً لا كثاره ، خصوصاً إذا كان صحابياً واقفاً عند ظاهر الأحاديث التي تأمر بعدم الإكثار في الرواية مرجحاً لها على الأحاديث الأخرى التي تحث على التبليغ ورفع الحرج عن التحديث ، أو غير سامع لهذه الأحاديث الأخرى . أخرج الحاكم عن عبدالله بن مسعود (أنه حدث يوماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتعد وارتعدت ثيابه ، ثم قال : أو نحو هذا .) وأخرجه بسند آخر ثم قال : ( هذا حديث من أصول التوقي عن كثرة الرواية والحث على الاتقان .) (٢). ومثله ما أخرجه عن أحد أصحاب ابن مسعود قال : ( ما أخطأني عشية خميس إلا أتيت فيها ابن مسعود فما سمعته لشيء يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظرت إليه فإذا هو محلول أزار قميصه ، منتفخ أوداجه ، مغرورقة عيناه ، ثم قال : هكذا أو فوق ذا أو قريب من ذا ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (٣). وأخرج الدارمي عن ثابت بن قطبة الأنصاري قال : (كان عبدالله يحدثنا في الشهر بالحديثين أو الثلاثة) (٤). وعثمان أيضاً رضي الله عنه يتحرج من التحديث، ويفصح عن سبب ذلك فيقول : (ما يمنعني أن أحدث (١) السنة ومكانتها ص ٢٤١ (٣) المستدرك ١١١/١، الدارمي ٨٣/١ (٢) المستدرك ١١١/١ بسند صحيح أقره الذهبي (٤) الرمني) ٨٤/١ ٨٦ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون أوعى أصحابه عنه ، ولكني أشهد لسمعته يقول: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار .) (١). وكذلك يروي لنا الشعبي إقلال ابن عمر فيقول : ( لقد صحبت ابن عمر سنة ونصفاً ، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً.) (٢). ويؤكده الشعبي مرة أخرى فيقول في نفس الحديث : ( قد قاعدت ابن عمر قريباً من سنتين ، أو سنة ونصفاً ، فلم أسمعه . روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم غير هذا.) (٣). وهو مسلك الزبير أيضاً ، إذ أخرج أبو داود عن عبدالله بن الزبير قال : ( قلت للزبير : ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث عنه أصحابه ؟ قال: أما والله لقد كان لي منه وجه ومنزلة، ولكني سمعته يقول : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار .) (٤) . ويروي لنا السائب بن يزيد اقلال سعد رضي الله عنه فيقول: (صحبت سعد ابن أبي وقاص كذا وكذا سنة ، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً. ) (٥) ، وفي لفظ الدارمي : (خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة.) (٦)، ومع ذلك فان لسعد أحاديث كثيرة في دواوين الإسلام ، والظاهر أنه كان لا يحدث إلا وقت الحاجة ، وقد أطنب المعلمي اليماني رحمه الله في بيان سبب إقلاله . و (كان أنس قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله وسلم قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (٧)، (ومع ذلك فانس من المكثرين لأنه تأخرت وفاته ، فاحتيج اليه ... ، ولم يمكنه الكتمان، ويجمع بأنه لو حدث بكل ما عنده لكان أضعاف ماحدث به. ) (٨) وأبو قتادة رضي الله عنه يقل الرواية أيضاً ، ثم يذكر لفظاً لم يذكره هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم هو السر في إقلالهم وإقلاله ، فيقول مجيباً عبد الرحمن بن كعب بن مالك إذ طلب منه التحديث : ( أخشى أن يزل لساني بشيء لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم وكثرة (١) مسند أحمد ٣٦٤/١ بسند صححه أحمد شاكر، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣/٢٠٩/ق٢، والطحاوي في مشكل الآثار ١٦٦/١ (٣) البخاري ١١٢/٩، مسلم ٦٧/٦، مسند أبي عوانة ١٧٢/٥، مسند أحمد ٣٠٩/٧ بتحقيق أحمد شاكر ، الدارمي ٨٤/١، وروى الدارمي ايضاً ٨٦/١ عن مجاهد اقلال ابن عمر (٨) الفتح ٢١١/١ (٢) مسند أحمد ٩٨/٩ بسند صححه أحمد شاكر (٤) ابو داود ٢٨٧/٢ بسند صحيح ، ابن ماجة ١٤/١ (٥) المستدرك ٤٩٧/٣ بسند صحيح أقره الذهبي. (٦) الدارمي ٨٥/١ (٧) المستدرك ٥٧٤/٣ بسند صحيح اقره الذهبي ٨٧ الحديث عني ، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار .) (١) . ومثلهم زيد بن أرقم رضي الله عنه، فقد قال حصين بن سبرة له : (لقد لقيت يازيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت معه، لقد رأيت يازيد خيراً كثيراً ، حدثنا يازيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني ، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقباوه ، وما لا .. فلا تكلفونيه . ) (٢) . ويقول قيس بن بشر التغلبي : ( أخبرني أبي ، وكان جليساً لأبي الدرداء ، قال : كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له : ابن الحنظلية ، وكان رجلاً متوحداً قلّما يجالس الناس ، إنما هو في صلاة ، فاذا فرغ فانما يسبح ويكبّر ، حتى يأتي أهله ، فمر بنا يوماً ونحن عند أبي الدرداء ، فقال له أبو الدرداء : كلمة تنفعنا ولا تضرك .) (٣) ، فحدثهم. وعن العلاء بن سعد بن سعيد قال : ( قيل لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: مالك لا تحدث كما يحدث فلان وفلان ؟ فقال : مالي ألا أكون سمعت مثلما ما سمعوا وحضرت مثل ما حضروا ، ولكن لم يدرس الأمر بعد ، والناس متماسكون ، فأنا أجد من يكفيني ، وأكره التزيد والنقصان في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .) (٤). فهذا دستور المقلين : إنهم وجدوا من يكفيهم ، وكرهوا الزيادة والنقصان . و (عن عمران بن حصين قال : سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحاديث سمعتها وحفظتها ، ما يمنعني أن أحدث بها إلا أن أصحابي يخالفوني فيها.) (٥) . ويقول عمران بن حصين أيضاً لمطرف بن عبدالله بن الشخير: ( أي مطرف. والله إن كنت لأرى أني لو حدثت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم يومين متتابعين لا أعيد حديثاً، ثم لقد زادني بطأٌ عن ذلك وكراهية له أن رجالاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - شهدت كما شهدوا وسمعت كما سمعوا ، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون ، ولقد علمت أنهم لا يألون عن الخير ، فأخاف أن يشبّه لي كما شبّه لهم . فكان أحياناً يقول : لو حدثتكم أني سمعت من نبي الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا رأيت أني قد صدقت، وأحياناً يعزم فيقول: سمعت نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول كذا وكذا.)(٦) (١) المستدرك ١١٢/١ بسند صحيح أقره الذهبي، مشكل (٢) مسند أحمد ٣٦٦/٤ بسند صحيح، ابن ماجة ١١/١ الآثار للطحاوي ١٧٢/١ بألفاظ مقاربة (٣) مسند أحمد ١٧٩/٤ (٥) مجمع الزوائد ١٣١/١ وقال : رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون (٤) الزهد لعبد الله بن المبارك ص ٢٠ (٦) مسند أحمد ٤٣٣/٤، تأويل مختلف الحديث ص ٤٠ : ٨٨ وأول باب عقده ابن عدي في كتابه الكامل هو باب: ( من أقلل الرواية عنه مخافة الزلة. ) (١)، أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج فيه أقوالاً مماثلة لهذه عن أبي قتادة وأنس وعثمان، وصهيب وابن مسعود رضي اللّه عنهم . ثم تكلم في الباب الحادي عشر (٢) عن (من شدد من الصحابة الرواية عنه فرقاً من الكذب فيه وقال: كبرنا ونسينا .) ، أخرج فيه قول زيد بن أرقم الذي رويناه ، وأخرج فيه عن السائب بن يزيد أنه قال : (صحبت عبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله وسعد ابن أبي وقاص والمقداد بن الأسود ، فلم أسمع أحداً منهم يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أني سمعت طلحة بن عبيدالله يتحدث عن يوم أحد . ) . وعقد الباب السابع عشر (٣) لبيان (من اختار قلة الحديث وذم طلبه وكثرته طلب السلامة من الكذب. )، ذكر فيه أقوال بعض التابعين وأتباعهم ، كقول أيوب السختياني : ( ما قل من الحديث كان خير.) وأقوالاً في معناه عن عبيدالله العمري ، وشفي بن ماتع ، ومالك بن أنس ، وابن شبرمة الكوفي ، والثوري . ومثل هؤلاء عامر الشعبي ، أحد سادات التابعين ، إذ يقول : ( كره الصالحون الأولون الاكثار من الحديث ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث .) (٤) . وقال أحد التابعين : ( سألت الشعبي عن حديث فحدثنيه ، فقلت : إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : لا ، على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب الينا ، فان كان فيه زيادة أو نقصان كان عليّ من دون النبي صلى الله عليه وسلم. ) (٥) . وروي مثل هذا عن ابراهيم النخعي (٦) . وكذلك التابعي البصري الجليل جابر بن زيد ، إذ يقول أحد تلامذته : ( ما سمعت جابر بن زيد يقول قط : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إعظاماً واتقاءً ان يكذب عليه.) (٧). ويلاحظ أن كل هؤلاء إنما أقلوا الرواية من باب الاحتياط ولم يلتزموا السكوت المطبق ، بدليل أن دواوين السنة مملوءة بكثير من رواياتهم ، وإن كان هؤلاء الذين رووا سكوتهم لم يسمعوا فقد سمع غيرهم من الثقات ، وفي هذا رد على أبي رية الذي يروي شذوذ ابي هريرة عنهم بالتحديث . وكأني أرى أن كل هذا الرهط الفاضل من المقلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن (١) الكامل ج١ ص١ (٢) الكامل ج١ ص٤ (٣) الكامل جـ١ ص ٦ (٤) تذكرة الحفاظ ٨٣/١ (٥) (٦) الدارمي ٨٢/١ (٧) الدارمي ٨٦/١ ٨٩ التابعين قد بلغه مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك فوقفوا عنده وتأثروا به ، إذ ( كان عمر أيضاً شديداً على من أكثر الرواية ، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه ، وكان يأمرهم بأن يقلوّا الرواية ، يريد بذلك : أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ، ويقع التدليس والكذب ، من المنافق والفاجر والأعرابي.) (١)، فقال ( جردوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأنا شريككم . ) (٢)، وروي عنه إنه حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر في المدينة كي لا يتيح لهم فرصة الاكثار من الحديث خوفاً من الخطأ، رواه الحاكم ، وذكره الذهبي في مختصر المستدرك مما يدل على تصحيحه له (٣) ، إلا أن ابن حزم ضعف هذه الرواية ، وذكر انها منقطعة، وردها (٤). # # فكل هؤلاء كما نرى يكرهون الإكثار ، وما ذلك إلا لأن (الاكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سبباً للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الاكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الأثم إذا تعمد الإكثار. فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبيت، أو غالت أعمارهم واحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان، رضي الله عنهم.) (٥) كأبي هريرة رضي الله عنه . وبهذا يتبين لنا بطلان دعوى من استدل بقلة ما روي عن كبار الصحابة على كذب أبي هريرة إذ أكثر ، وإنما الكاذب هو، ذلك أنه : (انما قلّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج اليهم، وإنما كثرت عن عمر ابن الخطاب وعلي ابن أبي طالب لأنهما وليّا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ، ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدوها، فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل حديثاً عنه من غيرهم ، مثل أبي بكر، وعثمان وطلحة، والزبير ، وسعد ابن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن حضير ، ومعاذ بن جبل، ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل جابر بن عبدالله، وابي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبدالله ابن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن العباس، ورافع بن خديج ، وأنس بن مالك، والبراء ابن عازب، ونظرائهم،)(٦) (لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في الناس، فاحتاج الناس إليهم ، ومضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله وبعده بعلمه.)(٧) ( ومنهم من لم يحدث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعاً من الذي حدث عنه، ولكنا حملنا الأمر (١) تأويل مختلف الحديث ص ٣٩ (٣) المستدرك ١١٠/١ (٥) فتح الباري ١/ ٢١١ (٢) غريب الحديث لابي عبيد ٤٩/٤ (٤) الاحكام في اصول الاحكام ١٣٩/٢ (٦) (٧) طبقات ابن سعد ٣٧٦/٢ ٩٠ في ذلك منهم على التوقي في الحديث ، أو على أنه لم يحتج اليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار في الجهاد في سبيل الله، حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء.)(١) ويقول المعلمي رحمه الله : ( كان هناك عملان: الأول : التامي من النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني: الاداء. فأما التلقي فلم يكن في وسع الصحابة أن يلازموا النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة مستمرة، وإذا كان أنس وأبو هريرة ملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم لخدمته فلا بد أن يتلقيا من الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة ، على أن أبا هريرة ، لحرصه على العلم ، تلقى ممن سبقه إلى الصحبة ما عندهم من الحديث ، فربما رواها عنهم .) (٢). ( وأما الأداء فانما عاش أبو بكر زمن الاداء نحو سنتين مشغولاً بتدبير أمور المسلمين ، وعاش عمر مدة أبي بكر مشغولاً بالوزارة والتجارة ، وبعده مشغولاً بتدبير أمور المسلمين . وفي المستدرك ان معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم ، وسمى لهم أبا الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعود ، وعبدالله بن سلام ، فقال يزيد بن عميرة وعند عمر بن الخطاب ؟ فقال معاذ: لا تسأله عن شيء ، فانه عنك مشغول . وعاش عثمان وعلي مشغولين بالوزارة وغيرها ، ثم بالخلافة ومصارعة الفتن ، وكان الراغبون في طلب العلم يتهيبون هؤلاء ونظراءهم ، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أمناء ، فيكتفون بمن دون أولئك ، وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحتم عليهم التبليغ إلا عندما تدعو الحاجة ، ويرون أنه إذا جرى العمل على ذلك فلن يضيع شيء من السنة، لأن الصحابة كثير ، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعو الحاجة فيها إلى التبليغ كثير ، وفوق ذلك فقد تكفل الله عز وجل بحفظ شريعته ، وكانوا مع ذلك يشددون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحد منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهو معذور قطعاً ، بخلاف من حدث قبل الحاجة فأخطأ ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم ، ومع هذا فقد حدثوا بأحاديث عديدة ، وبلغهم عن بعضهم أنه يكثر من التحديث ، فلم يزعموا أنه أتى منكراً ، وإنما حكي عن بعضهم ما يدل أنه يرى الاكثار خلاف الأولى. ) (٢). ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم أنساً إلا عند خروجه إلى خيبر (٤)، وكان غلاماً راهق الحلم ، أي إن صحبته له بقدر صحبة أبي هريرة ، فهل يعاب عليه إ كثاره مع أنه كان صغيراً ؟ فان قيل إنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واطلع على أحواله الخاصة، قلنا : إن أبا هريرة أيضاً كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ولازمه في بيته ، وفي المسجد والصفّة ، والسوق ، كما رأينا . (١) طبقات ابن سعد ٣٧٦/٢ (٣) ٩٨/١ (٢) الأنوار الكاشفة ص ١٤١ (٤) البخاري ٤٣/٤ ٩١ وهذا أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه، أكثر أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه لم يقدم عليه إلا مع صحبه الأشعريين أيام خيبر (١) ، أي في نفس الأيام التي قدم فيها أبو هريرة ، فمدة صحبتهما واحدة . ٠٠٠ وإذن ، فان هذه الحقائق تجعلنا نقطع بصواب جرأة أبي هريرة على التحديث بعد إذ رأى القتل قد استحر في الصحابة ، واستهلكتهم الفتوح ، أو الفتن ، أو اعمال الدولة ، في الحين الذي كان هو بعيداً عن الفتن ، بعيداً عن أعمال الدولة ، بعيداً عن أكثر معارك الفتوح، معتقداً بأنه يسعه ما وسع بعض أفاضل الصحابة الذين رابطوا في عاصمة الدولة أو في الأمصار الجديدة معلمين ومبلغين ومنذرين . بل يمكن أن يقال إن أبا هريرة ما كان مخالفاً لمذهب عمر في الإقلال، اذ وجهه أبو عبيد فقال: (في قوله: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبين لك أنه لم يرد بتجريد القرآن ترك الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ، وقد رخص في القليل منه ، وهذا يبين لك أنه لم يأمر بترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أراد عندنا علم أهل الكتب ، للحديث الذي سمع من النبي عليه السلام فيه حين قال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ ومع هذا فانه كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث كثير.) (٢). فهو يريد أن لا تقرأ التوراة معه . ومثله قول ابن مسعود : جردوا القرآن . قال أبو عبيد : (قد ذهب به كثير من الناس إلى أن يتعلم وحده ويترك الأحاديث ، وليس لهذا عندي وجه ، وكيف يكون عبدالله أراد هذا وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث كثير.) (٣)، لكنه (أراد بقوله جردوا القرآن: أنه حثهم على أن لا يُتَعَلّم شيء من كتب اللّه غيره، لأن ما خلا القرآن من كتب الله يؤخذ عن اليهود والنصارى ، وليسوا بمأمونين عليها .) (٤). ثم إن الإكثار إذا أوقع صاحبه في زيادة لفظ أو نقصان لفظ فليس ذلك مما يوجب ترك التحديث وكتم العلم والانزواء ، وغاية ما أنكروه على أبي هريرة آنذاك زيادات أو نقصان ليس إلا، ورضي الله تعالى عن واثلة بن الأسقع إذ يقول له بعض أصحابه : ( حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه زيادة ولا نقصان . فغضب وقال: إن مصحف أحدكم معلق في بيته وهو يزيد وينقص.)(٥) ، وفي لفظ : ( فغضب واثلة وقال : المصاحف تجددون النظر فيها بكرة وعشياً وأنكم توهمون وتزيدون وتنقصون.) (٦) ، أي في حفظ (١) البخاري ١١٠/٤ (٣) (٤) غريب الحديث ٤٨/٤٧/٤ (٦) مشكل الآثار ٣١٦/١ (٢) غريب الحديث لابي عبيد ٤٩/٤، والتهوك هو التحير . (٥) المستدرك ٢١٢/٢ بسند صحيح أقره الذهبي ٩٢ القرآن ، فكيف بالحديث المحفوظ في الصدور في قلب رجل واحد لا في قلوب كل الأمة ؟ وهي حجة قوية من واثلة في تبرير الزيادة والنقصان ، فان لم يتقن أبو هريرة الحفظ أحياناً فليس ذلك بعيب كبير يسوغ ترك حديثه . نقول هذا تنازلاً وجدلاً ، وإلا فلا نجد للصحابة مخالفات لما يرويه أبو هريرة ، سوى مخالفات يسيرة كان الصواب فيها معه ، وكان من خالفه متعسفاً ، كحيان الأزدي حين أخبره مخبر أن أبا هريرة يقول إن الصلاة الوسطى هي العصر ، فقال : ( إن أبا هريرة يكثر، إبن عمر يقول: هي الصبح. ) (١) ، بينما تجد علي بن أبي طالب ، وحفصة وأم سلمة وعائشة ، أمهات المؤمنين ، وابن عباس ، وسمرة بن جندب ، وأبي بن كعب ، رضي الله عنهم ، وكثرة من التابعين ، يوافقون أبا هريرة في أنها العصر (٢)، ولم يخالفه الا عدد أقل من هؤلاء ، مما يدل على أن كونها العصر أرجح ، ورجحها البخاري . من هنا لم يأذن أبو هريرة لنفسه أن يقف موقف الاقلال الذي وقفه بعض الصحابة ، بل راح يعتد بنفسه ، ويشيد بحفظه ، كما مر معنا . والحقيقة أن أبا هريرة لم يكن هو الوحيد الذي يشيد بنفسه هكذا ، وإنما هم رهط من الصحابة وثقوا بأنفسهم فجرأوا ، كهشام بن عامر ، وأنس ، مع ما قيل في إقلال أنس . فعن أبي الدهماء ، وأبي قتادة قالا: ( كنا نمر على هشام بن عامر نأتي عمران ابن حصين ، فقال ذات يوم : إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أعلم بحديثه مني.) (٣). وعن ثابت البناني قال : ( قال أنس : يا أبا محمد : خذ عني ، فاني أخذت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، ولن تأخذ عن أحد أوثق مني.) (٤). فليس أبو هريرة بمبتدع اذن إن أشاد بحفظه ، خصوصاً وأنه قد تأيد حفظه بالألفاظ الكثيرة، التي يوافقه على روايتها عشرات الصحابة ، مما هو في دواوين الحديث ، وبالامتحان والاختبار الذي أجراه له مروان ورواه أبو الزعيزعة كاتب مروان . قال : ( بعث مروان إلى أبي هريرة وأجلسي من وراء الستر ، فجعل يسأله وأنا أكتب ، حتى كتبت حديثاً كثيراً ، فتركه سنة ثم أرسل اليه وأجلسي من وراء الستر ، فجعل يسأله وأنا أنظر في الكتاب ، فما زاد ولا نقص.) (٥)، (ولا قدم ولا أخر.) (٦) . (١) (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥٠٥/٢ (٤) المستدرك ٥٧٤/٣ (٦) المستدرك ٥١٠/٣ بسند صحيح . (٣) مسلم ٢٠٧/٨، مسند أحمد ١٩/٤ (٥) الكنى للبخاري ص ٣٣ ٩٣ : توثيق النّبِي بَُّ واصَحَابِه وَمِن بَعَدم لأبي هُربرة توثيق النبي صلى الله عليه وسلم له أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة حرصه على الحديث فيما أخرجه البخاري عنه قال: ( قلت يا رسول الله : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا اله الا الله، خالصاً من قبل نفسه . ) (١) . وأقر له أنه فيه خير فيما أخرجه الترمذي عنه قال : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : ممن أنت ؟ قال : قلت: من دوسٍ . قال : ما كنت أرى أن في دوس أحداً فيه خير . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب.) (٢). واعتمد ، صلى الله عليه وسلم مبلّغاً لأوامره فيما أخرجه عنه أبو داود بسند صحيح قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج فنادٍ في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد.) (٣). أقوال الصحابة في توثيقه ان هذه التوثيقات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم توثيقات قيمة، إضافة إلى ما تبعثر خلال فصول (١) البخاري ١٤٦/٨، ٣٥/١، ابن سعد ٣٦٤/٢، ٣٣٠/٤ المستدرك ٧٠/١ (٢) التر مذي ٢٢٧/١٣ (٣) ابو داود ١٨٨/١ ٩٥ الكتاب من مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ومشاربته ومؤاكلته له مما يعتبر توثيقاً ضمنياً له . لكن يرى المتعنت أن الأحاديث التي ساقها أبو هريرة في الفصل السابق وما في هذه الصفحة إنما هي من روايته فحسب ، ويتخذ ذلك دليلاً على أنه كان يفتعل لنفسه المكانة ويمدحها ، حاشاه . لذلك فقد اجتهدت في أن أفتش عن توثيقات الصحابة له ومن تبهم وتابعيهم ، فوجدت من ذلك شيئاً كثيراً زكياً تطيب له نفس المؤمن ويخنس به المغرض . توثيق طلحة رضي الله عنه له شهد له طلحة بن عبيدالله القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة وعديل النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة من أزواجه ، إذ أخرج أبو عيسى الترمذي عن مالك ابن أبي عامر قال: ( جاء رجل إلى طلحة ابن عبيد اللّه فقال : يا أبا محمد : أرأيت هذا اليماني ، يعني أبا هريرة ، هو أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم؟ نسمع منه ما لا نسمع منكم أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ؟ قال : أما أن يكون سمع من رسوا، اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع ، وذاك أنه كان مسكيناً لا شيء له ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا نحن أهل بيوتات وغنى وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، فلا نشك الا انه ، سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم نسمع، ولا نجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.) (١). ورواه البخاري (٢)، والدولاني (٣)، وعبد الله ابن الامام أحمد بن حنبل (٤). والحاكم (٥). وفي لفظ البيهقي زيادة مفيدة ، اذ (روى البيهقي في مدخله من طريق أشعث عن مولى لطلحة قال : كان أبو هريرة جالساً فمر رجل بطلحة فقال له : لقد أكثر أبو هريرة . فقال طلحة : قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ. ونسينا .) (٦) ونلاحظ أن طلحة شهد أن أبا هريرة من أهل الخير إضافة لشهادته له بالسماع والحفظ . (١) التر مذي ٢٢٦/١٣ وقال: حديث حسن غريب (٣) الكتى والاسماء ١٠/١ (٢) التاريخ الكبير ٢٥/٣/١٣٣ (٤) العلل ومعرفة الرجال ٧٢/١ (٥) المستدرك ٥١١/٣ بسند صحيح على شرط مسلم (٦) فتح الباري ٧٧/٨ ٩٦ توثيق أبي بن كعب رضي الله عنه له ويشهد له أبي بن كعب رضي الله عنه فيقول: ( إن أبا هريرة كان جريئاً على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره.) (١) و (لا نسأله عنها.) (٢). وذكرنا في فصل سابق انه صلى اللّه عليه وسلم علّم أبا هريرة القرآن ، وتعليمه له يحمل توثيقاً ضمنياً . ومما يستدل به على توثيق أبيّ له رواية بعض أصحابه عن أبي هريرة ، كأبي عثمان النهدي ، وأبي رافع ، وعطاء ابن يسار ، وهم من المعروفين بالأخذ عن أبي (٣) ، ولو كانوا سمعوا أبياً يحذرهم التحديث عن أبي هريرة لما حدثوا عنه ولا قربوه ، والعاقل اللبيب المنصف يرى في هذه القرينة دلالة واضحة على أن أبياً يوثق أبا هريرة . توثيق ابن عمر رضي الله عنهما له ويشهد له عبدالله بن عمر فيقول : ( يا أبا هريرة : أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه .) (٤)، ( وأعلمنا بحديثه) (٥) . توثيق حذيفة رضي الله عنه له ويروي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه تزكية أخرى عن ابن عمر له، فتكون رواية حذيفة لهذه التزكية كأنها شهادة منه هو أيضاً . يقول حذيفة: ( قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شكّ مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنًا.) (٦). الصنيع العملي من الصحابة الدال على توثيق أبي هريرة وهناك طائفة كبيرة من الوقائع العملية تدل ضمناً على توثيق الصحابة رضي الله عنهم لأبي هريرة تعضد تلك الأقوال وتؤ كدها . (١) مسند أحمد ١٣٩/٥ (٣) انظر امثلة لرواياتهم عنه في مسند أحمد ١٤٣/١٤١/١٣٢/٥ على التتابع ، وانظر أمثلة ارواياتهم عن أبي هريرة في القوائم التي اثبتناها في فصل قادم . (٢) المستدرك ٥١٠/٣ بسند صحيح أقره الذهبي (٤) التر مذي ٢٢٦/١٣ وقال: هذا حديث حسن (٥) المستدرك ٥١١/٣ بسند صحيح (٦) المستدرك ٥١٠/٣ بسند صحيح ٩٧ اعتماد أبي بكر رضي الله عنه له فمن ذلك بعث أبي بكر رضي الله عنه له مؤذناً في الحجّة التي قبل حجة الوداع ، إذ أخرج البخاري عن (حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمّره عليه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذن في الناس: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.)(١)، وفي رواية النسائي (فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي.) (٢) أي ذهبت حدّته، وكذلك عند الدارمي (٣). وقد طعن نفر في هذه الرواية وصوروا أبا هريرة فيها مزيّفاً للتاريخ وضّاعاً يضع هذه القصة لمصلحة أبي بكر الصديق وعداوةً لعلي رضي الله عنهما، وإن أبا بكر ما كان له أن ينال مثل هذا الشرف من لدن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وقد أجاد الأستاذ محمد عجاج الخطيب الرد عليهم (٤)، أما أنا فلي حجة واحدة تكفيني ، وهي أن خبر هذا التأمير رواه ابن اسحاق (٥) ، وابن اسحاق معروف بموالاة علي رضي الله عنه ، كما سيأتيك خبره في فصل قادم . قبول عمر رضي الله عنه لشهادته ومن ذلك ما أوضحه أحمد ومسلم في روايتهما لحادثة استشهاد حسان أبا هريرة ، ذلك ( أن عمر مرّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد ، فلحظ عليه ، فقال : قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اجب عني، اللهم أيده بروج القدس . قال : اللهم نعم.) (٦) ، فسكوت عمر دلالة على قبوله شهادة أبي هريرة. وأخرج البخاري عنه أنه قال : (أني عمر بامرأة تَشِمُ فقام فقال : أنشدكم بالله: من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم؟ فقال أبو هريرة: فقمت فقلت : يا أمير المؤمنين أنا سمعت . قال: ما سمعت ؟ قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: لا تشمن ولا تستوشمن.) (٧). مجالسته لابن عباس وقبول ابن عباس معارضته واتباعه لقوله أفتى أبو هريرة بما يخالف قول ابن عباس بحضوره ، فلو كان كما يصفه الجهلاء غير مرضي لمنعه ابن عباس من الكلام أصلاً ولمنع المستفتي من قبول فتواه . (١) البخاري ١٧٩/٢، ٩٨/١، ١٢٤/٤، ٢١٢/٥، ٨١/٦ وأخرجه مسلم ١٠٦/٤ (٤) ص ٢٤٣ وما بعدها من كتابه عن أبي هريرة. (٦) مسلم ١٦٢/٧، مسند أحمد ٢٢٢/٥ (٢) النسائي ٢٣٤/٥ (٣) ١٣٧/٢ (٥) سيرة ابن هشام ١٨٨/٤ (٧) البخاري ٢١٤/٧، النسائي ١٤٨/٨ ٩٨ : أخرج البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : (جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده ، فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة . فقال ابن عباس : آخر الأجلين ، قلت أنا : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن . قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي ، يعني أبا سلمة ، فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها فقالت : قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو السنابل فيمن خطبها.) (١). وفي القصة دليل على وثوق أبي هريرة بنفسه . ومن ذلك أيضاً ( أن رجلاً قال لابن عباس رحمه الله: إني جعلت عشراً من الإبل في سبيل الله ، فهل علي فيها زكاة ؟ فقال ابن عباس : عُضْلة ، أو : معضلة يا أبا هريرة ، ليست بأدنى من التي في بيت عائشة ، فقل . فقال أبو هريرة : أستعين بالله ، لا زكاة عليك. فقال ابن عباس: أصبت ، كل ما لا يحمل على ظهره ، ولا ينتفع بضرعه ، ولا يصاب من نتاجه، فلا زكاة فيه، فقال عبدالله بن عمرو: أصبتما.) (٢) ومن ذلك أيضاً أن ابن عباس استفتى أبا هريرة في مسألة من مسائل الصلاة واتبع فتواه (٣) . الصديقان : أبو هريرة وابن عباس وكان أبو هريرة صديقاً لابن عباس ، يجلسان سوية ويأكلان سوية . يقول أحد التابعين : ( شهدت ابن عباس وأبا هريرة وهم ينتظران جدياً لهم في التنور ، فقال ابن عباس : أخرجوه لنا لا يفتنا في الصلاة ، فأخرجوه فأكلوا منه . ) (٤) . فهذا يدل على صداقة وحب متبادل . ابن عباس يوثق أبا هريرة بالرواية عنه أكد ابن عباس توثيقه لأبي هريرة بالرواية عنه ، بل الرواية عنه قمة التوثيق ، ونجد أمثلة لرواياته عنه في صحيح البخاري (٥) ، وفي بعضها يصرح باعتداده بالحديث الذي يرويه عنه فيقول : ( ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال (١) البخاري ١٩٣/٦، النسائي ١٩١/٦، مسند أحمد ٣١٩/٦، (٢) الاموال لابي عبيد ص ٤٩٥ من طريق ابن لهيعة، وهو صدوق يضعف من ناحية حفظه ، وتقبل روايته لأمثال هذه منتقی ابن الجارود ص ٢٥٧ القصة ، من نقل افتاء صحابي ونحوه . (٣) مصنف ابن ابي شيبة ٢٣٦/٢ (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٥٠/١، الكنى للبخاري ص ٣٢ (٥) البخاري ٢٤٧/٤، ٢١٦/٥ ٩٩ أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق.) (١) أي إن اللمم عند ابن عباس هو هذه الأمور وأمثالها . كذلك نجد روايات أخرى لابن عباس عن أبي هريرة في سنن النسائي (٢) وأبي داود (٣) وابن ماجة (٤). أفلا يقتدي محبّ علي بابن عم علي رضي الله عنهم ؟ ابن عباس يكرّر توثيقه لابي هريرة بسماحه لتلامذته ومواليه بالرواية عنه ونجد في الرواة عن أبي هريرة كبار أصحاب ابن عباس المشاهير الذين هم من رؤوس التابعين وخيارهم ، وروايتهم عن أبي هريرة إنما هي قرينة واضحة ، بل دلالة أكيدة، على رضا ابن عباس بذلك واستحسانه لصنيعهم ، والا لمنعهم من الاخذ عنه ، خصوصاً وأنه عاش بعد أبي هريرة عشر سنوات كاملة . فمن هؤلاء الرواة عن ابن عباس ممن عثرت على أمثلة لرواياتهم عنه: مجاهد، وطاوس، وعطاء ابن أبي رباح (٥) والشعبي (٦) ونافع بن جبير بن مطعم (٧)، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف(٨)، ومحمد بن سيرين (٩)، وعبيد الله ابن عبدالله بن عتبة (١٠)، وعطاء بن يسار (١١)، وعبيد بن حنين (١٢) ويزيد بن الأصم (١٣) ، ومحمدبن كعب القرظي (١٤)، وأبو غطفان المري (١٥)، وأبو الزبير (١٦)، وأبو الشعثاء (١٧)، ومحمد بن إياس (١٨)، والحكم ابن ميناء(١٩)، وعمار ابن أبي عمار (٢٠)، وصالح مولى التوأمة (٢١) ويوسف بن ماهك(٢٢)، وخالد بن اللجلاج(٢٣). ومن الذين لم أعثر على رواياتهم عن ابن عباس : عروة بن الزبير ، ومنذر بن مالك أبو نضرة العبدي ، ويزيد (١) البخاري ١٥٦/٦٧/٨ (٣) أبو داود ٩٨/١ (٥) انظر امثلة لرواياتهم عن ابن عباس عند البخاري ٦٢/١، ١٨/٣ (٧) مثل لروايته عنه عند البخاري ٢١٥/٥، ٢٤/٦ (٩) أمثلة لروايته عنه عند البخاري ٩٥/٧، النسائي ١١٧/٣ (١١) مثال لروايته عند البخاري ١١١/١ (١٣) مثال لروايته عند أبي داود ١٦٠/١ (١٥) أمثلة لروايته عند أبي داود ٣١/١، ابن ماجة ١٤٣/١ (١٧) امثلة لر وايته عند التر مذي ٨٠/١، أبو داود ٣١٩/٢ (١٩) مثال لروايته عند ابن ماجة ٢٦٠/١ (٢١) أمثلة لروايته عند التر مذي ٥٧/١، ١٠ بن ماجة ١٥٣/١ (٢٣) مثال لروايته عند الترمذي ١١٣/١ (٢) النسائي ٢٥٧/١ (٤) ابن ماجة ١٢٩٠/٢ (٦) امثلة لروايته عن ابن عباس عند البخاري ١٧٤/١٥، النسائي ٢٣٧/٥، ابن ماجة ٤٩٠/١ (٨) مثل لروايته عند البخاري ٩٢/٧ (١٠) امثلة لروايته عند البخاري ٢٩/٢٦/١، مسلم ١٩٠/١ (١٢) مثال لروايته عند البخاري ١٩٥/٦ (١٤) مثال لروايته عند أبي داود ٣٤٢/١ (١٦) مثال لروايته عند ابن ماجة ٦١٢/١ (١٨) أمثلة لروايته عند أبي داود ٥٠٩/١ (٢٠) مثال لروايته عند ابن ماجة ٤٥٤/١ (٢٢) مثال لروايته عند ابن ماجة ١٢٢٨/٢ ١٠٠