النص المفهرس
صفحات 21-40
صفيح. ) (١)، كان (من أشداء بني دوس). (٢) بل (من أشد أهل زمانه.) (٣)، ومن كان شديداً بطلاً كان شريفاً في قومه ولا شك ، بل ولم تخلد صفته هذه في التاريخ إلا لأنها شهرته ورفعته بين قومه ، وقد أسلم خاله أيضاً . وبذلك اجتمع الشرف لأبي هريرة من الجهتين ، وبان بطلان قول من قال إنه صعلوك مشرد . أما ان تاريخ أبي هريرة في الجاهلية مجهول، كما يعيبه بذلك أبو ريّة وبعض الجاهلين، فقد (كان العرب كلّهم مغمورين في جاهليتهم، محصورين في جزيرتهم، لا يهتمون بشئون العالم، ولا يهتم العالم بشئونهم إلا ما يتصل بالتجارة التي كانت تمر قوافلها ببلادهم ، فلما جاء الاسلام وشرّفهم اللّه بحمل رسالته أصبح لكل واحد منهم تاريخ يكتب ، وشئون يتحدث عنها ، ورواة يتتبعون أخبارهم ، وتلاميذ ينقلون عنهم العلم والهداية ، فهل كان شأن أبي هريرة في هذا يختلف عن شأن جمهور الصحابة ؟ ولماذا كانت جهالة تاريخه في الجاهلية تضر بمكانته وتحط من شأنه في الاسلام ؟ وأين يجد أبو رية في كتاب اللّه أن الذي لا يعرف تاريخه قبل الاسلام يجب الحطّ من شأنه والانتقاص من مكانته والشك فيما يروي من أحاديث رسول اللّه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.) (٤) ، وماذا نطلب له من تاريخ وهو شاب في حدود الثلاثين ، كما سيأتي ، من بعد ما ثبت له النسب الواضح الكريم ؟ (١) المعارف لابن قتيبة ص ٢٧٧ (٣) المعارف ص ٢٧٧ (٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣٢٥/٤ (٤) اقتباس من كلام الدكتور السباعي رحمه اللّه في (السنة ومكانتها ) ص ٣٠٧ ٢١ سَبَب كنيته الغربيَة اشتهر أبو هريرة رضي الله عنه بكنيته، وبها عرف ، وقد أخرج الحاكم عن أبي هريرة قال : (إنما كنوني بأبي هريرة لأني كنت أرعى غنماً لأهلي ، فوجدت أولاد هرة وحشيّة، فجعلتها في كمي ، فلما رجعت إليهم سمعوا أصوات الهر من حجري ، فقالوا : ما هذا يا عبد شمس ؟ فقلت : أولاد هرة وجدتها . قالوا : فأنت أبو هريرة . فلزمتني بعد.) (١) . وأخرج الترمذي عنه قال : ( كنت أرعى غنم أهلي ، فكانت لي هريرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل في الشجرة ، فاذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها ، فكنوني بأبي هريرة). (٢). لكن يقول أبو هريرة : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني: أبا هرٍ . ويدعوني الناس: أبا هريرة.) (٣). ولذلك يقول: (لأن تكنولي بالذكر أحب إليّ من أن تكنوني بالأنَّى.) (٤). وقد وقع في عدة مواضع من صحيح البخاري نداء الرسول صلى الله عليه وسلم له بأني هرٍ . في مناسبات مختلفة . (٥) . ومن المعروف لدى صغار المطلعين على أخبار التاريخ. أن الاشتهار بالكتى والالقاب أمر شائع ومعروف بل. وقد يختلف الناس في اسم الشخص ولا يختلفون في كنيته. كما هو الشأن في الخليفة - الراشد الأول. فقد اشتهر (١) المستدرك ٥٠٦/٣ بسند صحيح أقره الذهبي في مختصر (٢) الترمذي ٢٢٨/١٣ ووصفه بأنه حسن المستدرك . (٣) المستدرك ٥٠٦/٣ بسند صحيح أقره الذهبي (٥) البخاري ٧٦/١، ٨٨/٧، ٦٨/٨ ٢٢ (٤) امسك ٥٠٧/٣ بكنية أبي بكر ، وكذا الأمر في أبي عبيدة ، وأبي دجانة ، وأبي الدرداء ، الذين هم من أشراف الصحابة وأبطالهم ، ولكن (اشتهروا بكناهم وغابت أسماؤهم عن كثير من الناس ، ولم نسمع في يوم من الأيام أن الحسب والنسب يقدم صاحبه في المفاضلة العلمية أو يؤخره. ) (١) ، فما عابه أبو رية اذن وتشنيعه على كنية أبي هريرة واشتهارها أكثر من اسمه غير وارد . صفته وصفه عبد الرحمن ابن أبي لبيبة أنه (رجل آدم، بعيد ما بين المنكبين، ذو ضَفَرين، أفرق الثنيتين. ) (٢)، ووصفه ضمضم بن جَوْس بأنه ( شيخ يضفر رأسه ، برّاق الثنايا .) (٣) ووصفه محمد بن سيرين بأنه كان أبيض ، ليناً ليس بالمخشوشن ، ويخضب لحيته بالحنّاء ، ويلبس الكتان (٤) ، وورد بعده أسانيد صحيحة أنه كان يلبس كساء الخز ، والعمامة السوداء ، والثياب الممشقة (٥) ، وظاهر أن لبسه الخز والكتان إنما كان بعد توسع حاله ، وإلا فقد كان فقيراً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. (١) اقتباس من كلام الاستاذ الخطيب في كتابه عن أبي هريرة ص ٢١٣ (٢) (٣) (٤) (٥) ابن سعد ٣٣٤/٣٣٣/٤ ٢٣ اسْلامُه وَهجرتهُ كانت دوس كباقي العرب، وثنيّة مشركة، وقد نصبت لها صنماً تعبده تسميه ((ذا الخَلَصّة))، وقع ذكره في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أخرج البخاري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى تضطرب اليّات نساء دوس على ذي الخلصة.) (١) يقول أبو هريرة معقباً (وذو الخلصة طاغية دَوْس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.) ، وفي لفظ أحمد ومسلم : ( وكانت صنماً تعبدها دوس في الجاهلية.) (٢) زاد أحمد: (بتبالة)، وهي قرية بين الطائف واليمن ، كما في معجم البلدان . وهذه الخلصة هي غير ذي الخلصة التي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم جرير بن عبدالله رضي الله عنه في خمسين ومائة فارس من أحمس فهدموها، والتي ساق البخاري أخبار هدمها (٣)، ووصفها جرير في حديثه بأنها في منازل قبيلة خثعم، إذ (وان كان السهيلي يشير الى اتحادهما) إلا أن بين دوس(وبين خثعم تبايناً في النسب والبلد، وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة كان عمرو بن لحي قد نصبه أسفل مكة ، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم فكانوا قد بنوا بيتاً يضاهون به الكعبة، فظهر الافتراق وقوي التعدد.) (٤). في وسط هذا الضلال الجاهلي والشرك المظلم بلغت دعوة التوحيد من مكة (رجلاً شريفاً شاعراً مليئاً كثير (١) البخاري ٧٣/٩ والخلصة بفتحات متتالية . (٣) البخاري ٢٠٩/٢٠٨/٥ (٢) مسند أحمد ٩٢/١٤ ومسلم ١٨٢/٨ (٤) فتح الباري ١٣٣/٩ ٢٤ الضيافة) (١) هو الطفيل بن عمرو الدوسي، ف(أسلم الطفيل بن عمرو ، وتبع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمكة ثم رجع إلى قومه من أرض دوس.) (٢) و (دعا قومه فأسلموا) (٣) فكان (فيهم أبو هريرة) (٤) ، وذكر ابن حجر أن رواية هشام ابن الكلبي لقصة الطفيل (فيها أنه دعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه ، وأجابه أبو هريرة وحده .) (٥) . هكذا بدأت قصة إسلام أبي هريرة . ثم ( إن الطفيل بن عمرو الدّوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ قال : حصن كان لدوس في الجاهلية . فأبى ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، للذي ذخر اللّه للأنصار ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو.) (٦). يقول الطفيل : ( قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس.) (٧). وابتداء من هذا اليوم يتولى أبو هريرة سوق أخباره وأخبار الوفد . يقول أبو هريرة : ( لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر استخلف سباع بن عرفطة الغفاري ، فقدمنا ) (٨) ( المدينة ونحن ثمانون بيتاً من دوس، فقال قائل: رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وهو قادم عليكم ، فقلت : لا أسمع به ينزل مكاناً أبداً إلا جئته) (٩) (فأتينا سباع بن عرفطة فجهّزنا ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح بيوم أو بعده بيوم.) (١٩) ( قد فتح النطاة وهو محاصر أهل الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا .) (١١). (١) ابن سعد ٢٣٧/٤ (٢) المستدرك ٢٥٩/٣ بطريق مرسلة عن الواقدي، والواقدي وان استقر الاجماع على وهنه كما يقول الذهبي في الميزان ١١٠/٣، الا ان الاستئناس برواياته في مثل هذه الامور جائز كما صرح الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٩٠/٣ (٤) نفس المصدر (٣) ابن سعد ٣٥٣/١ عن شيوخ له (٥) فتح الباري ١٦٤/٩، وابن الكلبي ضعيف، لكن يجوز (٦) رواه مسلم ٧٦/١ عن جابر بن عبد الله، وهو في المستدرك ٧٦/٤ بسند على شرط الشيخين وفي مسند أبي عوانة ٤٧/١ الاستئناس برواياته في مثل هذه الامور غير الشرعية أو التاريخية التي لا ينقل خلافها من الروايات او القرائن . (٧) ابن سعد ٢٣٩/٤ من طريق الواقدي، وانظر تاريخ البخاري (٨) مستدرك ٣٣/٢ بسند صحيح اقره الذهبي ومسند أحمد ٣٤٥/٢ ٣٥٥/ ١٢/٣ (١٠) مستدرك ٣٣/٢ (٩) مغازي الواقدي ٦٣٦/٢ (١١) مغازي الواقدي ٦٣٦/٢، والنطاة والكتيبة من حصون خيبر المنيعة، وخبر مجيء أبي هريرة واستخلاف سباع اخرجه الطحاوي في معاني الآثار ١٠٨/١، وكذلك أحمد، وابن خزيمة وابن حبان فيما يقول ابن حجر في الفتح ٢٩/٩ ٢٥ وهذه الروايات الواضحة تصرف قول البخاري في أن أبا هريرة (جاء بعد أيام خيبر ) (١) إلى البعدية القريبة ، أي بعد أهم معارك خيبر في النطاة ، والقرائن تدل على ذلك ، اذ هو قد شاهد صاحب القصة المشهورة الذي قاتل في آخر معارك خيبر مع المسلمين فجرح فانتحر ، ويقول في ذلك : (شهدنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال ، يعني لرجل من المسلمين: هذا من أهل النار ... ) (٢) وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح أن أبا هريرة قدم بين الحديبية وخيبر (٣) . كان أبو هريرة آنذاك في فورة شبابه ، إذ كان عمره دون الثلاثين سنة ، استدلالاً من عمره عند وفاته ، كما سنأتي على ذكره في فصل وفاته ، فلا غرابة أن نجده متوقد الذهن ، حاد الذكاء، سريع الحفظ ، عميق الإيمان ، يساعده على ذلك ما كان قد تعوّده أثناء نشأته يتيماً من الاعتماد على النفس ، ويعاونه على التجرد للحفظ وفهم قواعد الايمان بعده عن مشاغل الدنيا وهجرته مسكيناً لا تعلق لقلبه بمال ، وفي ذلك يقول أبو هريرة بسند صحيح عنه : ( نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً .) (٤). مدة صحبته لما كان أبو هريرة قد (قدم في خيبر سنة سبع، وكانت في صفر ، ومات النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة احدى عشرة ، فتكون المدة أربع سنين وزيادة .) (٥) ، وهي المدة التي صرح بها حميد بن عبد الرحمن الحميري بقوله : ( لقيت من صحب النبي صلى اللّه عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين.) (٦) . ١ لكن أبا هريرة نفسه يصرح في البخاري بأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين (٧) ، ( فكأن أبا هريرة اعتبر المدة التي لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الملازمة الشديدة وذلك بعد قدومهم من خيبر ، أو لم يعتبر الأوقات التي وقع فيها سفر النبي صلى الله عليه وسلم من غزوه وحجّه وعُمَرِه، لأن ملازمته له فيها لم تكن كملازمته له في المدينة ، أو المدة المذكورة بقيد الصفة التي ذكرها من الحرص ، وما عداها لم يكن وقع له فيها الحرص المذكور ، أو وقع له لكن حرصه فيها أقوى ، والله أعلم.) (٨)، أو أن يكون نقصان ذلك راجعاً إلى عدم إدخاله في الحساب أيام سفره إلى البحرين سنة ثمان للهجرة برفقة العلاء الحضرمي أمير النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين (٩). (١) التاريخ ١/١٣٠/ق١ (٣) مخطوطة تاريخ ابن أبي خيثمة ص ٧٣ (٥) فتح الباري ٤٢١/٧، سير أعلام النبلاء ٤٢٦/٢ (٧) وكذا في معاني الآثار ٢٦٠/١ (٩) كذا رجح محمد عجاج الخطيب في كتابه عن أبي هريرة ص ٢١٩ (٢) مسند أحمد ٢٢٥/١٥ والقصة في صحيح البخاري في عدة مواضع . (٤) ابن سعد ٣٢٦/٤ التاريخ الكبير ١٥/٢٢/٥٤ (٦) مسند أحمد ١١١/٤، أبوداود ١٩/١، النسائي ١٣٠/١، ابن سعد ٣٢٧/٤، معاني الآثار ١٤/١ باسانيد صحيحة . (٨) الفتح ٤٢١/٧ وستأتي في فصل خاص أقواله في حرصه . ٢٦ تتَابع الفَصل عَلى أبي هريرة - إن التحاق أبي هريرة رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم ومجتمع الصحابة أتاح تتابع الخير والفضل عليه . فهو ينال أجر الصحبة المطلقة ، ويكسب العدالة التي لحقت بهم جميعاً وأثبتتها آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، ومن يرفضها فانما يرفض القرآن والحديث الصحيح وإجماع الصدر الأول من المسلمين . وهو ينال شرف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقبيلته دوس بالهداية . وينال شرف اليمن ليمانيته . وينال اجر الهجرة الى الله ورسوله، إذ كانت هجرته قبل الفتح. وشرف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له. وأجر الفقر وسكناه الصفة . وأجر الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأجر حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغه . نيله فضل الصحبة المطلقة أكرم الله تعالى الصحابة بآيات كثيرة تثبت لهم الفضل والعدالة ، منها ما نزل في صحابي واحد أو في أصحاب مشهد معين مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، كرضوانه عن الذين بايعوا تحت الشجرة في الحديبية ، ومنها ما نزل فيهم عامة ودخل تحت ظلها كل صحابي . وكذلك أكرم الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بمثل ذلك من الاستغفار وإعلان الفضل والعدالة لبعضهم أو لطبقة منهم أو لهم عامة . ٢٧ فمن الآيات العامة الشاملة قوله تعالى : ( محمد رسول اللّه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.) (١) ومن آخر الآيات نزولاً قوله تعالى: ( لقد تابَ اللّهُ على النبيِّ والمهاجرين والأنصار الذينَ اتْبَعُوهُ " في ساعَةِ العُسرة مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزيغُ قلوبُ فريقٍ منهمْ، ثمّ تابَ عَلَيهِمْ، إنّه بِهِمْ رؤوفٌ رَحِيمٌ.) (٢) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما أخرجه البخاري وغيره: (لا هجرة بعد الفتح.) ، فان أبا هريرة يعدّ مهاجراً، وينال أوصاف المهاجرين في هذه الآية والآيات الكثيرة التي ذكرتهم بالفضل، فإن كل من كان يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير مكة يعدّ مهاجراً أيضاً ، ولا تقتصر صفة الهجرة على أهل مكة ، لأن المركز السياسي لمكة آنذاك كان يرهب كل العرب ، فمن كسر طوقها وهاجر فقد هاجر ، أنّ كان موطنه ، لكن اصطلاح المهاجرين إذا أطلق عند الباحثين فانما يعنون به من هاجر من مكة فحسب . وأما الأحاديث العامة الشاملة فكثيرة . منها ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن عمر قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال : أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.) (٣). ومنها ما أخرجه البخاري بسنده إلى عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال : ( عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، قال عمران : فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلّم بعد قوله مرتين أو ثلاثاً .) (٤) وأخرجه البخاري أيضاً عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أيضاً (٥)، وكذلك أخرجه مسلم (٦) . ومنها ما أخرجه البخاري بسنده إلى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن أبي سعيد الخدري قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون : فيكم من صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم، فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم ، فيفتح لهم .) (٧) . (١) الفتح ٢٩ (٣) المسند جـ١ حديث رقم ١٧٧ (٥) البخاري ١٦٧/٨ (٧) البخاري ٢٣٩/٤، ٢/٥، مسلم ١٨٤/٧ (٢) التوبة ١١٧ (٤) البخاري ١٧٦/١١٣/٨ (٦) مسلم ١٨٥/٧ ٢٨ وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم سبّهم فيما أخرجه البخاري بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: ( قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.) (١)، وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣)، ورواه الترمذي وقال: ( هذا حديث حسن صحيح ، ومعنى قوله : نصيفه : يعني نصف المد .) (٤) ( والعرب تسمي النصف : النصيف ، كما قالوا في العشر : عشير .) (٥) وإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم هنا خالد بن الوليد رضي الله عنه ينهاه عن سبّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد كان أغلظ له القول ، فالخطاب موجه إلى متأخري الصحابة ، بل خالد من الفترة المتوسطة ، أن أحدهم مع كونه صحابياً لا يبلغ أجره لو أنفق مثل أحد ذهباً أجربعض أصحابه الأولين الذين منهم عبد الرحمن بن عوف ، فكيف بنا نحن ؟ من أجل ذلك كان حبّ الصحابة رضي الله عنهم والاستغفار لهم أصلاً من أصول العقيدة الإسلامية النقية . بهذا صرح علماؤنا من السلف والخلف . نقل الأذرعي رحمه الله في شرحه العقيدة الطحاوية عن ابن بطة العكبري باسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه قال : ( لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم - خير من عمل أحدكم أربعين سنة.) (٦) وقال التابعي الجليل قتادة بن دعامة رحمه الله : (أحق من صدقتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيّه وإقامة دينه.) (٧). ونقل الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله عن تابع التابعين سفيان بن عيينة قال : ( من نطق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فهو صاحب هوى.) (٨). وقال عبدالله بن سوار العنبري قاضي البصرة المتوفى سنة ٢٢٨ هـ: ( السنّة عندنا تقديم أبي بكر وعمر. وعثمان ، والحب للصحابة جميعاً ، والكفّ عن مساويهم، وعظيم الرجاء لهم.) (٩). وقال الحميدي القرشي، تلميذ الشافعي وشيخ البخاري، موضحاً عقيدته في الصحابة: (( عندنا ...: الترحّم على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلُّهم، فإن الله عز وجل قال: (والّذين جاءوا من بَعْدِهِمْ يقولونَ: ربّنا اغفِرْ لنا ولإخوانِنا الذَينَ سَبَقُونا بالإِيمان) (١٠). فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن (١) البخاري ١٠/٥ (٣) أبو داود ٥١٨/٢ بسند صحيح (٥) غريب الحديث لابي عبيد ١٦٤/٢ (٨) الغنية لطالبي طريق الحق ٧٩/١ (٩) التهذيب ٢٤٨/٥ (٢) مسلم ١٨٨/٧ (٤) الترمذي ١٤٤/١٣ (٦) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٩٨ (٧) مسند أحمد ١٣٤/٣ بسند صحيح (١٠) الحشر آية ١٠ ٢٩ سبّهم أو تنقّصهم أو أحداً منهم فليس على السنة ، وليس له في الفيء حق . أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك ابن أنس أنه قال : قسم اللّه تعالى الفيء فقال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم). (١) . ثم قال : ( والّذينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يقولونَ رَبّنا اغفِرْ لَنَا ولإخواننا الّذينَ سبَقُونا بالإيمانِ ولا تَجعَلْ في قلوبِنَا غِلاً للذين آمنوا، ربّنا إنّك رؤوفٌ رحيم). فمن لم يقل هذا لهم فليس من جعل له الفيء .)) (٢). وقال الإمام الزاهد الحافظ عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي : ( فأما أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل ، وعرفوا التفسير والتأويل ، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابةً ، وجعلَهم لنا أعلاماً وقدوة ، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع ، وحكم وقضى ، وندب وأمر ، ونهى وحظر وأدّب، ووعوه فأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر اللّه ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه ، فشرّفهم الله عز وجل بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة ، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم : عدول الأمة ، فقال عزّ ذكره في محكم كتابه : ( وكذلكَ جَعَلْنَاكُمْ أمّةً وَسَطاً لتكُونوا شهداءَ عَلَى الناسِ ) (٣)، ففسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز ذكره قوله: وسطاً، قال: عدلاً، فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى ونقلة الكتاب والسنة . وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم والجري على مناهجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم ، فقال : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله من تولى). (٤) . ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حضّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها ، منها أن دعا لهم فقال: نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره . وقال صلى اللّه عليه وسلم في خطبته : فليبلغ الشاهد منكم الغائب . وقال : بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج . ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والأمصار والثغور ، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام ، فبثّ كل واحد منهم في ناحيته وبالبلدالذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكموا بحكم الله عز وجل ، وأمضوا الأمور على ما سَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظائرها من المسائل ، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة الى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام ، والسنن والحلال والحرام ، حتى قبضهم الله عز وجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين .) (٥) . (١) الحشر آية ٨ (٣) البقرة / ١٤٣ (٥) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل ص ٧ (٢) مسند الحميدي ٥٤٦/٢ (٤) النساء / ١١٥ ٣٠ وقال امام الجرح والتعديل أبو زرعة الرازي ، ابن خالة أبي حاتم : ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرّحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة.) (١). وكذلك الإمام الطحاوي ، في عقيدته المشهورة التي أجمع علماء المذاهب على صحتها ووجوب اعتقادها على كل مسلم ، جعل حبَّ الصحابة إيماناً ، وبغضهم كفراً ، فقال: ( ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ، ونبغض من يبغضهم ، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.) (٢). وقد حمل الامام السبكي في فتاويه هذا النص في تكفير من يبغضهم على بغضهم بجملتهم من أجل صحبتهم ، أما سبهم فلم يفرق بين سبّهم جميعاً أو واحداً منهم في كون السب مكفراً للساب (٣)، وأما من توقف من العلماء فلم ينطق بتكفيرهم فإنهم مجمعون على فسقه (٤) . وأما ابن حبان البستي فانه يستنبط من قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع ، وكان أبو هريرة من جملة المخاطبين ،: ( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) تعديل الصحابة، فيقول : ( في قوله صلى الله عليه وسلم : ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف ، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف ، أو كان فيهم أحد غير عدل ، لاستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ مَن بعدَهم، دلّ ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً.) (٥). فهذه أقوال ابن عباس وبعض التابعين وأتباعهم وأئمة الحديث في القرون الفاضلة الأولى، ولمن جاء بعدهم کلام کثیر جید . يقول الخطيب البغدادي : ( أن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم في نص القرآن . ) ثم أورد آيات وأحاديث في ذلك، قال بعدها : ( والأخبار في هذا المعنى تتسع ، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن ، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم ، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللّه تعالى لهم ، المطلع على بواطنهم ، إلى تعديل أحد من الخلق له.) ( على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد (١) الكفاية في علم الرواية للخطيب ص ٤٩ بسند صحيح إلى أبي (٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٩٦ زرعة (٣) (٤) فتاوى السبكي ٥٨٠/٥٧٥/٢ (٥) صحيح ابن حبان ١٢٣/١ ٣١ والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين ، القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدّلين والمزكّين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين . هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتدّ بقوله من الفقهاء). (١). ويقول السرخسي المتوفي سنة ٤٩٠ هـ، وهو أحد أعظم علماء الحنفية: (إن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه، كما قال الله تعالى: ((محمدٌ رسولُ اللّه والذينَ مَعَهُ أشدّاءُ علىَ الكفّارِ رحماءُ بَيْنَهُم)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم خير الناس، فقال: (( خير الناس قرني الذين أنا فيهم ، والشريعة بلغتنا بنقلهم ، فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للاسلام، دواؤه السيف إن لم يتب .) (٢). ويقول الإمام القدوة ، ناصر السنة وقامع البدعة ، ابن تيمية الحرّاني : (من لعن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كمعاوية ابن أبي سفيان وعمرو ابن العاص ونحوهما، أو من هو أفضل من هؤلاء ، كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما ، أو من هو أفضل من هؤلاء ، كطلحة والزبير ، أو عثمان وعلي ابن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق وعمر ، أو عائشة أم المؤمنين ، أو غير هؤلاء من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فانه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين.) (٣) وفي الباب أقوال أخرى جيدة نقلها الأستاذ محمد عجاج الخطيب وغيره ، وأكتفي أنا بذكر هذه النقول الفريدة التي لم يذكرها أحد . وفي الوقت الذي يكثر فيه الطعن في الصحابة والانتقاص منهم يكون من جميل ما ندين الله به تتبع أخبار فضلهم وإذاعتها والانتصاف لهم من أعدائهم ، وأنا أرجو أن يكتب الله لي بكتابي هذا حسنة ، ويحطّ عني سيئة ، وأن يحشرني معهم . نيله شرف دعوة النبي مَ لِ لدوس بالهداية أخرج البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قدم طفيل بن عمرو الدّوْسي وأصحابه على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: يا رسول اللّه: إن دَوْساً عصت وأبت، فادع اللّه عليها، فقيل: هلكت دَوْس . قال: اللهم اهد دَوُساً وائتٍ بهم.) (٤) . وأبو هريرة وإن كان مؤمناً حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القولة ، إلا أن الدعوة الكريمة تلحقه ، لأن من معاني الهداية الثبات على معانيها لمن هو مسلم ، والدخول في الإسلام لمن لم يسلم بعد . (١) الكفاية ص ٤٦، ص ٤٩ (٣) فتاوى ابن تيمية ٢١٦/٤ (٢) أصول السر خسي ١٣٤/٢ (٤) البخاري ٥٤/٤، ٢٢٠/٥، ١٠٥/٨، مسلم ١٨٠/٧، الحميدي ٤٥٣/٢ ٣٢ وخصّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرف اقراناً لقريش والأنصار وثقيف، إذ أخرج الحميدي عن أبي هريرة قصة الأعرابي الذي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة ثم سخط حين لم يكافئه إلا بستّة، وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال بعد ذلك: ( لقد هممت أن لا أنَّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي. قال سفيان بن عيينة : وقال غير ابن عجلان - وهوراوي الحديث -: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول التفت فرآني فاستحي فقال: أو دوسي.) (١) وأخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي هريرة قال: ( قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: وأيم الله لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجراً قرشياً أو انصارياً أو دوسياً أو ثقفياً.) (٢) والقصة في مسند أحمد أيضاً بسند صحيح (٣). وهناك قصة أخرى أخرجها عبدالله بن وهب شيخ شيوخ البخاري بسند منقطع في جامعه ، ولكن يمكن أن نستأنس بها في مثل هذه الأغراض ، تبين امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعن دوس. قال ابن وهب : (أخبرني من سمع الأوزاعي يقول : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله: إلعن دوساً ، فوالله ما رأيت قوماً قط أفتك رجلاً ولا أفتك فتاة منهم ، فقال أبو هريرة : يا قوماه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّا لم نبعث طعّانين ولا لعّانين. ولكن بعثنا رحمة للعالمين.) (٤) نيله شرف اليمن وأهلها آنذاك أبو هريرة يماني ، فيلحقه شرف اليمن وشرف أهلها آنذاك . أخرج البخاري بسنده إلى عقبة بن عمرو رضي الله عنه أنه قال ( أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال : الإيمان يمانٍ هاهنا.) (٥) وفي لفظ عنه أنه أشار مرتين (٦). وأخرج البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية.) (٧). وهذا الحديث في صحيح مسلم أيضاً . (٨) (١) مسند الحميدي ٤٥٤/٢ بسند صحيح (٣) ٩٧/١٣ (٥) البخاري ١٥٥/٤ (٧) البخاري ٢١٧/٤، ٢١٩/٥ (٢) ابو داود ٢٦٠/٢ (٤) جامع ابن وهب ص ٥٧ (٦) البخاري ٦٨/٧ (٨) مسلم ٥٢/١ ٣٣ وعند البخاري عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاكم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة وألين قلوباً .) (١) . وبلفظ آخر : أتاكم أهل اليمن ، أضعف قلوباً وأرق أفئدة ، الفقه يمان والحكمة يمانية (٢)، وهذا أخرجه مسلم أيضاً (٣)، والترمذي (٤)، وأحمد في المسند (٥). وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرتين: ( اللهم بارك لنا في شأمنا ، اللهم بارك لنا في يمننا.) (٦)، وهذا أخرجه الترمذي أيضاً. (٧). وأخرج البخاري عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: (أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: ألا إن الأيمان ها هنا .) (٨). وعند الدارمي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ: (إذا جاءَ نصرُ اللّهِ والفَتْحُ) ثم قال: ((وجاءَ أهل اليمن ، هم أرقّ أفئدة، والأيمان يمان والحكمة يمانية.)) (٩) أفتراه قال : أهل اليمن إلا أبا هريرة حتى نوافقك أيها المخالف ؟ قال ابن حجر : ( المراد بذلك : الموجود منهم حينئذ لا كلّ أهل اليمن في كل زمان ، فان اللفظ لا يقتضيه .) (١٠) نيله شرف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتوثيقه له قال البخاري : ( حدّثنا محمد بن عقبة ، قال حدثنا الفضل بن العلاء ، قال حدثنا اسماعيل بن أمية ، قال حدثنا محمد بن قيس أن زيد بن ثابت قال : دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة.) (١١) وهذه الدعوة أخرجها مسلم عن أبي هريرة قال: ( قلت يا رسول الله: ادع الله أن يجبيني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحبيهم إلينا . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حبب عُبَيْدك هذا، يعني (١) البخاري ٢١٩/٥ (٣) مسلم ٥١/١ (٥) ٢٤٧/١٧٢/١٣ (٧) الترمذي ٢٩٩/١٣ (٩) الدارمي ٣٧/١ (١١) التاريخ الكبير ١٥/١/٢١٣، ورجال السند ثقات كلهم (٢) البخاري ٢٢٠/٥ (٤) التر مذي ٢٨٦/١٣ (٦) البخاري ٦٧/٩ (٨) البخاري ٥١/١، وأخرجه أحمد ٢٧٣/٥ بسند صحيح (١٠) فتح الباري ٣٤٣/٧ ٣٤ أبا هريرة، وأمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّب إليهم المؤمنين. فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني.) (١) وهكذا كان من علامات المؤمنين إذاً : حب أبي هريرة . وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة العبدي عن الطفاوي ، وثلاثتهم ثقات ، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: ( بينا أنا أوعك في المسجد إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد فقال : من أحس الفتى الدّوْسي ؟ ثلاث مرات . فقال رجل : يا رسول الله هوذا يوعك في جانب المسجد، فأقبل يمشي حتى انتهى إليّ، فوضع يده عليّ فقال لي معروفاً فنهضت.) (٢). هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتفقده، وهكذا سأل عنه حين لم يره في صلاة واحدة . وأخرج الحاكم بسند صحيح أقرّه الذهبي عن أبي سعيد الخدري رضي عنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو هريرة وعاء العلم. ) (٣)، لكني، لطبيعة اللفظ. أرجح أنه موقوف على أبي سعيد رضي الله عنه، وأنه هو رأيه في أبي هريرة، فوهم أحد رواته مع ثقتهم فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد ما أقول ما ورد في ميزان الاعتدال (٤)، إذ روى سلام بن مسلم حديثاً عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً عدّد فيه لكل صحابي فضيلة ، وكانت حصة أبي هريرة أنه (وعاء من العلم)، وسلام هذا ضعيف متروك ، ضعّفه البخاري ، وابن معين وأحمد والنسائي وأبو زرعة ، وأفاد ابن عدي أنه لا يتابع على حديثه هذا وأحاديث أخرى ، فيكون سلام هذا قد أدخله على أحد الرواة . لحوق شرف الفقر وسكنى صفّة المسجد به (الصفّة موضع مظلل في المسجد النبوي) (٥)، ويحدثنا أبو هريرة عن نفسه أنه كان امرءاً من مساكين الصفّة.) (٦)، بل (هو أشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتقل عنها ، وكان عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين.) (٧) و (كان أهل الصفة ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا منازل لهم ، فكانوا ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ويظلون فيه ما لهم مأوىًّ غيره، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إليه بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه ، وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه (١) مسلم ١٦٦/٧ (٣) مستدرك ٥٠٩/٣ (٥) فتح الباري ٨١/٢، مصنف ابن أبي شيبة ٨٤/٢ (٧) حلية الأولياء ٣٧٦/١ (٢) أبو داود ٥٠٢/١ (٤) ٣٩٩/١ (٦) البخاري ٦٥/٣ ٣٥ وسلم ، حتى جاء الله تعالى بالغنى) (١) و (إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها.) (٢) أو كان عليه الصلاة والسلام يقول: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، وإن اربع فخامس أو سادس .) (٣) فكانوا يتسابقون لنيل شرف ضيافتهم ، فـ (إن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة.) (٤). وكانت العادة أن الرجل (إذا قدم المدينة فكان له بها عريف نزل على عريفه ، وإن لم يكن له بها عريف نزل الصفّة.)(٥) فهم ( أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد) فيما يقول أبو هريرة، (٦) وعاشوا عيشة فقر ، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ( بعض صلاة النهار ، فلما سلم ناداه أهل الصفة يميناً وشمالاً : يا رسول الله: أحرق بطوننا التمر وتخرقت عنا الخنف، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منبره فصعده فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر الشدة ما لقي من قومه . ) (٧)، وقد رأى أبو هريرة (سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، أما ازار ، وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.) (٨). وقول أبي هريرة هذا (يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين ، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزوة بئر معونة ، وكانوا من أهل الصفّة أيضاً، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة ، وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الاعرابي والسلمي والحاكم وأبو نعيم ، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر ، وفي بعض ما ذكروه اعتراض ومناقشة.) (٩) . ( وكان أهل الصفّة يقومون بفروض عظيمة، منها تلقى القرآن والسنن، فكانت الصفّة مدرسة الإسلام، ومنها حراسة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها الاستعداد لتنفيذ أوامره وحاجاته في طلب من يريد من المسلمين وغير ذلك ، كانوا قائمين بهذه الفروض عن المسلمين ، فكانت نفقتهم على سائر المسلمين وإن سميت صدقة.) (١٠). وبهذا حاز أبو هريرة شرف فقراء الصفّة وفضلهم وأجرهم ، إذ شهد لهم القرآن الكريم بأن انقطاعهم (١) أخرجه ابن سعد ٢٥٥/١ من قول يزيد بن عبد الله بن قسيط . (٣) (٤) أخرجه البخاري ١٤٧/١ عن عبد الرحمن ابن ابي بكر الصديق ، وأخرجه مسلم أيضاً ١٣٠/٦ (٦) البخاري ١٢٠/٨ (٨) البخاري ١١٤/١، وانظره بلفظ مقارب في مصنف ابن أبي شيبة ٣١٤/١ بسند صحيح، والزهد لأحمد ص ٧، وكذلك في المستدرك ١٦/٣، وابن سعد ٢٥٥/١ من طريق الواقدي وصرّح بانه رأى ثلاثين . (٢) أخرجه البخاري ١٢٠/٨ من قول أبي هريرة (٥) المستدرك ١٥/٣ بسند صحيح اقره الذهبي عن احد الصحابة . (٧) المستدرك ١٥/٣ (٩) فتح الباري ٨٢/٢ (١٠) من كلام عبد الرحمن المعلمي في الأنوار الكاشفة ص ١٤٥ ٣٦ : كان في سبيل اللّه، إذ أخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في تفسير قوله تعالى: (للفُقْرَاءِ الّذينَ أَحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً في الأرضِ)(١)،: (هم أصحاب الصفة (٢).)، ولذلك أمر الله تعالى رسوله الكريم أن يصبر نفسه معهم فقال له: (واصبرْ نَفْسَك مع الّذينَ يَدْعُونَ ربّهمْ بالغداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.) (٣)، أي مع أهل الصفّة كما ذكرت التفاسير . فكيف نرضى لأنفسنا أن نطعن برجلٍ شهد له القرآن بأنه محصر في سبيل اللّه وأنه يدعو ربه غداة وعشياً مريداً وجهه ؟ لا والله لا نطعن ، بل نتقرب إلى الله بحبه . وهكذا نرى أن الفضل قد تتابع لأبي هريرة ، لصحبته ، ولهجرته ، ولد ◌َوْسِيّتِه ، ويمانيته ، ونيله دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوثيقه له ، وشهادة القرآن له . وسنرى في فصول مستقلة ما لحقه من فضل الجهاد وفضل نشر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. نوال حديث أو قران ينزلُ وهاجرَ من دوس وحيداً وقصده أُنيلَ الهدى ثم الرسول يعدّل وعاش رضيّاً في المدينة طالما بقول طُفَيْل والنبيُ يجحفلُ : تنامى له الهديُ اللطيفُ بصفّة فألفى رحيماً للهداية يسأل عصت دَوْسُنا فليغضب اللّه وادعه حبه النبي غانٍ وملازمته له كان أبو هريرة رضي الله عنه شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرح بحبه هذا فيقول له : ( يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني ) (٤)، وقد استولى عليه هذا الحب بكلّيته ، حتى إنه (١) البقرة : ٢٧٣ (٣) الكهف : ٢٨ (٢) الطبقات ٢٥٥/١ (٤) مسند أحمد ٣٢٣/٢، والمستدرك ١٦٠/٤ بسند صحيح اقره الذهبي ، واخرجه الهيشي في مجمع الزوائد ٣٦٢/٩ عن البزار ورجاله رجال الصحيح غير واحد وهو ثقة ايضاً . ٣٧ كان يفضل سماع الحديث الواحد من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أفواه كبار الصحابة رضي الله عنهم على الف ركعة ، فيقول : (باب من العلم نتعلمه أحب الينا من ألف ركعة.) (١). وقد أجج فيه هذا الحب عاطفة غامرة تجاه اسم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لم يكن يتمالك نفسه معها ، فيجهش بالبكاء مرة بعد مرة إلى حد الغيبوبة، وقد حفظ لنا الترمذي بسند حسن إلى شفي الاصبحي (٢) صورة صادقة لما كان يستولي على أبي هريرة من هذا الحب العظيم ، إذ دخل شفي (المدينة فاذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من هذا ؟ فقالوا : أبو هريرة ، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدّث الناس ، فلما سكت وخلا قلت له : أنشدك بحقٍ وحقٍ لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عقلته وعلمته ، فقال أبو هريرة: أفعلُ ، لَأحدثك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته ، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغة . ) قال في لسان العرب: و (النشغ: الشهيق وما أشبهه حتى يكاد يبلغ به الغشي) (وإنما يفعل ذلك الإنسان شوقاً إلى صاحبه وأسفاً عليه وحباً للقائه.) (٣). واستمر شفي الأصبحي يصف لنا كيف نشغ ابو هريرة ثانية وثالثة ورابعة قبل أن يتمكن من رواية الحديث . يقول : (فمكث قليلاً ثم أفاق فقال : لأحدثك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ، ثم أفاق فمسح وجهه فقال : لأحدثك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح وجهه فقال : أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره ، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ، ثم مال خارّاً على وجهه فأسندته عليّ طويلاً ثم أفاق فقال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضيَ بينهم ... ) ثم ساق حديثاً طويلاً في عذاب الذي يقرأ القرآن أو ينفق أو يقاتل وهو يراني طالباً مدح الناس . (٤) ولا داعي لأن يتعنت الكاره لأبي هريرة فيظن أنه فعل ذلك تكلفاً ورياءً ، إذ كانت هذه هي حالة بعض الصحابة رضي الله عنهم حين ذكرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكر الصديق مثلاً، إذ حفظ لنا أوسط بن عمرو البجلي صورة أخرى لأبي بكر باكياً في مثل حالة أبي هريرة . (١) أخرجه البخاري معلقاً بسند غير موصول في التاريخ (٢) هو أبو عثمان بن ماتع، أحد مشاهير التابعين، متفق على توثيقه . ترجمته في التهذيب ٣٦٠/٤ الكبير ٢١٢/ ٤/ق٢ (٣) غريب الحديث لابي عبيد ١٩٥/٤ ونقله عنه صاحب (٤) الترمذي ٢٢٦/٩، وهو في المستدرك ايضاً ٤١٨/١، والزهد لابن المبارك ص ١٥٩ اللسان ٤٥٥/٨ ٣٨ قال أوسط : ( قدمت المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة ، فألفيت أبا بكر يخطب الناس فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول ، فخنقته العبرة، ثلاث مرار ، ثم قال : يا أيها الناس : سلوا الله المعافاة .... ) (١). إن هذا الحب الفائق حدا بأبي هريرة في مرارٍ كثيرة إلى أن يطول ذكره للرسول صلى الله عليه وسلم حين التحديث عنه ، تشرفاً بذكره ، وأنساً بأسمائه، فيقول مراراً : ( سمعت رسول اللّه الصادق المصدوق أبا القاسم صاحب هذه الحجرة صلى الله عليه وسلم يقول : .. ) (٢)، ويقول في أخرى: ( سمعت حيي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : .. ) (٣)، ويسميه (نبي التوبة) (٤)، وأمثال ذلك. وورد عنه في أكثر من موضع قوله: حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم (٥)، فأنكر ذلك المنكرون ، وجعلوا أبا هريرة جريئاً على ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، متحدياً لقوله: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر ، وليس الأمر كما توهموا وانتقدوا عليه ، فقد سوّغ قوله وأبّره العلماء ، إذ (الخليل : الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب فصارت في خلاله ، أي في باطنه ، واختُلف : هل الحلة أرفع من المحبة أو بالعكس ؟ وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، لأن الممتنع أن يتخذ هو صلى الله عليه وسلم غيره خليلاً لا العكس ، ولا يقال أن المخاللة لاتتم حتى تكون من الجانبين، لأنّا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة والمحبة.) (٦)، وكونه أراد مجرد الصحبة أظهر ، ويدل على ذلك ورود هذه اللفظة عن صحابة آخرين غير أبي هريرة، كقول أبي ذر: ( إن خليلي أوصاني أن أصلي الصلاة لوقتها.)(٧) وقول أنس بن مالك : ( قلّ ليلة تأتي عليّ إلا وأنا أرى فيها خليلي عليه السلام. ) (٨) ومع ذلك، فكأن متنطعاً أنكر على أبي هريرة هذه اللفظة في زمانه أيضاً ، مما جعله يتركها ابتعاداً عن الخلاف في أمر غير رئيس ، فيقول بعد : ( أوصاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولا أقول خليلي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر ، أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر. ) (٩) . (١) مسند أحمد ١٧٣/١ بسند صححه احمد محمد شاكر، وهو في المستدرك ٥٢٩/١ بسند صحيح اقره الذهبي . (٣) مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ١٨٢/١٥ (٥) البخاري ٧٠/٢، مصنف ابن شيبة ٤٠٨/٢ (٧) مصنف ابن أبي شيبة ٣٨٢/٢ (٩) مخطوطة مسند اسحاق بن راهويه ٦١/٤ . (٢) مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ١٥٦/١٥، الكلى والاسماء ٣/١ (٤) الدار قطني ٢١٣/٦٠/٣ (٦) فتح الباري ٢٩٩/٣ (٨) مسند أحمد ٢١٦/٣ ٣٩ ونرى أن هذا المقدار الكبير الذي قذفه الله تعالى في قلب أبي هريرة من الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم وحبه ، دعاه إلى أن يتجرد لملازمته ومصاحبته لا في المسجد والصُّفة فقط ، أو في غزواته وأسفاره فقط ، بل يخرج معه إلى السوق ، فتراه يقول: ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة فانصرف فانصرفت .. ) (١)، أو يخرج معه لزيارة المرضى، إذ ( عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مريضاً من وعك كان به ومعه أبو هريرة.) (٢)، أو يمسك له بخطام الناقة، فتراه يقول: (إني لآخذ بخطام الناقة لازمها حتى استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، فقال: اللهم أنت الصاحب في السفر .. ) (٣)، أو يتجول معه في البساتين ، فتراه يقول : ( كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل لبعض أهل المدينة فقال :.. ) (٤) أو يخدمه في أسفاره، فيقول: ( نشلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتفاً من قدر العباس فأكلها .) (٥) فاذا خفي عليه من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء لا يستطيع مشاهدته أو سماعه يسأله عنه ، فيقول مثلاً : ( بأبي أنت وأمي ، أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ، أخبرني ما هو ؟ قال : أقول :.. ) (٦) أو يسأله عن أحق الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي ، بل سأله عن ابتداء أمر النبوة ، فعن أبي ابن كعب رضي الله عنه قال: ( إن أبا هريرة رضي الله عنه سأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان جريئاً أن يسأله عن الذي لا يسأله غيره ، فقال: يا رسول الله: ما أول ما ابتدأت به من أمر النبوة ؟) فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وروى له أمره (٧) إلى غير ذلك ، حتى إنه لما اكتشف بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم أن بعض حديثه قد فاته ولم يسمعه أسف لعدم حيازته ذلك الحديث ، إذ مرّ بصحابي وهو يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: من مات له ولدان أدخله الله الجنة، فيقول أبو هريرة : ( أنت الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولدين ما قال؟ قال: قلت : نعم. قال: لأن يكون قال لي أحب إلي مما خلقت عليه حمص وفلسطين .) (٨). إن هذا الحب الكبير ، وهذه الملازمة المستمرة وهذه الجرأة على السؤال عما خفي ، كلها قد تضافرت فأتاحت لأبي هريرة أن يطلع على أحوال كثيرة من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطّلع عليها غيره ، فانفرد بروايتها أحياناً ، مثلما أتاحت له أن يحفظ حفظاً متقناً ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأكثر من الرواية عنه . وانظر أخيراً إلى سمو همته حين يدعوه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعض الغنائم قائلاً له : ( ألا تسألني من هذه الغنائم؟) فيجيبه : ( أسألك أن تعلمني مما علمك الله.) (٩). وقد علم الله ورسوله صدق قولته ، فكان من العلماء . (١) البخاري ٢٠٤/٧ (٢) ابن ماجة ١١٤٩/٢، المستدرك ٣٤٥/١ (٣) المستدرك ٩٩/٢ (٤) مجمع الزوائد ٥٠/١ (٥) مجمع الزوائد ٢٥١/١ (٦) مسند أحمد بتحقيق احمد شاكر ١٢ / ١٤٥، نسائي ١٢٩/٢ (٧) دلائل النبوة ص ١٧٥ (٨) الكتى والاسماء ٢١/١ (٩) تذكرة الحفاظ ٣٤/١ ٤٠