النص المفهرس
صفحات 561-580
٨٣٥ - أنا الحسين بن شجاع الصوفي، ناحبيب بن الحسن القزَّاز، نا أحمد
ابن محمد بن مسروق، قال: سمعتُ سفیان بن وکیع، قال:
قال أبي: من أراد أن يحدِّث فليصبر، وإلا فليسكت.
٨٣٦ - أنا محمد بن أبي الفوارس، أنا علي بن عبدالله بن المغيرة، نا أحمد
ابن سعيد، قال :
قال عبد الله بن المعتز: مَن حَسُنَت مداراته كان في ذِمَّة الحمد
والسلامة .
0
E
٢١
باب
ذکر ما ينبغي للمحدِّث أن يصونَ نفسه عنه
من أخذ الأعواض على الحديث
٨٣٧ - نا أبو الحسن علي بن إبراهيم البصري، نا أبو بكر يزيد بن إسماعيل
ابن عمر الخلَّل، نا العباسُ بن عبدالله بن أبي عيسى الترقفي، نا جُبارة بن
المُفَلِّس، نا المعلی بن هلال الأحمر، عن لیث، عن مجاهد، قال:
قال عمر بن الخطاب: يا أهل العلم والقرآن! لا تأخذوا للعلم
والقرآن ثمناً، فيسبقكم الدُّناة إلى الجنة.
٨٣٨ - أنا علي بن طلحة بن محمد المقرىء، أنا محمد بن إبراهيم بن
٥٦١
:
محمد الطرسوسي، أنا محمد بن محمد بن داود الكرجي، حدثنا عبد الرحمن بن
یوسف بن خراش، قال: بلغني عن حفص بن غياث، قال:
/ ٨١ : ب/
بعث العباس بن موسى أمير الكوفة / إلى الأعمش بألف درهم
وصحيفة، فقال: إكتب لي فيها من حديثك. فأخذ الألف درهم،
وكتب له فاتحة الكتاب، فبعث بها إليه. فبعث إليه: أبلغك أنا لا
نحسنُ القرآن؟! فبعث إليه: أبلغك أنا نبيع العلم(١)؟!
٨٣٩ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد، نا حنبل بن
إسحاق، نا محمد بن داود: نا عيسى بن يونس، قال:
ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند
الأعمش، مع فقره وحاجته(٢).
٨٤٠ - أنا أبو طاهر محمد بن الحسن بن زيد العلوي بالري، نا أبو الحسن
أحمد بن محمد بن سهل البزاز، نا محمد بن أيوب، أنا أبو غسان، نا أبو عمر أحمد
ابن محمد، نا أبو عمر الأزرق من أهل أرمينية وهو عالمهم، قال:
سمعتُ ابن عيينة يقول لجرير(٣): ما زلت أحبُّك منذ سمعتُ
(١) انظر: ((حلية الأولياء)) (٥ / ٤٩). وفيه أن الذي أرسل المال هو عيسى بن موسى، وأن
كتب إليه: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَخْدٌ﴾.
والصواب أنه عيسى بن موسى أمير الكوفة لعمه السفاح، ولد سنة (١٠٢ هـ)، وتوفي سنة
(١٦٧ هـ). وأما العباس بن موسى؛ فهو أمير مصر للمأمون، توفي سنة (١٩٩ هـ)، أي
بعد وفاة الأعمش بنحو خمسين سنة. انظر: «الأعلام)) (٣ / ٣٩ ,٥ /٢٩٦).
(٢) انظر: ((حلية الأولياء)) (٥ / ٤٨).
هو أبو النضر، جرير بن حازم، الإِمام، الحافظ، البصري، أحد الأعلام، كان من أوعية =
(٣) :
٥٦٢
ابن شبرمة يقول لك: قد أجريتُ عليك مائة في كل شهر. فقلت:
أمن مالك أم مال المسلمين؟ فقال: من مال المسلمين. فقلتَ: لا
حاجة لي فيها.
٨٤١ - حدثني محمد بن أبي الحسن، أنا الخَصيب بن عبدالله القاضي
بمصر، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان الطرسوسي، نا عبدالله بن جابر بن عبدالله
البزاز، قال: سمعتُ جعفر بن محمد بن عيسى بن نوح يقول: سمعتُ محمد بن
عيسى بن الطباع يقول:
أهدوا للأوزاعي هديةً أصحابُ الحديث، فلما اجتمعوا قال
لهم: أنتم بالخيار؛ إن شئتم قبلت هديتكم ولم أُحدِّثكم، وإن شئتم
حذَّٹتکم ورددتُ هدیتکم(١).
٨٤٢ - أنا أحمد بن محمد بن عبدالله بن خالد الكاتب، أنا أبو إسحاق
إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، نا محمد بن عبدالرحمن الدغولي : نا عبد
الله بن جعفر بن خاقان المروزي ، قال :
وجه بعض مشايخ مرو إلى علي بن حجر(٢) بشيء من السُّكر
=
العلم، اختلط قبل موته فحجبه أولاده فلم يُسمع منه شيء في اختلاطه، في حديثه عن
قتادة مقال، توفي سنة (١٧٠هـ) عن نحو ثمانين سنة. انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (١ /
١٩٩).
انظر ما يدل على هذا: «حلية الأولياء)» (٦ / ١٤٣ - سطر ١٢)، والخير الذي يليه.
(١)
هو أبو الحسن علي بن حجر بن إياس المروزي، كان فاضلاً، حافظاً، متقناً، اشتهر
(٢)
حديثه في مرو.
قال الحاكم: ((كان شيخاً فاضلاً ثقة)).
توفي سنة (٢٤٤هـ) عن نحو مئة سنة. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٧ / ٢٩٣ - ٢٩٤).
٥٦٣
والأرز وثوب، فردَّ عليه، وقال هذه القصيدة :.
جَاءَنِي عَنْكُ مُرْسَلٌ بِكْلامِ
فيهِ بَعْضُ الايْحاشِ والإِحْشَامِ
فَتَعَجَّبْتُ ثُمَّ قُلْتُ تَعَالى
رَبُّنَا ذَا مِنَ الأُمُورِ العِظامِ
خَابَ سَعْبِي لَئِنْ شَرَيْتُ خَلَاقِي
بَعْدَ تِسْعِينَ حجَّةٍ بحطامٍ
أنا بالصَّبْر واحْتِمالِي الإِخْواني
٤
أُرَجِّي حُلُولَ دَارِ السَّلَامِ.
والَّذِي سُمْتَنِيِهِ يُزْرِي بِمِثْلِي
عِنْدَ أَهْلِ العُقُولِ والأحْلامِ
/ مَن نَزَّ نفسه من المحدِّثين عن قبول أموالِ السلاطين
/١:٨٣/
٨٤٣ - أنا محمد بن الحسین القطان، أنا عبد الله بن جعفر بن درستویه، نا
يعقوب بن سُفيان، نا محمد بن أبي زُكير، أنا ابن وهب، قال: سمعتُ مالكاً
یحدِّثُ:
أن عاملاً من العمالِ بعث إلى سعيد بن المسيب بخمسة آلافِ
درهمٍ ، فقال له الرسول: بعث بهذا إليك أصلحك الله لتنفقها
(*) آخر الجزء الرابع من الكتاب.
٥٦٤
وتجعلها في حاجتك. قال: وسعيد جادٌّ مُجدٍّ، يُحاسِبُ غُلامَه في
نصفٍ درهمٍ يدعيه قِبَلَهُ، والغلامُ يقول: ليس لك عندي شيء. قال
سعيدٌ للرَّسول: اذهب إلى عملك. ثم عرضها عليه الرسولُ أيضاً.
فقال: اغرب عني. وأبى أن يأخذها منه، وكلمه إنسان في تركة أن
يأخذها، فقال له ابن المسيب: هذا النصف درهم أحبُّ إليَّ
منها (١).
٨٤٤ - وأنا محمد بن الحسين، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، حدثني
أبو بكر بن عبدالملك، نا عبد الرزاق، قال: سمعتُ النعمان بن الزبير يحدِّث:
أن محمد بن يوسف وأيوب بن يحيى (٢) بعثا إلى طاووس
بخمسمائة دينار، وقالوا للرسول: إن أخذها منك سَيكسوك ويحسن
إليك. فخرج بها حتى قدم على طاوس (٣) الجَنّد، فقال: يا أبا
عبدالرحمن !نفقة بعث بها إليك الأمير. فقال: ما لي بها حاجة . قال:
(١) أسلفت ترجمة ابن المسيب في (هـ ف ٢٩٩).
وانظر نحو هذا الخبر في «حلية الأولياء)) (٢ / ١٦٦). وانظر: ((تذكرة الحفاظ)) (١ /
٥٤).
(٢) محمد بن يوسف: هو الثقفي، أخو الحجاج، استعمله الحجاج على صنعاء، ثم ضم
إليه الجند، فلم يزل والياً عليهما إلى أن توفي سنة (٩١هـ). انظر: ((الأعلام)) (٨ /
٢٠).
هو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني الجندي، نسبة إلى (جَنْد) في الیمن، کان
(٣)
طاوس في أهل اليمن كابن سيرين في أهل البصرة، كان شيخ اليمن وبركتها ومفتيها،
مع صلاح ووقار، أدرك خمسين من الصحابة، توفي سنة (١٠٦هـ). انظر: «تذكرة
الحفاظ)) (١ / ٩٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٥ /٨ -١٠).
٥٦٥
فأراده على قبضها فأبى، فغفل طاوس فرمى بها في كوة البيت، ثم
ذهبَ، فقال لهم: قد أخذها. فلبثوا حيناً، ثم بلغَهُم عن طاوس
شيء كرهوه. قال: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول،
فقال: المال الذي بعث به إليك الأمير. قال: ما قبضت منه شيئاً.
فرجع الرسول، فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقيل: الرجل الذي
ذهب بها فابعثوه إليه. فقال: المال الذي جئتك به يا أبا
عبدالرحمن؟ قال: هل قبضتُ منكَ شيئاً؟ قال: لا. قال: فهل
تدري أين وضعته؟ قال: نعم، في تلك الكوة. قال: فأبصِرْهُ حيث
وضَعْتَهُ. قال: فمدَّيده، فإذا هو بالصرة قد نبت عليها العنكبوت .
قال: فأخذها، فذهب بها إليهم (١).
٨٤٥ - أنا أبو الفضل عمر بن إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن أحمد بن
عبدالله الهروي، نا أبي، نا أبو عثمان عمرو بن عبدالله البصري، نا محمد بن
عبد الوهاب الفرَّاء، قال: سمعتُ الحسين بن منصور يقول:
بعث معن بن زائدة(٢) إلى سفيان(٣) بثلاثمائة دينار. قال: فقال
أشار الذهبي إلى هذا الخبر بإيجاز في «تذكرة الحفاظ)» (١ / ٩٠).
(١)
هو معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر الشيباني، من أشهر أجواد العرب الشجعان
(٢)
الفصحاء، كان في عصر بني أمية مكرماً يتنقل في الولايات، ولما آل الأمر إلى
العباسيين؛ طلبه المنصور، فاستتر، ولما قاتل جماعة من الخراسانيين المنصور؛ ظهر
معنٌ، وقاتل بين يدي المنصور حتى هدأت الأحوال، فقدر له المنصور ذلك، وقربه،
وولآه على اليمن، ثم ولي سجستان حتى قتل سنة (١٥١هـ). انظر: ((الأعلام)) (٨/
١٩٢).
(٣)
وسفيان هو الثوري على الراجح .
:
٥٦٦
=
للرسول: قم إلى ذلك الطاق انظر ما عليه. قال: فوجد أربعة
دوانيق(١). قال: هذه عندي منذ ثلاثة أشهر / لا أدري ما أصنعُ /٨٣: ب/
بها(٢)، فما أصنعُ بدنانيرك.
٨٤٦ - أنا أبو الحسن علي بن عبد الملك بن شُبانة الدينوري، أنا أبو العباس
أحمد بن محمد بن إسحاق الرَّازي الحافظ، نا أحمد بن محمد بن مهدي نزيل
قزوين بالري، نا الحسين بن عمرو المروزي ببغداد، قال: نا مقاتل بن صالح
الخراساني صاحب الحميدي بمكة، قال:
قال: دخلتُ على حمّاد بن سلمة، فإذا ليس في البيت إلا
حصير، وهو جالسٌ عليه، ومصحفٌ يقرأ فيه، وجرابٌ فيه علمه،
ومطهرةٌ يتوضأ فيها(٣)، فبينا أنا عنده جالسٌ إذ دقُّ عليه داقٌ الباب،
فقال: يا صبيَّة! اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: هذا رسول محمد
ابن سليمان(٤). قال: قولي له يدخل وحده. فدخل، فسلم، وناوله
وانظر: ((تاريخ بغداد)) (٩ / ١٦١)، ففيه ما يؤيد هذا الخبر، وقارن بـ ((تذكرة الحفاظ)»
=
(١ / ٢٦٣).
(دوانيق): جمع دائق، والدانق سدس درهم، كل درهم سنة دوائق، والدرهم يزن
(١)
(٢,٩٧٥) غراماً، والدانق ٠,٤٩٥ من الغرام؛ أي: الفضة. انظر: ((النظم الإِسلامية))
(ص ٤٢٨).
في هامش الأصل: ((به))، وما أثبته أصوب.
(٢)
انظر: «حلية الأولياء)» (٦ / ٢٥٠) ففيها ما يؤكد هذا.
(٣)
هو أبو عبد الله محمد بن سليمان بن علي العباسي، أمير البصرة، وليها أيام المهدي،
(٤)
وعُزل عنها سنة (١٦٤ هـ)، وأعاده الرشيد إليها سنة (١٧٢ هـ)، واستمر عليها إلى وفاته،
كان نبيلاً، غنياً، توفي سنة (١٧٣هـ). انظر: «الأعلام)» (٧ / ١٩).
٥٦٧
كتابه، فقال: اقرأه. فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد
ابن سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد، فصبَّحك الله بما صبَّحَ به
أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها)). قال: يا صبية!
هلمي الدواة. ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد، وأنت
فصبَّحَكِ الله بما صبَّح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم
لا يأتون أحداً، فإن وقعت مسألة فأُتنا فسلنا عما بدا لك، وإن أتيتني
فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا
أنصح نفسي، والسلام. فبينا أنا عنده جالسٌ إذ دقَّ داقَّ الباب.
فقال: يا صبية، اخرجي، فانظري من هذا؟ قالت: هذا محمد بن
سلیمان. قال: قولي له: يدخل وحده. فدخل فسلم ثم جلس بين
يديه، ثم ابتدأ، فقال: ما لي إذا نظرتُ إليك امتلأتُ رعباً. فقال
حماد: سمعتُ ثابت البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول:
سمعت رسول الله ◌َ# يقول: ((إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه
كل شيء، وإذا أراد أن يكنز الكنوز هابَ من كل شيء))(١). فقال:
ما تقول - يرحمك الله - في رجل له ابنان، وهو عن أحدهما أرضى،
فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ قال: لا تفعل - رحمك الله -
فإني سمعت ثابتاً البناني يقول: سمعت أنس بن مالك: سمعتُ
:
(١) أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس))، والحديث ضعيف. انظر: ((الجامع الصغير)) (٢
/ ٦٧)، ففي سنده الحسن بن عمرو القيسي: مجهول. انظر: ((فيض القدير)) (٤ /
٣٧١).
٥٦٨
رسول الله * يقول: ((إن الله إذا أراد أن يعذَّبَ عبده بماله وقفه عند
موته لوصيّة جائرة))(١). قال: فحاجة إليك. قال: هات ما لم تكن
(١) روى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله {#، فجاءه رجل،
فقال: يا رسول الله! مات فلان. قال: ((أليس كان معنا آنفاً؟)). قالوا: بلى. قال:
((سبحان الله، كأنها أخذة على غضب، المحروم من حرم وصيته)). إسناده حسن.
(«مجمع الزوائد» (٤ / ٢٠٩).
وأخرج ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: (المحروم من حرم وصيته)). ((سنن ابن ماجه))
(٢ / ٩٠١ - حديث ٢٧٠٠).
وأخرج ابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله { ل: ((إن الرجل
ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى؛ حاف في وصيته، فيختم له بشر
عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته،
فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة)). ((سنن ابن ماجه)) (٢ / ٩٠٢).
والحديث ضعيف، في سنده شهر بن حوشب.
وفي الحديث الصحيح: ((اعدلوا بين أولادكم في العطية)».
وعن النعمان بن بشير أن أباه قال للنبي 243: إني أعطيت ابني ... عطية ... فقال:
((أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)). قال: لا. قال: ((فاتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). قال:
فرجع فردَّ عطيته. انظر: ((فتح الباري)) (٦ / ١٤١).
وفي رواية أنه سأل النبي بحي أن يشهد على عطيته لولده النعمان بن بشير، فسأله كما
سبق، ثم قال: «لا تشهدني علی جور)».
وفي رواية: ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق)).
وعند أحمد: ((إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك
أن يكونوا إليك في البر سواء؟)). قال: بلى. قال: ((فلا إذاً)).
وعند مسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في النَّحْلِ كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر)».
انظر: «فتح الباري)) (٦ / ١٤١)، و((صحيح مسلم)) (٣ / ١٢٤٣).
وقد تمسّك بهذه الأحاديث من أوجب التسوية في عطية الأولاد من العلماء.
وذهب بعضهم إلى جواز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه أو نحو =
٥٦٩
رزيةٌ فِي دِينٍ. قال: أربعين ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما
أنت عليه. قال: ارددها على من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيك
إلا ما ورثتُه. قال: لا حاجة لي فيها، ازوها عني زوى الله عنك
أوزارك (١). قال: فغير هذا. قال: هاتِ ما لم یکن رزية في دِین.
!
/٢:٨٤/ قال: تأخذها فتقسمها. قال: فلعلي إن عدلت في قسمها / أن يقول
بعض من لم يرزق منها: إنه لم يعدل في قسمها، فيأثم، ازوها عني
زوی الله عنك أوزارك (٢).
٨٤٧ ۔ أنا أحمد بن عمر بن روح النھرواني، أنا المعافی بن زکریا، نا محمد
ابن القاسم الأنباري، حدثني أبي، نا موسى بن عبدالرحمن بن مسروق الكندي
الکوفي : نا محمد بن المنذر الكندي - وكان جاراً لعبد الله بن إدريس - قال:
حجَّ الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة، فقال لأبي
يوسف: قل للمحدِّثين يأتونا يحدِّثونا، فلم يتخلّف عنه من شيوخ
=
ذلك دون بقية إخوته .
وذهب بعضهم إلى وجوب التسوية إذا قصد بالتفضيل الإضرار.
وحمل بعضهم التسوية على أنها مستحبة، فإن فضل الأب بعض أولاده في العطية؛
صح، ولكن هذا مكروه، واستحيت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع.
ولكل قول أدلته، محلها كتب الفروع. وانظر: ((فتح الباري)) (٦ / ١٤١).
(١) (ازوها عني)؛ أي: أبعدها عني.
(٢) مَن عرف ورع وزهد حماد بن سلمة وترفعه عن الولاة وعفته وعدم قبوله أي شيء من أحد؛ ،
فإنه لا يستغرب هذه القصة .. وانظر: «حلية الأولياء» (٦ / ٢٤٩-٢٥٢) ففيها ما يؤكد هذا
المعنى .
٥٧٠
الكوفة إلا اثنان: عبدالله بن إدريس(١)، وعيسى بن يونس(٢).
فركب الأمين والمأمون إلى عبدالله بن إدريس، فحدثهما بمائة
حديث، فقال المأمون لعبدالله: يا عم! أتأذن لي أن أعيدها عليك
من حفظي؟ قال: افعل. فأعادها کما سمعها ۔ وکان ابن إدريس من
أهل الحفظ يقول: لولا أني أخشى أن يتفلَّت مني القرآن ما دوَّنتُ
العلم - فعجب عبدالله بن إدريس من حفظ المأمون(٣)! وقال
المأمون: يا عم! إلى جانب مسجدك دار إن أذنت لنا اشتريناها
ووسعنا بها المسجد. فقال: ما بي إلى هذا حاجة، قد أجزأ مَن كان
قبلي، وهو يجزيني. فنظر إلى قرحٍ في ذراع الشيخ، فقال: إن
معنا متطبِّبين وأدوية، أفتأذن لي أن يجيئك من يعالجك؟ قال: قد
(١) هو الإِمام، القدوة، أبو محمد عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أحد الأعلام، كان
عابداً، فاضلاً، يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسلك أهل المدينة، كان من الصالحين
الزهاد، إمام، ثبت، حجة، كثير الحديث، صاحب سنة، كان صديقاً لمالك، عرض
عليه الرشيد القضاء فأبى، ووصله فردّ عليه، وسأله أن يحدث ابنه، فقال: إذا جاءنا مع
الجماعة حدثناه .
توفي في عشر ذي الحجة سنة (١٩٢هـ)، وكان مولده سنة (١٢٠هـ). انظر: ((تهذيب
التهذيب)) (٥ / ١٤٤ - ١٤٦)، و((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٨٢ - ٢٨٤).
(٢) عيسى بن يونس ابن الإِمام أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي نزيل الثغر
مرابطاً، أبو عمرو، وقيل: أبو محمد، الحافظ، الثقة، الثبت، القدوة، كان يغزو سنة
ويحج سنة، قيل: غزا خمساً وأربعين غزوة، وحج خمساً وأربعين حجة، كان يترفع عن
عطايا أولي الأمر، توفي سنة (١٨٧هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: ((تهذيب التهذيب» (٨ /
٢٣٧)، و((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٧٩ - ٢٨٢).
(٣) ذكر هذه القصة الإمام الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٨١).
٥٧١
ظهر بي مثل هذا وبرأ. فأمر له بمال جائزة، فأبى أن يقبله .
وصارا إلى عيسى بن يونس، فحدثهما، فأمر له المأمون بعشرة
آلاف، فأبى أن يقبلها، فظن أنه استقلها، فأمر له بعشرين ألفاً،
فقال عيسى : لا، ولا إهليلجة، ولا شربة ماء على حديث رسول الله
وَّر، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف. فانصرفا من
عنده(١).
. ٨٤٨ - أخبرني علي بن أحمد الرَّزاز، نا أبو بكر الشافعي إملاءً من حفظه،
نا محمد بن یونس الگديمي :
نا عبدة بن عبد الرحیم المروزي، قال: كنت عند فضیل بن
عياض، وعنده عبدالله بن المبارك. فقال [له قائل](٢)/: إن أهلك
وعيالك قد أصبحوا مجهودين محتاجين إلى هذا المال، فاتق الله
وخذ من هؤلاء القوم - يعني: الخلفاء -، فزجره(٣) عبدالله بن
المبارك، ثم أنشأ يقول:
(١) أخرج الذهبي هذا الخبر: ((وصاراً إلى عيسى بن يونس ... )). انظر: ((تذكرة الحفاظ)):
.. (١ / ٢٨١).
(٢) ليست في الأصل، وهي في ((سير أعلام النبلاء)) (٦ / ٢٥٦):
: ويؤيد هذا ما جاء في (ف ٨٤٩) التالية ..
(٣). أرى أن كلام ابن المبارك وزُّجْرَه موجه إلى القائل؛ لما عرف من ترفّع الفضيل عن أموال
الأمراء وورعه وبعده عنهم مع شدة فقره، فلا يعقل أن يوجه ابن المبارك رحمه الله هذا:
إلى الفضيل، ولكنها مناسبة وقعت في حضوره، فزجر القائل بأبياته، وكانت نصيحة لكل.
من سمعها ويسمعها .
وقد أسلفنا ترجمة الفضيل في (هـ ف ٤١١)، وترجمة ابن المبارك في (هـ ف ٣٩٦).
٥٧٢
خُذْ مِن الجاروش (١) والأرز والخبز الشعير
واجعلنْ ذاك حلالاً تنجُ من حرِّ السُّعير
وأنّاً ما اسطَعْتَ هَدَاكَ اللهُ عَنْ دَارِ الأمير
لا تَزُرْهَا واجْتَنِبْها إِنَّهَا شَرُّ مَزُورٍ
تُوهِنُ الدِّينَ(٢) وتُدْنِيكَ مِنَ الْحُوبِ الكَبير
وَمَا تْكَ مِن دِينِكَ فِي تِلْكَ الأُمُورِ
هُوَ أَجْزَى لَكَ مِنْ مَالٍ وسُلْطَانٍ يَسِبِرٍ
منهُ بالدُّونِ فأبصر واذكرن يوم المصير
/ ٨٤ : ب/
/ قبلَ أن تسقطَ يا مغرورُ في حفرَةٍ بير
واطْلُب الرِّزقَ إِلَى ذِي الْعَرْش والرَّبِّ الْغَفورِ
وارْضَ يا وَيْحَكَ مِنْ دُنْيَاكَ بِالْقُوتِ الْيَسير
إنها دارُ بَلاءٍ وزوالٍ وغُروِرٍ
كمْ تَرِى قَدْصَرَعَتْ قبلَكَ أَصحابَ القُصورِ(٣)
وذوي الهيئة في المجلسِ والجَمْعِ الكَثِير
أُخْرِجُوا كَرْهَاً فَمَا كَانَ لَدَيْهِمْ مِنْ نَكِر
كُمْ بِبَطْنِ الأرْضِ ثاوٍ مِنْ شَرِيفٍ وَوَزِيرِ(٤)
(١) في الأصل: ((الحاورس))، ولا معنى لها، وما أثبتناه من ((سير أعلام النبلاء)) أولى.
و(الجاروش): ما جُرش من الحبوب، بحيث لم ينعم دقه، فهو جريش.
(٢) في الأصل: ((البين))، وما أثبتناه من ((سير أعلام النبلاء)) أولى.
في (سير أعلام النبلاء)): ((ما ترى)).
(٣)
(٤) في ((سير أعلام النبلاء)): ((كم ببطن الأرض من ثاوٍ شريفٍ ووزير)»، وما أثبتناه أبلغ.
٥٧٣
----
وصَغِيْرِ الشَّأْنِ عبدٍ خامِلِ الذِّكْرِ حَقِرٍ
لو تَصَفَّحْتَ وجوهَ القومِ في يومٍ نَضِيِر
لم تُميِّزْهُمْ وَلَمْ تَعْرِفْ غَنِيّاً مِنْ فَقير
خمدوا فالقَوْمُ صَرْغَى تَحْتَ أَسْقَافِ الصُّخُورِ(١)
فاسْتَوَوْا عنِدَ مَليكٍ بِمَساويِهِمْ خَبير (٢):
فَاحْذَرِ الصَّرْعَةَ يَا وَيْحَكَ مِنْ دَهْرٍ عَثُورِ (٣)
أَيْنَ فِرْعَوْنُ وهَامَانُ ونُمرودُ النُّسورِ
أَوَ مَا تَخْشَاهُ أَنْ يَرْمِيكَ بِالمَوْتِ المِير
أَوَ مَا تَحْذَرُ مِنْ يَوْمٍ عَبُوسٍ قَمْطَرِيرِ(٤).
اقْمَطَرَّ الشَّرُّ فِيهِ بِالعَذَابِ الزَّمْهَرِيرِ(٥)
قال: فغُشِيَ على الفضيل، فردّه ولم يأخذه.
قال أبو بكر: هكذا روى لي الرزاز هذا الخبر، والمعروف أن ابن المبارك
كان من ذوي الأحوال والتجارات لصنوف الأموال، وأن فضيلاً كان من الفقراء،
(١) في ((سير أعلام النبلاء)): ((إشقاق))، وقد يكون ما أبقيناه أولى؛ أي: تحت طبقات
الصخور.
(٢) في ((سير أعلام النبلاء)): ((واستووا عند خبير بمساويهم خبير)). وفي الأصل عند
الخطيب: ((بمساواتهم))، وما أثبتناه من السير أولى.
(٣)
في ((سير أعلام النبلاء)) بدلا من: ((يا ويحك)): ((يا مسكين)).
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ الآية (١٠) من سورة
:
الإِنسان؛ أي: شديداً. و(اقمطر)؛ أي: اشتدّ.
انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٦ / ٢٥٦).
(٥)
ذكر الذهبي منها تسعة عشر شطراً، ولم يذكر الشطور: (٦ و٧ و٨ و١٠ و١٤ و١٥ و٢٤).
٥٧٤
۔۔
وأحد المعدودين في الزهاد والأولياء، وكان مع فقره وحاجته يتورع عن قبول مال
السلطان وغيره. وأحسب الشافعي لم يضبط الحكاية، ودخل عليه الوهم حين
رواها من حفظه (١).
٨٤٩ - وقد أنا محمد بن عبيد الله الحنائي إجازة، نا أحمد بن سلمان النجار
إملاءً، نا محمد بن يونس: نا عبده بن عبد الرحيم الخراساني، قال:
كنتُ عند فضيل بن عياض وعنده عبدالله بن المبارك، إذ أتاه
رجل، فقال: يا أبا علي! إن عيالك قد أصبحوا مجهودين ... وذكر
الخبر بطوله، وقال في آخره: فغشي على الفضيل، ولم يذكر بعد
ذلك شيئاً (٢).
٨٥٠ ۔ أنا أبو القاسم الأزهريّ، أنا عمر بن أحمد بن عثمان المرورودي، نا
محمد بن زكريا بن إبراهيم العسكري، نا العباس بن عبدالله الترقفي، حدثني
الحسن بن يوسف الواسطي، نا محمد بن علي أبو عمر النَّحوي :
نا الفضل بن الربيع(٣)، قال: حجَّ أمير المؤمنين هارون، فبينا
أقول: كلام الخطيب موضوعي جيد، وإن ما علقناه وزدناه على مطلع هذه الفقرة وعلى
(١)
قوله: ((فزجره)) يزيل أيُّ لبس في الموضوع.
(٢)
هذه الرواية تؤيد وتقرر التعليقات السابقة .
الفضل بن الربيع، أبو العباس، وزير، أديب، حازم، كان أبوه الربيع وزيراً لأبي جعفر
(٣)
المنصور، واستحجبه المنصور لما ولى أباه الوزارة، ولما آلت الخلافة إلى الرشيد
واستوزر البرامكة؛ كان الفضل بن الربيع من أشد خصومهم، وكانت نكبتهم على يديه،
وولي الوزارة إلى أن توفي الرشيد، وبقي على وزارته عهد الأمين، ولما آل الأمر إلى
المأمون؛ استتر الفضل منه سنة (١٩٦ هـ)، ثم عفا عنه، وأهمله بقية حياته إلى أن توفي
سنة (٢٠٨هـ) بطوس. انظر: ((الأعلام)) (٥ / ٣٥٣).
٥٧٥
أنا ليلة نائمٌ بمكة، إذ سمعتُ قرعَ الباب. فقلتُ: مَن هذا؟ فقال:
أجب أمير المؤمنين. فخرجتُ مسرعاً، فقلتُ: يا أمير المؤمنين! لو
أرسلتَ لأتيتك. فقال: ويحك إنه قد حكَ (١) في نفسي شيءٌ، فانظر
لي رجلاً أسأله. فقلتُ: ها هنا سفيانُ بن عيينة(٢)، فقال: امضٍ بنا
إليه. فأتيناه، فقرعتُ عليه الباب، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أجب
أمير المؤمنين. فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت
إليَّ أتيتك. فقال خذ لما جئنا له رحمك الله. فحادثه ساعة، ثم
.....
قال: أعليك دینُ؟ قال: نعم. فقال: يا عباسي (٣)! اقضٍ دينه، ثم
انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، فانظر لي رجلاً أسأله .
فقلتُ: ها هنا عبدالرزاق بن همام (٤). قال: امض بنا إليه. فأتيناه،
فقرعتُ عليه الباب، فقالَ: مَن هذا؟ فقلتُ: أجب أمير المؤمنين.
/ ٢:٨٥/ فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلتَ / إليَّ أتيتك.
فقال: خذ لما جئنا له رحمك الله. فحادثه ساعة، ثم قال: أعليك
دينٌ؟ قال: نعم. قال: يا عباسي! اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال:
ما أغنى عني صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً. فقلتُ: ها هنا الفُضيلُ
هكذا فى الأصل
(١)
: ((حك))، وفي ((الحلية)): ((حاك))، وقد يكون أولى.
(٢)
أسلفت ترجمته (هـ ف ٥٥)، وقارن بـ ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٦٣)، حيث قال الذهبي
في ابن عيينة: ((دخل ابن عيينة اليمن على معن بن زائدة ووعظه، ولم يكن سفيان تلطخ
بعد بجوائزهم» .
(٣) في ((حلية الأولياء): ((أبا العباس))، وهي كنية الفضل بن الربيع.
(٤). أسلفت ترجمته في (هـ ف ٤١٥).
٥٧٦
بن عياضٍ. فقالَ: امض بنا إليه. فأتيناه، فإذا هو قائمٌ يصلّي يتلو
آية يرددها، فقال لي: اقرع. فقرعتُ، فقالَ: من هذا؟ فقلتُ:
أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلتُ: سبحانَ
الله! أوما عليك طاعة، أوليس قد روي عن النبي غير أنه قال: ((ليس
للمؤمن أن يذل نفسه))؟ قال: فنزل، ففتح الباب (١) ... وساق الخبر
بطوله، وموعظة الفضيل لهارون الرشيد (٢) ... إلى أن قال: فبكى
هارون الرشيد بكاءً شديداً حتى غشي عليه، ثم قال: عليك دين؟
قال: نعم، دينٌ لربِّ لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني،
والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجَّتي. فقال: إنما
أعني من دين العباد. قال: فقال: إنَّ رَبِّي لم يأمرني بهذا، أمرني
أن أصدِّق وعده، وأن أطيع أمره، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ
إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ يِذْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ الله
هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (٣). قال: فقال له: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على
عيالك، وتقوَّ بها على عبادة ربِّك. فقال: سبحان الله! أنا أدلُّك
على النجاة وتكافئني بمثل هذا؟! سلَّمك الله ووفّقك. ثم صمتَ
فلم يكلَّمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال لي
(١) في ((الحلية)): ((ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ السراج ... ))، ثم أخذ في وعظ هارون
الرشيد موعظة بليغة طويلة، وهي التي أشار إليها هنا.
(٢)
ذكرها بطولها أبو نعيم. انظر: ((الحلية)» (٨ / ١٠٦ - ١٠٨).
(٣)
تتمة الآية: ﴿ذُو القُوَّةِ المَتيْنُ﴾ [الذاريات: ٥٦ -٥٨].
٥٧٧
هارون: يا عباسي! إذا دللتني على رجلٍ فدُلَّني على مثلِ هذا،
هذا أزهد المسلمين اليوم، أو كلمة نحوها ..
وقال غير أبي عُمَر في هذا الحديث: فدخلت عليه امرأة من
نسائه، فقالت: يا هذا! ترى سوء ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو
قبلتَ هذا المال تفرجنا به؟ فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قومٍ كان
لهم بعيرٌ يأكلون من كسبه، فلما كَبرَ نحروه، فأكلوا لحمه. فلما
سمع هارون الكلام قال: ادخل، فعسى أن يقبل المال. قال:
فدخلنا، فلما علم به الفضيل خرج فجلس على تراب في السطح،
وجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل یکلّمه، فلم يجبه، فبینا نحن
كذلك إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا! قد آذيت الشيخ منذ
الليلة، فانصرف رحمك الله. قال: فانصرفنا(١).
: ٨٥١ - أنا أبو نعيم الحافظ، نا محمد بن الفتح الحنبلي، نا عباس بن يوسف
الشكلي، نا بشر بن مطر، قال:
: سمعتُ سفيان بن عيينة يقول لأصحاب الحديث: أعلمتُم أني
كنتُ قد أوتيتُ فهم القرآن، فلما قبلتُ الصُّرَّةَ من أبي جعفر
سُلِبْتُه(٢)؟!
٨٥٢ - أنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم الضبي، قال:
(١) انظر: ((حلية الأولياء)) (١٠٥/٨ -١٠٨).
(٢) لم يذكره في ((حلية الأولياء)) كما لم يذكره الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد)».
٥٧٨
سمعتُ / أبا جعفر محمد بن سعید المذکر یقول: سمعتُ زکریا بن دلّويه يقول: /٨٥ : ب/
بعث طاهر بن عبدالله بن طاهر (١) إلى محمد بن رافع(٢)
بخمسة آلاف درهم على يدي رسول له، فدخل عليه بعد صلاة
العصر وهو يأكل الخبزَ مع الفجل، فوضع الكيس بين يديه، فقال:
بعث الأمير طاهرٌ بهذا المال إليك لتنفقه على أهلك. فقال: خذ،
خذ لا أحتاج إليه؛ فإن الشمس قد بلغت رأس الحيطان، إنما تغرب
بعد ساعة، قد جاوزت الثمانين، إلى متى أعيش؟! وردًّ المال، ولم
يقبل(٣). فأخذ الرسول المال، وذهب، فدخل عليه ابنه، فقال: يا
أبه! ليس لنا الليلة خبز. قال: فذهب ببعض أصحابه خلف الرسول
ليرد المال إلى حضرة صاحبه فزعاً من أن يذهب ابنه خلف الرسول
فيأخذ المال.
قال زكريا: وربما كان يخرج إلينا محمد بن رافع في الشتاء
الشاتي وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل.
(١) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر الخزاعي، ولي إمرة خراسان بعد وفاة أبيه عبدالله بن طاهر
أمير خراسان للمأمون المشهور. انظر: ((تاريخ بغداد)» (٩ / ٤٨٣). واستمر طاهر والياً
عليها ثماني عشرة سنة، وتوفي فيها سنة (٢٤٨هـ). انظر: ((الأعلام)) (٣ / ٣٢٠).
(٢)
هو أبو عبد الله محمد بن رافع القشيري، الحافظ، القدوة، سمع سفيان بن عيينة
وطبقته، كان ثقة، فاضلاً، مهيباً، توفي سنة (٢٤٥هـ). انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٢ /
٥١٠) ..
(٣). ذكر الذهبي هذا الخبر إلى هنا في ((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٥١٠).
٥٧٩
مَن توزَّعَ أن يستقضي سامعَ الحديث منه حاجة
٨٥٣٠ - أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الفقيه، أنا محمد بن عبدالله
ابن خميرويه الهروي، أنا الحسين بن إدريس، نا ابن عمار، عن المعافى : عن
حماد بن شعيب، قال:
كان منصور لا يستعين بأحدٍ يختلف إليه في حاجة، ولا يدع
أحداً يمشي معه في الطريق، يقول: هو ذا أجلس إليكم(١).
٨٥٤ _ أنا علي بن أحمد بن عمر المقرىء، أنا أبو بكر محمد بن الحسين
الآجري بمكة، نا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، نا إسحاق بن الجرّاح
الأَذَني: نا الحسن بن الربيع البوادي، قال:
كنتُ عند عبد الله بن إدريس، فلما قمتُ قال لي: سل عن
سعر الأشنان(٢). فلما مشيتُ ردني، فقال لي: لا تسل عنه؛ فإِنْك
تكتب مني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث
حاجة (٣).
(١) هو أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي، أحد الأعلام الثقات، كان من
الحفاظ، أكره على القضاء فأبى، كان من العباد الصوام البکائین في الله حتی عمش من
البكاء، توفي سنة (١٣٢هـ). انظر: «تذكرة الحفاظ)) (١ / ١٤٢ - ١٤٣). وانظر: «حلية
الأولياء)» (٥ / ٤٠ - ٤٦)، و((تهذيب التهذيب)» (١٠ / ٣١٢ -٢١٥).
الأشنان - بضم الهمزة وكسرها -: نبات ينفع للحكة والجرب، وجلَّاء، مُنق + أي:
(٢)
منظف -، مُدر الطمث ... انظر: ((القاموس المحيط)) (مادة: أشن).
(٣)
أسلفت ترجمته في (هـ ف ٨٤٧)، ومثل هذا الخبر مسلم عن مثل ابن إدريس الورع
التقي ؛ فإن التقوى والورع تستلزم مثل هذا.
:
٠٠
٥٨٠
۔۔