النص المفهرس

صفحات 261-280

٣٠
فصل
(في الحثُّ والاجتهاد في طلب العلم)(*)
١٥٩٣ - قد ذكرنا أن الحفظ أرفع درجات الحديث وأعلاها، وأشرف منازل
الرواية وأسماها، وأبنا عزَّة وجود المتحققين به، وذلك غير مانع من ابتغائه وطلبه،
فقد أنشدني أبو النجيب عبد الغفار بن عبدالواحد بن محمد الأرموي، قال:
أنشدني أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن أبي الليث الكاتب، لأبي الفرج بن
هندو(١):
لَا يَّؤْيِسَنْكَ(٢) من مَجْدٍ تُباعِدُهُ
فإِنَّ للمَجْدِ تَدْرِيجاً وتَرْتِيباً (٣)
إِنَّ القَنَاةَ التي شاهَدْتَ رِفْعَتَها
تَسْمُو فَتَنْبُتُ أُنْبُوباً فَأَنْبُوبا(٤)
١٥٩٤ - وحدثني أبو الفضل عبدالصمد بن محمد الخطيب، نا الحسن بن
الحسين الفقيه الهَمَذاني، قال: سمعتُ جعفراً الخلدي يقول:
(*) ما بين قوسين ليس في الأصل.
أبو الفرج: هو علي بن الحسين بن محمد بن هندو، من المتميزين في علوم الحكمة
(١)
والأدب، وله شعر، نشأ في نيسابور، وكان من كتاب الإنشاء في ديوان عضد الدولة، توفي
سنة (٤٢٠هـ). انظر: ((الأعلام)) (٥ / ٨٨).
(٢)
في ((يتيمة الدهر»: ((لا يوحشتك)) (٣ / ٣٩٧).
في «يتيمة الدهر»: ((فإن للمجد ندريجاً وتدريباً)) (٣ / ٣٩٧).
(٣)
(٤) في ((يتيمة الدهر): ((تنمي فتصعد أنبوباً فأنبوبا)) (٣ / ٣٩٨).
٢٦١

- -
سمعتُ الجُنيذُ يقول: ما طلبَ أحدٌ شيئاً بجد وصدق إلا ناله،
فإن لم ينَلْهُ كلَّه نال بعضه (١).
١٥٩٥ - فينبغي للطالب أن يخلص في الطلب نيته، ويجدد للصبر عليه
عزيمته، فإذا فعل ذلك كان جديراً أن ينال منه بغيته .
أنا أبو منصور محمد بن علي بن إسحاق خازن دار العلم، نا محمد بن
الحسن بن مقسم المُقرىء، نا أبو العباس ثعلب، قال: حدثني الفضل بن سعيد
ابن سالم، قال:
کان رجلٌ یطلب العلم، فلا يقدر علیه، فعزم على تركه، فمرَّ
بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة قد أثر الماءُ فيها، فقال: الماء.
على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها، والله لأطلبنَّ العلم،
فطلب، فأدرك.
انظر نحو هذا وقوله في العلم وطلبه: «حلية الأولياء)) (١٠ / ٢٦٩ - الفقرة الثانية).
(١)
والجنيد: هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، العالم، الرباني،
المشهور.
:
أصله من نهاوند؛ إلا أن مولده ومنشأه ببغداد، سمع فيها الحديث، ولقي العلماء، ودرس
الفقه على أبي ثور، وكان يفتي في حضرته وهو ابن عشرين سنة، وعلا شأنه حتى ضار
شيخ وقته وفريد عصره.
قال أبو القاسم الكعبي: ((ما رأت عيناي مثله، كان الكتبة يحضرونه لألفاظه، أوالفلاسفة
لدقة معانيه، والمتكلمون لزمام علمه، والشعراء لفصاحته ... عده العلماء شيخ
الصوفية، كان يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ الكتاب ويكتب
الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به)). توفي سنة (٢٩٧ هـ). انظر: ((تاريخ بغداد)) (٧ /
٢٤١ - ٢٤٩)، و((حلية الأولياء)) (١٠ / ٢٥٥ - ٢٨٧).
٢٦٢

١٥٩٦ - أنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، أنا علي بن عبدالله
ابن المغيرة، نا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال:
قال عبدالله بن المعتز: إن لم تُدْرَكِ الحاجةُ بالرفق والدوام،
فبأي شيء تُدْرَك(١)؟
١٥٩٧ - حدثني عبد الصمد بن محمد، نا الحسن بن الحسين الفقيه،
قال: سمعتُ جعفر الخلدي يقول:
سمعتُ الجنيد بن محمد يقول: باب كل علم نفيس جليل
مفتاحه / بذلُ المجهود(٢).
/ ١:١٥٤/
١٥٩٨ - أخبرني أبو طاهر عبد الكريم بن عبد الواحد بن محمد الصوفي
بأصبهان، قال: أنشدنا محمد بن إبراهيم بن علي بن المقرىء، قال: أنشدنا أبو
يعلى الموصلي(٣):
اصْبِرْ على مَضَضِ الإِدْلَاَجِ بالسَّحْرِ
وبالرَّوَاحِ على الحَاجَاتِ والبُكُر
لا تَعْجِزَنَّ ولا يُضْجِرْكَ مَطْلَبُها
فالنُّجْحُ يَتْلَفُ بَيْنَ العَجْزِ والضِّجَرِ
انظر نحوه عن عبد الله بن المعتز: كتاب ((زهر الآداب)) (٢ / ٢٩٥).
(١)
انظر: ((حلية الأولياء)) (١٠ / ٢٦٣).
(٢)
هو الحافظ الثقة أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، صاحب ((المسند)» الكبير،
(٣)
سمع يحيى بن معين وطبقته، وروى عنه أبو حاتم بن حبان وخلق كثير، كان متقناً، ديناً،
توفي سنة (٣٠٧هـ)، وكان مولده (٢٢٥هـ). انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٧٠٧ -
٧٠٨).
٢٦٣

إِنِّي رَأَيْتُ وفي الأيّامِ تَجْرِبَةٌ
للصَّبْر عاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَر
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ يُطالِبُهُ
واسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلَّ فَازَ بِالظُّفَرِ
١٥٩٩ - ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخلیده الصُّجف
دون التمييز بمعرفة صحيحه من فاسده والوقوف على اختلاف وجوهه والتصرُّف في
أنواع علومه إلا تلقيب المعتزلة القدرية من سلك تلك الطريقة بالحشوية لوجب
على الطالب الأنفةُ لنفسه، ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه، فكيف وقد حدّثني
محمد بن أحمد بن علي الدقاق، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن
عبدالرحمن بن خلاد، قال: حدثني العباس بن الحسن البغدادي، نا أحمد بن
محمد بن بکر النيسابوري، قال: سمعتُ أبا العباس الحرَّاني، يقول:
سمعتُ أبا عاصم النبيل يقول: الرياسة (١) بلا دراية رياسة
نَذِلَةِ (٢).
... والرياسة التي أشار إليها أبو عاصم إنما هي اجتماع الطلبة على الراوي
للسماع منه عند علوّ سنه، وانصرام عمره، وربما عاجلته المنيّة قبل بلوغ تلك
الأمنية، فتكون أعظم لحسرته، وأشدً لمصيبته(٣) ...
١٦٠٠ - أنا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعتُ أبا
في الهامش بخط مغاير زيادة: ((في الحديث)) من غير إشارة لحق.
(١)
(٢)
انظر: ((المحدث الفاصل)» (ف ١٦١).
عقد الخطيب فصلاً تحت عنوان: (ما قيل في طلب الرياسة قبل وقتها، وذم المثابر عليها
(٣)
وهو غير مستحقها). انظر (ف ٧١٤ - ٧٢٠) من هذا الكتاب.
٢٦٤

الطيب محمد بن أحمد بن موسى السماك بالري، قال: سمعتُ أبا محمد بن
سَعْدَويه يقول: سمعتُ الساجي يقول:
[سمعتُ] سلمة بن شبيب يقول: أقمتُ على عبد الرزاق
بصنعاء أربعين سنة، فلما أردتُ الرجوعَ إلى نيسابور دنوتُ منه وهو
خارجٌ من منزله، سلَّمت عليه، وقلتُ: كيف أصبح الشيخ؟ فقال:
بخير منذ لم أر وجهك. ثم قال: لعن الله صنعة لا تروج إلا بعد
ثمانين سنة (١).
١٦٠١ - وإذا تميَّز الطالبُ بفهم الحديث ومعرفته، تعجّل بَرَكَةَ ذلك في
شبيبته، والطريق إليه ما ذكرناه من دوام السماع والإكثار منه، والمطالعة له، والنظر
فيه، والمذاكرة به، وصرف العناية إليه، وسنرتب ذلك ترتيباً ينتفعُ به مَن وقف عليه
إن شاء الله.
(١) أسلفت ترجمة عبد الرزاق في (هـ ف ٤١٥).
٢٦٥

٣١
باب
/ القَوْلُ فِي كَتْب الحديث على وجهه وعمومه
٠ / ١٥٤ : ب/
وذكر الحاجة إلى ذلك في الجمع لأصناف علومه
١٦٠٢ - من أول ما ينبغي أن يستعمله الطالبُ شدَّةَ الحرص على السماع،
والمسارعة إليه، والملازمة للشيوخ، فقد أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي
الواسطي، أنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، نا أبو جعفر محمد بن العباس
ابن إدریس، نا شعیب بن بکار، قال: سمعت محمد بن کثیر العبدي یقول:
قدم سفيان الثوري البصرة، فلما نظر إلى حماد بن سلمة قال
له: حدثني حديث أبي العشراء عن أبيه(١). فقال حمَّاد: حدثني أبو
العشراء عن أبيه ... الحديث(٢)، قال: فلما فرغ من الحديث أقبل
أبو العشراء: هو الذارمي، روى عنه حماد بن سلمة، قيل: اسمه يسار بن مسعود بن
(١)
خولي ... ابن دارم، ذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وكان ينزل الجفرة على طريق
البصرة، روى عن أبيه عن النبي* حديث الذكاة المشهور الذي أشار إليه الخطيب
هنا. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٢ / ١٦٧).
:
نص الحديث: أبو داود، عن أحمد بن يونس، عن حماد بن سلمة، عن أبي العشراء،
(٢)
عن أبيه: أنه قال: يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا من اللبة أو الحلق؟ قال: فقال
رسول الله وهي: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)).
قال أبو داود: ((وهذا لا يصلح إلا في المتردية والمتوحش)). انظر: ((سنن أبي داود)) (٣
/ ١٣٥ - ١٣٦).
وأخرجه: النسائي، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد. انظر: ((جمع الفوائد)) (١ /
٥٤٥)، و((نيل الأوطار)) (٨ / ١٤٩).
٢٦٦
۔۔

عليه سفيان، فسلّم عليه، واعتنقه، فقال: من أنت؟ قال: أنا
سفيان. قال: ابن سعيد؟ قال: نعم. قال: الثوري؟ قال: نعم.
قال: أبو عبد الله؟ قال: نعم. قال: فما منعك أن تسلّم عليٍّ ثم
تسأل عن الحديث؟ قال: خشيتُ أن تموت قبل أن أسمع الحديث
منك .
١٦٠٣ - وأخبرني محمد بن عبد الباقي التنوخي بدمشق، أنا عبد الرحمن
ابن عثمان التميمي، أنا إسحاق بن إبراهيم الأذرعي، نا محمد بن الخضر بن
علي، قال:
سمعت أبا جعفر بن نفیل یقول: قدم علینا أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين، فسألني يحيى وهو يعانقني، قال: يا أبا جعفر،
قرأتَ على معقل بن عبيد الله عن عطاء أدنى وقت الحائض يوم؟
فقال له أبو عبدالله - يعني: أحمد بن حنبل -: لو جلست. قال:
أكره أن تموتَ أو تفارق الدُّنيا قبل أن أسمعه(١).
١٦٠٤ - أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي، أنا الحاكمُ أبو حامد أحمد بن
الحسين بن علي المروزي، نا أبو العباس أحمد بن الحارث بن محمد بن
عبدالكريم العبدي، نا جدي، نا الهيثم بن عدي، نا حماد الراوية، قال :
(١) رواه البخاري معلقاً عن عطاء: ((الحيض يوم إلى خمس عشرة)).
ووصله الدارمي بإسناد صحيح عن عطاء، قال: ((أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى
الحیض یوم».
ورواه الدارقطني بلفظ: ((أدنى وقت الحيض يوم، وأكثر الحيض خمس عشرة)). انظر:
(فتح الباري)) (١ / ٤٤١).
٢٦٧

كانت العربُ تقول: تعجَّبنا من أربعة أشياء: من الغراب
والخنزير والكلب والسنّور، فأما الغراب فسرعة بكوره وسرعة إيابه
قبل الليل، وأما الكلب فالمعرفة تنفع عنده، وأما الخنزير فإنه إذا
احتقر شيئاً لم يدعه حتى يأتي على أصله، وأما السُّنُّور فإنه يواظبُ
على الشيء فلا يبرجُ حتى يأخذه، فمن طلب حاجة فليطلبها طلب
الهر.
١٦٠٥ - وينبغي له أن لا تفارقه محبرتُه وصُحُفُه لئلا یعرض له من يخدُّثه بما
یحتاج إلی کتبه .
أخبرني القاضي أبو عبدالله الحسين بن علي الصَّيْمَري، نا محمد بن
عمران بن موسى، قال: حدثني محمد بن یحیی الصولي، نا محمد بن يونس، نا
سليمان بن حرب الواشحي، نأ سلمة بن عباية، نا السري بن يحيى، قال:
: أ/ سمعتُ / الحسن يقول: الجائي إلى العالم بلا ألواح كالجائي
إلى الحرب بلا سلاح.
/ ٢:١٥٥/
: ١٦٠٦ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد الدقاق، ناحنبل
ابن إسحاق، قال: حدثني أبو عبدالله، نا أبو القاسم بن أبي الزناد، قال:
أخبرني أخي، قال: كنت أطوف أنا وابن شهاب ومع ابن
شهاب الألواح والصحف، قال: فكنا نضحك به(١).
١٦٠٧ - كتب إليَّ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الحسين
(١) انظر كتابة ابن شهاب في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١ / ٧٣ و٧٦).
٢٦٨

المعروف بابن أبي حامد الأصبهاني، يذكر أن أبا أحمد محمد بن محمد بن مكي
الجرجاني حدَّثهم، قال: سمعتُ أبا نُعيم عبدالملك بن محمد، يقول: سمعتُ
عبدالرحمن بن خِراش، يقول:
قال يحيى بن معين: حكمُ مَن يطلبُ الحديث أن لا يفارق
محبرتَه ومقلمتَه، وأن لا يحقر شيئاً يسمعه فيكتبه.
١٦٠٨ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا إسماعيل بن علي الخُطَبي، نا
الحسين بن فهم، نا يحيى بن أيوب العابد، قال:
سمعتُ وكیعاً يقول: مَن خَرَجَ من بيته إلى مجلس محدِّث بلا
محبرة فقد نوى المسألة.
١٦٠٩ - أنا الحسين بن محمد أخو الخلال، أنا محمد بن أحمد بن إبراهيم
الإسماعيلي، حدثني محمد بن أحمد بن يوسف أبو الطيب المقرىء البغدادي
بجرجان، نا ابن شنبود، نا ابن مسروق، نا عبدالله بن عمر بن أبان، قال:
قال أبو بكر بن عيَّاش: إذا رأيتَ صاحب حديث بلا محبرة،
فهو مثل النجار بلا فاس.
١٦١٠ - حدثني أبو القاسم الأزهري، أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، نا
إسحاق بن موسى الرملي، قال: سمعتُ محمد بن عوف يقولُ: سمعتُ حَيْوَة
يقولُ: قال بقيّة:
ربما سمع مني ابن ثوبان الحديث ونحن في قرية، فلا يجد
شيئاً يكتبه، فيكتبه في ورق اللوز أو في خَزفة (١).
(١) ابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الشامي الدمشقي، الزاهد.
٢٦٩

١٦١١ - أخبرني علي بن أحمد الرزاز، أنا محمد بن إسماعيل بن موسى
الرازي، نا أبو عامر عمرو بن تميم الطبري :
نا أبو نعيم الفضل بن دُکین وهو يُقرأ علیه حدیث سفيان، فقال
أحدهم: يا أبا نَعيم! قد فني البياض، فتغافل، فكرَّر عليه ثانياً
قال: اذهب فاکتب في أذن بطة یا صياد البراغيث!
١٦١٢ - ويبتدىء بسماع الأمهات من كتب أهل الأثر والأصول الجامعة
للسنَّن، فقد أنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر الإِمام بأصبهان، نا أبو عبدالله
أحمد بن محمد بن یحیی القصار، نا أحمد بن مهدي :
نا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: عجبتُ لمن ترك الأصول،
وطلب الفصول(١).
: ١٦١٣ - وأحقها بالتقديم كتاب الجامع والمسند الصحيحان لمحمد بن
إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري .
حدثني الحسن بن محمد الدَّربنديني، قال: سمعتُ محمد بن الفضل.
/١٥٥: ب / المفسر / يقول: سمعتُ أبا إسحاق الريحاني يقول: سمعتُ عبد الرحمن بن
رَسَايِن البخاري يقول:
سمعتُ محمد بن إسماعيل البخاري یقول: صنّفتُ كتابي
حدث عن: أبيه، وعن عطاء، ونافع، وآخرين. وروى عنه: بقية بن الوليد، وطبقته.
. اختلف فيه، والراجح أن حديثه يكتب للاعتبار؛ على ضعفه، كان مجاب الدعوة، فيه
: طيب وسلامة، توفي سنة (١٦٥ هـ) عن تسعين سنة. انظر: «تاريخ بغداد)» (٢٢٢/١٠
- ٢٢٥)، و «ميزان الاعتدال)) (٢ / ٥٥١)، ولم يذكر هذا الخبر في ترجمته.
(١) يريد بالأصول: الكتب الأمهات، وبالفصول: كتب الفروع عنها، ونحو ذلك.
٢٧٠

الصحاح بست عشرة سنة، خرجتُه من ستمائة ألف حديث، وجعلته
حجة فيما بيني وبين الله عز وجل(١).
١٦١٤ - حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني، قال:
سمعتُ محمد بن إسحاق بن منده يقول :
سمعتُ أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: ما تحت
أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث(٢).
١٦١٥ - ومما يتلو ((الصحيحين)): ((سنن)) أبي داود السجستاني، وأبي
عبدالرحمن النسوي، وأبي عيسى الترمذي (٣)، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة
النيسابوري الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل
إلى النبي مَ﴾(٤)، ثم كتب المسانيد الكبار؛ مثل: ((مسند)) أبي عبدالله أحمد بن
(١) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٢ / ٤ - وما بعدها)، و((أصول الحديث)) (ص ٣١٠).
والبخاري: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ)، أمير
المؤمنين في الحديث. انظر ترجمته في كتابي ((أصول الحديث)) (٣٠٩ - ٣١٤).
الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، أبو الحسين، حجة الإسلام (٢٠٤ - ٢٦١هـ).
(٢)
انظر بسط ترجمته في كتابي ((أصول الحديث)) (ص ٣١٥ - ٣١٨).
(٣)
أبو داود: هو الإمام، الثبت، الحافظ، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢
- ٢٧٥ هـ). انظر بسط ترجمته في كتاب ((أصول الحديث)) (ص ٣٣٠ - ٣٣١).
وأبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي: أسلفت ترجمته في (هـ ف ١٥١٣). وانظر
كتاب ((أصول الحديث)) (ص ٣٢٤ - ٣٢٦).
وأبو عيسى الترمذي: هو الإِمام الحافظ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (٢٠٩ -
٢٧٩هـ). انظر: ((أصول الحديث)) (٣٢٢ - ٣٢٤).
(٤) أسلفت ترجمته في (هـ فى ١١٣١)، وطبع كتابه الصحيح لأول مرة بتحقيق الدكتور
مصطفى الأعظمي سنة (١٣٩١هـ - ١٩٧١ م) ببيروت.
٢٧١

محمد بن حنبل(١)، وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه(٢)، وأبي:
بكر عبدالله وأبي الحسن عثمان ابني محمد بن أبي شيبة العبسي (٣)، وأبي خيثمة
زهير بن حرب النسائي(٤)، وعبد بن حميد الكسي(٥)، وأحمد بن سنان
الواسطي (٦).
١٦١٦ - ومن الطبقة التي بعد هؤلاء يوجد من ((مسند)) يعقوب بن شيبة
السدوسي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، ومحمد بن أيوب الرازي، و(مسند)
الحسن بن سفيان النسوي، وأبي يعلى أحمد بن علي الموصلي .
١٦١٧ - ثم الكتب المصنفة في الأحكام الجامعة للمسانيد وغير المسانيد،.
مثل: كتب ابن جُريج، وسعيد بن أبي عروبة، وعبدالله بن المبارك، وسفيان بن
(١) أسلفت ترجمته في (هـ ف ١١٩). وانظر بسطها في كتابنا: ((لمحات في المكتبة
والبحث والمصادره (ص ١٨٣ - ١٨٧).
(٢). أسلفت ترجمته في (ه ف ٢٥٦).
(٣)
أسلفت ترجمة أبي بكر في (هـ ف ٦٤٧)، وعثمان في (هـ ف ٦٤٤).
(٤) هو الإِمام، الحافظ، محدث بغداد في عصره، أبو خيثمة، أصله من (نسا)، توفي سنة
(٢٣٤ هـ)، وكان مولده سنة (١٦٠ هـ)، له كتاب ((العلم))، توجد منه نسخة مخطوطة
لطيفة في دار الكتب الظاهرية. انظر: ((تاريخ بغداد)) (٨ / ٤٨٢).
في الأصل: ((الكشي»، والصواب: ((الكسي)) بالسين؛ نسبة إلى بلدة (كس)، مدينة
(٥)
قرب سمرقند .
وهو: الإِمام، الحافظ، أبو محمد عبد بن حميد بن نصر، مصنف ((المسند الكبير))،
و ((التفسير)»، وغير ذلك، وسماه البخاري: عبدالحميد، توفي سنة (٢٤٩هـ). انظر :.
(تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٥٣٤)، و((الرسالة المستطرفة)) (ص ٥٠) ..
هو: الإِمام، الحافظ، الحجة، أبو جعفر أحمد بن سنان بن أسدابن حبان الواسطي،
(٦)
صاحب ((المسند)»، كان إمام أهل زمانه، توفي نحو سنة (٢٥٦هـ)، وقيل غير ذلك.
انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٥٢١).
٢٧٢

عُبِينة، وهُشيم بن بشير، وعبدالله بن وهب، والوليد بن مسلم، ووكيع بن الجراح،
وعبد الوهاب بن عطاء، وعبدالرزاق بن همام، وسعيد بن منصور، وغيرهم(١).
١٦١٨ - وأما ((موطأ)) مالك بن أنس فهو المقدم في هذا النوع، ويجب أن
يُبتدأ بذكره على كل كتاب لغيره.
حدثني عُبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، أنا علي بن عمر الحافظ،
قال: قرأتُ في كتاب يحيى بن عثمان بن صالح السهمي بخطه، حدثني هارون
ابن محمد السعدي، قال:
قال لي محمد بن إدريس الشافعي: ما كتابٌ بعد كتاب الله
أنفع من («موطأ)) مالك(٢).
١٦١٩ - ثم الكتب المتعلقة بعلل الحدیث، فمنها كتاب أحمد بن حنبل،
وعلي بن المديني(٣)، وعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبي علي الحافظ
النيسابوري، وأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، وكتاب ((التمييز؛ لمسلم بن
الحجاج (٤).
(١) انظر فهرس التراجم، حيث أشرت إلى مواطن تراجم أكثرهم، و«فتح المغيث)) (٢ /
٣٣٣).
(٢) محمول قول الشافعي على ما قبل ظهور المؤلفات الحديثية الأخرى، ولا تزال
لـ ((الموطأ) مكانته بين أمهات كتب الحديث.
وانظر ترجمة مالك (هـ ف ٢٩٣)، وبسط القول فيه وفي ((الموطأ)) في كتابنا ((لمحات في
المكتبة والبحث والمصادر)» (ص ١٧٥ - ١٨٠).
(٣)
انظر: ((فتح المغيث)) (٢ / ٣٣٤)، و(«أصول الحديث)) (ص ٢٩٥).
طبع كتاب الرازي في مجلدين سنة (١٣٤٣هـ) بمصر، وأما كتاب الدارقطني ((العلل
(٤)
الواردة في الأحاديث النبوية)»؛ فمن أجمع ما صنف في علل الحديث، مرتب على =
٢٧٣

١٦٢٠ - ثم تواريخ المحدِّثين، وكلامهم في أحوال الرواة، مثل کتاب یحیی
ابن معين الذي يرويه عنه عباس بن محمد الدُّوري، وکتابه الذي یرویه عنه
المفضّل بن غسان الغلابي، وكتابه الذي يرويه عنه الحسين بن حبان البغدادي(١)،
/٢:١٥٦/ و((تاريخ)) خليفة بن خياط (٢) العصفري /، وأبي حسان الزيادي، ويعقوب بن
سفيان الفسوي (٣)، وأحمد بن أبي خيثمة النسائي، وأبي زرعة الدمشقي، وحثبل
ابن إسحاق الشيباني، ومحمد بن إسحاق السراج النيسابوري، وكتاب ((الجرح
والتعديل)) لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٤)، ويربي على هذه الكتب كلها
المسانيد، في اثني عشر مجلداً، يوجد منه خمس مجلدات في خزانة المخطوطات بدار
الکتب المصریة تحت الرقم (٣٩٤ - حديث).
(١) له ((تاريخ الرواة)) مرتب على حروف المعجم. انظر: ((فهرست ابن خير» (ص ٢٢٨
و٢٢٩).
و((معرفة الرجال)) يوجد منه جزء مخطوط في دار الكتب الظاهرية تحت الرقم (١ -
مجاميع)، وله ((التاريخ والعلل)) يوجد منه نسخة مخطوطة من الورقة (١ - ١٦٦) من
المجموع (١١٢ - مجاميع) دار الكتب الظاهرية، وقد طبع كتاب ((يحيى بن معين وكتابه
التاريخ)) للدكتور أحمد محمد نور سيف سنة (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩م)، مركز البحث
العلمي وإحياء التراث الإسلامي الملحق بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز في
مكة المكرمة في أربعة أجزاء، استوعب الجزءان الثالث والرابع («التاريخ لابن معين)»
:
محققاً.
طبع الكتاب بتحقيق د.سهيل زكار في جزءين سنة (١٩٦٧ - ١٩٦٨ م) بدمشق، وطبع
(٢)
بتحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري سنة (١٣٨٦هـ / ١٩٦٧م) بالنجف.
(٣) المتوفى سنة (٢٧٧ هـ)، واسم كتابه ((المعرفة والتاريخ))، يقع في عدة مجلدات، وصل
منها ثلاث مجلدات مخطوطة كبيرة طبعت بتحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري سنة
(١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤م) ببغداد.
(٤) كتاب ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم من أجمع كتب الجرح والتعديل، ومن أغزرها
فائدة، يقع الكتاب في أربعة أجزاء كبيرة طبعت في تسعة أجزاء، ضمنت (١٨٠٥٠)
ترجمة بالهند سنة (١٣٧٣ هـ).
٢٧٤

((تاريخ)» محمد بن إسماعيل البخاري(١).
١٦٢١ - حدثني أبو القاسم الأزهري، قال: سمعتُ محمد بن حميد
اللخمي يقول: سمعتُ القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي يقول:
سمعتُ أبا العباس بن سعيد يقول: لو أن رجلاً كتب ثلاثين
ألف حديث لما استغنى عن كتاب ((تاريخ)) محمد بن إسماعيل
البخاري(٢).
١٦٢٢ - فإذا أحرز صدراً مما ذكرناه فلا عليه أن يشتغل بالسماع والكتب
للفوائد المنثورة غير المُدَوَّنَة المجموعة، ويعمد لاستيعابها دون انتخابها، فقد
أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عثمان الدمشقي في كتابه إلينا، وحدثنيه مكي بن
إبراهيم الشيرازي عنه، أنا جعفر بن محمد الكندي، نا أحمد بن عبدالرحيم بن
زيد، نا محمد بن عيسى الطباع، قال:
قال ابن المبارك: ما جاء من منتقٍ(٣) - يعني: منتفي الحديث -
خيرٌ قط (٤).
١٦٢٣ - وأنا أبو سعد الماليني، أنا عبدالله بن عدي الحافظ، نا عبدالمؤمن
ابن أحمد بن حوثرة، قال: حدثني عمار بن رجاء، قال:
سمعتُ يحيى بن معين يقول: صاحبُ الانتخاب يندم،
(١) في ((التاريخ الكبير» للإِمام البخاري نحو أربعين ألف ترجمة لرجل وامرأة، طبع في ثمان
مجلدات في حيدر آباد سنة (١٣٦١ - ١٣٦٢ هـ).
(٢)
انظر: ((فتح المغيث» (٢ / ٣٣٦).
(٣)
في الأصل: ((منتقي))، وما أثبتناه أصوب؛ لأنه معتل الآخر مجرور.
انظر: ((فتح المغيث» (٢ / ٣٢٨).
(٤)
٢٧٥

۔۔
وصاحب المَشْج لا يندم (١).
١٦٢٤ - أنا أحمد بن محمد بن أحمد المجهّز، قال: نا عبد الرحمن بن عمر
ابن نصر بن محمد الدمشقي بها، حدثني أبو علي بن حبيب، نا الحسن بن جرير
الصوري، قال :
.... .
قال يحيى بن معين: الذي ينتخب الحديث إنما يأخذ
النخالة، ويدع الدقيق.
١٦٢٥ - أنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم الضبي، قال:
سمعتُ أحمد بن محمد العتري یقول: سمعتُ عثمان بن سعید یقول :
سمعتُ علي بن المديني يقول: سمعنا مصنفات وكيع،
وأخرج الزيادات بعد، فخرجنا إلى الكوفة، فجعلنا نتتبع تلك
الزيادات، ويحيى بن معين يكتب على الوجه لئلا يسقط عليه
حديث(٢).
(١) (مَشَجَ): خلط، وشيء مشيج - كقتيل ـ: خليط، جمعه أمشاج. انظر: ((القاموس
المحيط)» (مادة: مشج)، فالمشج الخلط .
يريد ابن معين بصاحب المشج: مَن يَكْتُبُ كلَّ شيء من صحيح وضعيف ومشهور وغير
ذلك بلا انتخاب، ويؤكد هذا قول ابن معین وغيره من الشيوخ: ((إذا کتبت فقمش، وإذا
رویت ففتش»؛ أي: اكتب الحدیث واجمعه من ها هنا وها هنا، وإذا رویت الحديث أو
ناظرت فيه؛ فاختر مما كتبت ما يصلح للرواية أو المناظرة. انظر: ((فتح المغيث)) (٢ /
٣٢٧ - ٣٢٨).
وقول ابن معين المذكور رواه السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢ / ٣٢٨).
أي: يكتبه جميعه. وانظر نحو هذا عن علي بن المديني في ابن معين وكتابته في ::
(٢)
((تهذيب التهذيب)) (١١ / ٢٨٢).
٢٧٦

١٦٢٦ - حدثني عبد العزيز بن أبي الحسن الوراق، نا يوسف بن عمر
القواس، وأخبرني الحسن بن أبي طالب، نا عبدالله بن عثمان الصفار، قال
يوسف: نا. وقال الصفار: أنا عبدالله بن محمد بن أبي سعيد البزاز. وأخبرنا أحمد
ابن أبي جعفر واللفظ له، قال: أنا عبيدالله بن أحمد بن يعقوب المقرىء، قال: نا
أحمد بن محمد بن أبي سعيد، قالا: نا جعفر بن عامر، قال: سمعتُ عفان، قال:
حضرتُ أبا عوانة وعنده قومٌ يسألونه ينتخبون، فقال: ما
تصنعون؟ قالوا: ننتخب. قال: لا تتركوا شيئاً؛ فإنه ليس شيء إلا
أريد به شيء (١).
١٦٢٧ - أنا علي بن أبي علي البصري، نا محمد بن عبد الرحمن بن العباس
وأحمد بن عبدالله / بن أحمد الوراق، قالا: أنا أحمد بن سليمان الطوسي، نا /١٥٦ : ب/
الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو غزيّة وغيره، عن عبدالرحمن بن أبي الزناد:
عن أبيه، قال: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري
يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمتُ أنه أعلم الناس(٢).
١٦٢٨ - والحديث يشتمل على المسند، والموقوف، والمرسل،
والمقطوع، والقويّ، والضعيف، والصحيح، والسقيم، وغير ذلك من الأوصاف
(١) أبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، مولى يزيد بن عطاء.
رأی: الحسن البصري، وابن سیرین. وروی عن: عمرو بن دينار، وطبقته. وروى عنه :
شعبة وطبقته، وعبد الرحمن بن مهدي وطبقته.
كان ثقة إذا حدث من كتابه، وربما أخطأ من حفظه، توفي سنة (١٧٦هـ). انظر: «تاريخ
بغداد)» (١٣ / ٤٦٠ - ٤٦٥)، و(تهذيب التهذيب: (١١ / ١١٦ - ١٢٠).
(٢) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (١ / ٧٣).
٢٧٧

المختلف بها، والنُعوت المتغايرة، وفي کتب الکل فائدة نحن نشير إليها، ونذكرها
على التفصيل للأنواع التي وصفناها وغيرها مما لم نصفه إن شاء الله.
١٦٢٩ - فأما الأحاديث المسندات إلى النبي مثل:
فهي أصل الشريعة، ومنها تستفاد الأحكام، وما اتصل منها سنَدُه وثبتت
عدالة رجاله، فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجبٌ، والعمل به لازم، والرَّادُ لِه
آثم.
أنا أبو القاسم الأزهري، أنا علي بن عمر الحافظ، نا أبو علي محمد بن
سليمان المالكي بالبصرة، نا عمرو بن مالك الراسبي، نا جارية بن هرم أبو شيخ،
نا عبدالله بن بشر، عن أبي كبشة الأنماريّ:
عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول اللهِ وَ له: ((مَنْ تعمَّدَ
عليَّ كذباً أو ردَّ شيئاً قلتُّه فليتبوأ مقعده من النار))(١).
١٦٣٠ - وحدثني محمد بن يوسف النيسابوري، أنا محمد بن عبدالله
الحافظ، أنا محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى، نا الفضل بن محمد
الشعراني، نا نعيم بن حماد، نابقية بن الوليد، عن عيسى بن إبراهيم القرشي،
عن موسی بن أبي حبيب:
عن الحكم بن عُمَير الثمالي - وكانت له صحبة من رسول الله
مَ *- ، قال: قال رسول اللهِ وَ﴾: ((إن هذا القرآن صعبٌ مُسْتَصْعَبُ
لمن كرهه، مُيَسِّرُ لِمَن تبعه، وإن حديثي صعبُ مُسْتَصْعَبُ لمن
(١) رواه: أبو يعلى، والطبراني في ((معجمه الأوسط))، وفيه جارية بن الهرم الفقيمي: متروك
الحديث. انظر: («مجمع الزوائد» (١/ ١٤٢).
٢٧٨

كرهَهُ، ميسَّرُ نمن تبعه، مَن سمع حديثي فحفظه وعمل به جاء يوم
القيامة مع القرآن، ومن تهاون بحديثي فقد تهاون بالقرآن، ومن
تهاون بالقرآن خسر الدنيا والآخرة»(١).
١٦٣١ - وأما الأحاديث الموقوفات على الصحابة:
فقد جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي 8 في لزوم العمل
بها/، وتقديمها على القياس، وإلحاقها بالسنن(٢).
/١:١٥٧/
أنا علي بن محمد بن عبدالله المعدّل، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، نا
أحمد بن منصور الرمادي، نا عبدالرزاق، نا معمر:
عن صالح بن كيسان، قال: اجتمعتُ أنا وابن شهاب ونحن
نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء
سمعنا عن النبي ◌َّر، ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة. فقلتُ:
لا ليس بسنة. فقال: بلى هو سنة. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح
وضيَّعتُ (٣).
١٦٣٢ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد، نا حنبل بن
إسحاق، نا أبو نعيم: نا مالك بن مغول، قال:
(١) حديث واه منكر، في سنده عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي: منكر الحديث،
متروك، وذكر الذهبي هذا الحديث في مناكيره. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٣ / ٣٠٨ -
٣٠٩).
انظر: ((فتح المغيث)) (١ / ١٠٣ - وما بعدها)، و((تدريب الراوي)) (١٠٩ - وما بعدها).
(٢)
(٣)
انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (١ / ٧٦ - ٧٧ , ٢ / ١٨٧).
٢٧٩

قال لي الشعبيّ: ما حدَّثوك عن أصحاب محمد رَّ فاحفظه،
وما حدَّثوك عن رأيهم فارم به في الحش(١) ..
١٦٣٣ - وأما الأحاديث المرسلات عن النبي زَطر:
فهي أيضاً عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل
بمتضمَّنها، ومَن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار فإنه يكتبها للاعتبار
بها، ولن يجعلها علة لغيرها(٢).
١٦٣٤ - قرأت على إبراهيم بن عمر البرمكي، عن عبدالعزيز بن جعفر
الحنبلي، قال: نا أبو بكر الخلال، قال: أخبرني الميموني، قال:
تعجّب إليَّ أبو عبدالله - يعني : أحمد بن حنبل - ممن یکتب
الإسناد ويدع المنقطع! ثم قال: وربما كان المنقطعُ أقوى إسناداً أو
أكبر. قلتُ: بيِّنْه لي كيف. قال: يكتبُ الإِسناد متصلاً وهو
ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسناداً منه، وهو يرفعه ثم يُسنده،
وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن
النبي 98َّ؛ معناه: لو كتب الإِسنادين جميعاً عرف المتصل من
المنقطع؛ يعني: ضعف ذا وقوة ذا (٣).
(١) انظر: ((حلية الأولياء)) (٤ / ٣١٩).
و(الحش): المخرج، فقد كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. انظر: ((القاموس
المحيط )» (مادة: حش).
(٢) في الأصل: ((لن يجعلها))، والأنسب ما أثبته، وانظر: ((تدريب الراوي)) (ص ١١٧)،
و((فتح المغيث)) (١ / ١٢٨)، و«معرفة علوم الحديث)) (ص ٢٥).
(٣) انظر: ((تدريب الراوي)) (ص ١٠٨ و١١٧)، و((فتح المغيث)) (١ / ١٤٩ - ١٥١)،
=
٢٨٠