النص المفهرس
صفحات 21-40
الرحلة الثانية: وبعد وفاة والده تابع جمعه للحديث من أفواه المحدثين، فعاد يطوف على محدثي بغداد ، ويأخذ الحديث عنهم، حتى إذا اطمأن بأنه اطلع على مروياتهم وتلقاها عنهم، عزم على الرحلة مرة ثانية، لكن في هذه المرة إلى مكان بعيد ، إما إلى مصر، وإما إلى نيسابور. ويتردد بأيتهما يبدأ فيستشير شيخه البرقاني، قائلاً ((هل أرحل إلى ابن النحاس إلى مصر ، أو أخرج إلى نيسابور إلى أصحاب الأَصم؟ ))(١) فيشير عليه شيخه أن يبدأ بنيسابور ويبين له السبب فيقول له: ((إنك إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة، إن فاتك واحد أدركت من بقي(١). قال: فخرجت إلى نيسابور )). وقبل خروجه يزوده شيخه البرقاني برسالة إلى محدث أصبهان أبي نعيم، يوصيه فيها بالخطيب ويصفه له، فيقول في قسم منها: ((وقد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله وسلمه- ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله، من له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابتة ، وفهم حسن ، وقد رحل فيه وفي طلبه، وقد حصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع به من ذلك، مع التورع والتحفظ ، وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته، وأنا أرجو إن صحت منه لديك هذه الصفة ، أن تلين له جانبك ، وأن تتوفر له، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديماً حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكل منهم)) (٢). بدء الرحلة: ويخرج الخطيب من بغداد بصحبة رفيق له من أصحابه هو أبو الحسن علي ابن عبد الغالب متوجهاً إلى نيسابور، ولا ندري أي طريق سلك وبأي بلد مر أولاً . (١) السبكي: ٣٠/٤ والتذكرة: ١١٣٧/٣. (٢) معجم الأدباء: ٤٢/٤. ٢١ وأما مخطط الرحلة، فالذي أظنه- والله أعلم- أنه بدأ بأصبهان، ثم عرّج على همذان، فالري ثم انتهى بنيسابور، وفي رجوعه بالدينور. وقد استغرقت هذه الرحلة حوالي سنتين، من ٤١٥ - ٤١٧ هـ. ثم يمكث الخطيب ببغداد يترقب قدوم العلماء والمحدثين إما لزيارة بغداد ومن فيها من العلماء- وبغداد إذ ذاك عاصمة الخلافة وموطن العلماء- أو يمرون بها في طريقهم إلى الحج. فكان يترقب أولئك ليجتمع بهم ويسمع منهم، وربما يكون الشيء عنده، ولكن يسمعه إما بسند أعلى أو برجال أوثق، أو لتكثير الطرق، وقد حصل له من ذلك شيء عجيب يدل على أن علم الحديث قد شغفه حباً حتى أنساه شهوته للطعام والشراب. بل ربما أنساه حاجته للنوم. فمن تلك العجائب أنه قرأ صحيح البخاري على إسماعيل بن أحمد الضرير الحيري في ثلاثة أيام. وبقي الخطيب ببغداد عاكفاً على جمع مادة تاريخ بغداد الكبير، مدة طويلة تزيد على العشرين سنة لم يرحل، ولم يشتغل بالتدريس أو التحديث، إلا ما كان من المذاكرة مع بعض شيوخه أو الاجتماع بالشيوخ القادمين إلى بغداد للاستفادة مما عندهم. ولما تمت فصول الكتاب واجتمعت مادته واستراح فكره، عزم على أداء فريضة الحج أداء الفريضة، وشكراً لله على ما من به عليه من التيسير في تصنيف التاريخ. وليتم رحلاته في أقطار العالم الاسلامي الحافلة بالعلماء والمحدثين، لعله يأخذ عنهم ما عساه يحتاجه في تصانيفه التي ينوي إخراجها ويعد مخططاتها . الرحلة الثالثة (رحلة الحج): وبخروجه للحج سنة أربع وأربعين وأربعمائه تبدأ رحلته الثالثة، ويتوجه إلى دمشق فيدخلها سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ويسمع من عدد كثير من محدثيها مثل أبي الحسن محمد بن عبد الواحد بن عثمان بن القاسم التميمي، وأبي القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي وغيرهما، قال السبكي في طبقاته عن الخطيب: ((وقدم دمشق سنة خمس وأربعين حاجاً، فسمع خلقاً كثيراً، وتوجه إلى الحج)) (١). (١) السبكي: ٢٩/٤. ٢٢ ثم تابع طريقه إلى مكة المكرمة، ولا يترك الوقت في الطريق يضيع سدى بدون فائدة بل يشغله بتلاوة القرآن الكريم وتحديث الناس بأحاديث سيد المرسلين، فهذا أبو الفرج الإسفراييني يصف لنا الخطيب في سفره معهم فيقول: ((كان الخطيب معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم))(١). وهكذا قضى الطريق بخير ما يتقرب الناس من الأعمال إلى ربهم. ويا ليت علماء المسلمين يفعلون ما فعل الخطيب في الطريق إلى الحج. ولما وصل مكة، ودخل بيت الله الحرام، طاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام ثم توجه إلى زمزم فشرب منه ثلاث شربات، وسأل الله تعالى ثلاث حاجات، آخذاً بقول رسول الله مَ ◌ّه: ((ماء زمزم لما شرب له))(٢)، والحاجات الثلاث هي: الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد بها . الثانية: أن علي الحديث بجامع المنصور. الثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي . وينتهز فرصة وجوده بمكة ليجتمع بالمحدثين ويسمع منهم، فيسمع من القاضي أبي عبدالله محمد بن سلامة القضاعي المصري قاضي الديار المصرية، حج في ذلك العام، والتقى به الخطيب وروى عنه انظر المنتظم: ٢٦٥/٨ وشذرات: ٢٩٣/٣. وأبي القاسم بن عبدالرحمن المصري(٣). ويبلغة أن كريمة بنت أحمد المروزية مجاورة بمكة المكرمة، وعندها سماع عال لصحيح البخاري سمعته من أبي الهيثم الكشميهني، وهو أقدم سماع منه في ذلك العصر ، فيذهب إليها ويقرأ عليها صحيح البخاري في خمسة أيام(٤). وتوفيت (١) التذكرة: ١١٣٩/٣ والتبيين: ص ٢٦٨ والسبكي: ٣٤/٤. (٢) حديث رواه ابن ماجه بسند جيد، وكذا ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم، وفيه كلام كثير لكن له طرق كثيرة يرتفع بمجموعتها إلى مرتبة الحسن، انظر تفصيل الكلام عليه في كشف الخفاء للعجلوني: ١٧٦/٢. (٣) انظر كتاب (الأسماء المبهمة) ق ١/١٨ (٤) المنتظم: ٢٦٥/٨ ومعجم الأدباء: ١٨/٤ والتذكرة: ١١٣٨/٣ والسبكي: ٣٠/٤. ٢٣ كريمة بمكة في السنة التي توفي فيها الخطيب ولها من العمر مائة سنة، وعدها ابن الأهدل من الحفاظ (١). وبعد الانتهاء من فريضة الحج والاجتماع بالمحدثين من أهل مكة والمجاورين بها والقادمين للحج ومشاهدته المنافع الكثيرة التي هي من أهداف الحج وحكمة مشروعيته والتي قال الله فيها لسيدنا إبراهيم عليه السلام: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله .. )) (٢). بعد هذا قفل راجعاً إلى الشام فمر ببيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله عَ ليه، مر بها لزيارة المسجد الأقصى المبارك، وليجتمع بالعلماء ويأخذ عنهم، فاجتمع بأبي محمد عبد العزيز بن أحمد ابن عمر المقدسي، وسمع منه الحديث، والظاهر أن مجيئه لبيت المقدس كان في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وذلك من قوله في تاريخ بغداد ٢٢١/١٣ في ترجمة المطهر بن محمد اللحافي ((توفي اللحافي بايذج في رجب من سنة خمس وأربعين وأربعمائة وبلغنا وفاته ونحن ببيت المقدس بعد رجوعنا من الحج)). ثم ينتقل إلى ((صور)» فيسمع فيها من عبدالوهاب بن الحسين بن عمر بن برهان أبي الفرج الغزال )»، وذلك في سنة ست ووأربعين وأربعمائة، ويقول الخطيب في ترجمة شيخه هذا في تاريخ بغداد: ((وانتقل من بغداد إلى الشام فسكن بالساحل في مدينة صور وبها لقيته وسمعت منه عند رجوعي من الحج وذلك في سنة ست وأربعين وأربعمائة))(٣). المرحلة الثالثة: وبعد انتهائه من المكث بمدينة صور توجه راجعاً إلى وطنه بغداد ، حاملاً معه رواياته، ومتزوداً بمسموعاته. وبدخوله بغداد تنتهي المرحلة الثانية من مراحل حياته التي قام فيها بالرحلات وجمع الحديث وتصنيف التاريخ، وتبدأ (١) الشذرات: ٣١٤/٣. الحج: الآيتان ٢٧ و٢٨. (٢) تاريخ بغداد: ٣٤/١١. (٣) ٢٤ المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التصنيف والإسماع والإملاء . وينكب في هذه المرحلة على مسموعاته الكثيرة وأماليه الطويلة، فيجمع المتفرق منها ويرتب المتناثر منها وليهذب المتكرر، ويوفق بين المختلف من الحديث، ويجعل منها مادة دسمة وغنية لتصانيفه التي كان يخطط لها ، وبدأ في هذه المرحلة بإنشائها وإخراجها بعد أن نضجت في فكره واستوت في ذاكرته وامتزجت بحياته، فليس له شغل غيرها ، وليس له غاية يرمي إليها دونها ، فهي الأنيس له إذ لا أهل له ولا ولد، وهي ثمار جهوده في الرحلة لكل قطر وبلد . وفعلاً فقد أعدّ معظم مصنفاته في هذه الفترة، وهيأها للتحديث والإملاء ، كي تُحمل عنه ويستفيد الناس من ثمرة جهوده وأتعابه المضنية فيها . وهذا محمد بن أحمد المالكي الأندلسي يعدد في فهرسته لمصنفات الخطيب أربعة وخمسين مصنفاً إلى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائه (١). ولا ننسى أن الخطيب مهتم بما دعا الله به عندما شرب من ماء زمزم، من الحاجات الثلاث فأما الحاجة الأولى وهي: تحديثه بتاريخ بغداد، فقد كان يحدث به ويمليه على بعض تلاميذه في حجرة كانت له بباب المراتب بدرب السلسلة قرب المدرسة النظامية، وكان من بين أولئك التلاميذ مكي بن عبدالسلام المقدسي، وأبو الفتح نصر بن إبراهيم الفقيه وغيرهم. وأما الحاجة الثانية وهي إملاؤه الحديث بجامع المنصور، فالظاهر أنه ليس بالأمر الميسور، لأنه- على ما يبدو- ما كان يسمح للشخص بإملاء الحديث في المسجد الجامع إلا بإذن من الخليفة أو من نقيب النقباء في ذلك الوقت، وكأنّ نقيب النقباء في ذلك العصر يشبه المشرف على التدريس والوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف في زماننا ، والله أعلم . ولعل الخطيب يصعب عليه كثيراً أن يتوسط أحد الأشخاص لدى الخليفة أو نقيب النقباء ليسمح له بالإملاء والتحديث في جامع المنصور. وكان من حسن حظ الخطيب أن زميلاً من زملائه في العلم والرواية صار (١) فهرست المالكي. ٢٥ وزيراً للخليفة العباسي القائم بأمر الله، وهو علي بن الحسن بن أحمد أبو القاسم المعروف بابن المسلمة، ولقبه الخليفة رئيس الرؤساء، شرف الوزراء ، جمال الورى . ويقول الخطيب عنه في ترجمته في تاريخ بغداد: (( كتبت عنه، وكان ثقة، وكان أحد الشهود المعدّلين، ثم استكتبه الخليفة القائم بأمر الله، واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى، وكان قد اجتمع فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحد قبله ، مع سداد مذهب وحسن اعتقاد ، ووفور عقل ، وأصالة رأي ))(١). وقد جرت حادثة سنة سبع وأربعين وأربعمائة(٢) مع هذا الوزير، هذه الحادثة كان لها أكبر الأثر في رفع مقام الخطيب وانتشار سمعته، وهي كما رواها ابن الجوزي في المنتظم فقال: ((وكان قد أظهر بعض اليهود كتاباً، وادعى أنه كتاب رسول الله عَ لَّه بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنّ خطّ علي بن أبي طالب فيه، فعرضه رئيس الرؤساء ابن المسلمة على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مزوّر. قيل: من أين لك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق، فاستحسن ذلك منه))(٣) واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما في الكتاب لظهور تزويره. وقال السخاوي في الإعلان بالتوبيخ: «ولما حقق لهم الخطيب ما تقدم صنف رئيس الرؤساء المشار إليه في إبطاله جزءاً، وكتب عليه الأئمة أبو الطيب الطبري وأبو نصر بن الصباغ ومحمد بن محمد البيضاوي ومحمد بن علي الدامغاني وغیرهم )،(٤). وارتفعت منزلته عند ابن المسلمة، وكبر في عينيه كثيراً ووثق بدقة علمه، تاريخ بغداد: ٣٩١/١١. (١) (٢) الإعلان بالتوبيخ ص ١٠. (٣) المنتظم: ٢٦٥/٨ والتذكرة: ١١٤١/٣ والسبكي: ٣٥/٤. (٤) الإعلان بالتوبيخ ص ١١ . ٢٦ فتقدم إلى الخطباء والوعاظ والقُصّاص الا يورد أحد منهم حديثاً عن رسول الله مَ طله حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بإيراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه (١). وبذلك صار المرجع الأول في عاصمة الخلافة الإسلامية في الحديث ومعرفة صحيحه من مكذوبه. واشتهر الخطيب وارتفع ذكره حتى سمع به الخليفة وعرف منزلته في الحدیث ، واستفاد الخطيب من هذا، وكان قد وقع إلیه جزء حديث فيه سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة، وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء ، فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، فليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته؟ فسئل، فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور. فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذن في ذلك. فحضر النقيب))(٢) وأذن للخطيب بالإملاء ، واجتمع الناس بجامع المنصور وأملى الحديث وتم له اثنتان مما دعا الله به عند زمزم، وبقيت الثالثة. حادثة الباسيري: وبقي الخطيب طيب النفس قرير العين بما بلغه من أمانيه التي استجابها الله تعالى له فهو يملي التاريخ في بيته، ويعلي الحديث بجامع المنصور ، ويصنّف، ويهذب، إلى أن حدثت فتنة البساسيري، وهي عبارة عن انقلاب سياسي خطير كاد يطيح بالخلافة العباسية السُنيّة، ويحل محلها الخلافة الفاطمية الباطنية. واستطار شر هذه الفتنة حتى كاد يقع الخطيب في شراكها لولا أنه أسرع في الخروج من بغداد متخفياً إلى دمشق. هجرته إلى دمشق : وخشي الخطيب أن تدبر له مؤامرة وبوشى به لدى البساسيري للقضاء عليه، وليس له في ذلك الوقت حول ولا قوة، والبلاد في فتنة تموج كموج (١) معجم الأدباء: ١٩/٤ والتذكرة: ١١٤١/٣. (٢) تاريخ دمشق: ٣٩٩/١ ومعجم الأدباء ١٦/٤ والتذكرة: ١١٤٢/٣. ٢٧ البحر ، والخليفة الشرعي مخلوع، وعملاء الباطنية هم أصحاب السلطان، لذلك قرر الهجرة إلى دمشق، ولم يعلن ذلك خشية من منعه والبطش به، وما أن انتصف شهر صفر من سنة إحدى وخمسين وأربعمائة حتى استتر(١) الخطيب وخرج من بغداد مصطحباً كتبه وتصانيفه وسماعاته ، قاصداً دمشق، عازماً على المقام بها، ولقد وصلها سالماً . وصوله إلى دمشق وإقامته فيها : ولما وصل إلى دمشق، اتخذ المأذنة الشرقية من الجامع الأموي مسكناً له، وبدأ التدريس في المسجد نفسه، وصارت له حلقة كبيرة يجتمع الناس فيها كل يوم، ويحدثهم بعامة كتبه ومصنفاته. والكتب التي رواها عن شيوخه وورد بها دمشق . وطاب له المقام بدمشق وصار يخرج إلى بساتين الغوطة ويقرأ كتب الأدب المسلية وكتابه «التطفيل وحكايات الطفيليين وأخبارهم ونوادرهم )» في ذلك الجو الناعم والظل الوارف. وقد جاء في سماعات الكتاب المذكور ما يلي: ((سمع كتاب الطفيليين من الشيخ الأجل أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي رضي الله عنه بقراءته على الجماعة المثبوتين بدمشق في بستان عين الدولة بظاهر دمشق ... ))(٢). قراءته فضائل العباس وثورة الروافض عليه واخراجه من دمشق: وفيما يقرأ من الكتب التي ورد بها دمشق قرأ يوماً كتاب (فضائل الصحابة الأربعة) لأحمد بن حنبل وكتاب ((فضائل العباس)) لابن رزقوية في المسجد على ملأ من الناس كعادته فسمع بذلك الروافض- وكانت لهم شوكة لأن البلاد في ذلك الوقت تابعة لحكم الفاطميين في مصر - فثاروا عليه وأرادوا قتله لكنه استجار بالشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم الزينبي- وكان مسكنه قريباً من الجامع- فأجاره على أنه يخرج من دمشق، فخرج منها إلى صور، وفي ذلك يقول ابن كثير في البداية: ((وكان جهوري الصوت يسمع صوته من أرجاء الجامع (١) تاريخ بغداد: ٣٩٢/١١. التطفيل: ص ١٠٥. (٢) ٢٨ كلها فاتفق أنه قرأ على الناس يوماً فضائل العباس، فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين فأرادوا قتله، فتشفع بالشريف الزينبي ، فأجاره، وكان مسكنه بدار العقيقي (١) ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور (٢). إقامته بصور، وتردده على بيت المقدس: خرج الخطيب منفياً إلى صور في صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد اختار صور لما فيها من العلماء والمحدثين وطلبة الحديث في ذلك الوقت ، وقد مر بنا كيف أن الخطيب زار مدينة صور عند رجوعه من الحج سنة ست وأربعين وأربعمائة وسمع فيها من بعض الشيوخ، وها هو اليوم يهاجر إليها ليروي فيها الحديث، ويعلي بعض المصنفات، فقد جاء في كتاب ((الأسماء المبهمة)) أن الخطيب أملى عدداً من أجزاء هذا الكتاب بمدينة صور. وفي صور تعرف إلى أحد الكرام وهو عز الدولة فانتفع به وأعطاه مالاً كثيراً ورزقه الله من حيث لا يحتسب. قال الذهبي في التذكرة: ((قال ابن شافع: خرج الخطيب فقصد صور وبها عز الدولة أحد الأجواد وتقرب منه فانتفع به وأعطاه مالاً كثيراً))(٣) وكان في هذه المدة يتردد على بيت المقدس للزيارة ويعود إلى صور (٤). رجوعه إلى بغداد ماراً بطرابلس وحلب: ولما بلغ سبعين سنة وشاخ وشعر بقرب أجله وطمح في أن يستجيب الله دعوته الثالثة وهو أن يدفن عند بشر الحافي في بغداد، عزم على السفر إلى بغداد ، فبلغ الخبر تلميذه وصاحبه عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد الشيحي التاجر المحدث، فعرض عليه أن يتكفل بسفره وكل ما يحتاجه ذلك السفر من أسباب وتكاليف ، فخرج الخطيب بصحبته وعهدته في شعبان من سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فسلكا طريق الساحل حتى وصلا طرابلس فنزلا فيها وبقيا مكان قريب جداً من المسجد الأموي، تقوم عليه الآن المكتبة الظاهرية. (١) (٢) البداية: ١٢/ ١٠٢. (٣) التذكرة: ٠١٣٩/٣ التذكرة: ١١٤٢/٣. (٤) ٢٩ أياماً قلائل، تعرف فيها على بعض أهل العلم وناظرهم ، منهم الحسين بن بشر بن علي الاطرابلسي المعروف بالقاضي الشيعي، فناظره، وطرابلس آنذاك تحت حكم الشيعة. ثم ترك طرابلس، وسار إلى حلب، ولما وصلها أقام فيها أياماً يسيرة، قضاها في العلم والتحديث، وسمع من بعض الشيوخ بحلب وروى عنهم (١) منهم أبو الفتح أحمد بن النحاس. ثم توجه إلى بغداد فوصلها في ذي الحجة من سنة ثنتين وستين وأربعمائة مع زميله الشيحي. وقد استغرقت الرحلة من صور إلى بغداد أربعة أشهر . ما هو ورده في الطريق؟ لم يترك الخطيب الوقت في الطريق يضيع سدى فقد شغله بأفضل الأعمال وأجل القربات إلى الله عز وجل وهو قراءة القرآن الكريم فلقد كان يختم في كل يوم ختمة كاملة كما فعل في طريقه إلى الحج. ولنترك زميله وصاحبه الذي كان عديلاً له يركب معه على راحلة واحدة يقص علينا ما رأى، قال الساجي: سمعت عبد المحسن الشيحي يقول (( كنت عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد فكان له في كل يوم وليلة ختمة »(٢). ولقد سر الخطيب بوصوله سالماً إلى بغداد بعد فراق لها دام إحدى عشرة سنة، وكان مرتاحاً بهذا السفر لما قام به الشيحي من خدمة وعناية، وأراد الخطيب مكافأته، فلم يجد ما يكافئه به غير أن يهديه نسخة من تاريخ بغداد بخطه، فأهداه إياها وقال: لو كان عندي أعز منها لأهديتها له(٣). وهل لدى الإنسان أعز من شيء أفنى فيه عمره، ووضع فيه كل ما وصل إليه من أخبار علماء بغداد . (١) فقد جاء في كتابه (الفقيه والمتفقه) المجلد الأول ص ٥٣- باب بيان الفقه ما يلي: «أنا أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد النحاس بحلب نا الحسين بن علي بن عبيد الله الاسامي نا موسى بن القاسم بن موسى بن الأشيب القاضي قال: قال ثعلب أحمد بن يحيى النحوي: ((يقال فقه الرجل إذا كمل، وفقه إذا شدا شيئاً من الفقه)). (٢) شهبة: ق / ٢/١٣٩ والتذكرة: ١١٣٩/٣. (٣) المتنظم: ٠١٠٠/٩ ٣٠ واستأنف الخطيب دروسه وتحديثه في جامع المنصور بعد عودته إلى بغداد ، وقد رجع فيها الأمر إلى نصابه وصار الأمر فيها لأهل السنة وللخليفة العباسي القائم بأمر الله. واجتمع الناس وطلاب الحديث حوله بشوق ولهفة يسمعون دروسه، ويكتبون ما يمليه عليهم، فحدث بسنن أبي داود من روايته ، وأملى بعض فصول من التاريخ والإضافات التي أضافها إليه خلال تلك الفترة. مرضه وتوزيع ثروته: ومرض الخطيب في نصف رمضان من سنة ثلاث وستين وأربعمائة في حجرته بباب المراتب بدرب السلسلة، قرب المدرسة النظامية، وكأن نفسه حدثته بقرب أجله وكان عنده شيء من المال والثياب ولم يكن له عقب ولا وارث(١) فأراد أن يختم حياته بعمل من أعمال البر يتوج به أعماله فكتب إلى القائم بأمر الله: إني إذا مت كان مالي لبيت المال وإني أستأذن أن أفرقه على من شئت فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث وكان مائتي دينار(٢)، ووكل أمر توزيعه إلى أبي الفضل بن خيرون فوزع ابن خيرون هذا المال في حياة الخطيب. وصيته ووفاته: وأوصى بأن يُتَصَدَّقَ بجميع ثيابه وما يملكه من أشياء بعد موته، ووقف جميع كتبه ومصنفاته على المسلمين وسلمها إلى أبي الفضل بن خيرون فكان يعزها ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره (٣). وفي أوائل ذي الحجة اشتد مرضه وأويس منه وتوفي ضحى يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة رحمه الله رحمة واسعة، قال الذهبي في التذكرة نقلاً عن مكي الرميلي: «مرض الخطيب في رمضان من سنة ثلاث (١) الظاهر أن الخطيب لم يتزوج قط، وسكناه في المأذنة والمسجد في دمشق وصور، ورحلاته بمفرده يشير إلى هذا، مع أن النصوص لا تصرح بأنه لم يتزوج، وإنما تكتفي بأنه لم يترك عقباً فالله أعلم . (٢) المنتظم: ٢٦٩/٨ والتذكرة ١٤٣/٣ ومعجم الأدباء: ٤٥/٤. المنتظم: ١١٤٤/٣ تاريخ دمشق: ٤٠١/١ وعنه معجم الأدباء ٤٤/٤ والمنتظم: ٢٦٦/٨ (٣) ٣١ وستين في نصفه إلى أن اشتد به الحال في أول ذي الحجة يوم سابعه .. واستجاب الله دعوته الثالثة، فدفن عند قبر بشر الحافي . وبوفاته طويت صفحة من صفحات العلم الحافلة بالتحقيق والتصنيف، وفقد المسلمون علماً من أعلام المحدثين الذين أغنوا الخزانة الإسلامية بما تحتاجه من علوم الحديث فجزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيراً وعفا عنه ورحمه رحمة واسعة آمين . علومه : هذه صورة لحياة الخطيب وما فيها من أحداث ومراحل، ودراسة وثقافة ومن هذه الصورة نتبين ما هي علومه التي درسها ، وبالتالي التي درسها ، وبالتالي التي تخصص بها وغلبت عليه. لقد أخذ الخطيب من كل علم بنصيب جيد، فقد قرأ القرآن وتعلم وجوه القراءات في صغره، ثم درس الفقه وأصوله حتى صار فقيهاً من كبار فقهاء الشافعية، ودرس علوم الآلات واللغة والأدب حتى اعتبر نحوياً أديباً(١) كما سنرى في الكتب التي ورد بها دمشق والتي رواها عن شيوخه. وسمع الحديث ورحل فيه، وصنف وجمع وهذب ورتب ونقد، واشتغل بالتاريخ وخصوصاً تاريخ رجال الحديث وغلب عليه الحديث والتاريخ وأعطاهما نفسه وأوقاته وراحته، وتخصص فيها بحق، وكان كما قال عنه ابن خلكان: ((وكان فقيهاً فغلب عليه الحديث والتاريخ))(٢). مناقبه وأخلاقه يظهر لمن يتتبع سيرة الخطيب أنه كان على جانب كبير من الأخلاق الكريمة والمناقب النبيلة، وأنه كان مخلصاً في علمه وتصنيفه، حتى انعكست السنة التي يشتغل فيها على نفسه فأكسبتها كمالاً وتواضعاً وتقى وعملاً خيرا . (١) فقد ترجمه ياقوت في معجم الأدباء واعتبره أديباً، انظر ترجمته الوافية في الكتاب المذكور ٤٠/ ١٣- ٤٥. (٢) وفيات الأعيان: ٧٦/١. ٣٢ ولنستخلص من سيرته بعض تلك الأخلاق والمناقب: كثرة تلاوته للقرآن: ١) فكان لا يترك فرصة تمر به إلا ويشغلها بتلاوة القرآن. ولقد مر بنا أنه كان يقرأ في طريقه إلى الحج في كل يوم ختمة قراءة ترتيل، وكذلك فعل في رحلته من دمشق إلى بغداد. ٢) ورعه : لقد وصفه شيخه البرقاني حينما زوده بكتاب إلى أبي نعيم يوصيه فيه فقال في جزء منه (( ... وسيظهر لك منه عند الاجتماع به من ذلك مع التورع والتحفظ وصحة التحصيل ... )) ٣) عفته : لم نر في سيرته أنه تسلم منصباً من المناصب الرسمية لدى الدولة، فلم يكن قاضياً ولا مفتياً ولا غير ذلك مع أنه كان أهلاً لذلك، وما كانت لتمتنع المناصب عليه لو أنه سعى إليها أو أرادها، ولكنه اختار أن يبقى بعيداً عن الأعمال الرسمية ليكون طليقاً في جسمه وفكره، ورضي بالكفاف من العيش، فلم يتطلع إلى الأموال ولا إلى البيوت والمساكن الواسعة، ولم يكن له خدم ولا جوارٍ بل ولا زوجة ولا أولاد. وهذا مثال رائع يدل على عفة الخطيب وعدم حرصه على الدنيا . قال أبو سبعد السمعاني: (( سمعت أبا الفتح مسعود بن محمد بن أحمد أبي نصر الخطيب بمرو يقول: سمعت عمر النسوي- يعرف بابن أبي ليلى- يقول: كنت في جامع صور عند الخطيب، فدخل عليه بعض العلوية، وفي كمه دنانير، وقال للخطيب: فلان- وذكر بعض المحتشمين من أهل صور- يسلم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك، فقال الخطيب لا حاجة لي فيه، وقطب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال: قل له يصرفه إلى من يريد، فقال العلوي: كأنك تستقله، ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها وقال: هذه ثلاثمائة دينار فقام الخطيب محمرَّ الوجه، وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض، وخرج من المسجد. قال الفضل بن أبي ليلى: ما أنسى عز خروج ٣٣ الخطيب. وذل ذلك العلوي، وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقق الحصر ويجمعها))(١). تواضعه : ٤) لم يكن الخطيب معجباً بما وصل إليه من العلم ولا متكبراً، بل كان متواضعاً حتى أنه ما كانت تروق له الأسماء والألقاب الكبيرة كالحافظ أو الحدث، فقد روى أبو نصر محمد بن سعيد المؤدب عن أبيه أنه قال: ((قلت لأبي بكر الخطيب عند لقائي إياه: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: انتهى الحفظ إلى الدار قطني، أنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب))(٢). كرمه : ٥) لقد كان الخطيب كريماً معطاء ولا ننسى كيف أنه وزع مائتي دينار على أصحاب الحديث، ولم يوص بها لتوزع بعد موته وإنما جادت نفسه بها وهو على قيد الحياة، لكن قد يقال إنه جاد بها بعدما مرض مرض الموت، لكن حوادث أخرى جرت معه تدل على أنه كريم في جميع الحالات، فهذا تلميذه الخطيب التبريزي يقول: «دخلت دمشق فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إلى وقال: أحببت أن أزورك في بيتك، فتحدثنا ساعة ثم أخرج ورقة وقال: الهدية مستحبة، اشتر بهذه أقلاماً ونهض، قال: فإذا خمسة دنانير مصرية. ثم إنه صعد مرة أخرى، ووضع نحواً من ذلك)) (٣). ٦) حرصه على تطبيق العلم: لم يكن حرص الخطيب على تطبيق العلم بأقل من حرصه على جمعه وضبطه وفهمه ، فلقد كان يؤكد دائماً على أن يتمثل العالم علمه ، ويكون صورة حية للعلم الذي يحمله وينصح الناس به، ونرى ذلك في کثیر مما كتب وصنف فمن ذلك معجم الأدباء: ٣١/٤ - ٣٢ والتذكرة: ١١٣٨/٣ والسبكي: ٣٤/٤- ٣٥. (١) (٢) شهبة ق/ ١٤٠ والتذكرة: ١١٤١/٣. شهبة: ق/١٣٩ والتذكرة: ١١٣٨/٣ ومعجم الأدباء: ٣٢/٤ - ٣٣. (٣) ٣٤ ما ذكره في مقدمة كتابه ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)» ناصحاً طلبة الحديث بأن يطبقوا الأحاديث التي يجمعونها ويروونها للناس فقال والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً وأشد الخلق تواضعاً وأعظمهم نزاهة وتديناً، وأقلهم طيشاً وغضباً لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله عَ لَّه وآدابه وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ويصدفوا عن أرذلها وأدونها (١) كما نجد شيئاً من هذا في بعض أبواب الكتاب. ولا يكتفي الخطيب بهذه الكلمات المتناثرة ليؤكد على تطبيق العلم بل يفرد كتاباً بالتصنيف لهذا الغرض وهو كتاب ((اقتضاء العلم العمل )) ويفصل فيه القول ويبوبه ويسوق الأدلة والبراهين بعاطفة صادقة وحرارة وتحمس ظاهر، يظهر صدقه وإخلاصه فيما يقول. وفي مقدمة ذلك الكتاب يقول: ((ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه واجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة. وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، وقيل العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم ، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما، وما من شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته، والقليل من هذا مع القليل من هذا أنجى في العاقبة إذا تفضلُ الله بالرحمة))(٢). ثم يختم تلك النصيحة قائلاً: ((وكما لا تنفع الأموال إلا بانفاقها ، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها وراعى واجباتها، فلينظر امرؤ لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثواء قليل والرحيل قريب والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد ، وإليه المرجع والمعاد ، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره))(٣). (١) مقدمة الجامع. اقتضاء العلم العمل ص ١٥٨ من مجموعة رسائل أربع مطبوعة معا . (٢) (٣) المصدر السابق ص ١٥٩. ٣٥ مزاياه وصفاته: تلك أخلاقه ومناقبه وأما مزاياه وصفاته، فلقد منحه الله تعالى مزايا وصفات كريمة زادت في رفعته، وأعانته على تحصيل علمه ونشره، فمن تلك المزايا والصفات: ١) جودة خطه: كان الخطيب جيد الخط، وجودة الخط قليلة لدى كبار المحدثين لانصرافهم إلى ما هو أهم، لكن الخطيب كان مع اهتمامه بالجمع والتصيف والنقد ممنوحاً جودة الخط، فقد قال ابن السمعاني عنه ((انه حسن الخط كثير الضبط))(١). وقال ابن النجار: ((وخط الخطيب مليح كثير الشكل والضبط)) (٢) ومعلوم أن جودة الخط تعين على فهم ما يكتبه الانسان ويصنفه. هذا ولقد عقد الخطيب باباً خاصاً سماه ((باب تحسين الخط وتجويده )) في كتابه ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)» نصح فيه طلبة العلم بتحسين الخط وشرح لهم بعض ما يعينهم على ذلك (٣). ٢) فصاحة نطقه: بالإضافة إلى جودة خطه فقد كان فصيحاً في نطقه ولهجة كلامه، حسن القراءة جهوري الصوت، يدوي صوته إذا قرأ الحديث حتى يسمع كل من في المسجد على سعته وبعد اطرافه فقد روى ابن قاضي شهبة عن الخطيب التبريزي انه قال: ((وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معرباً صحيحاً )) (٤) وقال ابن الجوزي: ((وكان حسن القراءة فصيح اللهجة)) (٥) . السبكي: ٣٣/٤ معجم الأدباء: ٣٠/٤ والتذكرة: ١١٣٨/٣ والشذرات: ٣١٢/٣. (١) (٢) شهبة: ق/ ١٤٠ /ب. (٣) انظر ذلك في الجامع: من ق/٥٢/ - ق/٥٦ / . شهبة: ق/ ١٣٩ / والتذكرة: ١١٣٨/٣ والشذرات: ٣١٢/٣. (٤) المنتظم: ٢٦٧/٨ ومعجم الأدباء: ٢٢/٤. (٥) ٣٦ حرصه على المطالعة وسرعة قراءته: ٣) كان حريصاً على المطالعة حرصاً عجيباً فقد كان يمشي في الطريق وفي يده جزء من الحديث يطالعه، قال ابن الجوزي: ((وكان حريصاً )) على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه )) (١) وكان سريعاً في القراءة حتى ضرب به المثل في ذلك فقد عقد القلقشندي في كتابه ((صبح الأعشى )» باباً سماه من كان فرداً في زمانه بحيث يضرب به المثل في أمثاله «فذكر أن أبا بكر الخطيب يضرب به المثل في سرعة القراءة، فقال: (( .. وأبو بكر الخطيب في سرعة القراءة))(٢). وقد مر بنا أنه كان يختم كل يوم ختمة إلى قرب المغيب قراءة ترتيل في طريقه للحج وفي رجوعه إلى بغداد. هيبته ووقاره: ٤) لقد أضفى الله عليه حلة من الهيبة والوقار فقد قال ابن السمعاني يصفه (( .. اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيباً وقوراً نبيلاً خطيراً وثقة صدوقاً متحرياً حجة فيما يصنفه ويقوله، وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط ، كثير الشكل والضبط ، قارئاً للحديث، فصيحاً، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خلقاً وخلقاً وهيئة ومنظرا ... )(٣) آراء العلماء فيه تمهيد : مهما بلغت منزلة الشخص من الرفعة والعلم والصلاح والفضل، فلا يبعد أن نجد فيه غمزاً أو طعناً صادراً من بعض الناس بدافع الخصومة، أو العصبية المذهبية أو التحامل وعدم الانصاف. المنظم: ٢٦٧/٨ وعنه معجم الأدباء: ٢٢/٤. (١) (٢) صبح الأعشى: ١/ ٤٥٤. معجم الأدباء: ٣٠/٤. (٣) ٣٧ لكن العبرة بالجمهور المنصفين من أهل العلم الذين يحكمون على الأشخاص من خلال البحث والتدقيق في أحوال هؤلاء الأشخاص وسيرتهم وعلمهم بعين مجردة عن الهوى أو التعصب أو التحامل. والخطيب واحد من أولئك الأشخاص الذين نجد فيهم أقوالاً طيبة في مدحهم والثناء عليهم من عدد كثير من العلماء ، كما نجد من ناحية ثانية بعض الأقوال السيئة في ذمهم وجر حهم. على أنني - قبل الخوض في تفصيلات الموضوع- أود أن ألفت النظر إلى أمرين ها: أن العلماء مجمعون على أن الخطيب إمام في علمه ، متقن لرواياته ، بارع ١) في مصنفاته، حجة ثبت في نقوله، عمدة في تصانيفه ومؤلفاته. لكنهم مختلفون في الاعتراف له بالاخلاص في علمه، وبعده عن ٢) التعصب، على أن الذين أقروا له بذلك واعترفوا هم الجمهور، والذين اتهموه بالتعصب وعدم الاخلاص نفر قليل من الحنابلة والحنفية، لأن كلّ منهم اعتبره قد طعن في إمام مذهبه ولم يتهموه بسبب شيء آخر . والخطيب بريء من ذلك والخوض في تفصيلات هذا الأمر الطويل ، ليس هذا محله. فمن الذين أثنو عليه ومدحوه: ١) صاحبه وتلميذه الحافظ ابن ماكولا الذي يقول عنه ((وكان آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة واتقاناً وحفظاً وضبطاً لحديث رسول الله عَلَّهِ، وتفنناً في علله وأسانيده وخبرة برواته وناقليه، وعلماً بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، وسقيمه ومطروحه . ولم يكن البغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه، وقد استفدنا كثيراً من هذا اليسير الذي نحسنه به وعنه، وتعلمنا شطراً من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عنا الخير ولقاه الحسنى ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين))(١). (١) مقدمة ((تهذيب مستمر الأوهام)) وعنه ابن عساكر، مخطوطة الظاهرية: ٢/ ق ٩. ٣٨ فهذا الحافظ الذي لم يخلف الخطيب بعده ببغداد خيراً منه يصفه بهذا الكلام الدقيق البليغ، ولو لم يقل في مدح الخطيب والثناء عليه إلا هذا القول لكفاه. الحافظ أبو بكر بن نقطة الحنبلي: ٢) وهذا الحافظ المنصف أبو بكر بن نقطة الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩ هـ الذي تتبع الخطيب في أوهامه وأخطائه، في كتاب له اسمه ((الملتقط فيما في كتب الخطيب وغيره من الوهم والغلط » يخرج بعد كل هذا التتبع بنتيجة فيها الانصاف والعدل في القول حيث يقول فيه: ((كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه)) (١) وقال أيضاً في كتابه الاستدراك «وله مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها ولا شبهة عند كل لبيب أي المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب)) (٢). فهذا الحافظ والذي قبله هما الحافظان اللذان تتبعا أوهامه يقولان فيه هذه الأقوال، ولم يمنع الحافظ أبا بكر بن نقطة من مدحه للخطيب كونه حنبلياً ولم ينزلق كما انزلق ابن الجوزي الذي اضطرب فيما قاله في الخطيب . أبو سعد السمعاني :- ٥٦٢هـ ٣) لقد وصف أبو سعد السمعاني أبا بكر الخطيب بأنه امام عصره بلا نزاع في ذلك فقال: «إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة ، صنف قريباً من مائة مصنف صارت عمدة لأصحاب الحديث))(٣). ويقول عنه أيضاً «إنه في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم )) (٤). (١) نخبة الفكر لابن حجر ص ١. الاستدراء لابن نفطة ق ٤- ق ٥. (٢) (٣) الأنساب: ق/٢٠٣. (٤) معجم الأدباء: ٣٠/٤. ٣٩ ويقول أيضاً ((انتهى إليه علم الحديث وحفظه، وختم به الحفاظ))(١). الحافظ ابن عساكر: ٤) كذلك فان الحافظ ابن عساكر الذي ترجم في تاريخه للخطيب ترجمة مسهبة قال في أولها: ((الفقيه الحافظ أحد الأئمة المشهورين والمصنفين المكثرين والحفاظ المبرزين ومن ختم به ديوان المحدثين))(٢). ابن الأكفاني :- ٥٢٤هـ ٥) ويقول ابن الأكفاني- وهو من تلاميذ الخطيب -: ((كان ثقة ضابطاً خلوصاً متقناً متيقظاً متحرزاً))(٣). عبد العزيز الكتاني: (٣٨٩ - ٤٦٦) ٦) وكذلك فان الكتاني قال عن الخطيب: (كان ثقة حافظاً متقناً متيقظاً متحرزاً)) (٤). ابن خلكان: ١) وأما ابن خلكان فانه يقول عنه في تاريخه (وفيات الأعيان): ((كان من الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحرين .. وفضله أشهر من أن یوصف »(٥). ابن النجار: ٨) وابن النجار يعتبره النهاية في علم الحديث وحفظه فيقول: (انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته)(٦). معجم الأدباء: ٣٠/٤ وشذرات الذهب: ٣١٢/٣. (١) (٢) تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢/ق ٨. الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين لابن حاتم مخطوطة الظاهرية ١٦٨ ق / ٨٧. (٣) تبيين كذب المفتري ص ٢٧١ . (٤) وفيات الأعيان: ٧٦/١ . (٥) المصدر السابق. (٦) ٤٠