النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الجامع لشعب الإيمان
فقالت(١) : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا : لا والله لا نقتله. فذهبت عنھما ثم
رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر.
فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما مما
أبیتما علي إلا وقد فعلتماه حین سكرتما، فخیرا عند ذلك بين عذاب الدنيا وبین عذاب
الآخرة فاختارا عذاب الدنيا)). كذارواه زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع.
ورواه سعید بن سلمة، عن موسى بن جبير .
[١٦١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبوبكر أحمد بن إسحاق بن أيوب أخبرنا محمد
ابن يونس بن موسى، حدثنا عبدالله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن
(١) في الأصل ((فقال)).
[١٦١] إسناده: ضعيف جدا.
• محمد بن يونس بن موسى بن سليمان، أبوالعباس، الكديمي، القرشي، البصري
(م٢٨٦ هـ) ضعفوه. قال أحمد: كان محمد بن يونس الكديمي حسن الحديث، حسن
المعرفة، ما وجد عليه إلا صحبته لسليمان الشاذكوني. قال ابن عدي: اتهم الكديمي بوضع
الحديث، وادعى رؤية قوم لم يرهم، ترك عامة مشايخنا الرواية عنه. وقال ابن حبان: لعله
قد وضع أكثر من ألف حديث. راجع ((الجرح والتعديل)) (١٢٢/٨)، ((كتاب المجروحين
والضعفاء» (٣٠٥/٢-٣٠٦)، ((الكامل)) لابن عدي (٢٢٩٤/٦)، ((تاريخ بغداد)» (٤٣٥/٣
-٤٤٥)، ((السير)» (٣٠٢/١٣-٣٠٤)، («الميزان» (٧٤/٤-٧٦)، ((الوافي)) (٢٩١/٥).
• عبدالله بن رجاء بن عمر الغداني (بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال) البصري (م٢٢٠هـ)
صدوق، يهم قليلا. من التاسعة (خ خد س ق) وثقه أبوحاتم. وقال الفلاس: صدوق
كثير الغلط والتصحيف، ليس بحجة. (الميزان ٤٢١/٢).
• سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، العدوي مولاهم، أبوعمرو المدني. صدوق صحيح
الكتاب. يخطئ إذا حدث من حفظه. من السابعة (بخ م د س).
• موسى بن عقبة بن أبي عياش، الأسدي، مولى آل الزبير (١٤١٢ هـ) ثقة، فقيه، إمام في
المغازي. من الخامسة (ع)
· سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، أو أبو عبدالله المدني (م١٠٦ هـ) أحد الفقهاء
السبعة، وكان ثبتا، عابدا، فاضلا. كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت. من كبار الثالثة
(ع). والحديث ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٣٨/١) برواية المؤلف وحده.
وقد مر في التعليق على الحديث السابق أن ابن كثير ذكر مثله برواية ابن مردويه من طريق
عبدالله بن رجاء عن سعيد بن سلمة، فقال: عن موسى بن سرجس عن نافع عن ابن
عمر. (تفسير ابن كثير١٣٨/١). وضعفه أحمد شاكر راجع المسند (٣١/٩).

٣٢٢
الجامع لشعب الإيمان
جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله:
((أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدم يعصون، فقالوا: يا رب ما أجهل هؤلاء
ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك فقال: لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا:
كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: فاختاروا منكم ملكين
قالوا(١): فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الدنيا، وركبت فيهما شهوات
بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله عز وجل لهما :
فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ما تقول
قال: أقول إن عذاب الدنيا منقطع وإن عذاب الآخرة لا ينقطع. فاختارا عذاب
الدنيا فهما اللذان ذكرهما الله عز وجل في كتابه. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَكْنِ بِبَابِلَ
هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية)). ورويناه من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفا
عليه(٢) وهو أصح فإن ابن عمر إنما أخذه، عن كعب.
[١٦٢] أخبرنا أبوطاهر الفقيه، أخبرنا أبوبكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد
ابن يوسف السلمي، حدثنا محمد بن يوسف قال: ذكر سفيان، عن موسى بن
عقبة، عن سالم بن عبدالله، عن ابن عمر، عن كعب قال: ((ذكرت الملائكة بني
آدم وما يأتون من الذنوب قال قال: فاختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت
وماروت فقال لهما: إني أرسل رسولي إلى الناس وليس بيني وبينكم رسل انزلا
فلا تشركا بي شيئا ولا تسرقا ولا تزنیا)).
قال عبدالله: قال کعب: فما استكملا یومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا فيه بما
(١) كذا في الأصل. وفي النسختين الأخريين ((قال)).
(٢) ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) برواية ابن أبي حاتم وقال: ((هذا أثبت وأصح إسنادا))
(١٣٩/١ -١٤٠).
[١٦٢] إسناده: رجاله ثقات.
· محمد بن يوسف هو الفريابي.
• وسفيان هو الثوري. والخبر أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره)) (٤٥٦/١) وابن كثير في
((تفسيره)) برواية ابن أبي حاتم (١٣٨/١) ونسبه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٣٩/١) إلى
ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في «العقوبات)» والمؤلف أيضا.

٣٢٣
الجامع لشعب الإيمان
حرم عليهما وهذا أشبه أن يكون محفوظا. وروي في ذلك عن علي بن أبي طالب(١)
رضي الله عنه.
ومن قال بالقول الآخر(٢) أشبه أن يقول: إذا كان التوفيق للطاعة والمعصية من الله
عز وجل وجب أن يكون الأفضل من كان توفيقه له وعصمته إياه أكثر، ووجدنا
الطاعة التي وجودها بتوفيقه وعصمته من الملائكة أكثر، فوجب أن يكونوا كذلك .
وذكر الحليمي(٣) رحمه الله توجيه القولين ولم أنقله واختار تفضيل الملائكة وأكثر
أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول والأمر فيه سهل وليس فيه من الفائدة إلا معرفة
الشيء على ما هو به وبالله التوفيق.
[١٦٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبوالعباس الأصم
(١) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٤٥٦/١) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٥/٢-٢٦٦) عن عمير
ابن سعيد النخعي. وسياق الحاكم: قال عمير: سمعت عليا رضي الله عنه يخبر القوم أن هذه
الزهرة تسميها العرب الزهرة، وتسميها العجم أناهيد. وكان الملكان يحكمان بين الناس فأتتهما
امرأة فأرادها كل واحد منهما من غير علم صاحبه، فقال أحدهما لصاحبه: يا أخي! إن في نفسي
بعض الأمر أريد أن أذكره لك. قال: اذكره يا أخي! لعل الذي في نفسي مثل الذي في نفسك،
فاتفقا على أمر في ذلك. فقالت لهما المرأة: ألا تخبراني بما تصعدان إلي السماء وبما تهبطان إلى
الأرض. فقالا: بسم الله الأعظم به نهبط وبه نصعد. فقالت: ما أنا بمواتيتكما الذي تريدان
حتى تعلمانيه، فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه. فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله؟ قال
الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله. فعلمها إياه، فتكلمت به فطارت إلى السماء ففزع ملك في
السماء لصعودها فطأطأ رأسه فلم يجلس بعد، ومسخها الله فكانت كوكبا. ورجال إسناده ثقات.
وذكره ابن كثير برواية ابن جرير ثم ذكر إسناد ابن أبي حاتم وقال: وهو غريب جدا (١٣٩/١).
ونسبه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٣٩/١) أيضا إلى ابن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في
((العقوبات))، وأبي الشيخ في ((العظمة)). وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال رسول الله وَل :
لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت. وذكره ابن كثير وقال: وهذا أيضا
لا يصح وهو منكر جدا (١٣٩/١).
(٢) أي بتفضيل الملائكة على البشر.
(٣) راجع ((المنهاج)) (٣٠٩/١-٣١٦).
[١٦٣] إسناده: ضعيف.
• إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي (بضم الزاي)، أبوإسحاق الكوفي. ثقة، تكلم فيه
الأزدي بلا حجة. من الخامسة (م-٤).
• عمير مولى ابن عباس، هو عمير بن عبدالله الهلالي، أبو عبدالله المدني. مولى أم الفضل،
ويقال له مولى ابن عباس. ثقة. (خ م د س).
=

٣٢٤
الجامع لشعب الإيمان
حدثنا أحمد بن عبدالجبار، حدثنا أبومعاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء عن
عمير مولی ابن عباس، عن ابن عباس قال: ((إنما قوله جبريل وميكائيل كقوله عبدالله
وعبدالرحمن)).
[١٦٤] أخبرنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا أبو الحسين عبدالصمد بن علي
ابن مكرم البزار ببغداد، حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، حدثنا إسحاق بن محمد
الفروي، حدثنا عبدالملك بن قدامة الجمحي، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دینار، عن
= · أحمد بن عبدالجبار، العطاردي. ضعف. والحديث أخرجه ابن جرير من طريق عكرمة عن
ابن عباس (٤٣٧/١) وأخرجه ابن أبي حاتم راجع ((تفسير ابن كثير)) (١٣٢/١). ونسبه
السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٢٥/١) إلى المؤلف، والخطيب في ((المتفق والمفترق)) أيضا.
[١٦٤] إسناده: ضعيف.
• عبدالصمد بن علي بن محمد بن مكرم، أبوالحسين، البغدادي، الطستي (م٣٤٦هـ) محدث،
ثقة، عاش ثمانين سنة. راجع ((تاريخ بغداد)) (٤١/١١)، ((الأنساب)) (٧٥/٩)، ((السير))
(٥٥٥/١٥) ((شذرات)) (٣٧٣/٢).
• جعفر بن محمد بن أبي عثمان، أبوالفضل، الطيالسي، البغدادي (م٢٨٢هـ) أحد الأعلام
والحفاظ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتا، صعب الأخذ، حسن الحفظ. وقال ابن المنادي:
كان مشهورا بالإتقان والحفظ والصدق. قال الذهبي: توفي في عشر التسعين. راجع
(السير)) (٣٤٦/١٣)، ((تاريخ بغداد)) (١٨٨/٧-١٨٩)، ((طبقات الحنابلة)) (١٣٢/١)
((التذكرة)) (٦٢٦/٢)، ((شذرات)) (١٧٨/٢).
• إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن أبي فروة الضروي، المدني (م٢٢٦ هـ) صدوق،
كف بصره، فساء حفظه، من العاشرة (خ، ق، ن) قال النسائي: متروك. وقال
الدارقطني: ضعيف. وقال العقيلي: جاء عن مالك بأحاديث كثيرة تفرد بها لا يتابع
عليها. وقال ابن عدي: بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه. نقم على البخاري إخراجه له.
راجع (الكامل)) (٣٢٠-٣٢٣) ((الضعفاء)) للعقيلي (١٠٦/١) («الميزان)) (١٩٨/١-١٩٩).
• عبدالملك بن قدامة بن إبراهيم بن محمد، الجمحي، المدني: ضعيف. من السابعة (ق).
• عبدالرحمن بن عبد الله بن دينار، مولى ابن عمر. صدوق يخطئ. من السابعة (خ، د، ت، س)
قال أبوحاتم: لا يحتج به. وقال ابن عدي: هو من جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. راجع
((الكامل)) (١٦٠٧/٤) («الميزان» (٥٧٢/٢) والحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك)» (٨٧/٣-
٨٨) وقال: صحيح على شرط البخاري. ورد عليه الذهبي قائلا: منكر غريب، وما هو على
شرط البخاري. عبدالملك ضعيف تفرد به. وقال ابن حجر في ((الإصابة)) (٣٢/٤): ليس في
سنده إلا عبدالملك بن قدامة الجمحي وهو مختلف فيه، وثقه ابن معين والعجلي، وضعفه
أبو حاتم والنسائي وقال البخاري: يعرف وينكر. راجع («الميزان)) (٦٦١/٢).

٣٢٥
الجامع لشعب الإيمان
أبيه، عن عبدالله بن عمر: ((أن عمر بن الخطاب جاء والصلاة قائمة فذكر قصة
امتناع أبي جحش الليثي عن الصلاة مع النبي ◌ُّر وفيها أن النبي ◌َّ قال: هلم یا
عمر اجلس حتى أحدثك بغنى الرب تبارك وتعالى عن صلاة أبي جحش، إن لله في
سمائه ملائكة خشوعا لا يرفعون (١) رءوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة
رفعوا رءوسهم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك وإن الله في السماء الثانية ملائكة
سجودا لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم ثم
قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك)) .
قال البيهقي رحمه الله تعالى: قد أخرجته بطوله في مناقب عمر رضي الله عنه.
[١٦٥] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد بن
شريك، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا عبدالله بن فروخ، أخبرني أسامة بن زيد، حدثني
أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((إن الله عز وجل ملائكة سوى
الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة
فليناد: أعينوا (٢) عباد الله يرحمكم الله تعالى)).
(١) في الأصل ((لا يرفعوا)) وفي (ن) والمطبوعة ((لم يرفعوا)) والتصحيح من ((المستدرك)).
[١٦٥] إسناده: حسن.
• عبيد بن شريك هو عبيد بن عبدالواحد بن شريك، صدوق.
· ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم، أبو محمد المصري
(م٢٢٤ هـ) ثقة، ثبت، فقيه، من كبار العاشرة. (ع) وفي الأصل ((ابن أبي عمر)).
• عبدالله بن فروخ الخراساني، أو اليمامي (م١٧٥ هـ) صدوق، يغلط، من الثامنة. (د) قال
الخطيب: في حديثه نكرة.
· أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبوزيد المدني (م١٥٣ هـ) صدوق، بهم. من السابعة
(خت م-٤).
· أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم (١١١٢ هـ) وثقه الأئمة، قال ابن حجر:
وهم ابن حزم فجهله، وابن عبدالبر فضعفه. من الخامسة (خت-٤) والحديث أخرجه
البزار مرفوعا وقال: لا نعلم يروى عن النبي وَّر بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا
الإسناد. قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن الإسناد غريب جدا. وحسنه السخاوي
أيضا في ((الابتهاج)) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٣٢/١٠) قال الألباني:
الأرجح أنه موقوف، وليس هو من الأحاديث التي يمكن القطع بأنها في حكم المرفوع
لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاها من مسلمة أهل الكتاب. راجع («الضعيفة)) (١١١/٢).
(٢) في الأصل ((أغيثوا)).

٣٢٦
الجامع لشعب الإيمان
(٤) الرابع من شعب الإيمان
وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد وَاجله
وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ(١)
عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلٍ﴾(٢).
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلِّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾(٣).
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾(٤). وغير ذلك
من الآيات في هذا المعنى. وروينا في حديث(٥) ابن عمر، عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ حين سئل عن الإيمان، فقال: ((أن تؤمن بالله
وملائكته و کتبه ورسله)).
والإيمان بالقرآن(٦) يتشعب شعبا فأولاها الإيمان بأنه كلام الله تبارك وتعالى وليس
من وضع محمد بَّ ولا من وضع جبريل عليه السلام.
والثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم لو اجتمعت الإنس(٧) والجن على أن يأتوا
بمثله لم يقدروا عليه.
والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي وَّ (عنه)(٨) هو هذا الذي
في مصاحف المسلمين لم يفت منه شيء ولم يضع بنسيان ناس، ولا ضلال صحيفة،
ولا موت قارئ ولا كتمان كاتم ولم يحرف منه شيء ولم يزد فيه حرف ولم ينقص منه
(١) في الأصل ((أنزل)) وهو خطأ.
(٣) سورة البقرة (٢٨٥/٢).
(٥) مر برقم (١٩).
(٦) هذا الكلام مأخوذ من الحليمي في ((المنهاج)) (٣١٧/١).
(٧) في الأصل ((الجن والإنس)).
(٢) سورة النساء (١٣٦/٤).
(٤) سورة البقرة (٢/؟).
(٨) سقط من الأصل.

٣٢٧
الجامع لشعب الإيمان
حرف فأما الوجه الأول فإن الله عز وجل قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾(١).
وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾(٢).
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بَِ أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى
بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾(٣).
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ • نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ
مِنَ الْمُنَّذِرِينَ﴾ (٤).
وقال(٥): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ومعناه والله أعلم أنزلنا
الرسول المؤدى له به فيكون الرسول منتقلا من علو إلى سفل مؤديا للكلام الذي
حفظه وذلك بين في الآية قبلها وهو أنه أخبر أنه نزل به الروح الأمين على قلب محمد ولايه
(فيكون جبريل عليه السلام منتقلا به من مقامه المعلوم إلى الأرض مؤديا له إلى
محمد رَّليه)(٦) وأخبر في الآية قبلها أنه أنزله بعلمه وفي الآية قبلها أنه من عنده لا من
عند غيره وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرِ﴾(٧) .
ففصل بين المخلوق والأمر ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى
وقال: ﴿لَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨) .
والسبق على الإطلاق (يقتضي) (٩) سبق كل شيء سواه وقال: ﴿إِنَّا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ
إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(١٠).
فلو كان قوله مخلوقا تعلق بقول آخر وذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا
(١) سورة النساء (٤/ ٨٢).
(٣) سورة النساء (١٦٦/٤).
(٥) سورة يوسف (٢/١٢).
(٧) سورة الأعراف (٧/ ٥٤).
(٩) زيادة من (ن) والمطبوعة.
(٢) سورة الأنعام (١٥٥/٦).
(٤) سورة الشعراء (١٩٢/٢٦-١٩٤).
(٦) العبارة بين القوسين ساقطة في (ن) .
(٨) سورة طه (١٢٩/٢٠).
(١٠) سورة النحل (٤٠/١٦).

٣٢٨
الجامع لشعب الإيمان
يتناهى وذلك محال، قال الأستاذ أبوبكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله: فيما
عسى (أن)(١) يقال على هذا من السؤال الكلام على الحقيقة لا ينقل عنه إلا بدليل
وقوله ((كن)) أمر تكوين للمعدوم لا أمر تكليف بمنزلة قوله: ﴿كُونُوا حِجَارَةَ﴾(٢).
﴿وَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾(٣).
ويكون قوله ((كن)) متعلقا بما يكون في الوقت الذي يكون في المعلوم أنه يكون فيه
فلا یکون ذلك الوقت إلا کان کما یکون نفسه سامعا للصوت وقت وجود الصوت،
وإن كان قبل ذلك سامعا أيضا إلا أنه يتعلق بالصوت وقت وجوده في أنه سمعه
حينئذ لا قبله والفاء في قوله ((فيكون)) لا تقتضي أن يكون للتعقيب مع ما علق عليه
لأن ذلك جواب ((إنما)) فكأنه قال: لا يكون قوله ((كن)) متعلقا بما يكون إلا كان في
الحال التي علم أنه يكون فيها وأن لا يوجب استقبال لأن ذلك مع ما بعده بمنزلة
المصدر كما كان قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤). معناه والصيام خير(6) لكم
وذلك لا يقتضي استقبالا قلنا وقد قال: الله عز وجل في إثبات صفة الكلام لنفسه
ونفي النفاد عنه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي لَنَّقِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ
كَلِمَتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾(٦) .
وإنما ذكرها بلفظ الجمع على طريق التعظيم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ﴾(٧) .
قال البيهقي رحمه الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٨).
فذكره بالتكرار وأخبر الله عز وجل بها كلم به موسى فقال: ﴿ يَا مُوسَى • إِنِيِّ
أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَى . وَأَنَا اخْتَرَتُكَ فَاسْتَمِعْ لِا
يُوحَى • إِنَّنِي أَنَّا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِيَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٩) إلى قوله
﴿وَاضْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ .
(١) زيادة من الأصل.
(٣) سورة البقرة (٦٥/٢).
(٥) في (ن) ((خیرا)).
(٧) سورة الحجر (٩/١٥).
(٩) سورة طه (٢٠/ ١٢-٤١).
(٢) سورة الإسراء (٥٠/١٧).
(٤) سورة البقرة (٢ / ١٨٤).
(٦) سورة الكهف (١٠٩/١٨).
(٨) سورة النساء (٤/ ١٦٤).

٣٢٩
الجامع لشعب الإيمان
وقال: ﴿يَا مُوسَى إِّ اضْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْئُكَ
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾(١).
فهذا كلام سمعه موسى عليه السلام من ربه بإسماع الحق إياه بلا ترجمان كان
بينه وبينه ودل بذلك على ربوبيته ودعاه إلى وحدانيته وعبادته وإقامة الصلاة لذكره
وأخبره أنه اصطفاه لنفسه واصطفاه برسالاته(٢) وبكلامه وأنه مبعوث إلى خلقه فمن
زعم أنه إنما سمعه من غير الله عز وجل فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية لنفسه
ودعا موسى إلى وحدانية نفسه وذلك كفر وإن زعم أن ذلك الغير دعا إلى الله كذبه
قوله: ﴿إِنِّ أَنَا رَبُّكَ﴾ و﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْني﴾ .
ولكان ذلك الغير يقول: ربي وربك فاعبده دل أنه إنما سمعه ممن له الربوبية
والوحدانية ولأن الأمة اجتمعت مع سائر أهل الملل على أن موسى كان مخصوصا
بفضل كلام الله عز وجل ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية ولا شبه أن
يكون من سمعه من جبريل أكثر خاصية منه لزيادة فضل جبريل على صوت يخلقه الله
عز وجل في الوقت لموسى.
وقد روينا(٣) في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي وَّر في قصة
مناظرة آدم وموسى قال: ((فقال آدم لموسى: أنت نبي بني إسرائيل الذي
كلمك(٤) الله من وراء الحجاب، لم يجعل الله بينك وبينه رسولا من خلقه)).
[١٦٦] أخبرنا أبوعلي الروذباري، أخبرنا أبوبكر بن داسة، حدثنا أبوداود، حدثنا
(٢) في (ن) ((برسالته)).
(١) سورة الأعراف (١٤٤/٧).
(٣) أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (ص٢٥٣) من طريق أبي داود، وهو في ((سنن أبي داود))
في كتاب السنة (٧٨/٥ رقم ٤٧٠٢). وأخرجه ابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص١٤٣) وأبو يعلى في
(مسنده)) (٢٠٩/١ رقم ٢٤٣) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. قال
الألباني: هذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير هشام بن سعد، وهو صدوق له
أوهام، وقد حسنه ابن تيمية في أول رسالته في القدر. راجع ((الصحيحة)) (١٧٠٢) وستأتي
القصة برواية أبي هريرة برقم (١٧٨).
(٤) في (ن) («کلمه)).
[١٦٦] إسناده: رجاله موثقون.
• عثمان بن المغيرة الثقفي مولاهم، أبوالمغيرة الكوفي. وهو عثمان بن أبي زرعة، ثقة. من
السادسة (خ-٤). والحديث أخرجه المؤلف في ((دلائل النبوة)) بنفس السند ومن وجه =

٣٣٠
الجامع لشعب الإيمان
محمد ابن كثير، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم يعني ابن أبي الجعد،
عن جابر بن عبدالله قال: ((كان رسول الله ◌َّله يعرض نفسه على الناس بالموسم
فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قریشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل)).
وروينا عن(١) أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ((أنه لما قرأ سورة الروم على مشركي
مكة فقالوا: هذا ما أتى به صاحبك قال: لا ولكنه كلام الله عز وجل وقوله)) وفي
روایة أخری(٢): «ليس بکلامي ولا کلام صاحبي ولكنه كلام الله عز وجل))
وروينا(٣) عن عامر بن شهر أنه قال: ((كنت عند النجاشي فقرأ ابن له آية من
الإنجيل فضحك فقال: أتضحك من كلام الله عز وجل)).
وروينا(٤) عن خباب بن الأرت أنه قال: ((تقرب ما استطعت واعلم أنك لن
تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه)).
= آخر عن إسرائيل (٤١٣/٢) وهو عند أبي داود في ((سننه)) في السنة (١٠٣/٥ رقم٤٧٣٤).
وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، وهو البخاري، عن محمد بن كثير به (١٨٤/٥
رقم ٢٩٢٥) وهو عند البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (١٣). كما أخرجه ابن ماجة في المقدمة
(١/ ٧٣ رقم ٢٠١)، والدارمي في فضائل القرآن (ص ٨٣٦)، وأحمد في ((مسنده)) (٣٩٠/٣)
من طريق إسرائيل عن عثمان به. وأخرجه اللالكائي في ((شرح السنة)) (رقم ٥٥٥) عن سليمان
عن محمد بن کثیر به.
(١) أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣٠٩) من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن شريح بن
النعمان حدثني عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم فذكر قصة
أبي بكر مع المشركين. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. (قلت): عبدالرحمن بن أبي الزناد
تكلموا فيه، وضعفه جماعة، راجع ((الميزان)) (٥٧٥/٢).
(٢) أخرجه في ((الأسماء والصفات)) (٣٠٩) من طريق أبي معمر الهذلي عن شريح عن عبدالرحمن بن
أبي الزناد عن أبيه. وأخرجه الترمذي في ((التفسير)) (٣٤٤/٥ رقم ٣١٩٤) من طريق ابن أبي
الزناد، وصححه. وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٨٠/٦) للدارقطني في ((الأفراد))،
والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في ((الدلائل)). وانظر روايات أخرى في هذا الصدد في
((الدلائل)) للمؤلف (٣٣٠/٢-٣٣٤).
(٣) أخرجه في ((الأسماء والصفات)) (٣١٠) بسند ضعيف. ورواه أبوداود في كتاب السنة من
((سننه)) (١٠٤/٥ رقم ٤٧٣٦) وسنده أيضًا ضعيف.
(٤) راجع ((الأسماء والصفات)) أيضًا (٣١٠-٣١١) وقال المؤلف عن إسناده أنه صحيح. وأخرجه
ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥١٠/١٠-٥١١). كما أخرجه أحمد في ((الزهد)» (٣٥) بسند
صحيح. وذكره البخاري في كتاب ((خلق أفعال العباد)) بدون سند (١٣).

٣٣١
الجامع لشعب الإيمان
وروينا عن ابن مسعود (١) أنه قال: ((أصدق الحديث كلام الله عز وجل)).
وعن عمر بن الخطاب(٢) رضي الله عنه قال: ((القرآن كلام الله عز وجل)).
وعن عثمان بن عفان (٣) رضي الله عنه قال: ((لو أن قلوبنا طهرت لما شبعنا من
کلام ربنا».
وعن علي بن أبي طالب (٤) رضي الله عنه أنه قال: ((ما حكمت مخلوقا إنما
حكمت القرآن)).
وعن ابن عباس(6) ((أنه صلى على جنازة فقال رجل: اللهم رب القرآن العظيم
اغفر له فقال ابن عباس: ثكلتك أمك إن القرآن منه إن القرآن منه)).
وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب الصفات مع سائر ما ورد فيه، عن النبي وَل
وعن أصحابه والتابعين وأتباعهم.
[١٦٧] أخبرنا أبوبكر محمد بن إبرهيم الفارسي في ((التاريخ))، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم
(١) انظر ((الأسماء والصفات)) (٣١١) و((المدخل)) (٤٢٦). وأخرجه البخاري بسنده في ((خلق
أفعال العباد)» (١٤).
(٢) أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣١٢) من طرق. وأخرجه الدارمي في فضائل القرآن
(ص٨٣٧).
(٣) ((الأسماء والصفات)) (٣١٣).
(٤) أيضًا، وراجع ((شرح السنة)) للالكائي (٢٢٨/١-٢٢٩).
(٥) ((الأسماء والصفات)) (٣١٢)، و((شرح السنة)) للالكائي (٢٣٠/٢) وراجع ((شرح السنة))
للبغوي (١٨٦/١).
[١٦٧] أبوبكر محمد بن إبراهيم الفارسي، ذكره الذهبي في ((السير)» (٤٢٩/١٧) وقال: روى عنه
البيهقي، ولا أعلم متى توفي.
• إبراهيم بن عبدالله بن إسحاق بن جعفر، أبوإسحاق الأصبهاني، يعرف بالقصار (م٣٧٣هـ)
ذكره الخطيب في ((تاريخه)) (١٢٧/٦) وقال قال الحاكم: لقب بالقصار لأنه كان يغسل
الموتى لورعه وزهده واجتهاده في العبادة. وراجع ((أخبار أصبهان)) (٢٠١/١).
• أبوأحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال (م٣١٢هـ). من أهل نيسابور، كانت له ثروة
ظاهرة وتجارة واسعة، فذهبت فاشتغل بالدلالة بعد أن كان أنفق على العلم الأموال
الكثيرة، وكان التمس من محمد بن إسماعيل البخاري نزول داره فنزل عنده مدة وقرأ عليه
كتاب ((التاريخ)). قال أبوعبدالله بن الأخرم الحافظ: ما أنكرنا عليه إلا لسانه، فإنه كان
فحاشًا. ((الأنساب)) (٤٣١/٥-٤٣٢)، ((شذرات)) (٢٦٥/٢).
=

٣٣٢
الجامع لشعب الإيمان
ابن عبدالله الأصبهاني أخبرنا أبوأحمد محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا محمد بن
إسماعيل البخاري قال: الحكم بن محمد أبومروان الطبري حدثناه سمع ابن عيينة قال:
أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: «القرآن كلام الله لیس
بمخلوق)) كذا قال البخاري(١): عن الحكم ورواه سلمة بن شبيب(٢)، عن الحكم بن
محمد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ
سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية.
[١٦٨] أخبرنا أبو منصور الفقيه، أخبرنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو عروبة السلمي قال:
أخبرنا سلمة بن شبيب فذكره. وكذلك(٣) رواه (غير) (٤) الحكم بن محمد، عن سفيان.
قال البيهقي رحمه الله: مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة(٥) منهم عبدالله
= • محمد بن إسماعيل البخاري، أبوعبدالله (م٢٥٦هـ)، هو الإمام العلم، أمير المؤمنين في
الحديث، صاحب ((الجامع الصحيح)).
• الحكم بن محمد، أبومروان الطبري (٢١٩٢ هـ)، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١٩٥/٨)
وترجم له الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) (٤٣٨/٢).
• عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم (م١٢٦ هـ). ثقة، ثبت. من
الرابعة (ع).
(١) راجع ((خلق أفعال العباد)» (٧) وأخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣١٥) وأخرجه
اللالكائي في ((شرح السنة)) من وجه آخر عن الحكم (٢٣٤/١) ومن طريق البخاري (٢٣٦/١).
(٢) أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) أيضًا (٣١٥) وأخرجه اللالكائي في ((شرح السنة))
(٢٣٤/١). من طريق محمد بن منصور الأملي عن الحكم به.
[١٦٨] إسناده: رجاله ثقات.
• أبو عروبة السلمي، الحسين بن محمد بن أبي معشر مودود، السلمي، الحراني (م٣١٨هـ).
محدث حران، وصاحب التاريخ، كان من نبلاء الثقات. قال ابن عدي: كان عارفًا
بالرجال وبالحديث، وكان مع ذلك مفتي أهل حران. راجع ((التذكرة)) (٧٧٤/٢-٧٧٥)،
((السير)) (٥١٠/١٤-٥١٢)، ((شذرات)) (٢٧٩/٢).
· سلمة بن شبيب المسمعي، النيسابوري (م بضع وأربعين ومائتين). ثقة، من كبار الحادية
عشر (م-٤).
(٣) راجع ((الأسماء والصفات)) (٣١٥).
(٤) زيادة من ((الأسماء والصفات)).
(٥) (قلت): الصحابة لم يعرف عنهم أنهم خاضوا في مثل هذه المناقشات. وقد روى المؤلف من
طريق أبي أحمد بن عدي عن أنس أنه قال: ((القرآن كلام الله. وليس كلام الله بمخلوق)).
وقال: قال أبوأحمد: هذا الحديث وإن كان موقوفًا على أنس رضي الله عنه فهو منكر، لأنه =

٣٣٣
الجامع لشعب الإيمان
ابن عباس وعبدالله بن عمر وجابر بن عبدالله وعبدالله بن الزبير وأكابر التابعين.
وروينا هذا القول(١) عن علي بن الحسين وجعفر بن محمد الصادق ومالك بن أنس
= لا يعرف للصحابة، رضي الله عنهم، الخوض في القرآن. قلت: (أي البيهقي) إنما أراد به أنه لم
يقع في الصدر الأول ولا الثاني من يزعم أن القرآن مخلوق حتى يحتاج إلى إنكاره، فلا يثبت
عنهم شيء بهذا اللفظ الذي روينا عن أنس، وروى أيضًا مثله وأبين منه عن عمر، وعلي
وعبدالله بن مسعود، لكن قد ثبت عنهم إضافة القرآن إلى الله تعالى وتمجيده بأنه كلام الله
تعالى. راجع ((الأسماء والصفات)) (٣١٣-٣١٤). وأخرج اللالكائي في ((شرح السنة)) عن
عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله وَلو يقولون: من قال القرآن مخلوق
فهو كافر، ثم قال: وقد لقي عمرو بن دينار ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر بن عبدالله
والمسور بن مخرمة وسعيد بن عائذ القرظي مؤذن رسول الله وَطقر والسائب بن يزيد الكندي وأبا
الطفيل عامر بن واثلة، وروى له عن أنس فهؤلاء تسعة (٢٢٨/١).
(١) راجع ((شرح السنة)) (٢٢٧/١-٣٣٠) حيث ذكر أسماء العلماء وأقوالهم في هذه المشكلة.
· علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، السيد الإمام، زين العابدين يكنى أبا الحسين،
ويقال: أبوالحسن (م٩٤هـ). قال ابن سعد: كان علي بن الحسين ثقة، مأمونًا كثير
الحديث، عاليًا، رفيعًا، ورعًا. وقال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل من علي بن الحسين.
وقال: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه ولكنه كان قليل الحديث. وانظر ترجمته في ((طبقات ابن
سعد)) (٢١١/٥-٢٢٢)، ((المعرفة والتاريخ)) (٥٤٤/١)، ((الحلية)) (١٣٣/٣-١٤٥)،
((وفيات ابن خلكان)) (٢٦٦/٣-٢٦٩)، ((السير)) (٣٨٦/٥-٤٠٠)، ((البداية والنهاية))
(١٠٣/٩-١١٥). وأما عن قوله في القرآن فقد روى ابن أبي ذئب عن الزهري قال: سألت
علي بن الحسين عن القرآن فقال: كتاب الله وكلامه. ذكره الذهبي في ((السير)) (٣٩٦/٥)
وأخرجه المؤلف بسنده في ((الأسماء والصفات)) (٣١٦)، وأخرجه اللالكائي في ((شرح
السنة)) (٢٣٨/١). كما روي من وجه آخر أنه قال لما سئل عن القرآن: ليس بخالق ولا
مخلوق، وهو كلام الخالق، وأخرجه اللالكائي في ((شرح السنة)) (٢٣٧/١).
• جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام الصادق، أبوعبدالله
القرشي الهاشمي (١٤٨٢هـ). أحد الأعلام، ومن جلة علماء المدينة. قال أبو حنيفة: ما
رأيت أفقه من جعفر بن محمد. كان من الكرماء النبلاء فكان يُطعم حتى لا يبقى لعياله
شيء. راجع ترجمته في ((الحلية)) (١٩٢/٣-٢٠٦)، ((وفيات ابن خلكان)) (٣٢٧/١-٣٢٨)
((السير)) (٢٥٥/٦-٢٧٤)، («الميزان)) (٤١٤/١-٤١٥)، ((شذرات)) (٢٠/١). وراجع لقوله
في القرآن ((الأسماء والصفات)» (٣١٧)، ((وخلق أفعال العباد)» (٨، ١٥)، و((شرح السنة))
للالكائي (٢٤١/١-٢٤٣).
• مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، له ترجمة مفصلة في ((السير)) (٤٨/٨-١٣٥) وانظر فيه
مصادر أخرى لترجمته. وأما قوله في القرآن فأخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) =

٣٣٤
الجامع لشعب الإيمان
= (٣١٨) وذكره الذهبي في (السير)) (١٠١/٨) والبخاري في ((خلق أفعال العباد)) (١٢)، كما
أخرج المؤلف بسنده عن سويد بن سعيد قال: سمعت مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وسفيان
ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وشريك بن عبدالله، ويحيى بن سليم، ومسلم بن خالد،
وهشام بن سليمان المخزومي، وجرير بن عبدالحميد، وعلي بن مسهر، وعبدة، وعبدالله بن
إدريس، وحفص بن غياث، ووكيعًا، ومحمد بن فضيل، وعبدالرحيم بن سليمان، وعبدالعزيز
بن أبي حازم، والدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبدالله بن يزيد
المقرئ، وجميع من حملت عنهم العلم يقولون: ((الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والقرآن
كلام الله تعالى، وصفة ذاته غير مخلوق، من قال إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم)) (الأسماء
والصفات ٣١٨-٣١٩). وراجع ((شرح السنة)) (٢٤٩/١-٢٥١).
• الليث بن سعد الإمام. له ترجمة مبسوطة في ((السير)) (١٣٦/٨-١٦٣) وانظر فيه مصادر
أخرى لترجمته. وراجع ((شرح السنة)) (٢٥٠/١).
• سفيان بن عيينة الهلالي، الإمام الكبير، حافظ عصره (١٩٦٢ هـ)، وقوله في القرآن أخرجه الذهبي
في ((السير)) (٤٦٦/٨). وراجع ((خلق أفعال العباد)» للبخاري (١١) ((والحلية)) (٢٩٦/٧).
• حماد بن زيد بن درهم، الإمام الحافظ الثبت، (١٧٩٢هـ). ترجمته في ((طبقات ابن سعد))
(٢٨٦/٧)، ((الحلية)) (٢٥٦/٦-٢٦٧)، ((السير)) (٤٥٦/٧- ٤٦٦). وقوله ذكره الذهبي في
(«السير)) (٤٦١/٧).
• عبد الله بن المبارك، الحنظلي، المروزي (م١٨١ هـ). عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، الإمام،
الثبت. راجع ترجمته في ((الحلية)) (١٦٢/٨-١٩٠)، ((وفيات ابن خلكان)) (٣٢/٣)، ((السير))
(٣٧٨/٨-٤٢٠). وقوله أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣١٩) والذهبي في ((السير))
(٤٠٣/٨) وراجع ((خلق أفعال العباد)) (٧) و((شرح السنة)) (٢٤٤/١).
• عبدالرحمن بن مهدي بن حسان، العنبري، البصري (م١٩٨ هـ) الإمام الناقد، المجود، سيد
الحفاظ، ثقة، حجة، متفق على إمامته. ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) (٢٩٧/٧)، ((الحلية))
(٣/٩-٦٣)، ((السير)) (١٩٢/٩-٢٠٨). وانظر مصادر ترجمته فيه. وقوله أخرجه المؤلف
بسنده في ((الأسماء والصفات)) (٣١٩-٣٢٠) وذكره الذهبي في ((السير)) (٢٠٤/٩) وراجع
(خلق أفعال العباد)» (١٠) وقول الشافعي أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣٢٢-
٣٢٣) وراجع ((السير)) (٣٠/١٠)، و((شرح السنة)) (٢٥٢/١-٢٥٥).
• يحيى بن يحيى بن بكر بن عبدالرحمن، أبوزكريا التميمي، المنقري، النيسابوري (م٢٢٦هـ)
عالم خراسان، ومحدث عصره. قال أحمد: كان يحيى بن يحيى عندي إمامًا. ولو كانت
عندي نفقة لرحلت إليه. ترجمته في ((السير)) (٥١٢/١٠-٥١٨) وانظر فيه مصادر أخرى
لترجمته. وقوله أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣٢٤).
• الإمام أحمد بن حنبل. أخرج المؤلف قوله في ((الأسماء والصفات)) (٣٢٤) وذكر الذهبي في
(«السير)» (٢٣٢/١١-٢٦٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٤/٩-٢١٦) خبر محنته في مشكلة
خلق القرآن .
=

٣٣٥
الجامع لشعب الإيمان
والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وعبدالله بن المبارك وعبدالرحمن
ابن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وأبي عبيد
ومحمد ابن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلة سواهم وإنما أحدث هذه البدعة الجعد
ابن درهم ومنه كان يأخذ جهم فذبحه خالد بن عبدالله القسري يوم الأضحى.
قال الأستاذ أبوبكر بن فورك رحمه الله: لو كان كلام الباري جل وعز محدثا كان
قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل وآفة (١)
مانعة منه ولو كان كذلك (ا)(٢) صح أن يتكلم في حال كما لا يصح أن يعلم لو كان
لم يزل غير (٣) عالم فوجب أنه لم يزل متكلما لما لم يلق به أضداد الكلام من السكوت
والخرس والطفولية.
وإن شئت قلت: كلام الله عز وجل لو كان مخلوقا كان يجب أن يكون موصوفا بضده
قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده وضد الكلام لو كان قديما لم يجز
عدمه وكان يؤدي إلى إحالة وصفه بالأمر والنهي والخبر وذلك خلاف الدين.
= • أبو عبيد، القاسم بن سلام (بالتشديد) بن عبدالله (م٢٢٤ هـ) الإمام الحافظ، المجتهد، ذو
الفنون. أخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة. وصنف التصانيف المونقة التي سارت بها
الركبان. إمام في اللغة والقراءات، ثقة مأمون في الحديث ترجمته في ((طبقات ابن سعد))
(٣٥٥/٧)، ((تاريخ بغداد)) (٤٠٣/١٢-٤١٦)، ((نزهة الألباء)) (١٣٦-١٤٢)، ((معجم
ياقوت)) (٢٥٤/١٦-٢٦١)، ((إنباه الرواة)» (١٢/٣-٢٣)، ((وفيات ابن خلكان)) (٦٠/٤ -
٦٣)، ((السير)) (٤٩٠/١٠-٥٠٩)، وانظر مصادر أخرى لترجمته هناك. وقوله أخرجه المؤلف
في «الأسماء والصفات)» (٣٢٤) وفي جميع النسخ ((أبي عبيدالله)). وهو خطأ، وقول الإمام
البخاري أيضًا أخرجه المؤلف في ((الأسماء والصفات)) (٣٢٤) وراجع ((خلق أفعال العباد)) (٧ -
١٦)، و((السير)) (٤٥٦/١٢)، وانظر محنته في هذه المشكلة فيه (١٢/ ٤٥٣ -٤٦٦)، وانظر
قصة الجعد بن درهم في ((الأسماء والصفات)) (٣٢٥) ((وخلق أفعال العباد)» للبخاري (٧).
• خالد بن عبدالله بن يزيد بن أسد القسري (م١٢٦ هـ) أحد خطباء العرب وأجوادهم، ولي
مكة سنة ٨٩هـ الوليد بن عبدالملك ثم ولاه هشام بن عبدالملك العراقين- الكوفة والبصرة-
سنة ١٠٥ هـ. ثم عزله في ١٢٠ هـ وولّ مكانه يوسف بن عمر الثقفي وأمره أن يحاسبه فسجنه
يوسف وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد. راجع ((وفيات الأعيان)) (٢٢٦/٢-٢٣١)
وانظر ((تاريخ الطبري)» حوادث ١٠٥ - ١٢٠ هـ.
(١) في الأصل ((وأنه)).
(٣) في (ن) والمطبوعة ((غيره عاما)).
(٢) زيادة لا يصح المعنى إلا بها.

٣٣٦
الجامع لشعب الإيمان
ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن يخلقه في نفسه (وهذا محال)(١)
لاستحالة أن يكون محلا للحوادث، ويستحيل أن يخلقه في غيره لأنه لو كان مخلوقا في
غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير بأخص أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم
وقدرة وحياة إذا خلقها في غيره ولو كان كذلك لم يكن كلاما لله ولا أمرا له.
فإن قيل: يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له وإن كان في غيره.
قيل: التفضل هو اسم يعم أجناسا، ونحن قلنا يضاف إليه بأخص أو صافه فإن
کان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه وإن کان سمعا وبصرا فكذلك فقولوا بأنه يضاف
إليه باسم الأمر والنهي بلفظ الكلام والقول فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم
ولا إلى الجملة ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما.
فإن قيل: لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾(٢) ولم
یزل یرسل وذلك كذب.
قيل: أو ليس قد قال(٣): ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ
الحُقِّ﴾ ولم يقل بعد (٤) أفهو كذب فإن قال: معناه سيقول.
قيل ذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. في أزله خبرا، عن أن ((سنرسل
نوحا)) قبل إرساله فإذا أرسل يكذب(6) خبرا، عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث
خبرا كما أن علمه بأن سيكون الدنيا علمه بأنه كائن وإذا كان لم يحدث علم إنما حدث
المعلوم والمخبر عنه، دون العلم والخبر، فإن قالوا: لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل
آمرا وأمر من ليس بموجود محال.
قيل: من قال من أصحابنا لم يزل آمرا فهو يقول: لم يزل آمرا له(٦) يكون على
معنى إذا خلقت وبلغت وكمل عقلك فافعل كذا كأوامر الرسول وَ لقر لمن(٧) يأتي بعده
(٢) سورة نوح (١/٧١).
(١) زيادة لا يستقيم المعنى إلا بها.
(٣) سورة إبراهيم (١٤ / ٢٢).
(٤) في (ن) والمطبوعة ((ولم يقل يعدوا فهو كذب)).
(٥) كذا في جميع النسخ ولعله ((یکون)).
(٦) في جميع النسخ ((لم)) ولعل الصواب ما أثبته.
(٧) في (ن) ((ما)).

٣٣٧
الجامع لشعب الإيمان
ومن قال: لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى فنقول لا يجب إذا كان
لم يزل متكلما أن يكون لم يزل آمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر ولم يكن كلاما
لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم وينفي السكوت ويكون أمر
العلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله.
فإن قيل لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا أحد يسمع كلامه.
قيل: أليس المسبح لا يسمع كلامه أحد ولا يكون هذيا فإن قيل: الله يسمعه
قيل: فهو يسمع الهذيان أيضا ولا يخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه
كلام لا يفيد وكلام الله يفيد المعاني الجليلة.
فإن احتج محتج بالحروف وتأخر بعضها عن بعض، وفي ذلك دلالة على الحدث
وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه
والحروف تكون أدلة عليه كما تكون الكتابة أمارات الكلام ودلالات عليه وكما
يعقل(١) متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا
أصوات وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ تُحْدَثٍ﴾(٢) دليلنا لأنه لولا أن في
الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال: جاءني رجل له رأس ما
کانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل.
ومعنى الذكر كلام الرسول وَلقر أو نفس الرسول لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة وأما
النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الإحكام وإلى القراءة الدالة على الكلام
لا إلى عين الكلام وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه والقراءة غير المقروء
كما أن ذكر الله غير الله وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾(٣) . يريد به سميناه كقوله:
﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾(٤) أي وصفوا الملائكة إناثا.
(١) في المطبوعة ((تفعل)).
(٣) سورة الزخرف (٣/٤٣).
(٢) سورة الأنبياء (٢/٢١).
(٤) أيضًا (١٩/٤٣).

٣٣٨
الجامع لشعب الإيمان
قال الحليمي(١) رحمه الله: وقوله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾(٢) إلى
قوله: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنِ﴾ وفي سورة أخرى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ• ذِي قُوَّةٍ
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ • مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينِ﴾(٣) ..
فإنما معناه إنه لقول رسول كريم، أي قول تلقاه، عن رسول كريم، أو قول
سمعه، عن رسول كريم أو نزل به عليه رسول كريم، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ
أَحَدٌ مِّنَ اْمُفْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾(٤).
فأثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا فدل أن
معناه ما قلنا .
قال البيهقي رحمه الله: والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين فيما كانوا يزعمون
من وضع النبي ◌َّ هذا القرآن ثم قد أخبر الله عز وجل أنه هو الذي نزل به الروح
الأمين عليه السلام على قلب محمد ◌ّله وأن جبريل نزل به من عنده وبالله التوفيق.
وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه،
والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه
القديم، ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله، والملائكة أيضا عاجزون
عن الإتيان بمثله، لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ولا
يهتدى إلى وجهه (ليحتذى)(٥) ويمثل وهو كتركيب الجواهر لتصير أجساما وقلب(٦)
الأعيان إذ كما(٧) لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة، وإنما وقع التحدي
عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي وَلّه إنما أرسل إلى الجن والإنس دون
الملائكة وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف
الخبير وهذا معنى كلام(٨) الحليمي رحمه الله.
(١) راجع المنهاج (٣١٨/١).
(٣) سورة التكوير (١٩/٨١-٢١).
(٥) زيادة من المنهاج.
(٦) وفي المنهاج ((ولا على قلب الأعيان، ولا يقدرون عليه من ذلك)).
(٧) في (ن) والمطبوعة ((أو)).
(٢) سورة الحاقة (٤٠/٦٩-٤٢).
(٤) سورة التوبة (٦/٩).
(٨) راجع المنهاج (٣١٩/١-٣٢٠).

٣٣٩
الجامع لشعب الإيمان
الوجه الثالث: فبيانه أن الله عز وجل ضمن حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١).
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ
مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(٢).
فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد
كذب الله في خبره وأجاز الخلف فيه وذلك كفر.
وأيضا فإن ذلك لو كان ممكنا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما
هو متمسك به لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أو ضاع بنسخ شيء مما
هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره، وبسط الحليمي (٣) رحمه الله الكلام فيه فصح
أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بأن جميعه هو هذا المتوارث (٤) خلفا عن سلف،
لا زيادة فيه ولا نقصان منه وبالله التوفيق.
ذكر حديث جمع القرآن
[١٦٩] أخبرنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ أخبرنا أبوالحسين علي بن محمد بن
(١) سورة الحجر (٩/١٥).
(٣) المنهاج (٣٢٠/١).
(٢) سورة حم السجدة (٤١/٤١-٤٢).
(٤) وفي (ن) ((المتواتر)).
[١٦٩] إسناده: فيه من لم أعرفهم. والحديث صحيح.
• أبوالحسين علي بن محمد بن سختويه. لم أظفر بترجمة له، وكذا أبونصر محمد بن محمد بن
علي بن مقاتل الهاشمي.
• الحسن بن موسى الأشيب، أبو علي، البغدادي (م٢٠٩ أو ٢١٠ هـ) قاضي الموصل وغيرها،
ثقة. من التاسعة (ع).
· إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق (م١٨٥ هـ) ثقة،
حجة، تكلم فيه بلا قادح. من الثامنة (ع).
• أبو خليفة الفضل بن الحباب بن عمرو بن محمد بن شعيب، الجمحي، البصري (م٣٠٥هـ)
الحباب لقب، واسمه عمرو. كان ثقة، صادقا، مأمونا، أديبا فصيحا، مفوها، رحل إليه
من الآفاق. ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (٢٤٩/١-٢٥١)، ((السير)) (٧/١٤-١٠)،
((اللسان)) (٤٣٨/٤-٤٤٠)، ((شذرات)) (٢٤٦/٢).
• عبيد بن السباق (بمهملة وموحدة شديدة) المدني الثقفي، أبوسعيد. ثقة، من الثالثة (ع).

٣٤٠
الجامع لشعب الإيمان
سختويه، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، عن إبراهيم بن
سعد الزهري، عن ابن شهاب -ح -.
وأخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن علي بن مقاتل الهاشمي الفروي، حدثنا أبو محمد
أحمد بن عبدالله المزني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبوالوليد الطيالسي،
حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت
قال: ((أرسل إلي أبوبكر الصديق رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس
عنده فقال أبوبكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل(١) فقد استحر وإني أرى أن
تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله وَلا؟ فقال
عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله (٢) لذلك صدري ورأيت
في ذلك الذي رأی عمر رضي الله عنه)).
قال زيد قال أبوبكر: «إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب
الوحي لرسول الله وَ ل﴿ فتتبع القرآن واجمعه)).
قال زيد: ((فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمروني به
من جمع القرآن قال قلت: وكيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله وَله؟ قال: هو
والله خير، فلم يزل أبوبکر یراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر
أبي بكر وعمر قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع(٣) والعسب (واللخاف)
وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة)).
(١) في (الدلائل)) و((صحيح البخاري)): ((أن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني
أخشى أن إن استحر القتل بالقراء في المواطن كلها))، وعند البخاري - بالمواطن- ((فيذهب كثير
من القرآن وإني أرى أن تأمر)).
(٢) في ((الدلائل)) «حتى شرح الله صدري للذي شرح صدره).
(٣) الرقاع جمع رقعة: ما يكتب عليه من جلد أو نحوه. العسب جمع عسيب: جريد النخل من غير
خوصة. وكان يستخدم للكتابة عليه، وفي رواية البخاري بعده: ((واللخاف)). واللخاف: جمع
لخفة: حجارة بيض عريضة رقاق يستخدم للكتابة عليها. وهذه الكلمة ليست في النسخ
الموجودة لدينا .