النص المفهرس

صفحات 1-20

عَبدَ أْمُ صَالح العسَيِ الشَّيْ
دِقـ
عبلة هرة
مكتبة النهضة
بيروت- بغداد
بيروت - لبنان

عَبد المنعِم صَالح العَلي العربي
دفاع
عن أبي هريرة
دَارُ القَدرُ
بَيروت - لبَنان
مَكتبة النَّهَضَة
بَيروت - بغداد

دفاع عن أبي هريرة

الطبعة الثانية
١٩٨١
١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م
جميع حقوق الطبع محفوظة

سم النّه الرحمن الرحيم

مقَدّمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فإن الكتاب والسنّة هما المصدران لشريعة الإسلام ، وكل ما ذكره واستنبطه الفقهاء عبر القرون الطويلة
إنما هو استمداد من هذين المصدرين العظيمين ، واغتراف من منهلهما العذب الصافي. ومن هنا كان كيد أعداء
الإسلام موجّهاً الى هذين المصدرين .
أما كيدهم لمصدر الإسلام الأول - الكتاب - فقد اقتصر على تحريف معناه ، لا على تحريف ألفاظه ،
ومع هذا فقد باء كيدهم بالفشل ، ولم ينالوا ما يريدون ، إلا أن كيد أعداء الإسلام ، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم
اليهود، نحو مصدر الاسلام الثاني - السنة النبوية المطهرة - نال بعض الشيء . فقد استطاع اليهود وغيرهم من
أعداء الإسلام افتراء الأحاديث وتحريف البعض الآخر ، وصنعوا لها الأسانيد المكذوبة ، وأشاعوها في الأمّة ،
ولكن اللّه تعالى هيأ لسنة نبيّه ثلة من العلماء المجاهدين ، فكشفوا عن كيدهم ، وميزوا الأحاديث الصحيحة
من المكذوبة ، وهكذا حفظت السنة النبوية المطهرة .
ولكن اليهود وأعوانهم وأتباعهم لم يلقوا السلاح ، ولم ينصرفوا عن حربهم للإسلام ، فسلكوا مسلكاً آخر يقوم
على التشكيك في رواة السنة النبوية ، ولاسيما المكثرين منهم ، وإثارة الشبهات حولهم ، والطعن في أمانتهم
وصدقهم بحجة النقد العلمي ، والبحث الموضوعي ، والرأي الحر ..... وكان نصيب الصحابي الجليل ، راوية
الاسلام ، وحبيب المؤمنين ، أبي هريرة رضي الله عنه، من هذا الكيد الجديد الشيء الكثير ، لأنه رضي الله عنه
من أكثر الصحابة رواية للحديث ، نظراً لأنه كان من أكثر الصحابة ملازمة لمجلس رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فسمع ما لم يسمعه غيره ، إضافة إلى مسموعاته من غيره من الصحابة ، فصار عنده الشيء الكثير ،
٧

يرويه للناس ويعلمهم إياه ، استجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليبلغ الشاهد الغائب ، فان
الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى له منه .). (١)
لذا استغل خصوم الإسلام ، وعلى رأسهم اليهود ، كثرة الرواية من أبي هريرة رضي الله عنه، واهتبلوها
فرصة سانحة ، وجعلوها ثغرة ينفذون منها للتشكيك بصدق أبي هريرة ، وهم يهدفون من وراء ذلك نبذ مروياته
من السنّة النبوية المطهرة ، فيفوت المسلمين جملة كبيرة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو
ما يريدون ، فاذا فرغوا من أبي هريرة تحوّلوا الى غيره من صحابة رسول اللّه ونقلة سنته إلى الأمة الإسلامية،
وقد رأيت في تاريخ بغداد(٢)، بسند جيد، رجاله من أهل العلم، ان هارون الرشيد رحمه الله سأل ((شاكراً) -
رأس الزنادقة في عصره ، حين أراد ضرب عنقه ، عن سبب اتخاذ الزنادقة لخطتهم في ابتدائهم مع من يطمعون
بتزندقه ، بتعليمه كراهية بعض سادات الصحابة ، فقال شاكر : ( انّا نريد الطعن على الناقلة ، فاذا بطلت
الناقلة أوشك أن نبطل المنقول ) .
وهذا يتفق مع ما ذهبنا اليه في تحليل سبب هذه الحملة على أبي هريرة وما قلناه من أنهم يقصدون السنة والاسلام.
( فان هؤلاء المخذولين لما أرادوا رد هذه الشريعة المطهرة ومخالفتها، طعنوا في أعراض الحاملين لها، الذين لا
طريق لنا إليها إلا من طريقهم ، واستزلوا أهل العقول الضعيفة والادراكات الركيكة بهذه الذريعة الملعونة والوسيلة
الشيطانية ، فهم يظهرون السبّ واللّعن الخير الخليقة ، ويضمرون العناد للشريعة ورفع أحكامها عن العباد ،
وليس في الكبائر ولا في معاصي العباد أشنع ولا أخنع ولا أبشع من هذه الوسيلة.) (٣)، (وقد نجح المستشرقون
إلى حد ما في التأثير في بعض الكتّاب المسلمين في عصرنا الأخير ، فاقتفوا آثارهم فيما زعموا، ورددوا من دعاوى
لم تقم عليها بيّنات ، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم ، وكل هؤلاء وأولئك نفئوا سمومهم باسم البحث
والمعرفة وحرية النقد ، والله يعلم ، والراسخون في العلم يعلمون ، أن ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح
والبحث القويم والنقد النزيه.) (٤) .
وكان من دقة كيد هؤلاء اليهود والمستشرقين أنّهم، بالاضافة إلى استغلالهم من تطوع لنشر سمومهم من
تلامذتهم، قد استأجروا بعض ذوي الذمم الخربة ، فدفعوهم إلى هذا الميدان يكتبون ويجمعون الجمل المقطوعة
والعبارات المبتورة ليتخذوا منها تكأة في باطلهم وافترائهم ، وبعض هؤلاء المستأجرين (كانوا أشدّ من
المستشرقين والمبشرين هوى وعصبية وعداءً ظاهراً للسنة وأهلها ، وزاد عليهم الاسفاف في العبارة ، وأتى في
تناوله للصحابة ، ولاسيما الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ، بألفاظ نابية عارية عن كل أدب
ومروءة ، وذلك كما صنع الشيخ محمود أبو رية .) (٥) الذي ظهر له في مصر كتاب ما لبث أن طبع مرةأخرى،
لأن اليهود اشتروا نسخه الأولى ووزعوها، وهذا بعض التعويض لصاحبه، وما خفي من تعويض أكثر مما ظهر ، واسم
(١) رواه البخاري ٢٧/١
(٢) تاريخ بغداد ٣٠٨/٤
(٣) اقتباس من كلام محمد صديق حسن خان رحمه اللّه في الدين (٤) اقتباس من كلام الشيخ أبي شهبة في كتابه دفاع عن السنة
ص ٠١١٣
الخالص ٤٠٤/٣
(٥) المصدر السابق ص ٧
٨

كتابه : (أضواء على السنة المحمدية)، ( تلقف فيه كل ما قاله الأقدمون والمحدثون من طعون في الأحاديث ،
ورجالها ، وما قاله المستشرقون والمبشّرون ، وأذنابهم ، وحرص أشد الحرص على أن يظهر السنة بمظهر الاختلاف
والتناقض والتحريف والتبديل ، والسذاجة والتحريف ، وفي سبيل هذا الغرض زيّف الصحيح ، وصحح المختلق
المكذوب .) (١)
لكل ذلك رأيت أن من الحق لأبي هريرة رضي الله عنه في أعناق المسلمين، أن ينهض فيهم من يردّ هذا
الكيد عنه ويدفع هذا الافتراء والبهتان عن سيرته، لأن في هذا الدفع وذلك الرد دفاعاً عن سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وحماية لها من طعون المبطلين المفسدين ، والله جلت قدرته أخبرنا بأنه (لا يصلح عمل المفسدين)(٢)
وإنما يبطله ويمحقه بما ييسر له من يكشف باطله وتمويهه، وإني لأرجو أن يكون في هذه الصفحات التي كتبتها
عن هذا الصحابي الجليل ما يساعد على محق باطل أعداء أبي هريرة وكشف عوراتهم وسوآتهم وكذبهم ، (ليهلك
من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة) (٣)، ولعل مؤمناً يرى أنه كان من الأحوط ألا نرد على أبي رية
وأمثاله ، وأن نكتفي باستعراض مناقب أبي هريرة رضي الله عنه، ( إذ الأعراض عن القول المطرح أحرى
لإماتته وإخمال ذكر قائله ، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهاً للجهّال عليه، غير أنّاً لما تخوفنا من شرور
العواقب ، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور ، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء
رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد، أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله.) (٤)
وقد كنت نشرت في شوال ١٣٨٨ / كانون الثاني ١٩٦٩ كتيّبًاً في هذا الموضوع بعنوان : ( أقباس من
مناقب أبي هريرة) رضي الله عنه، استلته من المرحلة الأولى التي أنهيتها من كتابة هذا البحث الموسع، لما رأيت
الحاجة ماسّة له في أعقاب نعيق ناعق في الموصل الباسلة ، البلدة الحبيبة لي ، التي توارثت حبّ الصحابة
أجمعين رضي الله عنهم ، طعن أبا هريرة وتناوله بالسوء، وما كان في أعقاب ذلك من الحكم بالغرامة على
بعض خطباء الجمعة في الموصل حين أنكروا على ذلك الجاهل ، واقامته الدعوى ضدهم ، في حادثة مشهورة
أصدر بعدها فضيلة الشيخ أمجد الزهاوي، رحمه الله رحمةً واسعة ، فتواه التي أوجب فيها حبّ أبي هريرة
كبقية الصحابة رضي الله عنهم وعدّد مناقبه، المؤرخة ٢٢ صفر ١٣٨٧ الموافق ١٩٦٧/٦/١، باسم رابطة
العلماء في العراق ، التي كان رحمه اللّه رئيساً لها .
ووعدت في تلك الأقباس المضيئة بنشر هذا البحث الموسع الذي اقتبستها منه ، ولكني رأيت أن في الامكان
إضافة كثير من الحجج الأخرى والبراهين والقرائن التي تدل على رسوخ قدم أبي هريرة في الصدق ، فجمعت
همّي ، وكانت لي جولة ثانية مع كتب أخرى كثيرة في الحديث وتاريخ الرجال وغير ذلك ، وظفرت بحجج
وقرائن ثمينة لم أثبتها في الأقباس ، وبمصادر جديدة لكثير من الروايات الموجودة في الأقباس وللأمثلة المضروبة
(١) المصدر السابق ص ٨
(٣) الانفال ٤٣
(٢) يونس ٨١
(٤) اقتباس من كلام الا مام مسلم في مقدمة صحيحه ص ٢٢
٩

فيه ، فكان هذا البحث الواسع ، الذي يلزمني إعادة النظر في الأقباس المنشورة سابقاً وإضافة خلاصات البراهين
والقرائن والأمثلة والفصول الجديدة إليه ، وسأفعل إن شاء اللّه، وأنشره مرة أخرى، لما فيه من ملائمة للعامة
وللناشئة من الشباب المسلم المؤمن المحب للصحابة الكرام، واقتصار فوائد هذا البحث الموسع على أهل الاختصاص
والبحوث ، وعلى المكثرين من مطالعة الكتب الإسلامية والتاريخية .
٠ ٠٠
ولما بدأت العمل وجدت أن الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، وفضيلة الدكتور محمد السماحي أستاذ
علوم الحديث في كلية أصول الدين بالقاهرة، وفضيلة الشيخ العلامة المحقق عبدالرحمن المعلمي اليماني رحمه الله
مدير مكتبة الحرم المكي ، وفضيلة الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة رحمه الله مدير دار الحديث بمكة المكرمة، وفضيلة
الدكتور محمد أبي شهبة الأستاذ في كلية أصول الدين ، كلهم قد سبقوني فنالوا شرف الدفاع عن أبي هريرة
وخصّصوا فصولاً لذلك في كتبهم التي ردوا فيها على عموم شبهات أبي رية ، وكان قبلهم فضيلة الدكتور
محمد أبو زهو قد عقد فصلاً خاصاً في كتابه ( الحديث والمحدثون ) رد فيه الطعون القديمة الاستشراقية الموجهة
لأبي هريرة، ثم جاء الأستاذ محمد عجاج الخطيب فرجع الى كتب الحديث والتراجم ، واستفاد من هذه الردود،
وأخرج للأمة كتاباً لطيفاً جد مفيد خصّصه بهذا الصحابي الكريم وسماه ( أبو هريرة راوية الإسلام ).
وقد وجدت أن لكتب وفصول كل من هؤلاء الأفاضل - جزاهم الله خير الجزاء - مزايا ونواقص.
فكتاب الأستاذ الخطيب كتاب مهم لا يستغنى عنه ، وفيه ردود صريحة كثيرة تمنعني من مثلها الظروف
الاجتماعية في العراق ، لكنه أكثر من نقل النصوص عن المراجع المتأخرة ، كالبداية والنهاية، وكتب الذهبي
وابن حجر ، ولم ينقلها من مظانها الأصلية إلا أحياناً، أو إلاّ المهمة منها . كما أنه قد يستشهد بالحديث الذي
يروى في الصحيحين ، لكن ينقله من غير الصحيحين دون إشارة إلى أنه فيهما، والقارىء يحب أن يطمئنه
الكاتب بالنقل عن الكتب الأصح ما وسعه ذلك .
وأما الدكتور السباعي رحمه اللّه فإنه لم يشر إلى أرقام الصفحات بالمرّة ، وأوجز ولم يستوعب ، بسبب
مرضه وابتداء الطبع بكتابه ( السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) حين صدر كتاب أبي رية ، وقد أحب أن
يكون رده فصلاً في هذا الكتاب . وكذلك أهمل الاستاذ السماحي ذكر المصادر ، إلا أنه كان بارعاً في بيان
صحة الأحاديث التي انتقدت على أبي هريرة ، ومثلهما أيضاً أهمل الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة والشيخ أبو
شهبة ذكر مصادر كثير من الروايات والنقول ، وإن كانا ذكرا مصادر كثير من الروايات أيضاً .
أما الشيخ المعلمي فانه نقل الكثير من المصادر الأصلية الأولى ، وذكر أرقام الصفحات ، وأجاد تفنيد
شبهات أبي ريّة ، وأبان عن معدن راسخ في العلم والتحقيق ، وردّه أقوى الردود عندي.
لكن هؤلاء الأفاضل جميعهم ، عدا الاستاذ الخطيب ، لم يرتبوا بحوثهم ترتيباً ، وإنما تتبّعوا ظلمات أبي
ريّة واحدة تلو الأخرى وسلّطوا أضواء السنة المحمدية عليها ، كما أنهم جميعاً قد فاتت كلاً منهم أمور
كثيرة في سيرة أبي هريرة لم يذكروها ، وأمور أخرى في سيرة آخرين من الصحابة المجمع على توثيقهم تشابه
التي في سيرة أبي هريرة ، تعطي انطباعاً للمتتبع أن ما يستغرب في سيرة أبي هريرة يوجد مثله في سيرة الآخرين ،
١٠

ووجدت أن كلاً منهم قد وفقه الله فذكر حججاً انفرد بها لم يذكرها الآخرون ، وأن كلاً منهم قد رجع
لبعض المصادر التي لم يرجع إليها غيره .
لذلك انتهجت لنفسي نهجاً جديداً في العمل ، وهو أن أبدأ بجمع النقول وكأن أحداً لم يجمعها قبلي ،
ثم أنسّقها وأقارنها بعمل هؤلاء الأساتذة ، فأضيف ما غفلوا عنه، وأستعين بما أنشأوه من التعليقات .
وعلى هذا الأساس بدأت بجمع كل ما يتعلق بأبي هريرة في الكتب الأمهات ، أتصفحها صفحة بعد
أخرى ، على اختلاف الأبواب ، فجردت جرداً : صحيح البخاري ، ثم صحيح مسلم ، ثم سنن الترمذي ،
والنسائي ، وأبي داود ، وابن ماجة ، ومسانيد الطيالسي ، وأحمد ، والحميدي ، وابن راهوية ، وسنن سعيد بن
منصور ، وسنن الدارقطني ، ومنتقى ابن الجارود ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وسنن الدارمي ، ومستدرك الحاكم،
وجامع ابن وهب ، وزهد ابن المبارك ، وزهد أحمد ، وصحيح ابن حبان ، ومعاني الآثار ، ومشكل الآثار
كلاهما للطحاوي ، والأدب المفرد ، ورفع اليدين ، وخير الكلام ، وكلها للبخاري ، وغريب الحديث لأبي
عبيد واختلاف الحديث لابن قتيبة . وغير هذا من كتب الحديث، ثم جردت الفتح ، ثم عرّجت على كتب
الرجال ، فجردت الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ، وتاريخ البخاري الكبير ، وتاريخه الصغير ، وتاريخ ابن أبي
خيثمة ، والعلل والرجال لأحمد ، وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال ، وكتب الرجال الشيعية ، كل ذلك
جرداً ، صفحة بعد صفحة . ولذلك قل عندي جداً الرجوع إلى المصادر المتأخرة ، لا ستغنائي عنها بحصولي من
هذه المصادر الأصيلة على الروايات التي تحتويها ، فقل عندي الرجوع مثلاً إلى البداية والنهاية ،
وسير أعلام النبلاء ، والإصابة ، وأسد الغابة ، وأمثالها . هذا إضافة الى كتب راجعتها صفحة بعد أخرى على
أمل العثور على شيء فيها يخص موضوع بحثي فلم أجد فيها ما يستحق النقل والتثبيت ، ككتاب عمل اليوم
والليلة لابن السني ، ومشكل الحديث لابن فورك لكونه يذهب مذهب الاشاعرة في التأويل ، وكتاب الخراج لأبي
يوسف ، والخراج ليحيى ابن آدم ، وصحيفة همام بن منبه التي نشرها الدكتور محمد حميد الله، وخلق
أفعال العباد للبخاري ، ومجموعة المقالات التي جمعها زكريا علي يوسف بعنوان (دفاع عن الحديث النبوي
وتفنيد شبهات خصومه )، ومعجم الطبراني الصغير . والورع لأحمد، والتمهيد في الردّ على الملحدة والرافضة
الباقلاني ، وجماع العلم للشافعي ، والوشيعة لموسى جار الله، وغيرها .
ثم راجعت فصولاً دون أخرى في كتب كثيرة متنوعة ، في الحديث وأصوله ، والتاريخ ، والفقه ، ولم
يفتني من كتب الحديث المطبوعة إلا كتب يسيرة ثانوية الأهمية بالنسبة إلى ما أتممت مراجعته ، لم أجدها تباع ،
ولا في مكتبة خاصة أو عامة في بغداد ، رغم تفتيشي الطويل عنها ، مثل كتاب الدكتورة آمنة همغسبرغ
عن أبي هريرة(١) ومسند الباغندي، وهو من مطبوعات الهند القديمة، وكذلك الجزء الاول من مسند البزار والجزء
(١) أشارت مجلة المسلمون في عددها العاشر لسنة ١٩٦٥ إلى أن الاخت المسلمة الالمانية آمنة همغسبرغ قد حصلت على
الدكتوراه من جامعة فرانكفورت ببحث عن أبي هريرة رضي الله عنه.
١١

الأول من مصنف عبد الرزاق الصنعاني (١) وما بعد الجزء الثالث من مصنف ابن أبي شيبة ، وهي من مطبوعات
حيدر آباد الحديثة، لكنها لم تصل العراق بعد، وما بعد الجزء الاول من صحيح ابن حبان، ولا تخلو هذه الكتب من
بعض الفوائد اليسيرة غير المهمة مما له علاقة بموضوعنا ، وإنما نبهت على هذا ، وعلى الكتب الأخرى التي
: راجعتها ولم أجد فيها شيئاً له علاقة بموضوعنا ، كي يستفيد من يريد التأليف بعدي في مناقب أبي هريرة ،
فيحرص على رؤية هذه الكتب التي لم أنلها ، ويوفر الوقت باهمال مراجعة الكتب التي لم أستفد منها .
فهذا الكتاب اذن ، لهذا الجرد الدقيق ، يصح أن يقال فيه إنه حوى جميع ما يهم موضوع أبي هريرة في
هذه الكتب والكتب الأخرى التي سأذكرها في قائمة المراجع، الا بعض مسائل ثانوية أو قصص ظاهرة
الضعف ، كما يصح أن أجعله إشعاراً وبلاغاً للباحثين، وللذين يرومون التأليف في موضوع مناقب أبي هريرة
رضي الله عنه بأن زيادة أخرى مفيدة على ما أوردت هنا ، وعلى أشياء قليلة أخرى من التعليقات المفيدة في
كتب المعاصرين الذين كتبوا عن أبي هريرة مما تركته مراعاة للظروف الاجتماعية ، لن يعثروا عليها في هذه
المراجع ، وأن كتابي هذا قد استقصى وأغنى ، إلا ما كان من شيء آخر في مرجع فاتني مما ذكرت آنفاً ، أو
بعض المخطوطات التي لم أرجع إليها ، أو في مرجع أشرت أثناء كلامي السابق الى رجوعي فيه إلى المواطن المهمة
أو التراجم التي لها صلة ظاهرة بموضوعنا ، مثل الإصابة وبقية كتب معرفة الصحابة ، وكتب الفقه ، وإلا ما
كان حول أحاديث انتقدها المغرضون على أبي هريرة وأجاب بعض القدماء والمعاصرين عليها لم أذكرها في الفصل
الذي عقدته للدفاع عن الأحاديث المنتقدة على أبي هريرة لتمكن القارىء الفطن من الرد عليها بنفسه ولسخافة
تلك الاعتراضات ، وأكثرها مروي عن صحابة آخرين .
إن طريقة الجرد التي اتبعتها أظهرت صدق حدسي وظي الأول ، إذ أني ما إن اكملتها حتى وضح لي
جلياً فوزي بكثير من الحقائق الجديدة النافعة والقرائن القاطعة في الدفاع عن أبي هريرة في غير الأبواب التي
راجعها هؤلاء الأفاضل ، وتحصّلت لي أرقام صفحات المواطن التي يتكرر فيها ذكر النصوص المهمّة في
الصحيحين وغيرهما ، وهي ميزة مهمة جداً لا يقدرها الا الباحثون ، بل تمكنت من إضافة فصول جديدة
عديدة جد نافعة لم يحم حولها أحد غيري، كفصل رواية القضاة والزهاد عنه، وفصل رواية أبناء الامام علي رضي
الله عنه وفرسانه وأصحابه ومواليه وجماهير الشيعة الأوائل من أهل الكوفة وغيرها عن أبي هريرة أو تداولهم
لحديثه ، وفصل تبيان اختلاط جمهور كبير من رواة حديث أبي هريرة بالهاشميين وبأصحاب الصلة القوية
بالهاشميين وتواطىء هذا الجمهور على عدم نقل شيء عنهم من تكذيب علي المزعوم لأبي هريرة رضي اللّه
عنهما ، وسرد أرقام صفحات صحيح البخاري التي يتجمع بها مسند أبي هريرة فيه ، وخارطات أسانيد البخاري
ومسلم إلى أبي هريرة التي تعيننا على معرفة طائفة كثيرة من الأسانيد في غير الصحيحين ومنزلتها في الصحة ،
وقوائم الرواة عن أبي هريرة في الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها مع الإشارة إلى صفحات رواياتهم عنه ، وقوائم
(١) (( مصنف عبد الرزاق يطبعه الان في بيروت المجلس العلمي بجوها نسبرغ بتحقيق العلامة حبيب الرحمن الاعظمي. وقد
صدر منه ستة أجزاء .
١٢

أسماء الوضّاعين الذين وضعوا على أبي هريرة، وتحقيق قول شعبة في تدليس أبي هريرة، إلى أبواب أخرى جديدة .
ضمن فصول بحثها الآخرون أيضاً .
١
ومن باب آخر فإني تمكنت من وضع حقائق واكتشافات جديدة أمام أنظار محبي أبي هريرة لم يوردها
الأساتذة الأفاضل الذين كتبوا قبلي في مناقبه، فأوضحت قرابة أبي هريرة من أمراء ((دوس)) (١) وأنه ابن اخي
اميرهم ، وأتيت في فصل حب الصحابة وتوثيقهم بنقول جديدة لم يذكرها غيري عن عبدالله بن سوار،
والحميدي ، والسرخسي ، وابن حبان ، وابن أبي حاتم، والطحاوي وغيرهم ، ولذلك جاء هذا الفصل فريداً في
نقوله ، وبقصص ووقائع لم يذكرها السابقون توضح تحلّي أبي هريرة بمكارم الأخلاق ، ككفالته اليتيم معاوية
ابن عتبة، وتواضعه تجاه عمرو بن أوس، وصيامه الاثنين والخميس . وأتيت في فصل توثيق الصحابة والتابعين ومن
بعدهم له بأماكن روايات الصحابة عنه وبقوائم من رواة كثرة رووا عنهم وعن أبي هريرة معاً، مما يدل على عدم نهيهم
لهم عن الأخذ عنه ، كابن عباس وجابر وأبي أيوب وأنس وغيرهم رضي الله عنهم ، ورواية ابن الزبير عنه
وتوثيقه له ، واكتشاف صحابة آخرين يروون عنه ما اكتشفهم أحد ، وآخرين مختلف في صحبتهم ، وتثبيت
قوائم بأبناء وأحفاد الصحابة الذين رووا عنه ، والإشارة إلى رواية خمسة من فقهاء المدينة السبعة عنه ، وتحقيق
معنى ((كذب)) و ((زعم)) في كلام الصحابة ، وسردت وقائع كثيرة عند صحابة آخرين مشابهة للتي انتقدت على
أبي هريرة ، كتعرضهم للجوع، والإمساك عن رواية بعض الاحاديث خوفاً من إنكار العامة ، ثم أَتيتُ في
الفصول الأخرى بحقائق وإحصاءات أخرى ، مثل إحصاء مواليه ، والذين تيمّنوا به فتكنوا بكنيته ، وقول
مهم ذكره أبو عبيد في مقاسمة عمر ولاته المال ، وقول آخر ذكره البخاري في أمر أم سلمة رضي الله عنها
جابراً بمبايعة بسر بن أرطأة مذكور عن غير البخاري عند غيري ، وتحقيق كلمة البخاري التي ذكر فيها أن
ثمانمائة تابعي من أهل العلم يروون عن أبي هريرة، والقصائد الرائعة لإخواني في الله شعراء الشباب المسلم التي حبونا
بها جميعاً وكل محب لأبي هريرة ، ونظموها خصوصاً لتأخذ مكانها في هذا الكتاب فنالوا بها شرف الدفاع عن
أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قصيدتي أنا، إلى غير ذلك ، وأرجو ألا أكون بسردي لهذه الامتيازات متطاولاً
على أحد من الأساتذة الكرام الذين سبقوني بنيل شرف إذاعة مناقب أبي هريرة ، فان للرائد والسابق من الفضل ما
ليس لأحد ممن يلحق به ، وانما أنا تلميذ لهم تابع ، لكن رأيت أن من تمام استفادة القارىء أن أنبهه على ما
وفقني الله إليه ليكون أكثر حفظاً واستعمالاً له .
ويطيب لي في الختام أن أذكر شاكراً جميل صنع أخي في الله ، المعتني بعلوم السلف ، مقدم الشرطة
الأستاذ صبحي السامرائي ، ووضعه بعض مخطوطات الحديث التي بذل جهداً كبيراً في جمعها وتصويرها تحت
يدي ، ومسارعته لإجابة رغبتي ، جزاه الله خيراً .
وحسبي الله ونعم الوكيل، (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكّلتُ وإليه
أنيب .) (٢).
والحمد لله رب العالمين .
(١) دوس من بطون الازد ، وهي قبيلة يمانية
(٢) هود ٨٨
عبد المنعم صالح العلي العِزّي
بغداد
١٣

..

القسم الأول
حيَاة إلى هُرِيّرَة
• أبو هريرة المجاهد المؤمن
• أبو هريرة الحافظ الثقة
• حياة أبي هريرة بعد النبي ع ◌َطَّع

أبو هريرة المجاهِه المؤمن
اسمُه وَنَسَبْه
الراجح عند العلماء أن اسمه في الجاهلية: عبد شمس، فالبخاري يترجم له بهذا الاسم (١)، وهو
الأصح عند الترمذي (٢) والحاكم (٣)، وبه يسميه تلميذه المقدم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٤) اعتماداً
على أن أبا هريرة سمى نفسه له كذلك فيما أخرجه ابن خزيمة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة ،
(والرواية التي ساقها ابن خزيمة أصح ما ورد في ذلك ، ولا ينبغي أن يعدل عنها ، لأنه روى ذلك عن الفضل
ابن موسى السيناني عن محمد بن عمرو ، وهذا إسناد صحيح متصل ، وبقية الأقوال إما ضعيفة السند أو
منقطعة . ) (٥) .
أما في الإسلام فلا ننكر ( أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غيّر اسمه) (٦)، لأنه لا يجوز تسمية إنسان
بأنه عبد فلان، أو عبد شيء من الأشياء، وإنما هو عبدُ اللّه فقط ، فيسمى باسم عبداللّه أو عبد الرحمن ،
وهكذا ، و (عبد الرحمن هو الذي يسكن اليه القلب) (٧) مما ذكر من أسماء أبي هريرة، وهو أصحّها عند
الحاكم (٨)، لكن أبا عبيد يقول بأنه: عبد اللّه، ويجاريه ابن خزيمة في ذلك (٩)، ونقل البخاري في الادب
(١) التاريخ الكبير للبخاري ٢٥/٣/١٣٢
(٣) المستدرك ٥٠٧/٣
(٥) (٦) تهذيب التهذيب لابن حجر ٢٦٧/١٢
(٨) المستدرك ٥٠٧/٣
(٢) صحيح التر مذي ١٣/١
(٤) الكنى والاسماء للدولابي ١٩٢/١
(٧) الاستيعاب لابن عبد البر ٢٠٥/٤
(٩) التهذيب ٢٦٧/١٢
١٧

المفرد عن موسى بن يعقوب الزمعي الذي لقي بعض أصحاب أبي هريرة أن أبا هريرة كان اسمه عبد اللّه (١).
ويجعل ابن حجر احتمال الصحة للإسمين (٢).
وهو ، رضي الله عنه، دَوْسي ، بفتح الدال وسكون الواو ، من بني دوس بن عدثان ، وهم من بطون
الأزد، والأزد قبيلة يمانية قحطانية مشهورة ، ونسبه معروف محفوظ إلى الجد الأعلى لهذه القبيلة : الأزد بن
الغوث ، ذكره المؤرخ الثقة خليفة بن خياط (٣) .
فهو اذن : أبو هريرة الدوسي اليماني ، وأخرج الدولابي عن التابعي المعروف يزيد بن أبي حبيب أنه
(حليف لأبي بكر الصديق.) (٤) .
وبهذا الذي ذكرناه يظهر زيف من يدعي أن أبا هريرة مجهول النسب ، بل نزيد هنا ونقول : إن
ابن اسحاق ، صاحب كتاب السيرة المعروف ، يقول عنه: إنه كان ذا شرف ومكانة و (وسيطاً في دَوْس
حيث يحب أن يكون منهم ) (٥) ، يذكر هذا ولا يعقب عليه ، ولا يذكر قولاً لمخالف فيما يقول ، مما
يدل على أن قالة السوء لم تكن معروفة فيه في زمن ابن اسحاق .
والواقع أن شرفه ومكانته جاءتا من جهة أعمامه وأخواله معاً .
فعمه : سعد بن أبي ذباب ، عيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم أميراً على دَوْس ، وأقرّه أبو بكر ثم عمر
رضي الله عنهما على تلك الإمارة. وظاهر أنه لو لم يكن سعد أمير قومه في الجاهلية لما عيّنه الرسول صلى الله عليه
وسلم أميراً، والمتتبع للسياسة النبوية الشريفة في التأمير على القبائل يجدها تتجه دوماً إلى الحرص على تأمير من كان
في الجاهلية أمير قومه إذا أسلم وفقُه، كتأمير النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل جريربن عبدالله البجلي
على قومه، وعدي بن حاتم الطائي على قومه، وغيرهم . وسنجد في تمام خبره الذي سيذكر قريباً أنه خاطب النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: ( اجعل لقومي ما أسلموا عليه )، وفي هذه اللفظة، ونسبته قومه إلى نفسه ، إشارة
واضحة إلى أنه رئيسهم .
بل أرجّح أن سعداً هذا كان ملكاً، إذ المعروف عن القبائل اليمانية أنها تدعو رؤساءها بالملوك، كالصحابي
الجليل جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه، كان يعرف في جاهليته بأنه ملك بجيلة ، وكامرىء القيس
الشاعر ، إذ اشتهر عند مؤرخيه أنه ملك كندة ، وقيسبة ابن كلثوم السكوني ، ملك السكون ، وهم من كندة
أيضاً ، وكأن هذه الالقاب من التأثيرات التي خلّفها وجود مملكة سبأ في نفوس اليمانيين ، ثم استيلاء الفرس
والأحباش عليهم .
ان عدة نصوص يوضح الجمع بينها حقيقة كون أني هريرة ابن اخٍ لهذا الأمير . قال الامام أبو عبيد القاسم
(١) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٦٧/١
(٢) الاصابة ٢٠٢/٤
(٤) الكنى والاسماء ٦١/١
(٣) الطبقات ص ١١٤
(٥) المستدرك ٥٠٦/٣
١٨
:

ابن سلام : ( حدثنا صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن منير بن عبد الله عن
أبيه عن سعد ابن أبي ذباب قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، وقلت : يا رسول الله ،
اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم . قال : ففعل ، واستعملني عليهم ، ثم استعملني أبو بكر بعده ، ثم
استعملني عمر من بعده.) (١) .
ومنير بن عبداللّه راوي هذا الخبر سكت البخاري عنه (٢)، مما يدل على أنه ثقة عنده ، واعتد أبو
حاتم به فقال: (لا أنكر حديثه.) (٣). وذكره ابن حبان في الثقات (٤) وضعفه الأزدي فقط (٥)، وتضعيفه
له شذوذ منه مرفوض ، اذ الموثقون أئمة ، بل الأزدي نفسه ضعيف كما ذكر ابن حجر في غير ما موضع من
التهذيب . وبقية رجال الإسناد ثقات .
وأخرج ابن سعد أيضاً هذه القصّة (٦) بسند آخر من طريق صفوان أيضاً وأنس بن عياض ، وأنس ثقة
أيضاً ، لكن ليس في لفظه استعمال أبي بكر لسعد ، وسنده صحيح أيضاً .
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل أيضاً هذه القصّة عن صفوان نفسه (٧) وكذلك البخاري عن شيخه معلى
ابن أسد عن صفوان (٨)، والقصة منقولة في تعجيل المنفعة (٩).
وفي تتمة الخبر عند أبي عبيد ، وتلاه ابن أبي شيبة (١٠) : أن سعداً هذا أخذ زكاة العسل من قومه وورد
بها على عمر فقبلها منه ، والمشهور عند الفقهاء أنه لم يصح في زكاة العسل شيء ، ولا يعكر هذا على قبول
هذه القصة ، إذ الفقهاء يعنون أنه لم يصح شيء من الحديث المرفوع .
ونلاحظ أنه ليست هناك اشارة في القصة إلى أنه عم أبي هريرة ، وإنما تكمن الإشارة في ترجمة ابنه :
الحارث بن سعد ابن أبي ذباب ، اذ صرح أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه ابن عم أبي هريرة ، وبلغنا
تصريحه بسند صحيح رواه كل من البخاري ومسلم (١١) ، وذكر ابن حبان أيضاً (١٢) في ترجمته أنه ابن عم
أبي هريرة ، وزاد البخاري وابن حبان أنه دوسي وأن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقاً ، أي جابياً للصدقات ،
وهي الزكاة .
وآل أبي ذباب هؤلاء فيما يبدو كانت لهم مكانة اجتماعية وعلمية في الحجاز في صدر الاسلام ، فبرز
منهم سعد وابنه الحارث هذان ، وفي ترجمتهما أنهما استوطنا الحجاز ، وابن أخي الحارث بن سعد ، واسمه :
(١) الاموال ص ٤٩٦
(٣) الجرح والتعديل ٢/٢٠٧/ق٢
(٦) الطبقات ٣٤١/٣
(٨) التاريخ الكبير ٢/٤٦/ق٢
(١٠) المصنف ١٤٢/٣
(١٢) الثقات ص ٣٥
(٢) التاريخ الكبير ٢٠/جـ٤/ق٢
(٤ - ٥ ) تعجيل المنفعة ص ٢٧٠
(٧) المسند ٧٩/٤
(٩) التعجيل ص ١٠١
(١١) صحيح مسلم ٣١/٧، التاريخ الكبير ٢٦٩/ ١٢/ ق٢

عبدالله بن عبد الرحمن بن سعد ابن أبي ذباب الدوسي (١) ، وابن عم الحارث ، واسمه ايضاً : الحارث بن
عبد الرحمن بن مغيرة ابن أبي ذباب (٢) أي إنه ابن عم أبي هريرة أيضاً، له روايات في صحيح الترمذي (٣)
والمستدرك (٤)، ولجده رواية في صحيح الترمذي تبديه كصحابي(٥). ومنهم أيضاً عبد الملك بن مروان بن الحارث
ابن أبي ذباب، ذكره البخاري (٦) والدولابي(٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨) وله رواية عند النسائي(٩)، وفي
هذا الاسم روح أموية ليس من المستبعد أن آل أبي ذباب انصبغوا بها، ولعل عبد الملك هذامن أحفاد الحارث
ابن سعد ، وله حفيد آخر اسمه عبدالله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبي ذباب ، يروي عن أبي
هريرة، ذكره ابن حبان في الثقات (١٠) وترجم له ابن حجر (١١) ، فان صح سماعه من أبي هريرة فذلك يعني
أن سعداً جده كان معمراً إلى حد أدرك فيه حفيد ابنه أبا هريرة ، وكبر السن مظنة الترؤس . ومنهم صحابي
قرين لسعد اسمه : ( إياس بن عبداللّه ابن أبي ذباب الدّوُسي، سكن مكة ، مختلف في صحبته .. والراجح
صحبته .) (١٢)، بل جزم أبو حاتم وأبو زرعة بصحبته (١٣) وله حديث يرويه في مسند الحميدي (١٤)، وسنن
أبي داود (١٥) عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم حفيد أخت أحد هؤلاء، وهو إياس بن الحارث بن
معيقيب، يروي عن جده لأمه ابن أبي ذباب (١٦) . ومنهم أبو عبدالله عبد الرحمن بن الصامت، المعروف بابن
هضاض ، (ابن عم أبي هريرة ، وقيل ابن أخيه ، روى عنه قصة ماعز الأسلمي ، ذكره ابن حبان في
الثقات.) (١٧)، والبخاري (١٨)، وحديثه في سنن أبي داود (١٩) وسنن ابن ماجة (٢٠). ومنهم أبو هاشم الدّوُسي
ابن عم آخر لأبي هريرة، روى عنه، وروايته عند أبي داود (٢١)، إلا أن ابن القطان جهله (٢٢) ولآل أبي
ذباب مولى اسمه الوليد بن رباح ، له روايات عن أبي هريرة في سنن أبي داود (٢٣) والمستدرك (٢٤) وكتب أخرى.
فهذا هو الشرف الذي لحق أبا هريرة من جهة عمه الأمير ، وهؤلاء الرهط الأفاضل الرواة من بني
أعمامه .
أما من جهة أخواله : فان أمّه : ( أميمة بنت صفيح بن الحارث ، من دوس ، وخاله : سعد بن
٠
(١) التاريخ الكبير ١٥/٣/١٣٢، التهذيب ٢٥٢/٤
(٣) الترمذي ١٤٣/٣
(٥ ) التر مذي ١٨٤/٣
(٧ ) الكتى والاسماء ٥٦/٢
(٩) النسائي ٧٢/١
(١١) التهذيب ٢٩٢/٥
(١٣) الجرح والتعديل ٢٨٠/ج١٥/١
(١٥) ابو داود ٤٩٥/١
(١٧) التهذيب ١٩٨/٦، ١٤٩/١٢
(١٩) أبو داود ٢١٤/١، ٤٥٩/٢
(٢١) أبو داود ٥٨٠/٢
(٢٣) أبو داود ٥٧٧/٢٧٣/٢
(٢) التاريخ الكبير ١/٢٧١/ق١
(٤ ) المستدرك ٦٤/١، ٢٦٣/٤
(٦) التاريخ الكبير ٣/٤٣٠/ق١
(٨) التهذيب ٤٢٢/٦
(١٠) الثقات ص ١٢٩
1
(١٢) التهذيب ٣٨٩/١
(١٤) المسند ٣٨٦/٢
(١٦) التهذيب ٣٨٧/١
(١٨) الكنى للبخاري ص ٤٩
(٢٠) ابن ماجه ٢٧٨/٢٦٧/١
(٢٢) التهذيب ٢٦١/١٢
(٢٤) المستدرك ٥١٦/٤
٢٠