النص المفهرس
صفحات 41-60
جوعه رضي الله عنه عاش أبو هريرة رضي الله عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفة فقيراً لا مال لديه ولا بيت ولا مهنة ، مكتفياً بما ييسره الله له ولأهل الصفة مما يهدي لهم ومما يشركهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام الذي يهدى له ، راصداً نفسه لمصاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وملازمته من أجل سماع كل أقواله وحفظها بنيّة نشرها ، ومن أجل رؤية أفعاله وأحواله ومعاملاته وأقضيته . بل وكانت عيشة الكفاف هذه لا تتيسر أحياناً ، فيبلغ منه الجهد مبلغه ويبات الليالي ذوات العدد بلا طعام ، حتى يضطر إلى إلصاق بطنه بالأرض مما به من الجوع ، وحتى يغشى عليه ويفقد وعيه . وقد حفظت لنا كتب الحديث صوراً من هذه الأيام الشديدة التي عاشها أبو هريرة ، ووصفها لنا هو ، متحدثاً بنعمة اللّه التي أنعمها عليه فيما بعد وتوسعته عليه في عيشه . من ذلك ما أخرجه البخاري عن محمد بن سيرين قال : ( كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان ، فتمخط ، فقال : بخْ بخْ : أبو هريرة يتمخط في الكتان ، لقد رأيتني واني لأخِرَّ فيما بين منير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشياً علي، فيجيء الجاني فيضع رجله على عنقي ويُرى أني مجنون ما بي من جنون ، ما بي إلا الجوع .) (١). ومن ذلك ما أخرجه البخاري أيضاً عنه أنه قال : ( أصابني جهد شديد ، فلقيت عمر بن الخطاب ، فاستقرأته آية من كتاب اللّه، فدخل داره وفتحها عليّ ، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسي فقال: يا أبا هريرة، فقلت: لبيك رسول الله وسعديك ، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي ، وانطلق إلى رحله ، فأمر لي بعُسٍّ من لبن فشربت منه ، ثم قال : عد يا أبا هرٍ ، فعدت وشربت ، ثم قال : عد ، فعدت فشربت ، حتى استوى بطني فصار كالقِدْحِ . قال : فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له : تولى اللّه ذلك من كان أحق منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك. قال عمر: واللّه، لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم .) (٢) ومن تلك الصور معجزة شرب اللبن التي أخرجها البخاري أيضاً عن أبي هريرة قال : و (الله الذي لا إله إلا هو ان كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه ، فمر أبو بكر ، فسألته عن آيةٍ من (١) البخاري ١٢٨/٩، وكذلك أخرجه ابن سعد ٣٢٦/٤٤/ ٢٣٤، وأحمد في كتاب الزهد ص ٣١، والبخاري في الأدب المفرد . انظر شرحه فضل الله الصمد ٦٧١/٢ (٢) البخاري ٨٨/٧ ٤١ كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل ، ثم مرّ بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني ، فمر فلم يفعل ، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ، ثم قال : أبا هرٍ . قلت : لبيك يا رسول الله . قال : إلحق ، ومضى فتبعته ، فدخل فاستأذن فأذن لي ، فدخل فوجد لبناً في قدح ، فقال : من أين هذا اللبن ؟ قالوا : أهداه لك فلان أو فلانة . قال : ابا هرٍ . قلت : لبيك يا رسول الله. قال: إلحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً ، وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم فيها ، فساءني ذلك ، فقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها ، فإذا جاء ، أمرني فكنت أنا أعطيهم ، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد" ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا ، فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت . قال : يا أبا هرٍ . قلت : لبيك يا رسول الله . قال: خذ فأعطهم ، قال : فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروي ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروي ، ثم يرد على القدح فيشرب حتى يروي ، ثم يرد على القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم ، فأخذ القدح فوضعه على يده ، فنظر إلي فتبسم ، فقال : أبا هرٍ. قلت : لبيك يا رسول اللّه. قال . بقيت أنا وأنت. قلت : صدقت يا رسول اللّه ، قال: اقعد فاشرب، فقعدت، فشربت، فقال : اشرب ، فشربت ، فما زال يقول : اشرب ، حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ، ما أجد له مسلكاً. قال: فأرني ، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمّ وشرب الفضلة.) (١) وقد كذّب البعض بهذه القصة ، وطعنوا أبا هريرة من أجلها، وتكذيبها يقتضي تكذيب كثير من المعجزات المماثلة وتكذيب رواتها ، كمعجزة تكثير تمر جابر بن عبدالله رضي الله عنه ، وغيرها ، مما هو ثابت في الصحيحين ، فتأمل . وهناك صورة ثالثة رواها ابن حبان . قال ابن حجر : ( وقع لأبي هريرة قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة ، فأخرج ابن حبان من طريق سليم بن حيان عن أبيه عنه قال : أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم ، فجئت أريد الصفّة ، فجعلت أسقط ، فجعل الصبيان يقولون : جنّ أبو هريرة ، حتى انتهيت إلى الصفّة، فوافقت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتي بقصعة من ثريد ، فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها ، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قاموا ، وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها ، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار لقمة فوضعها على أصابعه فقال لي : كل باسم الله، فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت .) (٢) . (١) البخاري ١٢٠/٨، وهي في المستدرك ١٥/٣، وفي دلائل النبوة ص ٣٦١ (٢) فتح الباري ٦٨/١٤ ٤٢ : : وينقل ابن سعد لنا صورة رابعة بسند حسن أن أبا هريرة قال : ( خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد لم يخرجني إلا الجوع ، فوجدت نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا هريرة: ما أخرجك هذه الساعة ؟ فقلت : ما أخرجني إلا الجوع ، فقالوا : نحن والله ما أخرجنا إلا الجوع ، فقمنا فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بكم هذه الساعة ؟ فقلنا : يا رسول اللّه جاء بنا الجوع. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بطبق فيه تمر فأعطى كلّ رجل منا تمرتين فقال: كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما من الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا .) (١) وكان التمر طعامهم في حوادث أخرى مشابهة ، إذ يروي فيقول : ( قسم النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بين أصحابه تمراً ، فأعطى كل إنسان سبع تمرات إحداهن حشفة ، فلم يكن فيهن تمرة أعجب الي منها ، شدت في مضاغي.) (٢)، وفي رواية: (فأصابني منه خمس: أربع تمرات وحشفة.) (٣) (والحشف رديء التمر ، وذلك أن تيبس الرطبة في النخلة قبل أن ينتهي طيبها ، وقيل لها حشفة ليبسها .) (٤). بل وأحياناً لا تصيبه الا تمرة واحدة ، كما أخرج أحمد بسند صححه أحمد شاكر إلى التابعي الجليل أبي عثمان النهدي ( يحدث عن أبي هريرة أنهم أصابهم جوع . قال : ونحن سبعة ، فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم سبع تمرات ، لكل انسان تمرة .) (٥) وصورة أخرى ينقلها لنا أبو هريرة عن جوعه وحوع أهل الصفة فيقول : ( خير الناس للمساكين جعفر ابن أبي طالب ، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إنه كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء ، فنسقها فنلعق ما فيها .) (٦) . وعن عبدالله بن شقيق قال : ( أقمت بالمدينة مع أبي هريرة سنة ، فقال لي ذات يوم ونحن عند حجرة عائشة : لقد رأيتنا ومالنا ثياب إلا البراد المتفتقة وإنا ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاماً يقيم به صلبه ، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشده على أخمص بطنه ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه . (٧). وهناك صور أخرى لهذه الشدائد استعرضناها خلال ذكر الصفة وأهلها . وقد استمر رضي الله عنه على هذا الزهد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول تلميذه سعيد المقبري: ( إنه مرّ بقوم بين أيديهم شاة مَصْليّة - أي مشوية - فدعوه، فأبى أن يأكل. قال: خرج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير.) (٨). (١) الطبقات ٣٢٩/٤٤ (٢) البخاري ٩٦/٧ (٣) البخاري ١٠٣/٧ (٤) فتح الباري ٤٩٨/١١ (٥) المسند ١١٤/١٥ (٦) البخاري ١٠٠/٧، ٢٤/٥ (٧) مسند أحمد ٣٢٤/٢ (٨) البخاري ٩٧/٧ ٤٣ بهذه التضحيات ربّوا أنفسهم وربّوا الأجيال التي فتحت العراق وفارس والأقطار ، ثم خلفهم خلف أضاعوا الصلاة وأمرضتهم التخمة ، وبرز من يعيب على أبي هريرة جوعه هذا الذي هو مصدر شرف له وفخر ، متناسياً ما يرفل به هو وصحبه من النعيم في البلاد التي فتحتها أسياف أولئك الجياع الذين آثروا ما عند الله . إن الجوع ما كان إلا مصدر تشريف وتكريم لذلك الرهط الصالح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان عاراً إلا عند هؤلاء الذين اتخمت بطونهم من ثمار ما غرس الجياع لهم ، وما انقلبت الموازين والمقاييس إلا اليوم . إن أبا هريرة أيها المتنعمون الجاحدون لم يكن وحده على هذه الحال من الجوع ، وانما هي الطبيعة الغالبة على أمة الجهاد آنذاك ، وكانت المدينة بأجمعها تتعرض أحياناً للجوع ، لحصار أو قحط ، وفي الصحيحين (١) بعض خبر إحدى المجاعات ، حتى أن أنس بن مالك يقول : ( قال أبو طلحة لأم سُلَيْم : لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصاً من شعير ، ثم أخرجت خماراً لها ، فلفّت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.) ويقول أنس ايضاً: ( أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوجدته جالساً مع أصحابه وقد عصب بطنه بعصابة ، فسألت بعض أصحابه فقالوا : من الجوع.) ، ويقول: (أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثمر، فجعل يقسمه بمكتل واحد، وأنا رسوله به ، حتى افرغ منه. قال: فجعل يأكل وهو مقعٍ اكلاً ذريعاً، فعرفت في أكله الجوع.) (٢). أفيكون غريباً أن يصرع الجوع أبا هريرة وهو الغريب الفقير ؟ وهل يعاب الجوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إنه دليل التجرد للّه تعالى ؟ ويروي لنا أبو هريرة فيما أخرجه مسلم قصة أخرى لجوع النبي صلى اللّه عليه وسلم ووزيريه الصديق والفاروق رضي الله عنهما فيقول : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فاذا هو بأبي بكر وعمر ، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ قالا : الجوع يا رسول الله . قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا ، فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحباً وأهلاً ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم اضيافاً مني . قال: (١) البخاري ٢٣٤/٤، ٠١٧٤/٨، مسلم ١١٨/٦ (٢) مسند أحمد ٢٠٣/٣، والنص الذي قبله في مسند أبي عوانة ٣٨٥/٥ ٤٤ .. : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بُسر وتمر ورطب فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إياك والحلوب ، فذبح لهم ، فأكاوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا.) (١). وأخرج الحاكم هذه القصة وسمى الرجل أبا الهيثم الأنصاري (٢) . وفرغ بيت علي رضي الله عنه من الطعام حتى بكى الحسن والحسين من الجوع وما عند فاطمة كسرة خبز تلهيهما ، في قصة أخرجها أبو داود بسند صحيح عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ( إن علي ابن أبي طالب دخل على فاطمة وحسن وحسين يبكيان ، فقال : ما يبكيهما ؟ قالت: الجوع.) (٣). فهل تعيب على علي ذلك أيها المتناقض ابو رية وقد وصفت علياً بأنه (الزاهد الفقير الذي كان طعامه القديد . ) ؟ وفرغت بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق فيها للضيف إلا الماء ، إذ أخرج مسلم بسنده إلى أبي هريرة قال : ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لمجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، فقال : من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله، فانطلق به.) (٤) . وجاع المقداد وصاحبان له رضي الله عنهم حتى لم يجدوا في المدينة من يقبل ضيافتهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قصة أخرجها مسلم بسنده إلى المقداد رضي الله عنه قال: ( أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد ، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد منهم يقبلنا ، فأتينا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فانطلق بنا الى أهله .) (٥) ولم يكن أبو هريرة فقط يستقرأ ليشبع ، وإنما استقرأ واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ايضاً ، فيما أخرجه الحاكم بسند صحيح ، لكن فيه خالد بن يزيد ابن ابي مالك الذي يقول فيه الذهبي : (وثقه بعضهم وقال النسائي : ليس بثقة.) عن (واثلة بن الاسقع ، وكان من أهل الصفة قال : أقمنا ثلاثة أيام ، وكان من يخرج إلى المسجد يأخذ بيد الرجلين والثلاثة بقدر طاقته ويطعمهم . قال : فكنت فيمن أخطأه ذلك ثلاثة أيام ولياليها . قال : فأبصرت أبا بكر عند العتمة فأتيته ، فاستقرأته من سورة سبأ ، فبلغ منزله ورجوت أن يدعوني إلى الطعام ، فقرأ علي حتى بلغ باب المنزل ثم وقف على الباب حتى قرأ علي البقية ، ثم دخل وتركني ، (١) مسام ١١٧/٦، وأبو عوانة في مستخرجه على مسلم ٣٧٦/٥ (٣) أبو داود ٣٩٨/١ (٥) مسلم ١٢٨/٦ (٢) المستدرك ١٣١/٤ (٤) مسلم ١٢٧/٦، وأخرجه البخاري ايضاً. ٤٥ ثم تعرّضت لعمر ، فصنعت به مثل ذلك ، وذكر أنه صنع مثل ما صنع أبو بكر ، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته.) (١) ، فأطعمه . وهناك قصة أخرى لوائلة في جوع أهل الصفة . (٢). أفنضعف واثلة ونتر که ونسقط حديثه من أجل جوعه ؟ وعن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس خرّ رجال من قامتهم في الصلاة ، لما بهم من الخصاصة ، وهم من أصحاب الصفّة ، حتى يقول الأعراب : إن هؤلاء مجانين .) (٣). فسبحان الله ، كم تنتكس المفاهيم ، وتنقلب الموازين ، ويقع الظلم على الثقات ؟ رضي الله عنك يا أبا هريرة مسكيناً جائعاً في سبيل الله . # جهاده رضي الله عنه أسرف أعداء أبي هريرة رضي الله عنه على أنفسهم فسلبوه كل ما يظهره بمظهر الشرف والبذل في سبيل اللّه، وتجاهلوا أنه واحد من أولئك الصحابة الكرام الذين لم يتخلف منهم أحد عن مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من ثلاثة منهم في غزوة تبوك تاب الله على تخلفهم من بعد . إن أبا هريرة بسبب من تأخر هجرته لم يحضر معارك الإسلام الأولى ، كبدر وأحد والخندق ، لكنه حضر جميع المعارك المتأخرة ولم يتخلف عن واحدة منها . أما إنه لم يبرز كمقاتل بارع صاحب وقائع مشهورة مذكورة وإيقاع ببعض صناديد الكفر فما كل الصحابة رضي الله عنهم اشتهروا بمثل ذلك ، ولكل ميدانه ، وإنما هم أبطال معدودون حُفظت لنا أسماؤهم كانت لهم صولات وجولات ، كعلي وسعد والزبير وأبي طلحة وأبي قتادة والشهداء ، رضي الله عنهم ، أما جمهور المقاتلين من الصحابة ، ومنهم كثير من القدماء والرؤساء ، فلم يكن ذكرهم في المعارك إلا عاديّاً ، حضروا القتال وجاهدوا وقتلوا المشركين وأسروهم ، لكن بوقائع عادية لم تتميز تميزاً يخلد ذكرها ، لضآلة شأن المقتولين اجتماعياً ، أو لعدم اشتهارهم ببطولة ، أو لعدم حصول مبارزة طويلة ، أو لغير ذلك . (١) المستدرك ١١٦/٤ (٣) مسند أحمد ١٨/٦ (٢) دلائل النبوة ص ٣٦٠ ٤٦ : : شهوده خيبر وقتال وادي القرى أول معركة شهدها أبو هريرة بعد هجرته هي معركة خيبر ، وقد أورد البخاري نصوصاً كثيرة في شهوده خيبر ، لكن بعضها يشير إلى حضورة خيبر بعد فتحها ، وبعضها يشير إلى حضوره بعض قتالها . فمما يذكر في سفره إلى خيبر ضلال عبده منه، إذا أخرج بسنده إلى (أبي هريرة رضي الله عنه أنه لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ضلّ كل واحد منهما من صاحبه، فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، هذا غلامك قد أتاك، فقال: أما إني أشهدك أنه حرّ ، فهو حين يقول : يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجّت). (١). وكرر البخاري ذكر هذه القصة مع الإشارة إلى مبايعته النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( .. وأبَقَ لي غلام في الطريق ، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام.) (٢) ووردت نصوص في أنه حضر خيبر بعد الفتح ، إذ أخرج البخاري عنه أنه قال : ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد ما افتتحوها، فقلت يا رسول الله: اسهم لي.) (٣) لكن وردت نصوص أخرى تشير إلى حضوره فتح خيبر ، إذا أخرج البخاري عنه أنه قال : ( افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة ، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط.) (٤)، وفي نص آخر: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فام نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع .. ) (٥) ومما يؤيد حضوره أنه يروي القصة المشهورة في انتحار أحد جرحى المسلمين في خيبر ، وهي قد حدثت أثناء القتال ، إذ أخرج البخاري عنه أنه قال : ( شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل معه يدعي الاسلام : هذا من أهل النار ، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة ، فكاد بعض الناس يرتاب ، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهماً فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا : يا رسول الله صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه، فقال : قم يا فلان فأذنّ أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر.) (٦). فلاحظ أقوال أبي هريرة : (افتتحنا خيبر)، بضمير الجمع ، (وخرجنا) و (شهدنا)، كلها تدل على حضوره . (١) البخاري ١٨١/٣ (٣) ٢٩/٤ (٥) البخاري ١٧٩/٨، نسائي ٢٤/٧ (٢) ٢٢١/٥ (٤) البخاري ١٧٦/٥، مسلم ٧٥/١ (٦) البخاري ١٦٩/٥، وأخرجها في ٨٨/٤ ٤٧ وقد جمع الواقدي بين أخبار حضوره وعدم حضوره الفتح بأن خيبر كانت حصوناً متعددة فتحت تباعاً في أيام متتالية ، فحضر أبو هريرة فتح بعضها ، إذ روى عنه أنه حضر خيبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح النطاة وهو محاصر أهل الكتيبة (١). كذلك حضر أبو هريرة إهداء اليهود الشاة المسمومة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر فيقول : (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم" ... ) (٢) ثم سرد القصة. ثم شهد أبو هريرة انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى بعد خيبر فانصرف معه (٣)، وكان فيها قتال عنيف أيضاً وصفه الواقدي (٤) وبقية أصحاب المغازي . شهوده عمرة القضاء ثم خرج أبو هريرة رضي الله عنه إلى مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء ، التي كانت بعد الحديبية بسنة ، وكان أبو هريرة ممن صاحب البُدْن التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذبح يسوقها في تلك العمرة . (٥) شهوده غزوة ذات الرقاع وحضر أبو هريرة غزوة نجد المسماة بذات الرقاع . قال البخاري : ( قال أبو هريرة : صلّت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة نجد صلاة الخوف.) (٦)، ساقه بلا سند ، وهي عادة البخاري إذا كان السند ليس على شرطه المتشدد أو إذا أخرجه في مكان آخر من صحيحه . وغزوة نجد هذه التي اشترك فيها أبو هريرة يسوق البخاري أخبارها ، فيفيد عن جابر أنها كانت في السنة السابعة (٧) ، وأنها هي التي سميت غزوة ذات الرقاع، وفيها لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم (جمعاً من غطفان، فلم يكن قتال ، وأخاف الناس بعضهم بعضاً ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الخوف) (٨). (١) مغازي الواقدي ٦٣٦/٢، وقد اشرنا إلى ذلك في فصل اسلام أبي هريرة وهجرته . (٢) البخاري ١٨٠/٧ (٣) البخاري ١٧٦/٥، مسلم ٧٥/١، أبو داود ٦٢/٢، نسائي ٢٤/٧، المستدرك ٤٠/٣ (٤) المغازي ٧٠٩/٢ (٥) مغازي الواقدي ٧٣٣/٢ (٧) ١٤٥/٥ (٦) ١٤٧/٥ (٨) كذلك ٤٨ يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ( نقبت أقدامنا ، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري ، وكنا تلف على أرجلنا الخرق ، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا.) (١) وحضور أبي موسى لهذه الغزوة دليل آخر على حضور أبي هريرة ، إذ كلاهما لم يهاجر إلى المدينة إلا أيام خيبر . هكذا كابدوا المشاق وتحملوا المصاعب في سبيل اللّه، تسقط أظفارهم من المشي ، ثم يأتي الآن من يرفل في الحرير يريد أن ينال من أبي هريرة . هيهات والله . وقد أخرج أبو داود أن عروة بن الزبير حدث (عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ قال أبو هريرة: نعم . فقال مروان: متى ؟ قال أبو هريرة : عام غزوة نجد.) (٢) وهذه المحاورة في معاني الآثار ايضاً (٣) والمستدرك (٤) وعن عروة بسند أصحّ عن أبي هريرة قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد ، حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعاً من غطفان.) (٥) شهوده إجلاء بعض يهود المدينة وحضر رضي الله عنه إجلاء بعض يهود المدينة، فقد أخرج البخاري عنه أنه قال: ( بينما نحن في المسجد ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود ، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا تسلموا ، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وأني أريد أن أجليكم من هذا الأرض ، فمن يجد منكم بماله شيئاً فليبعه ، وإلا فاعلموا أن الأرض الله ورسوله.) (٦) وهذه القصة أخرجها مسلم أيضاً (٧) وأبو داود (٨). قال ابن حجر: ( لم أر من صرّح بنسب اليهود المذكورين والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم ، لأنه كان قبل اسلام أبي هريرة ، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر .. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض كما تقدم واستمروا الى أن أجلاهم عمر ، ويحتمل ، والله أعلم، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح ما بقي من خيبر همّ (١) كذلك نفس ، الصفحة (٣) ١٨٥/١ (٥) ابو داود ٢٨٤/١ (٧) ١٥٩/٥ (٢) أبو داود ٢٨٤/١ (٤) ٣٣٨/١ (٦) البخاري ١٢٠/٤، واخرجه بالفاظ أطول في ١٣١/٢٦/٩ (٨) ١٣٩/٢ ٤٩ باجلاء من بقي من صالح من اليهود ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الارض فبقاهم ، أو قد كان بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضا بابقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم النبي صلى اللّه عليه وسلم من سكنى المدينة أصلاً ، والله أعلم ، بل سياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم المراد بذلك بنو النضير ، ولكن لا يصح ذلك ، لتقدمه على مجيء أبي هريرة ، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم . وبيت المدراس ، بكسر أوله هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم ، أو المراد بالمدراس : العالم الذي يدرس كتابهم، والأول أرجح ، لأن في الرواية الأخرى : حتى أتى المدراس) (١) . لكن أبا داود حين روى هذه القصة جعلها في بني قينقاع ، وما ذهب إليه ابن حجر أولى وأرجح . أبو هريرة في بعث خاص لقتل كافرين واعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم في بعث خاص لقتل رجلين من قريش من أعداء الله ورسوله ، إذ أخرج البخاري عنه أنه قال : ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال لنا: إن لقيتم فلاناً وفلاناً، الرجلين من قريش سماهما ، فحرقوهما بالنار . قال : ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال : إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وان النار لا يعذب بها إلا الله، فان أخذتموهما فاقتلوهما.) (٢). وهذا البعث لقتل هذين الرجلين من قريش إنما كان لأنهما نخسا بعير زينب بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسقطت ومرضت من ذلك . وذلك أن زينب خرجت مهاجرة وهي حامل من زوجها أبي العاص ابن الربيع ، فخرج الكفار في أثرها ، فأدركها هبار بن الأسود ، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها .) (٣). شهوده الفتح الا کبر وحنين والطائف ثم يشرفه الله تعالى بحضور الفتح الاكبر وحنين والطائف، إذ أورد البخاري جملة نصوص تدل على حضوره فتح مكة ، فأخرج عنه أنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منزلنا إن شاء اللّه إذا فتح الله: الخيف، حيث تقاسموا على الكفر.) (٤). (١) فتح الباري ٨٠/٧، وانظر الفتح ايضا٥ً ٣٥٠/١ إذ كرر ابن حجر بيان بعض بهذه الاحتمالات . (٣) التاريخ الصغير للبخاري ص٥، وانظر فتح الباري٤٩٠/٦ (٢) البخاري ٧٥/٦٠/٤، وهو في المسند للامام أحمد٥ ٢٠٦/١ باسناد صحيح وعند الدارمي ٢٢٢/٢ (٤) البخاري ١٨٨/٥ ٥٠ ٠٠ـ فهذا قبل الفتح . وروى فتحها فقال: ( لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :.. ) (١)، وأورد خطبة الفتح الشهيرة، فهو قد سمعها إذن وكان حاضراً . وقد أخرج مسلم عنه أنه قال : ( ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ؟ ثم ذكر فتح مكة فقال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة ، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ، وبعث خالداً على المجنبة الأخرى ، وبعث أبا عبيدة على الحُسّر ، فأخذوا بطن الوادي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة . قال : فنظر فرآني فقال: أبو هريرة ؟ قلت : لبيك يا رسول اللّه. فقال: لا يأتيني إلا أنصاري ، زاد غير شيبان - أي من رواة الحديث هذا - فقال: اهتف لي بالأنصار . قال : فأطافوا به ، ووبشت قريش أوباشاً لها وأتباعاً فقالوا : نقدم هؤلاء ، فان كان لهم شيء كنا معهم ، وإن اصيبوا اعطينا الذي سئلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال : حتى توافوني بالصّفا . قال : فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحداً إلا قتله ، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً ) (٢). ثم يستمر أبو هريرة سارداً بقية قصة الفتح ومجيء أبي سفيان والأمر بدخول داره ووجد الأنصار وحزنهم من ذلك فمدح الرسول صلى الله عليه وسلم لهم . وهذه القصة أخرجها أبو داود الطيالسي ايضاً في مسنده . (٣) ويخرج أبو داود بسند صحيح هذه القصة باختصار، وفيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يشرفنّ لكم أحد إلا أنمتموه ) (٤). وهي في معاني الآثار (٥) ، وفي المستدرك (٦) بسند صحيح أقرّه الذهبي . ثم روى أبو هريرة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين بعد الفتح فقال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد حنيناً: منزلنا غدا إن شاء الله. بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر.) (٧) وهو الموعد الثاني في الخيف بعد أن لبث في مكة مدة . ثم روى خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم بالجعرانة في مدح الأنصار حين رجع من حنين وقبل وصوله (١) البخاري ١٥٦/٣، وهي عند مسلم ١١٠/٤، وأبي داود (٢) مسام ١٧١/٥، الدارقطني ٥٩/٣ ٤٦٥/١، وأحمد رقم ٧٢٤١ (٣) ص ٣٢٠ (٥) ١٩٢/٢ (٧) البخاري ٦٥/٥ (٤) ابو داود ١٤٥/٢ (٦) ٥٣/٢ ٥١ مكة (١) وهي خطبة شهيرة مروية بطريق عدد من الصحابة ، فهذا دليل على أنه حضر حنيناً بعد روايته أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوجه لها . ويروي أبو هريرة أيضاً حضوره حصار الطائف بعد حنين (٢). وورد كذلك ما يشير الى نزوله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج (٣) وبمر الظهران (٤) في مسيره الى فتح مكة أو عند رجوعه بعد الفتح . شهوده تبوك وشرفه الله تعالى بحضور تبوك، إذ أخرج الطحاوي بسند صحيح إليه قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.) (٥) . ويروي مروره مع النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه في غزوة تبوك في الحُجْر ، حيث كانت منازل الظالمين التي دمرها اللّه تعالى (٦)، ويروي الواقدي قصة الانصراف من تبوك عن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم أحدهم أبو هريرة ويقول: ( حضروا ذلك وعاينوه. ) (٧) ومن أدلة حضوره تبوك ما أخرجه مسلم بسنده إليه أنه قال : ( لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة . قالوا : يا رسول الله: لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا.) (٨) ثم يسرد قصة في ذلك . شهوده مؤتة ثم حضر مؤتة . قال الواقدي: (حدثني ربيعة بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة.) (٩) وروى أيضاً قوله : ( لقد كان بيني وبين ابن عم لي كلام فقال : إلا فرارك يوم مؤتة ، فما دريت أي شيء أقول له .) (١٠). وهذا اللوم أخرجه الحاكم في المستدرك (١١) من طريق الواقدي ، والذهبي لم يقرّه على صحته لما قدمنا من (١) البخاري ٣٨/٥ (٣) المستدرك ٤٣٢/١ بسد صحيح اقره الذهبي (٥) معاني الآثار ١٥/٢، وكذلك في دلائل النبوة ص ٣٥٧ (٧) نفس المصدر ١٠٣٨/٣ (٩) المغازي ٧٦٠/٢ (١١) ٤٢/٣ (٢) مغازي الواقدي ٩٣٦/٣ (٤) المستدرك ٤٣٣/١ بسد صحيح ايضاً (٦) مغازي الواقدي ١٠٠٦/٣ (٨) مسلم ٤٢/١ (١٠) المغازي ٧٦٥/٢ ٥٢ ضعف الواقدي ، لكن الاستشهاد بمثل هذه الروايات جائز كما ذكرنا . والفرار المذكور هنا ليس فرار أبي هريرة ، وإنما هو انسحاب جميع جيش المسلمين في مؤتة بأمر خالد ابن الوليد رضي الله عنه، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم فتحاً فقال: ( أخذ الراية خالد ففتح له )، لكن بعض المسلمين آنذاك استعظموا الانسحاب فأخذوا يتلاومون وسموه فراراً . اشتراكه في قمع المرتدين ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانعقدت البيعة لأبي بكر الصديق وافتتن من الاعراب من افتتن بالردة نرى أبا هريرة يسارع إلى وقوف الموقف الصائب الذي يدل على فقهه لما يجب أن يكون عليه تصرف المسلم في الفتن من طاعة الأمراء ، فجند نفسه مقاتلاً أميناً في جيوش الحق، جيوش أبي بكر رضي الله عنه، وأدى حق الله عليه . وقد أخرج البخاري عنه قصة قتال أبي بكر لأهل الردة . قال ( لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر : يا أبا بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله: عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه؟ قال أبو بكر: واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فان الزكاة حق المال ، واللّه لو منعوني عناقاً - وفي رواية: عقالاً - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح اللّه صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق.) (١) وأورد هذه القصة مسلم وأبو داود والنسائي (٢)، وليس في الفاظهم ما يدل على اشتراكه في القتال، إلا عند النسائي بسند ليس بالقوي (٣)، لكن وقع عند أحمد بسند صححه أحمد محمد شاكر قول أبي هريرة بعد سرده القصة : ( فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشداً .) (٤). ورأيت في الأغاني من طريق سيف بن عمر (٥) ما يفيد مصاحبته للعلاء بن الحضرمي حين بعثه أبو بكر بكر لحرب المرتدين ، واشتراكه في معارك هجر في البحرين وحصارها ثم فتح دارين ، وهي جزيرة في الخليج العربي تجاه البحرين كانت الفرس قد استولت عليها ، ففتحوها وهرب المكعبر ، وهو حاكمها الفارسي ، وفي ذلك يقول أبو هريرة : ( انطلقنا نسير حتى قدمنا البحرين ، وأقبلنا نسير حتى كنا على شط البحر ، فقال (٢) مسلم ٤٠/٣٨/١، أبو داود ٣٥٦/١، النسائي ٦/٦ (٤) المسند ١٨١/١ (١) البخاري ١١٥/١٩/٩ (٣) النسائي ٧٧/٧ (٥) الاغاني ٢٥٨/١٥، وسيف بن عمر انما ضعفه المحدثون في الحديث النبوي ، أما في الروايات التاريخية فالأمر أهون، ودرج العلماء على قبول ماله شاهد في روايات الآخرين من رواياته ٥٣ العلاء : سيروا ، فأتى البحر فضرب دابته، فسار وسرنا معه ما يجاوز ركب دوابنا، رآنا ابن مكعبر عامل كسرى قال: والله لا نقاتل هؤلاء، ثم قعد في سفينته فلحق بفارس.) (١). شهوده اليرموك وغزوات ارمينية وجهات جرجان ذكر ابن عساكر شهوده اليرموك (٢) وذكر ابن حجر في الإصابة (٣) شهود أبي هريرة اليرموك، ولكن نقلاً عن ابن عساكر ايضاً . وأفاد ابن خلدون أنه كان مع أمير ارمينية عبد الرحمن بن ربيعة زمن عثمان رضي الله عنه ، فلما قتل عبد الرحمن في حروبه مع الترك سلك بعض جيشه ، وفيهم سلمان الفارسي وأبو هريرة ، إلى جيلان وجرجان ، (٤)، وكانت جرجان قد فتحت زمن عمر رضي الله عنه ، لكن أنحاءها لا زالت قلقة ، کما يدل سياق ابن خلدون ، ويدل على ذلك أن حمزة بن يوسف السهمي وإن لم يذكر في تاريخ جرجان خبر اشتراك أبي هريرة في المعارك التي حولها إلا انه ذكره فيمن دخل جرجان من الصحابة (٥) . ولم يكتف أبو هريرة بهذا الجهاد المتواصل والبذل والفداء ، وانما كان يتمنى المزيد . أخرج النسائي عنه أنه قال : ( وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند ، فان أدركتها أنفق فيها نفسي ومالي ، فان أقتل كنت من أفضل الشهداء ، وإن أرجع فأنا أبو هريرة المحرَّر.) (٦)، أي: المعتق من النار . وأخرجه أحمد في المسند عنه بلفظ : ( فان استشهدت كنت من خير الشهداء ، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرَّرة.) (٧) . قال أحمد محمد شاكر : اسناده صحيح ... وقوله : المحررة ... ما من بأس في زيادة الهاء ، تكون للمبالغة ، كما في علاّمة ، ونحوها . (١) ذكرة الاستاذ السماحي ص ٢٨٤ نقلاً عن حلية الأولياء ولم يذكر رقم الصفحة ، ولم أو ترجمة للعلاء في الحلية ، ولا ذكره في ترجمة أبي هريرة في الحاية . (٣) الاصابة ١١١/٢ (٥) تاريخ جرجان ص ٦ (٧) المسند ٩٧/١٢، وهو في المستدرك ايضاً ٥١٤/٣ (٢) تاريخ دمشق ج ٤٧ ص ٤٢٩، ولم أره لكن ذكره الاستاذ الخطيب ص١١٧ (٤). تاريخ ابن خلدون ١٠٢٤/٢ (٦) النسائي ٤٢/٦ ٥٤ : وقد انصرف أبو هريرة بعد اشتراكه في معركة اليرموك ومعارك جهات جرجان فيما يبدو إلى نشر الحديث الذي حفظه ووعاه ، وانصرف إلى العلم انصرافاً كلياً ، ولم أر ما يدل على مشاركته في فتوح العراق أو مصر . إن هذا الانصراف عن بقية معارك الفتوح ليس بعيب على أبي هريرة ، إذ لم يشترك كل الصحابة في الفتوح ، وإنما كانت الدولة الناشئة وعملية إنشاء التنظيمات الحكومية الجديدة تستهلك جهود الكثير من الصحابة ، وكان مركز الخلافة في المدينة يستدعي وجود من يرعى الناحية العلمية والتربوية ، لذلك نرى أن بعض الصحابة قد رصدوا أنفسهم لهذا الغرض أو رصدهم عمر ولم يأذن لهم في المشاركة في الفتوحات ، وأبو هريرة وإن كان قد شارك في إرساء قواعد الجهاز الإداري للدولة الجديدة بتأمير عمر له أميراً على البحرين لبعض الوقت ، إلا أن اهتمامه بالعلم ونشره ويحفظ القاعدة الفكرية العقائدية للدولة الاسلامية كان هو الطابع المميز لحياة أبي هريرة في هذه الفترة . هذا هو أبو هريرة المجاهد المقاتل ، قاتل بسيفه ، ووعى بقلبه أوصاف الجهاد وفضله وآدابه ليرويه لنا ، وليظهر لنا من خلال أبواب الجهاد في دواوين الحديث كأبرز صحابي يعلّم أمة الجهاد قوانين الجهاد ويحثها عليه . رضي الله عنك يا أبا هريرة معلماً مستنهضاً للهمم مجاهداً . ٥٥ تحلّيْهِ بأخلاق المؤمنين كان لا بد لهذه الملازمة المستمرة والصحبة الدائمة التي صاحب بها أبو هريرة رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أن تنتج آثارها وتربي أبا هريرة تربية ايمانية عالية ظهرت في اكثر المجالات الخلقية والعلمية . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه الكلام أحياناً اليه مباشرة ويخاطبه ، مربياً ومرشداً ومعلماً، فيقول له : (يا أبا هريرة : كن ورعاً تكن أعبد الناس ، وكن قَنِعاً تكن أشكر الناس ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً ، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً ، وأقلّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.) (١) وقد وعى أبو هريرة هذه الوصية وحرص على تطبيقها فعرفناه ورعاً بعيداً عن الدنيا والأموال متقشفاً ، وسنعرفه في فصل قادم بعيداً عن الامارات والفتن ، وسنعرفه محباً للناس بتعليمه إياهم وحرصه على وعيهم حديثه ، ومحسناً لجاره عمار بن ياسر رضي اللّه عنه معترفاً بفضله (٢) ، وسنروي في فصل قادم مدحه له ، ومحسناً لجاره عبدالله بن شقيق الذي روى عنه فيما بعد (٣)، وعرفناه بعيداً عن الضحك متعبداً باكياً في أكثر من مناسبة ، (١) أخرجه ابن ماجة ١٤١٠/٢، ونقل محمد فؤاد عبد الباقي محقق السنن ان الهيشي قال في مجمع الزوائد انه بسند حسن . (٣) اخرج الحاكم في المستدرك ١٠٦/٤ بسند صحيح اقره الذهبي عن عبد الله بن شقيق قال: (جاورت أبا هريرة سنتين.). (٢) في سنن ابن ماجة ٤١٢/١ اشارة إلى أن أبا هريرة كانت له دار بعد حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم قرب المسجد النبوي الشريف من ناحية بلاط المسجد ، وان عمار بن ياسر كانت له دار مجاورة ، والمعروف أن أبا هريرة سكن بعدئذ في ذي الحليفة من ضواحي المدينة . ٥٧ کالذي كان منه حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكالذي سنراه منه يوم موت الحسن وبعد مقتل عثمان، ثم عرفنا أبا هريرة متحلياً بصفات إيمانية أخرى نذكرها إن شاء الله . عنایته بالقرآن وحفظه له حفظُ القرآن والعنايةُ به وتعلّمُه من علامات الإيمان، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خير المسلمين من تعلّم القرآن وعلّمه الناس ، فقال : ( خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه.) (١) ، ولهذا نجد أن أبا هريرة ، السبّاق إلى كل خير كما عهدناه ، يشمّر عن ساعد الجد لينال هذه الخيرية ، فـ (أخذ القرآن عرضاً عن أبي ابن كعب.) (٢)، وأبي رضي الله عنه أحد أربعة أقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بجودة حفظ القرآن، فقال : ( استقرؤا القرآن من أربعةٍ . من عبدالله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي ابن كعب ، ومعاذ ابن جبل .) (٣). ثم صار معلّما للقرآن ، فقرأ عليه أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد القراء العشرة الأئمة (٤)، وقرأ عليه أيضاً عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وعن الأعرج أخذ القرآن نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم المدني ، أشهر القراء السبعة (٥) ، وبهذا نعلم أن القراءة الأكثر شهرة عند المسلمين مدارها على أبي هريرة رضي الله عنه، وظاهر نص ابن الجزري أنه لا يشاركه أحد فيها، اذ يقول: ( تنتهي اليه قراءة أبي جعفر ونافع.) (٦). وهكذا فجّر أبو هريرة لنفسه ينبوعاً من الأجر لا ينضب ، فله حسنةٌ في كل حرف نطق وينطق به كل مسلم من القرآن من لدن عصر التابعين وإلى قيام الساعة . وعلّم أبو هريرة القرآن أو بعضه لغير هذين الإمامين أيضاً ، كما يدلّ قول ميناء، مولى عبد الرحمن بن عوف : (أخذت البقرة وآل عمران من في أبي هريرة.) (٧). أفلا يكون من العجب العجاب بعد هذا أن ينعى أبو رية على أبي هريرة رضي الله عنه عدم ذكره مع الأربعة الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذ القرآن عنهم، فيقول: (إنه لم يصل إلى درجة أحد من الموالي.) ، ( يعني أن أبا هريرة لم يذكر مع هؤلاء الأربعة ، وذكر فيهم سالم مولى أبي حذيفة ، فهو أفضل (١) البخاري ٢٣٦/٦، وفي لفظ آخر: ان أفضلكم (٢) غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ٣٧٠/١، معرفة القراء الذهبي ٤٠/١، الاتقان في علوم القرآن السيوطي ٧٢/١ (٣) البخاري ٤٥/٣٤/٥ (٥) غاية النهاية ٣٣٣/٢ (٤) غاية النهاية ٣٨٢/٢. (٦) غاية النهاية ٣٧٠/١ (٧) العلل ومعرفة الرجال للامام أحمد ص ٢٦٦ بسند صحيح ، التاريخ الكبير للبخاري ٤/٣١/ق٢ ٥٨ من أبي هريرة بزعمه . ونقول لفيلسوف القرن الرابع عشر : ولم يذكر في هذا الحديث أبو بكر أيضاً ولا عمر ولا عثمان ولا علي ، فهل المولى سالم أفضل من هؤلاء الخلفاء الراشدين ؟ وما هو جوابك عن هذا فهو جوابنا عن عدم ذكر أبي هريرة ، ويكون على تفكيرك هذا سالم مولى أبي حذيفة أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فبئس التفكير السقيم الذي يؤدي إلى هذا الزعم الباطل .) (١) كثرة تعبده عن أبي عثمان النهدي قال : ( تضيفت أبا هريرة سبعاً ، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً ، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا .) (٢). ويقول هو عن مسلكه في كل ليل : ( إني لأجزىء الليل ثلاثة أجزاء، فثلث أنام ، وثلث أقوم ، وثلث أتذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (٣). والمؤمن يستعظم ذنوبه الصغيرة ، ولذلك نجده يقول : ( إني لأستغفر الله وأتوب اليه كل يوم اثني عشر الف مرة ، وذلك على قدر ذنبي ،) (٤). ومن لطيف أقواله التي تدل على كثرة دعائه وتوسله ، ما أخرجه ابن حجر عن الاسماعيلي قوله رضي الله عنه : ( إن أبخل الناس من بخل بالسلام ، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء .) (٥). وكان رضي الله عنه يصوم الاثنين والخميس تطوعاً . (٦) وكان هو وابن عمر رضي الله عنهم يخرجان إلى السوق أيام العشر الأولى من ذي الحجة يكبّران ويكبر الناس بتكبيرها (٧) . ويحث على ركعتي الفجر فيقول : (لا تدع ركعتي الفجر ولو طرقتك الخيل.) (٨). وشد الرحال إلى جبل الطور في سيناء طلباً للامر ، وكأنه يستدل بعموم ما ورد في القرآن من ذكر قداسته وأن واديه واد مبارك ، إلا أن أبا بصرة الغفاري رضي الله عنه لقيه راجعاً فلم يقرّه (٩) ، وروى له حديث (١) ظلمات ابي رية ص ١٧٥ (٣) الدارمي ٨٢/١ (٥) فتح الباري ٤٩٨/١١ وذكر أنه بسند على شرط البخاري (٧) البخاري ٢٤/٢ (٩) مسند أحمد ٣٩٧/٧/٦ (٢) البخاري ١٠٢/٧، مسند أحمد ٣٥٣/٢ (٤) تذكرة الحفاظ ٣٥/١ (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٤٢/٣، الجرح والتعديل ٣٧٤ جـ ٢/ق١ (٨) مصنف ابن أبي شيبة ٢٤١/٢ ٥٩ النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ، المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى . أمره بالمعروف كان من شأن أبي هريرة رضي الله عنه الذهاب إلى مساجد الأنصار المنبثة في أرجاء المدينة لتعليمهم وإسماعهم الحديث ، كذهابه إلى مسجد بني زريق وتحديثه به (١) ، ويدل على ذلك كثرة الزرقيين من الرواة عنه ، كما سنرى في قائمة الرواة عنه . وأخرج الحاكم عنه (أنّه مرّ عليه رجل من بني عامر ، فقيل : هذا من أكثر الناس مالاً ، فدعاه أبو هريرة فسأله عن ذلك فقال : نعم ، لي مائة حمراء ، ولي مائة أدماء ، ولي كذا وكذا من الغنم . فقال أبو هريرة : اياك وأخفاف الإبل ، إياك وأظلاف الغنم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :... )، وساق حديثاً طويلاً في وطئها إياه بأخفافها وأظلافها إن ظلمها (٢)، والحديث مخرج في صحيح مسلم (٣) لكن ليس فيه قصة هذا العامري . ونقل الهيثمي أن أبا هريرة (مرّ بسوق المدينة فوقف عليها فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم ! قالوا : وما ذاك يا أبا هريرة ؟ قال : ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه ؟ قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد ، فخرجوا سراعاً ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم : مالكم ؟ قالوا : يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئاً يقسم . فقال لهم أبو هريرة : وما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا: بلى ، رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرأون القرآن وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام . فقال لهم أبو هريرة: ويحكم ! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.) (٤) ثم يأتي الآن من يلزم أن ننهاه عن المنكر الذي يسدر فيه يسلط لسانه على الآمر بالمعروف أبي هريرة ! فلا حول ولا قوة إلا بالله . برّه بأمه ليس من نعمة تحل بالانسان أعظم من نعمة الإيمان والثبات عليه ، وليس من دعاء لصاحبك أو لأحد من أهلك أصدق وأثمن من الدعاء له بالهداية والإيمان ، ولا يحس بقيمة ذلك إلا المؤمن ، ومن هنا يحق لنا أن نتصور عظم برّ أبي هريرة بأمه حين تمنى إسلامها وأسلمت وكان سبباً في إسلامها . (١) مسند أحمد ٤٣٤/٢ (٣) صحيح مسلم ٧٢/٣ ويتابعه جابر عليه (٢) المستدرك ٤٠٣/١ بسند صحيح أقره الذهبي (٤) مجمع الزوائد ١٢٣/١ عن معجم الطبراني الاوسط إبند حسنه الهيشي ٦٠ :