النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
حرف الهمزة .
٢٠٥٤ - ((إِنَّ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَالذِّكْرَ يُضَاعَفُ عَلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى
بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ)). (دك) عن معاذ بن أنس (صح).
بتشديد اللام الأولى بضبط المؤلف أي مع فتح الزاي وكسرها والكسر كما في المصباح أفصح أرض
مزلة تزل بها الأقدام والمزلة المكان الرحب (الذي لا تثبت عليه) أي لا تستقر (أقدام العلماء الطمع)(١)
فإنه يذهب الحكمة من قلوبهم كما يأتي في خبر والشيطان طلاع رصاد لدعائهم له يشغلهم عن ذكر الله
وصرف زمنهم بعلمهم في المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات حتى تنقضي أعمارهم
وهم على تلك الحال فيكون علمهم عليهم وبالاً ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن
أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا﴾ [يونس: ٢٤] وعدم الطمع والزهد في الدنيا لما كان ملكاً
حاضراً حسدهم الشيطان عليه فصدهم عنه وصيرهم بالطمع عبيداً لبطونهم وفروجهم حتى صار
أحدهم مسخراً له كالبهيمة يقوده بزمام طمعه إلى حيث يهوى، قال الشافعي رضي الله تعالى عنه كتب
حكيم لحكيم قد أوتيت علماً فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب والطمع فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل
العلم بنور علمهم، وقال الراغب: العالم طبيب الدين والدنيا داء الدين فاذا جر الطبيب الداء إلى
نفسه فكيف يداوي غيره، وقال: من أبواب الشيطان العظيمة الطمع فإذا غلب الطمع على القلب لم
يزل الشيطان يحسن إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى يصير المطموع فيه
كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك وأقل
أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة فيه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد روى
صفوان بن سليم أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة وقال: احفظ عني شيئاً قال: لا حاجة لي به قال
تنظر فإن كان خيراً اقبله وإلا فلا: لا تسأل إلا الله سؤال رغبة وانظر كيف تكون إذا غضبت وقال
بعضهم الطمع هو الذي يذل الرقاب ويسود الوجه ويميت القلوب وعلاجه سلوك طريق القناعة
ويحصل بسد باب التوسعات والاقتصار على ما لا بد منه مأكلاً ومشرباً ومسكناً وملبساً ونحو ذلك،
قال أبو جعفر البغدادي ست خصال لا تحسن بستة رجال لا يحسن الطمع في العلماء ولا العجلة في
الأمراء ولا الشح في الأغنياء ولا الكبر في الفقراء ولا السفه في المشايخ ولا اللؤم في ذوي الأحساب
(ابن المبارك) في الزهد (وابن قانع) في المعجم كلاهما عن ابن معين (عن سهيل) بالتصغير وفي نسخة
سهل والأول هو ما في خط المصنف (ابن حسان) الكلبي (مرسلاً) وظاهر صنيع المصنف أنه لم يقف
عليه مسنداً وإلا لما عدل لرواية إرساله ورواه ابن عدي والديلمي موصولاً من حديث أسامة بن زيد
وابن عباس وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
٢٠٥٤ - (إن الصلاة والصيام والذكر) أي التلاوة والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد
(يضاعف) ثوابه (على) ثواب (النفقة في سبيل الله تعالى)(٢) أي في جهاد أعداء الله لإعلاء كلمة الله
(١) وهذا كناية عما يزلهم ويمنعهم الثبات على الاستقامة فالعلماء أحق الخلق بترك الطمع وبالزهد في الدنيا
لأن الخلق يتبعونهم ویقتدون بهم.
(٢) أي يضاعف ثواب كل منها على ثواب النفقة في جهاد أعداء الله لإعلاء كلمة الله.

٤٦٢
حرف الهمزة
٢٠٥٥ - ((إِنَّ الصَّلاَةَ قُرْبَانُ الْمُؤْمِنِ)). (عد) عن أنس (ض).
٢٠٥٦ ــ ((إِنَّ الضَّاحِكَ فِي الصَّلاَةِ، وَالْمُلْتَفِتَ، وَالْمُفَقِّعَ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ)).
(حم طب هق) عن معاذ بن أنس (ض).
(بسبعمائة ضعف) على حسب ما اقترن به من إخلاص النية والخشوع وغير ذلك وفي بعض الروايات
إن الصوم يضاعف فوق ذلك بما لا يعلم قدر ثوابه إلا الله لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفى
الصابرون أجرهم بغير حساب وفي خبر من قال سبحان الله كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون
ألف حسنة وما ذكر بالنسبة للصلاة والصوم ظاهر وأما الذكر فالظاهر أنه خرج جواباً بالسؤال سائل
عجز عن الجهاد أو فقير ليس معه ما ينفقه فأخبره بأن ثواب العبادة في حقه يربو على ثواب ذي المال
الصارف له في شؤون الغزو ومتعلقاته وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال بل قد يعرض
للجهاد ما يصيره أفضل من الصلاة والصيام وباقي أركان الإسلام كما مر (دك) في الجهاد عن
(معاذ بن أنس) قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي.
٢٠٥٥ _ (إن الصلاة قربان المؤمن) أي يتقرب بها إلى الله تعالى يعود بها وصل ما انقطع وكشف
ما انحجب وهي أعظم العبادات المتعلقات بالإيمان المثابر عليها سابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق
المحبة فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب إليها وهي بناء وعمود وأركان وحظيرة
محوطة فالعمود الإيمان وإفراد التذلل إلى الله تعالى توحيداً ﴿اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾
[النساء: ٣٦] وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو عشر سنين ثم لما دخل الإسلام
من لا يبعثه الحب على الصلاة فرضت الخمس فاستوى في فرضها المحب والخائف وسن النبي ◌َالر
التطوع على ما كان أصلها، ذكره الحرالي، قال القاضي والقربان اسم لما يتقرب إلى الله تعالى كما أن
الحلوان اسم لما يحل أي يعطي وهو في الأصل مصدر ولذلك لم يثن اهـ وغير الصلاة من العبادات
يتقرب به أيضاً لكن المراد هنا أن شأن المؤمن الكامل وهو المتقي أن يكون اهتمامه بالتقرب بها لكونها
أفضل القرب وأعظم المثوبات وبذلك تحصل الملاءمة بين قوله هنا المؤمن وقوله في الخير الآتي الصلاة
قربان كل تقي (١) (عد عن أنس) بن مالك بإسناد ضعيف لكن يقويه الخبر الآتي الصلاة قربان كل
تقي .
٢٠٥٦ - (إن الضاحك في الصلاة) فرضها ونفلها (والملتفت) فيها عن يمينه أو يساره بعنقه
(والمفقع أصابعه) أصابع يديه أو رجليه (بمنزلة واحدة) حكماً وجزاءاً ومذهب الشافعي أن الثلاثة
(١) ولا يعارض عموم قوله هنا المؤمن قوله في حديث كل تقي لأن مراده أنها قربان للناقص والكامل وهي
للكامل أعظم لأنه يتسع فيها من ميادين الأبرار ويشرق له من شوارق الأنوار ما لا يحصل لغيره ولذلك
رؤي الجنيد فقيل له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الاشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك
العلوم وبليت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر.

٤٦٣
حرف الهمزة
٢٠٥٧ - ((إِنَّ الطَّيْرَ إِذَا أَصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّهَا، وَسَأَلَتْهُ قُوتَ يَوْمِهَا)). (خط) عن
علي (ض).
٢٠٥٨ - ((إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). (ق ت) عن ابن عمر (صح).
مكروهة تنزيهاً ولا تبطل بها الصلاة ما لم يظهر من الضحك حرفان أو حرف مفهم أو يتوالى مما بعده
ثلاثة أفعال وما لم يتحول صدره عن القبلة وإلا بطلت صلاته، وتفقيع الأصابع فرقعتها وقد كرهه
السلف كابن عباس وغيره وصرح النووي بكراهته لقاصد المسجد أيضاً قياساً على التشبيك (حم طب
هق عن معاذ بن أنس) قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي فيه ابن لهيعة يرويه عن زياد بن فائد
وزیاد ضعیف قال الهيثمي فیه ابن لهيعة و فیه کلام معروف عن زياد بن فائد وهو ضعيف.
٢٠٥٧ - (إن الطير) بسائر أنواعها (إذا أصبحت) أي دخلت في الصباح (سبحت ربها) بلسان
القال كما يعلم من خطاب الطير لسليمان وفهمه وفهم غيره أيضاً من بعض الأولياء لكلامهما ﴿وإن
من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الاسراء: ٤٤] (وسألته قوت يومها) أي طلبت منه تيسير حصول ما
يمسك رمقها ويقوم بأودها من الأكل ذاك اليوم لعلمها بالإلهام الإلهي أن ما من دابة في الأرض إلا
على الله رزقها وأنه لا رزاق غيره، ومفهوم الحديث أنه إذا كانت الطير كذلك فالآدمي العاقل ينبغي أن
يسأل الله تعالى ذلك في كل صباح ومساء وأن يبكر في طلب رزقه فإن الصبحة تمنع الرزق قال القاضي
والطير مصدر سمي به أو جمع كصحب (خط) في ترجمة عبيد بن الهيثم الأنماطي عن الحسين بن علوان
عن ثابت بن أبي صفية عن علي بن الحسين عن أبيه (عن علي) أمير المؤمنين قال ثابت: كنا مع علي بن
الحسين بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول؟
قلنا لا قال أما إني لا أعلم الغيب لكن سمعت أبي عن جدي أنه سمع رسول الله وَليل يقول فذكره
والحسين بن علوان أورده الذهبي في الضعفاء وقال متهم متروك.
٢٠٥٨ - (إن الظلم) في الدنيا (ظلمات) بضم اللام وتفتح وتسكن وجمعها لكثرة أسبابها (يوم
القيامة) حقيقة بحيث لا يهتدي صاحبه يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا وأن المؤمن يسعى بنوره
المسبب عن إيمانه في الدنيا أو مجازاً عما يناله في عرصاتها من الشدائد والكروب أو هو عبارة عن
الأنكال والعقوبات بعد دخول النار ويدل على الأول قول المنافقين للمؤمنين (انظرونا نقتبس من
نوركم﴾ [الحديد: ١٣] ووحد المبتدأ وجمع الخبر إيماءً إلى تنوع الظلم وتكثر ضروبه كما سبق، ثم هذا
تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه وقد تطابقت الملل والنحل على
تقبيح الظلم(١)، ومن أحسن ما قيل:
(١) قال العلقمي الظلم يشتمل على معصيتين أخذ حق الغير بغير حق ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه
أشد من غيرها لأنه لا يقع غالباً إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة
القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى
اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئاً.

٤٦٤
حرف الهمزة
٢٠٥٩ - ((إِنَّ الْعَارَ لَيَلْزَمُ الْمَرْءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: يَا رَبِّ لِإِرْسَالُكَ بِي إِلَى النَّارِ
أَيْسَرُ عَلَيَّ مِمَّا أَلْقَى، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ مَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ)). (ك) عن جابر (ح).
٢٠٦٠ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاَ يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا
دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالَا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) .
(حم خ) عن أبي هريرة (صح).
وَلَجَّ عُنُوّاً في قَبِيحِ اكْتِسَابِهِ
إذا ظالمٌ اسْتَحْسَنَ الظُّلْمَ مَذْهَباً
فكِلْهُ إلى رَيْبِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ
سَتُبْدِي له ما لم يَكُنْ في حِسَابِهِ
يَرَى النَّجْمَ تيهاً تَحْتَ ظِلِّ رِكَابِهِ
فَكَّمْ قَدْ رَأَيْنَا ظَالماً مُتَجَبّراً
أناختْ صُرُوفُ الحَادِثَاتِ بَبَّابِهِ
فلَمَّا تَمَادَى واسْتَطَال بِظُلْمِهِ
وصَبَّ عليه الله سَوْطَ عَذَابِهِ
وعُوقِبَ بالظُّلم الذي كَانَ يَقْتَّفي
ويكفي في ذمه ﴿وقد خاب من حمل ظلماً﴾ [طه: ١١١] (ق ت عن ابن عمر) بن الخطاب.
٢٠٥٩ - (إن العار) أي ما يتعير به الإنسان زاد في رواية والتخزية (٢) وليلزم المرء يوم القيامة
حتى يقول: (يا رب لإرسالك بي) وفي نسخة لي والأول هو ما في خط المصنف (إلى النار) نار جهنم
(أيسر علي مما ألقى) من الفضيحة والخزي ومغروز في إسته (وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب) لكنه
يرى أن ما هو فيه أشد وأكثر إيلاماً لكثرة ما يقاسيه من نشر فضائحه على رؤوس الأشهاد في ذلك
الموقف الحافل الهائل الجامع الأولين والآخرين وهذا فيمن سبق عليه الكتاب بالشقاء والعذاب وأما
من كتب في الأزل من أهل السعادة فيدنيه الله تعالى منه، يعرفه ذنوبه ويقول له ألست عملت كذا في
يوم كذا وكذا في وقت كذا فيقول: بلى يا رب حتى إذا قرره بها واعترف بجميعها يقول له فإني سترتها
عليك في الدنيا أنا أسترها عليك اليوم كما جاء في خبر آخر فلا يلحقه عار ولا فضيحة (ك) في الأهوال
من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن ابن المنكدر (عن جابر) وقال صحيح وتعقبه الذهبي بأن
الفضل واهٍ فأنى له الصحة؟ وفي الميزان عن بعضهم لو ولد الفضل أخرس لكان خيراً له ثم ساق
الحديث ومن مناكيره هذا الخبر وقال الهيثمي رواه أبو يعلى أيضاً وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو
مجمع على ضعفه .
٢٠٦٠ - (إن العبد) أي الإنسان حراً أو قناً (ليتكلم) في رواية يتكلم بحذف اللام (بالكلمة)(١)
اللام للجنس حال كونها (من رضوان الله) أي من كلامه فيه رضى الله تعالى ككلمة يدفع بها مظلمة (لا
(١) أي من القبائح التي فعلها في الدنيا كغادر ينصب له لواء غدره عند إسته والغال من الغنيمة نحو بقرة يأتي
وهو حامل لها وغير ذلك.
(٢) أي الكلام المشتمل على ما يفهم الخير أو الشر سواء طال أم قصر كما يقال كلمة الشهادة.

٤٦٥
حرف الهمزة
٢٠٦١ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُثَبِّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». (حم ق) عن أبي هريرة (صح).
يلقي) بضم الياء وكسر القاف حال من الضمير في يتكلم (لها بالاً) أي لا يتأملها ولا يلتفت إليها ولا
يعتد بها بل يظنها قليلة وهي عند الله عظيمة (يرفعه الله بها) أي بسببها (درجات) استئناف جواب عمن
قال ماذا يستحق المتكلم بها (وإن العبد ليتكلم بالكلمة) الواحدة (من سخط الله) أي مما يغضبه
ويوجب عقابه (لا يلقي) بضبط ما قبله (لها بالاً يهوي بها) بفتح فسكون فكسر أي يسقط بتلك الكلمة
(في جهنم) ﴿وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ [النور: ١٥] وهذا حث على التدبر والتفكر عند
التكلم فإن الشيطان يزين الشر في صورة الخير (تنبيه) قال الغزالي عليك بالتأمل والتدبر عند كل قول
وفعل فقد يكون في جزع فتظنه تضرعاً وابتهالاً وتكون في رياء محض وتحسبه حمداً وشكراً ودعوة للناس
إلى الخير فتعد على الله المعاصي بالطاعات وتحسب الثواب العظيم في موضع العقوبات فتكون في غرور
شنيع وغفلة قبيحة مغضبة للجبار موقعة في النار وبئس القرار (حم خ) في الرقاق (عن أبي هريرة)
ورواه عنه أيضاً النسائي ورواه الحاكم متعرضاً لبيان السبب فقال كان رجل بطال يدخل على الأمراء
فیضحکهم فقال له علقمة ويحك لم تدخل على هؤلاء فتضحکھم فإني سمعت بلال بن الحارث يحدث
أن رسول الله وَ ل و قال فذكره.
٢٠٦١ - (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبِّن ما فيها) بمثناة تحتية مضمومة فمثناة فوقية مفتوحة
فموحدة تحتية مشددة مكسورة فنون هكذا ضبطها الزمخشري قال وتبَّن ودقق النظر من التبانة وهي
الفطنة والمراد التعمق والإغماض في الجدل وأدى ذلك إلى التكلم بما ليس بحق ومنه حديث سالم كنا
نقول في الحامل المتوفى عنها زوجها إنه ينفق عليها من كل المال حتى تبنتم ما تبّنتم أي دققتم النظر حتى
قلتم غير ذلك إلى هنا كلامه، قال بعض المحققين أخذاً من كلام القاضي وتبّن حال لأن الكلمة معرفة
والجملة نكرة فلا تكون صفة للمعرفة انتهى وما ذكر من أن الرواية يتبين هو ما في كلام هؤلاء الأجلة
الأكابر لكني وقفت على نسخة المصنف بخطه فوجدتها يتبين وكذا أوردها الحافظ ابن حجر رحمه
الله تعالى يتبين ما فيها وقال معناه لا يتطلب معناها أي لا يثبتها بفكره حتى يثبته فيها فلا يقولها إلا إن
ظهرت المصلحة في القول وقال بعضهم ما يتثبتها بعبارة واضحة وفي رواية مسلم ما يتبين ما فيها قال
وهذه أوضح، وما الأولى نافية والثانية موصولة أو موصوفة (يزل) بفتح أوله وكسر الزاي يسقط في
رواية مسلم بدل يزل يهوي (بها في النار) نار جهنم (أبعد ما) وفي رواية مما (بين المشرق والمغرب) يعني
أبعد قعراً من البعد الذي بينهما والقصد به الحث على قلة الكلام وتأمل ما يراد النطق به فإن كثيراً من
الكلام الذي يؤاخذ به العبد يسيره الهوى وتحول بين العبد وبين عاقبته النفس والشيطان ويزينا له أنه
لا ذنوب إلا الذنوب التي في ذكره في ذلك الكلام وأن كلامه كله في نهاية التمام، قال أهل السلوك
وطريق التوبة منها أن يتذكر أوقاته الماضية كم فيها من حق ضيعه أو ذنب ركبه ويتأمّل في منطقه ولحظه
واستماعه وبطشه وحق من عليه حق له فيتدارك الممكن مما ذكره (تنبيه) قال ابن عربي الحروف نوعان
رقمية فإذا رقمت صحبتها أرواحها وحياتها وإذا محي الحرف انتقلت روحه إلى البرزخ مع الأرواح
فيض القدير ج٢ م٣٠

٤٦٦
حرف الهمزة
٢٠٦٢ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أُنِّيَ بِذُنُوبِهِ كُلُّهَا فَوُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقَيْهِ،
فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ)). (طب حل هق) عن ابن عمر (ض).
٢٠٦٣ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ)).
مالك (حم ق د) عن ابن عمر (صح).
فموت الشكل زواله بالمحو ولفظية تتشكل في الهوى فإذا تشكلت قامت بها أرواحها ولا يزال الهوى
يمسك عليها تشكلها وإن انقضى عملها فإن عملها إنما يكون في أول التشكل ثم تلتحق بسائر الأمم
فيكون شغلها بتسبيح ربها ولو كانت كلمة كفر فوبالها يعود على المتكلم بها لا عليها وهذا معنى ما
نطق به هذا الحديث فجعل العقوبة للمتلفظ بها بسببها وما يعرض إليها فهذا القرآن يقرأ على جهة
القربة إلى الله وفيه ما قالت اليهود والنصارى في حق الله تعالى من الكفر وهي كلمات يتعبد بتلاوتها
وتتولى يوم القيامة عذاب أصحابها والحروف الهوائية اللفظية لا يدركها موت بخلاف الرقمية لأن
شكل الرقمي يقبل التغيير والزوال لأنه بمحل يقبل ذلك، واللفظي في محل لا يقبله فلهذا كان له البقاء
فالجو كله مملوء من كلام العالم يراه صاحب الكشف صوراً قائمة (حم ق عن أبي هريرة) وفي الباب
غيره أيضاً.
٢٠٦٢ - (إن العبد) أي الإنسان المؤمن (إذا قام يصلي) فرضاً أو نفلاً (أتي) بالياء للمفعول أي
جاءه الملك أو من شاء الله من خلقه بأمره (بذنوبه كلها) ظاهره يشمل الكبائر وقياس ما يجيء في
نظائره استثناؤها (فوضعت على رأسه وعاتقيه) تثنية عاتق وهو ما بين المنكب والعنق وهو محل الرداء
ويذكر ويؤنث ثم يحتمل أن الموضوع الصحف التي هي فيها ويحتمل أن تجسد ويحتمل أنه مجاز على
التشبيه (فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه) حتى لا يبقى عليه ذنب وذكر الركوع والسجود ليس
للاختصاص بل تحقيقاً لوجه التشبيه فإن من وضع شيء على رأسه لا يستقر إلا ما دام منتصباً فإذا
انحنى تساقط فالمراد أنه كلما أتم ركناً من الصلاة سقط عنه ركن من الذنوب حتى إذا أتمها تكامل
السقوط وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به لفظ العبد والقيام إذ هو إشارة
إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقام عبد حقير ذليل ومن لم يكن كذلك فصلاته التي هي أعظم
الطاعات أعظم إبعاداً له عن الله من الكبائر (طب حل هق عن ابن عمر) بن الخطاب قال الهيثمي فيه
عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعفه الجماعة أحمد وغيره.
٢٠٦٣ - (إن العبد) أي القن (إذا نصح لسيده) أي قام بمصالحه عن وجه الخلوص وامتثل أمره
وتجنب نهيه ويقال نصحته ونصحت له قال الطيبي واللام مزيدة للمبالغة قال الكرماني النصيحة كلمة
جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح وهي إرادة صلاح حاله وتخليصه من الخلل وتصفية الغش
(وأحسن عبادة ربه) المتوجبة عليه بأن أقامها بشروطها وواجباتها وما يمكنه من مندوباتها بأن لم يفوت
حق السيد (كان له أجره مرتين) لقيامه بالحقير وانكساره بالرق قال البعض وليس الأجران متساويين
لأن طاعة الله أوجب من طاعة المخلوق ورده أبو زرعة بأن طاعة المخلوق هنا من طاعة الله ثم

٤٦٧
حرف الهمزة
٢٠٦٤ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، يَكُونُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ تَائِباً فَارًّا حَتَّى
يَدْخُلَ بِهِ الْجَنَّةَ». ابن المبارك عن الحسن مرسلاً (ح).
٢٠٦٥ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ كَفَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي
قَلْبِهِ، فَلاَ يُصْبِحُ إِلَّ غَنِيًّا، وَلاَ يُمْسِي إِلَّ غَنِيًّا، وَإِذَا كَانَ هَمُّهُ الدُّنْيَا أَفْشَى اللَّهُ تَعَالَىُ
ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَلاَ يُمْسِي إِلَّ فَقِيراً، وَلَ يُصْبِحُ إِلَّا فَقِيراً). (حم) في الزهد
عن الحسن مرسلاً (ض).
التضعيف يختص بالعمل الذي يتخد فيه طاعة الله وطاعة السيد فيعمل عملاً واحداً يؤجر عليه
باعتبارين أما العمل المختلف الجهة فلا يختص العبد بتضعيف الأجر فيه على الحر فالمراد ترجيح العبد
المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأجرهما (مالك) في الموطأ (حم ق د عن ابن عمر) بن الخطاب.
٢٠٦٤ - (إن العبد) أي الإنسان (ليذنب) أي يوقع ويفعل (الذنب فيدخل به) بسببه (الجنة) لأن
الذنب مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو موقع محبة الله ﴿إن الله يحب التوابين﴾ [البقرة: ٢٢٢]
والله لا يدخل من يحبه النار (يكون نصب عينيه) أي مستحضراً استحضاراً تاماً كأنه يشاهده أبداً تائباً
إلى الله تعالى فاراً منه إليه حتى يدخل به الجنة لأنه كلما ذكره طار عقله حياءً وحشمة من ربه حيث فعله
وهو بمرأى منه ومسمع فيجد في توبته ويتضرع في إنابته بخاطر منكسر وقلب حزين والله يحب كل
قلب حزين كما مر في خبر ومن أحبه أدخله جنته ورفع منزلته قال الداراني ما عمل داود عملاً أنفع له
من الخطيئة ما زال يهرب منها إلى الله حتى اتصل بالله وإنما يخلي الله بين المؤمن والذنب ليوصله إلى هذه
الدرجة ويحله هذه الرتبة فيجذبه إلى نفسه ويؤديه في کنفه ویصونه عمن سواه ولا یعارض ما تقرر خبر
الذنب شؤم لأنه شؤم على من لم يوفق للتوبة والإنابة (ابن المبارك) في الزهد عن المبارك بن فضالة (عن
الحسن) يعني البصري (مرسلاً) ولأبي نعيم نحوه.
٢٠٦٥ _ (إن العبد إذا كان همه الآخرة) أي عزمه أي ما يقربه إليها (كف الله تعالى) أي جمع
(عليه ضيعته) أي ما يكون منه معاشه كصنعة وتجارة وزراعة أو راد رد الله عليه ما ضاع له أي ما هو
منزل منزلته (وجعل غناه في قلبه فلا يصبح إلا غنياً) بالله (ولا يمسي إلا غنياً) به لأن من جعل غناه في
قلبه صارت همته للآخرة وأتاه ما قدر له من الدنيا في راحة من بدنه وفراغ من سره والصباح والمساء
كناية عن الدوام والاستمرار (وإذا كان همه الدنيا أفشى الله) أي يكثر تعالى (عليه ضيعته) ليشتغل عن
الآخرة فيصير قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره فيبقى متحيراً ضائعاً لا يدري ممن يطلب رزقه
ولا ممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع وقلبه أوزاع (وجعل فقره بين عينيه) يشاهده (فلا يمسي إلا فقيراً ولا
يصبح إلا فقيراً) خص المساء والصباح لأنهما وقت الحاجة للتقوت غالباً وإلا فالمراد أن غناه يكون
حاضراً أبداً وفقره كذلك والدنيا فقر كلها لأن حاجة الراغب فيها لا تنقضي فهي كداء الظمأ كلما زاد
صاحبه شرباً ازداد ظمأ فمن كانت الدنيا نصب عينيه صار الفقر بين عينيه وتفرق سره وتشتت أمره

٤٦٨
حرف الهمزة
٢٠٦٦ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَنِيَةِ فَأَحْسَنَ وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: هُذَا عَبْدِي حَقًّا)). (هـ) عن أبي هريرة (ض).
٢٠٦٧ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّ فِي الْبِنَاءِ)). (هـ) عن خباب (ض).
وتعب بدنه وشرهت نفسه وازدادت الدنيا منه بعداً وهو لها أشد طلباً فمن رأى نفسه مائلة إلى الآخرة
فليشكر ربه على ذلك ويسأله الازدياد من توفيقه ومن وجد نفسه طامحة إلى الدنيا فليتب إلى الله
ويستغيث به في إزالة الفقر من بين عينيه والحرص من قلبه والتعب من بدنه قال ابن القيم ولولا سكرة
عشاق الدنيا لاستغاثوا من هذا العذاب على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه ومن عذابهم اشتغال
القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومجاذبة أهلها إياها ومقاساة معاداتهم ومن أحب الدنيا فليوطن
نفسه على تحمل المصائب، ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي (حم
في الزهد) أي في كتاب الزهد له (عن الحسن مرسلاً) وهو البصري.
٢٠٦٦ - (إن العبد إذا صلى) فرضاً أو نفلاً (في العلانية) بالتخفيف كما في المصباح أي حيث يراه
الناس وإعلان الشيء إظهاره وعلن ظهر وأمر علان ظاهر (فأحسن) صلاته(١) (وصلى في السر) أي
حيث لا يراه الناس وهو ضد العلن (فأحسن قال الله تعالى) مظهراً لثنائه على ذلك العبد بين الملأ الأعلى
ناشراً لفضله منوهاً برفع درجته إلى مقام العبودية الذي هو أفخر المقامات وأسمى الدرجات(٢) (هذا
عبدي حقاً) مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً وأراد بالإحسان فيها أن يصليها محتملاً لمشاقها محافظاً على
ما يجب فيها من إخلاص القلب وحفظ النيات ودفع الوسواس ومراعاة الآداب والاحتراس من
المكاره مع الخشية والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصب بين يدي جبار السموات ليسأل فك الرقاب
من سخطه (، عن أبي هريرة) وفيه بقية وقد سبق عن ورقاء اليشكري وقد أورده الذهبي في الضعفاء
وقال لينه ابن القطان .
٢٠٦٧ - (إن العبد ليؤجر في نفقته كلها) أي فيما ينفقه على نفسه وعلى من عليه مؤنته (إلا في
البناء) الذي لا يحتاجه أو المزخرف أما بيت يقيه من نحو حر وبرد ولص أو جهة قريبة كمسجد
ومدرسة ورباط وحوض ومصلى عيد ونحوها فمطلوب محبوب وفاعله على الوجه المطلوب شرعاً
محتسباً مأجوراً لأن المسكن كالغذاء في الاحتياج إليه وفضل بناء المساجد ونحوها معروف وعلى الزائد
على الحاجة ينزل خبر القبة السابق وما ذكر من أن اللفظ إلا في البناء هو ما في خط المصنف فمن زعم
أنه إلا في البنيان لم يصب وإن كانت رواية (٥ عن خباب) بن الأرت.
(١) بأن أتى بما يطلب فيها من أركان وشروط ومستحبات من خشوع ونحوها كان واقفاً عند حدود الله ممتثلاً
لأوامره مجتنباً لمناهیه.
(٢) أي فيحبونه ثم تقع محبته في قلوب أهل الأرض فهذا هو العبد الذي يوصف بأنه قائم على قدم الطاعة.

٤٦٩
حرف الهمزة
٢٠٦٨ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالْكِسْرَةِ تَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ)). (طب) عن
أبي برزة (ض).
٢٠٦٩ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ
مَسَاغاً رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلاً وَإِلَّ رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا)). (د) عن أبي
الدرداء (ح).
٢٠٧٠ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَأَسْتَغْفَرَ
٢٠٦٨ - (إن العبد ليتصدق بالكسرة) من الخبز ابتغاء وجه الله (تربو) أي تزيد (عند الله حتى
تكون) في العظم (مثل أحد) بضمتين الجبل المعروف، قال في المطامح المراد به كثرة جزائها والثواب
المترتب عليها لا أنها تكون كالجبل حقيقة لأنها تفنى وتنقضي عند تناولها ويحتمل أن يخلق الله مثلها من
جنسها على صفة خبز الجنة (طب عن أبي برزة) قال الهيثمي فيه سوار بن مصعب وهو ضعيف.
٢٠٦٩ - (إن العبد إذا لعن شيئاً) آدمياً أو غيره بأن دعى عليه بالطرد والبعد عن رحمة الله تعالى
(صعدت) بفتح فكسر (اللعنة إلى السماء) لتدخلها (فتغلق أبواب السماء دونها) لأنها لا تفتح إلا
لعمل صالح ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] (ثم تهبط) أي تنزل (إلى
الأرض) لتصل إلى سجين (فتغلق أبوابها دونها) أي تمنع من النزول (ثم تأخذ يميناً وشمالاً) أي تتحير
فلا تدري أين تذهب (فإذا لم تجد مساغاً) أي مسلكاً وسبيلاً تنتهي إليه لمحل تستقر فيه (رجعت إلى
الذي لعن) بالبناء للمفعول بضبط المصنف (فإن كان لذلك) أي اللعنة (أهلاً) رجعت إليه فصار
مطروداً مبعوداً فإن لم يكن أهلاً لها (رجعت) بإذن ربها (١) (إلى قائلها) لأن اللعن طرد عن رحمة الله
فمن طرد من هو أهل لرحمته عن رحمته فهو بالطرد والإبعاد عنها أحق وأجدر؛ ومحصول الحديث
التحذير من لعن من لا يستوجب اللعنة والوعيد عليه بأن يرجع اللعن إليه ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي
الأبصار﴾ [آل عمران: ١٣] (د) في الأدب عن أبي الدرداء ورواه عنه أيضاً الطبراني في الأوسط وفيه
عنده داود بن المحبر ضعيف ولما عزاه ابن حجر في الفتح إلى أبي داود وقال سنده جید وله شاهد عند
أحمد من حديث ابن مسعود بسند حسن وآخر عند أبي داود والترمذي عن ابن عباس ورواته ثقات لكنه
أعلى بالإرسال، هكذا قال.
٢٠٧٠ - (إن العبد) في رواية إن المؤمن (إذا أخطأ خطيئة) في رواية أذنب ذنباً (نكتت) بنون
(١) قوله بإذن ربها. والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله وعلى
يقول إن اللعنة إذا وجهت إلى من وجهت إليه فإن أصابت عليه سبيلاً أو وجدت فيه مسلكاً وقعت عليه
وإلا قالت يا رب وجهت إلى فلان فلم أجد فيه مسلكاً ولم أجد عليه سبيلاً، فيقال ارجعي من حيث
جئت، يعني إلى قائلها .

٤٧٠
١
حرف الهمزة
وَتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ عَلَى قَلْبِهِ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿كَلَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. (حم ت ن هـ حب ك هب) عن أبي
هريرة (صح).
مضمومة وكاف مكسورة ومثناة فوقية مفتوحة (في قلبه) لأن القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب أصبع
ثم يطبع عليه (نكتة) أي أثر قليل كنقطة (سوداء) في صقيل كمرآة وسيف وأصل النكتة نقطة بياض في
سواد وعكسه، قال الحرالي وفي إشعاره إعلام بأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في
الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر (فإن هو نزع) أي أقلع عنه وتركه (واستغفر الله وتاب) إليه
توبة صحيحة ونص على الإقلاع والاستغفار مع دخولهما في مسمى التوبة إذ هما من أركانهما اهتماماً
بشأنهما (صقل) وفي نسخة سقل بسين مهملة أي رفع الله تلك النكتة فينجلي (قلبه) بنور كشمس
خرجت عن كسوفها فتجلت (وإن عاد) إلى ذلك الذنب أو غيره (زيد) بالبناء للمفعول (فيها) نكتة
أخری وهکذا (حتی تعلو على قلبه) أي تغطیه وتغمره وتستر سائره کمرآة علاها الصدأ فستر سائرها
وتصير كمنخل وغربال لا يعي خيراً ولا يثبت فيه خير، ومن ثم قال بعض السلف المعاصي بريد الكفر
أي رسوله باعتبار أنها إذا أورثت القلب هذا السواد وعمته يصير لا يقبل خيراً قط فيقسو ويخرج منه
كل رأفة ورحمة وخوف فيرتكب ما شاء ويفعل ما أراد ويتخذ الشيطان ولياً من دون الله فيضله ويغويه
ويعده ويمنيه ولا يقنع منه بدون الكفر ما وجد إليه سبيلاً ﴿ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد
خسر خسراناً مبيناً﴾ [النساء: ١١٩] (وهو الران) أي الطبع(١) (الذي ذكره الله) تعالى في كتابه بقوله
عز قائلاً (كلا بل ران) أي غلب واستولى (على قلوبهم) الصدأ والدنس (ما كانوا يكسبون) من الذنوب
قال القاضي المعنى بالقصد الأول في التكليف بالعمل الظاهر والأمر بتحسينه والنهي عن قبيحه هو ما
تكتسب النفس منه من الأخلاق الفاضلة والهيئات الذميمة فمن أذنب ذنباً أثر ذلك في نفسه وأورث
لها كدورة فإن تحقق قبحه وتاب عنه زال الأثر وصارت النفس صقيلة صافية وإن انهمك وأصر زاد
الأثر وفشى في النفس واستعلى عليها فصار طبعاً وهو الران، وأدخل التعريف على الفعل لما قصد به
حكاية اللفظ فأجري مجرى النفس وشبه ثائر النفس باقتراف الذنوب بالنكتة السوداء من حيث كونهما
يضادان الجلاء والصفاء وأنث الضمير الذي في كانت العائد لما دل عليه أذنب لتأنيثها على تأول
السيئة. إلى هنا كلامه، قال الطيبي وروى نكتة بالرفع على أن كان تامة فلا بد من الراجع أي حدث
نكتة منه أي من الذنب قال المظهري وهذه الآية نازلة في حق الكفار لكن ذكرها في الحديث تخويفاً
للمؤمنين ليحترزوا عن كثرة الذنوب لأن المؤمن لا يكفر بكثرتها لكن يسود قلبه بها فيشبه الكفار في
أسوداده فقط وقال الحكيم: الجوارح مع القلب كالسواقي تصب في بركة وهي توصل إلى القلب ما
يجري فيها فإن أجرى فيها ماء الطاعة وصل إلى القلب فصفا، أو ماء المعصية كدر واسود فلا يسلم
القلب إلا بكف الجوارح وأعظمها غض البصر عما حرم وقال الغزالي القلب كالمرآة ومنه الآثار
(١) قال العلقمي هو شيء يعلو على القلب كالغشاء الرقيق حتى يسود ويظلم.
١
ا۔۔

٤٧١
حرف الهمزة
٢٠٧١ - ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الذَّنْبَ فَإِذَا ذَكَرَهُ أَحْزَنَهُ، وَإِذَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ قَدْ أَحْزَنَهُ غَفَرَ
لَهُ مَا صَنَعَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي كَفَّارَتِهِ، بِلَ صَلَةٍ وَلاَ صِيَامٍ». (حل) وابن عساكر عن أبي
هريرة (ض).
٢٠٧٢ - ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ يَسْمَعُ فَرْعَ نِعَالِهِمْ
أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ
فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ: أَنْظُرْ إِلَى مَفْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ
المذمومة كدخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب فلا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى حتى يسود ويظلم
ويصير محجوباً عن الله تعالى وهو الطبع والرين ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلب وعند ذلك
يعمى عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بالآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويهتم بها وإذا قرع سمعه
أمر الآخرة وأخطارها دخل من أذن وخرج من أخرى ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة ﴿قد
يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ [الممتحنة: ١٣] (تنبيه) قيل لحكيم لم لا تعظ
فلاناً قال ذاك على قلبه قفل ضاع مفتاحه فلا سبيل لمعالجة فتحه (فائدة) قال حجة الإسلام لا يذنب
العبد ذنباً إلا ويسود وجه قلبه فإن كان من السعداء ظهر السواد على ظاهره لينزجر وإلا أخفي عنه
لينهمك ويستوجب النار (حم ت ن) في التفسير (٥) في الزهد (حب ك هب) كلهم عن أبي هريرة)
وصححه الترمذي وقال الذهبي في المذهب إسناده صالح.
٢٠٧١ - (إن العبد) أي المؤمن (ليعمل الذنب) الصادق بالكبيرة والصغيرة (فإذا ذكره أحزنه)
أي أسف على ما كان منه وندم (وإذا نظر الله إليه قد أحزنه غفر له ما صنع) من الذنب (قبل أن يأخذ في
كفارته) أي يشرع فيما يكفره (بلا صلاة ولا صيام) لأن العبد المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل
يخاف أن يقع عليه والفاجر يرى ذنوبه كذباب يقع على أنفه قال به هكذا فطار ومن يرى ذنوبه كأنها في
أصل جبل يكون في غاية الحذر منها فإذا صدرت منه هفوة اشتعلت نار الخوف والحزن في قلبه ومع
ذلك لا يرجو لغفرها سوى ربه فهذا عبد أواه مقبل على ربه متبرىء مما سواه نازح عن المظالم فار من
المآثم وهو الذي أراده الله من عباده ليغفر له قبل الاستغفار اللساني هكذا فافهم (حل وابن عساكر) في
التاريخ كلاهما عن عيسى بن خالد اليماني عن صالح المري عن هشام بن محمد (عن أبي هريرة) ثم قال
أبو نعيم غريب من حديث هشام وصالح لم يكتبه من حديث عيسى انتهى وقال الحافظ العراقي فيه
صالح المري رجل صالح لكنه مضعف في الحديث.
٢٠٧٢ - (إن العبد) المؤمن المخلص (إذا وضع في قبره) بالبناء للمفعول (وتولى عنه) أي أعرض
(أصحابه) المشيعون له من أهله وأصدقائه (حتى إنه) بكسر همزة إن لوقوعها بعد حتى الابتدائية
(يسمع قرع نعالهم) أي صوتها عند الرؤوس، قال القاضي يعني لو كان حياً فإن جسده قبل أن يأتيه
الملك فيقعده ميت لا حس فيه انتهى وسيجيء ما ينازع فيه قال الطيبي وقوله: (أتاه) جواب الشرط

٤٧٢
حرف الهمزة
مَقْعَدَاً مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً، وَيُمْلُ عَلَيْهِ خَضِراً
إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ، وَأَّمَا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تُقُولُ فِي هُذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ:
والجملة خبر إن وقوله وإنه يسمع قرع نعالهم إما حال بحذف الواو أو كأحد الوجهين في قوله تعالى:
﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا﴾ [الزمر: ٦٠] الآية (ملكان) بفتح اللام منكر ونكير بفتح كاف
الأول وكلاهما ضد المعروف سميا به لأنهما لا يشبه خلقهما خلق آدمي ولا ملك ولا غيرهما وهما
أسودان أزرقان(١) جعلهما الله نكرة للمؤمن ليبصره ويثبته وعذاباً على غيره (فيقعدانه)(٢) حقيقة بأن
يوسع اللحد حتى يجلس فيه زاد في رواية فتعاد روحه في جسده وظاهره في كله ونقله المصنف في
أرجوزته عن الجمهور لكن قال ابن حجر ظاهر الخبر في النصف الأعلى وجمع بأن مقرها في النصف
الأعلى ولها اتصال بباقيه وقيل وجزم به القاضي والمراد بالإقعاد التنبيه والإيقاظ عما هو عليه بإعادة
الروح فيه أجرى الاقعاد مجرى الاجلاس وقد يقال أجلسه من نومه إذا أيقظه والحديث ورد بهما
والظاهر أن لفظ الرسول فيجلسانه وبعض الرواة أبدله بيقعدانه فإن الفصحاء يستعملون الإقعاد إذا
كان من قيام والإجلاس إذا كان من اضطجاع وهو في ذلك تابع للأثر حيث قال عقب قوله يقعدانه وفي
حديث البراء فيجلسانه وهو أولى بالاختيار لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام
فيقولون القيام والقعود ولا تسمعهم يقولون القيام والجلوس يقال قعد عن قيامه وجلس عن مضجعه
واستلقائه وحكى أن نصر بن جميل دخل على المأمون فسلم فقال له اجلس فقال: يا أمير المؤمنين لست
بمضطجع فأجلس فقال كيف أقول؟ قال: اقعد فالمختار من الروايتين الإجلاس لموافقته لدقيق المعنى
وتصحيح الكلام وهو الأجدر ببلاغة المصطفى ◌َل* ولعل من روى فيقعدانه ظنّ أن اللفظين بمعنى
ولهذا أنكروا رواية الحديث بالمعنى خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة فيذهب عن المعنى المراد ورده
الطيبي بأن الأقرب الترادف وأن استعمال القعود مع القيامة والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية
ونحن نقول به إذا كانا مذكورين معاً نحو ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ [آل
عمران: ١٩١] لا إذا لم يكن أحدهما مذكوراً، ألا ترى إلى حديث مجيء جبريل عليه السلام إلى
النبيّ ◌َّه بعد قوله إذا طلع علينا ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام لم يضطجع بعد الطلوع عليهم
وكذا لم يرد في نص الحديث الاضطجاع ليوجب أن يذكر معه الجلوس (فيقولان له) الظاهر أن أحدهما
يقول (٣) لحصول الاكتفاء به لكن لما كان كل منهما بصدد القول نسب إليهما جميعاً (ما كنت) في حياتك
(١) أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد يحفران الأرض بأنيابهما
ويطان في أشعارهما معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها.
(٢) قوله فيقعدانه: زاد في حديث البراء. فتعاد روحه في جسده ظاهره في جميع الجسد لكن سئل الحافظ عن
ذلك فأجاب بأن ظاهر الخبر أنها تحمل في النصف الأعلى انتهى قلت ويمكن أن يقال قوة حلولها في
النصف الأعلى ولها اتصال بالنصف الأسفل لكن مقرها وقوتها في الأعلى.
(٣) أي مع حضور الآخر.

٤٧٣
حرف الهمزة
لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لَاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ
مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ
حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ)). (حم ق دن) عن أنس (صح).
(تقول) أي أيّ شيء تقوله (في هذا الرجل (١) لمحمد) أي في محمد رَي وقال الطيبي قوله لمحمد بيان من
الراوي للرجل أي لأجل محمد ولم يقولا رسول الله أو النبي امتحاناً له واغراباً على المسؤول لئلا يتلقى
تعظيمه منهما فيقول تقليداً لا اعتقاداً وفهم بعض من لفظ الإشارة أنه يكشف له عن النبيّ وَّ حتى
يراه عياناً فيقال ما تقول في هذا وأبطله ابن جماعة بأن الإشارة تطلق في كلامهم على الحاضر والغائب
كما يقول المرء لصاحبه ما تقول في هذا السلطان وهما لم يرياه (فأما المؤمن) أي الذي قبض على الإيمان
(فيقول) بعزم وجزم من غير تلعثم ولا توقف (أشهد أنه عبد الله ورسوله) إلى كافة الثقلين (فيقال) أي
فيقول له الملكان المذكوران أو غيرهما (انظر إلى مقعدك من النار) في أبي داود فيقال له هذا بيتك كان في
النار ولكن الله عصمك ورحمك (قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة) أي محل قعودك فيها (فيراهما جميعاً)
أي يرى مقعده من النار ومقعده من الجنة فيزداد فرحاً إلى فرح ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار
وإدخاله الجنة وأما الكافر فيزداد غماً إلى غم وحسرة إلى حسرة بتفويت الجنة وحصول النار له (ويفسح
له في قبره) أي يوسع له فيه (سبعون ذراعاً)(٢) يعني شيئاً كثيراً جداً فالسبعين للتكثير لا للتحديد كما
في نظائره (ويملأ عليه خضراً) أي ريحاناً ونحوه ويستمر كذلك (إلى يوم يبعثون) من القبور (وأما
الكافر) أي المعلن بكفره (أو المنافق) الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر وهذا شك من الراوي أو بمعنى
الواو قال ابن حجر والروايات كلها مجمعة على أن كلاً منهما يسأل انتهى وفيه رد لقول ابن عبد البر لا.
يسأل الكافر لكن رجحه المصنف في أرجوزته قيل والسؤال من خصائص هذه الأمة وقيل لا وقيل
بالوقف وقيل والمؤمن يسأل سبعاً والمنافق أربعين صباحاً (فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل
فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال له(٣) لا دريت) بفتح الراء (ولا تليت) من الدراية
والتلاوة أصله تلوت أبدلت الواو ياء لمزاوجة دريت ومجموع ذلك دعاء عليه أي لا كنت دارياً ولا
تالياً (٤) أو إخباراً له أي لا علمت بنفسك بالاستدلال ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيما يقولون ذكره
ابن بطال وغيره وقال الخطابي هكذا يرويه المحدثون وهو غلط وصوابه أتليت بوزن أفعلت من قولك
(١) قوله في هذا الرجل زاد أبو داود في أوله ما كنت تعبد فإن هداه الله قال كنت أعبد الله فيقال له ما كنت
تقول في هذا الرجل فالاقتصار على البعض من بعض الرواة قال ابن مردويه فما يسأل عن شيء غيرهما
من التكليفات ويؤيده ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا الاية﴾ [إبراهيم: ٢٧]
قال الشهادة يسألون عنها في قبورهم بعد موتهم قيل لعكرمة ما هو قال يسألون عن الإيمان بمحمد وأمر
التوحید انتهى.
(٢) زاد ابن حبان في سبعين أي توسعة عظيمة جداً.
(٣) أي يقول له الملكان أو غيرهما.
(٤) والمعنى لا فهمت ولا قرأت القرآن أو لا دريت ولا اتبعت من يدري.

٤٧٤
حرف الهمزة
٢٠٧٣ - ((إِنَّ الْعَبْدَ آخِذٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَدَباً حَسَناً، إِذَا وَسَّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِذَا أَمْسَكَ
عَلَيْهِ أَمْسَكَ)). (حل) عن ابن عمر (ض).
أي ما أتلوته أي ما استطعته (ثم يضرب) بالبناء للمجهول يعني يضربه الملكان اللذان يليان فتنته
(بمطراق) في رواية بمطرقة بكسر الميم أي بمرزبة كما عبر بها في سنن أبي داود (من حديد(١) ضربة
بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه) ظاهره الملكان فقط وليس مراداً بقرينة قوله: (غير الثقلين)
الجن والإنس وبقرينة خبر أحمد فيسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين والمنطوق مقدم على المفهوم وحكمة
عدم سماع الثقلين الابتلاء فلو سمعا صار الإيمان ضرورياً وأعرضوا عن نحو المعايش مما يتوقف عليه
بقاء الشخص والنوع فيبطل معاشهم (ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه) وأصل الثقل المتاع
المحمول على الدابة وقيل لهما الثقلان لأنهما قطان الأرض فكأنهما ثقلاها ذكره الزمخشري قال القاضي
وظاهر الخبر أن السؤال إنما يكون فيمن قبر أما غيره فبمعزل عنه ويشهد له خبر لولا أن لا تدافنوا
لدعوات الله أن يسمعكم من عذاب القبر قلت بل هو أمر يشمل الأموات ويعمهم حتى من أكله سبع
أو طير وتفرق شرقاً وغرباً فإنه تعالى يعلق روحه الذي فارقه بحزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى
آخره المستمر على حالتي النمو والذبول الذي تتعلق به الأرواح أولا فيحي ويحي بحياته سائر أجزاء
البدن ليسأل فيثاب أو يعذب ولا يستبعد ذلك فإنه تعالى عالم بالجزئيات فيعلم الأجزاء انفصالها
ومواقعها ومحالها ويميز بين الأصلي وغيره ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد
تعليقه به حال الاجتماع فإن البينة عندنا ليست شرطاً للحياة بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخص
الواحد في آن واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول
حتى يمنعه الحلول وفيه حل المشي بين القبور بنعل لكن يكره كذا قيل واستثنى من السؤال جماعة (٢)
ووردت أخبار بإعفائهم عنه (تنبيه) قال جدي نقلاً عن شيخه العراقي ظاهر الخبر أن الملكين يأتيان
المؤمن والمنافق على صفة واحدة وهو اللائق بالامتحان والاختبار (تنبيه) قال ابن عربي من أفسد شيئاً
بعد إنشائه جاز أن يعيده كما يراه إذا قامت اللطيفة الروحانية بجزء من الإنسان فقد صح عليه اسم
الحيوان والنائم يرى ما لا يراه اليقظان وهو إلى جانبه (حم ق دن عن أنس) بن مالك.
٢٠٧٣ - (إن العبد) أي المؤمن ذا البصيرة (آخذ عن الله أدباً حسناً) وهو أنه (إذا وسع عليه) أي
وسع الله عليه في رزقه (وسع) على نفسه وعياله (وإذا أمسك) الله (عليه) أي ضيق (أمسك) لعلمه بأن
مشيئة الله في بسط الأرزاق وإضافتها تابع للحكمة والمصلحة فهو يتلقى ما قسم له بالرضى ويجري على
(١) أي متخذة منه وتقدم أنه لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها.
(٢) الأول الشهيد. الثاني المرابط. الثالث المطعون وكذا من مات في زمن الطاعون بغير الطعن إذا كان صابراً
محتسباً الرابع الصديق. الخامس الأطفال. السادس الميت يوم الجمعة أو ليلتها. السابع القارىء كل ليلة
تبارك الذي بيده الملك، وبعضهم ضم إليها السجدة. الثامن من قرأ في مرضه الذي يموت فيه قل هو الله
أحد.
..

٤٧٥
حرف الهمزة
٢٠٧٤ - ((إِنَّ الْعُجْبَ لَيُحْبِطُ عَمَلَ سَبْعِينَ سَنَّةً)). (فر) عن الحسين بن علي (ض).
منواله في الاتساع والانجماع، قال مجاهد من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد(١) أي في
الانفاق فإن الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم
يبقى طول عمره في فقر ولا يتأولن ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبأ: ٣٩] فإن هذا في الآخرة
(حل) من حديث جعفر بن كزال بن إبراهيم بن بشير المكي عن معاوية بن عبد الكريم عن أبي حمزة
(عن ابن عمر) ثم قال أبو نعيم غريب من حديث معاوية مسنداً متصلاً مرفوعاً وإنما يحفظ من قبل
الحسن انتهى وجعفر بن محمد بن كزال قال الذهبي قال الدار قطني ليس بقوي وإبراهيم بن بشير المكي
ضعيف ومعاوية قال أبو حاتم لا يحتج به ورواه البيهقي أيضاً من هذا الوجه ثم قال هذا حديث منكر .
٢٠٧٤ - (إن العجب) بضم فسكون وهو نظر الإنسان إلى نفسه بعين الاستحسان (ليحبط) بضم
التحتية أي يفسد ويهدم (عمل سبعين سنة) أي مدة طويلة جداً فالمراد بالسبعين التكثير على وزان ما
قيل ﴿في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً﴾ [الحاقة: ٣٢] وذلك لأن المعجب يستكثر فعله ويستحسن
عمله فيكون كمن أصابه عين فأتلفته ولهذا قال الحكماء العجب إصابة العمل بالعين وسيجيء خبر إن
العين تدخل الرجل القبر فكما أن العين تميت الإنسان فكذا تميت أعماله وتبطل أفعاله وربما
استحكمت الغفلة على الإنسان فرأى طاعته بحوله وقوته ولا يرى الله عليه منة في إحداث القوة لها
وخلق الاستطاعة لكسبها فإن الذي يدخل عليه في اعتقاده أكثر مما يدخل عليه من العجب بأفعاله قال
بعض العارفين من أعجبته نفسه وأحوالها لا يثبت له قدم في العبودية لأنه مراء في أفعاله وأحواله فهو
واقف مع وجوده وإيجاده وعزه في نفسه فهو لا ينتفع بعلم ولا ينفعه عمل قال الغزالي والناس في
العجب ثلاثة أصناف صنف هم المعجبون بكل حال وهم القدرية والمعتزلة الذين لا يرون الله عليهم منة
في أحوالهم وينكرون العون والتوفيق الخاص لشبه استولت عليهم وصنف هم الذاكرون المنة بكل
حال وهم المستقيمون لا يعجبون بشيء من الأعمال وذلك لبصيرة أکرموا بها وتأييد خصوا به وصنف
مخلطون وهم عامة أهل السنة تارة يتنبهون فيذكرون منة الله وتارة يغفلون فيعجبون لمكان الغفلة
العارضة والفترة في الاجتهاد والنقص في البصيرة إلى هنا كلام الغزالي ثم نقل بعد ذلك عن شيخه إمام
الحرمين أن العجب يذهب اضعاف العمل فقط (تنبيه) قال في المناهج وعرف بعضهم العجب بأنه
استعظام النعمة مع نسيان إضافتها للمنعم ويتولد الكبر منه ومن آفاقه نسيان الذنوب لظنه الاستغناء
بسبب إعجابه بنفسه والعمى عن آفات الأعمال فيضيع عمله لأنه إذا لم يفتقده لم يخرج من شوائب
الإبطال فلذلك قال إنه يحبطه قالوا والمعجب يمنعه إعجابه من الاستفادة والاستشارة واستماع النصح
ويجره احتقار الخلق والعمى عن وجه الصواب في دينه ودنياه (فر) عن الحسين بن علي أمير المؤمنين
وفيه موسى بن إبراهيم المروزي أورده الذهبي في الضعفاء وقال: قال الدار قطني متروك.
(١) أي ينبغي له أن ينفق بقدر ما رزقه الله من غير ضجر ولا قلق ويعلم أن مشيئة الله في بسط الرزق وضيقه
لحكمة ومصلحة.

٤٧٦
حرف الهمزة
٢٠٧٥ - ((إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ، وَلاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ، وَلُكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ)). (د)
عن رجل (ض).
٢٠٧٦ - ((إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ بَاعاً، وَإِنَّهُ لَيَبْلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ
النَّاسِ، أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ)). (م) عن أبي هريرة (صح).
٢٠٧٧ - ((إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولَعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقاً، ثُمَّ يَتَرَدَّى
مِنْهُ). (حم ع) عن أبي ذر (صح).
٢٠٧٥ _ (إن العرافة) بالكسر وهي تدبر أمر القوم والقيام بسياستهم والعريف هو القيم بأمر
القوم الذي عرف بذلك وشهر (حق) أي أمر ينبغي أن يكون لما تدعو إليه المصلحة بل الضرورة (ولا
بد للناس) في انتظام شملهم واجتماع كلمتهم (من العرفاء) ليتعرف الأمير من العريف حال من جعل
قيماً عليه من قبيلة أو أهل محلة ليرتب البعوث والأجناد (ولكن العرفاء في النار) أي عاملون فيما
يقودهم إليها أو المراد الذين لم يعدلوا وعبر بصيغة العموم إجراء للغالب مجرى الكل ومقصوده
التحذير من التعرض للرياسة والتأمر على الناس لما فيه من الفتنة التي قلما يسلم منها عريف ووضع
الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن العرافة على خطر ومباشرها على شفا جرف هار (د) في الخراج من
حديث غالب القطان (عن رجل) من الصحابة وفيه قصة قال الصدر المناوي فيه مجاهيل.
٢٠٧٦ - (إن العرق) بالتحريك الرشح من البدن (يوم القيامة) في الموقف (ليذهب في الأرض
سبعين باعاً) أي ينزل فيها من كثرته شيء كثير جداً فالسبعين للتكثير لا للتحديد على مامر (أو إنه ليبلغ
إلى أفواه الناس) أي يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام فيمنعهم من الكلام (وإلى آذانهم) بأن
يغطي الأفواه ويعلو عليها إذ الأذن أعلى من الفم فيكون الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه
فقط ومنهم من يزيد فيبلغ إلى أذنيه ثم يحتمل أن المراد عرق نفسه خاصة ويحتمل غيره كما مرّ فيشدد
على بعض ويخفف عن بعض وهذا كله لتزاحم الناس وانضمام بعضهم لبعض حتى صار العرق يجري
كالسيل واستشكل بأن الجمع إذا وقفوا في ماء على أرض معتدلة فتغطيهم على السواء وأجيب بأن ذلك
من الخوارج الواقعة يوم القيامة وسبب كثرته تراكم الأهوال ودنو الشمس من رؤوسهم. قال الغزالي:
وكل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد في قضاء حاجة مسلم
وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر يستخرجه الحياء والخوف في صعيد يوم القيامة (م عن أبي
هريرة) وفي الباب غيره أيضاً.
٢٠٧٧ - (إن العين) أي عين العائن من الإنسان أو الجان (لتولع) بالبناء للمفعول أي تعلق
(بالرجل) أي الكامل في الرجولية فالمرأة ومن هو في سن الطفولية أولى (بإذن الله تعالى) أي بتمكينه
وإقداره (حتى يصعد حالقاً) بحاء مهملة أي جبلاً عالياً (ثم يتردى) أي يسقط (منه) لأن العائن إذا
تكيفت نفسه بكيفية رديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل به فتضره وقد خلق الله تعالى في الأرواح
خواص تؤثر في الأشباح لا ينكرها عاقل، ألا ترى الوجه كيف يحمر لرؤية من يحتشه ويصفر لرؤية

٤٧٧
حرف الهمزة
٢٠٧٨ - ((إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: أَلَا هُذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ
فُلانٍ)). مالك (ق د ت) عن ابن عمر (صح).
٢٠٧٩ - ((إِنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيَسُلُّ الْخَطَايَا مِنْ أُصُولِ الشَّعَرِ أُسْتِلاَلاً)). (طب)
عن أبي أمامة (صح).
٢٠٨٠ - ((إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ
بِأَلْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأ)). (حمد) عن عطية العوفي (ح).
من يخافه وذلك بواسطة تأثير الأرواح، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إليها وليست هي الفاعلة
بل التأثير للروح فحسب، قال ابن القيم ومن وجه بأن الله تعالى أجرى العادة بخلق ما يشاء عند
مقابلة عين العائن من غير تأثير أصلاً فقد سد على نفسه باب العلل والتأثيرات والأسباب وخالف جميع
العقلاء .
(تتمة) قالوا قد تصيب الإنسان عين نفسه قال الغساني نظر سليمان بن عبد الملك في المرآة
فأعجبته نفسه فقال: كان محمد ◌َله نبياً وكان أبو بكر صديقاً وعمر فاروقاً وعثمان حبيباً ومعاوية
حليماً ويزيد صبوراً وعبد الملك سائساً والوليد جباراً وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات
(حم ع عن أبي ذر) قال الهيثمي رجال أحمد ثقات ورواه عنه أيضاً الحارث بن أبي أسامة والديلمي
وغيرهما .
٢٠٧٨ - (إن الغادر) أي المغتال لذي عهد أو أمان (ينصب) في رواية يرفع (له لواء) أي علم
(يوم القيامة) خلفه تشهيراً له بالغدر وإخزاء وتفضيحاً على رؤوس الأشهاد (فيقال) أي ينادى عليه في
ذلك المحفل العظيم (ألا) إن (هذه غدرة فلان) أي علامة على غدرة فلان (ابن فلان) ويرفع في نسبه
حتى يتميز عن غيره تمييزاً تاماً وظاهره أن لكل غدرة لواء فيكون للواحد ألوية بعدد غدراته، وحكمة
نصب اللواء أن العقوبة تقع غالباً بضد الذنب والغدر خفي فاشتهرت عقوبته بإشهار اللواء (مالك) في
الموطأ (ق د ت عن ابن عمر) بن الخطاب.
٢٠٧٩ - (إن الغسل يوم الجمعة) بنيتها لأجلها (ليسل) أي يخرج (الخطايا) أي ذنوب المغتسل
لها (من أصول الشعر استلالا) أي يخرجها من منابتها خروجاً وأكده بالمصدر إشارة إلى استقصائه جميع
الذنوب بحيث لا يبقي منها شيئاً إلا أنه سيمر بكل ما تعلم منه أن هذا وأمثاله منزل على الصغائر فلا
تغفل والاستلال الإخراج قال في الصحاح وغيره انسل من الهم خرج وسل السيف من غمده واستله
أخرجه (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي رجاله ثقات.
٢٠٨٠ - (إن الغضب من الشيطان) بمعنى أنه المحرك له الباعث إليه ليردي الآدمي ويغويه
ويبعده عن نعمة الله ورحمته (وإن الشيطان خلق) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم به (من النار)
لأنه من الجان الذي قال الله تعالى فيهم ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ [الرحمن: ١٥] وكانوا سكان

٤٧٨
حرف الهمزة
٢٠٨١ - ((إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ فَتَنْسِفُ الْعِبَادَ نَسْفاً، وَيَنْجُو الْعَالِمُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ)). (حل) عن
أبي هريرة (ض).
الأرض قبل آدم عليه الصلاة والسلام وإبليس أعبدهم فلما عصى جعل شيطاناً (وإنما تطفأ) أي تحمد
(النار بالماء) لأنه ضدها (فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) ندباً مؤكداً وضوءه للصلاة وإن كان متوضئاً
والغسل أفضل قال الطيبي أراد أن يقول إذا غضب أحدكم فليستعذ من الشيطان فإن الغضب من
الشيطان فصور حالة الغضب ومنشأه ثم أرشد إلى تسكينه فأخرج الكلام هذا الخرج ليكون أجمع وأنفع
وللموانع أزجر وأردع وهذا التصوير لا يمنع من إجرائه على الحقيقة لأنه من باب الكناية، قال ابن
رسلان وورد الأمر بالاغتسال فيحمل على الحالة التي يشتد الغضب فيها جداً وهذا تحذير شديد من
الغضب ولا ينافيه قول إمامنا الشافعي من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضي فلم يرض
فهو جبار لأن القوة الغضبية محلها القلب ومعناها غليان دمه لطلب الانتقام فمن فرط فيها حتى
انعدمت بالكلية أو ضعفت أو أفرط حتى جاوز حدها الشرعي ذمّ ذماً شديداً ومحمل كلام الشافعي
الأول والحديث الثاني وسبب ذم الأول استلزامه انعدام الغيرة والحمية والأنفة مما يؤنف منه (حم د) في
الأدب (عن عطية) بفتح أوله وكسر المهملة الثانية وشد المثناة تحت ابن عروة (العوفي) صحابي نزل
الشام قال في التقريب له ثلاثة أحاديث وسكت عليه هو والمنذري.
٢٠٨١ - (إن الفتنة) أي البلاء والشر والمحنة (تجيء فتنسف العباد نسفاً) أي تهلكهم وتبيدهم،
واستعمال النسف في ذلك ونحوه مجاز قال الزمخشري من المجاز نسفت الريح التراب ونسفوا البناء
قلعوه من أصله (وينجو العالم منها بعلمه) الفتنة الاختبار، والعلم الذي ينجي من هذه الفتنة قد يكون
بأنواع فتن النفوس بأسباب الدنيا كمال ونساء وجاه فهذه أصول فتن الدنيا وقد تكون فتنة القلوب
البدع والأهواء فيتنوع إلى بضع وسبعين فرقة كل فرقة تدعو إلى هوى وكلها في النار إلا واحدة فتجيء
فتن الدنيا إلى النفوس وفتن الدين إلى القلوب فكاد يستأصل إهلاكها والعالم الناجي بعلمه العالم بالله
العامل بتقواه وعلمه الذي ينجو به العلم بعظمة الله علم وجد بالقلب لا علم عقيدة فحسب علامته
دوام الهيئة والخشية وثمراته تقوى الله بالعمل بالكتاب والسنة وترك الهوى، أي العالم بعلم طريق
الآخرة فإن الفتنة نوعان فتنة الشبهات وهي العظمى وفتنة الشهوات فالأولى من ضعف البصيرة وقلة
العلم سيما إذا قارنه نوع هوى ومن هذا القسم فتنة أهل البدع فإنما ابتدعوا لاشتباه الحق عليهم
بالباطل والهوى بالضلال ولو أتقنوا العلم بما بعث الله به رسوله وتجردوا عن الهوى لما ابتدعوا.
والثانية: من النفس، فالأول فساد من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات وأصل كل منهما من
تقديم الرأي على الشرع فالأول أصل فتنة الشبهة والثاني أصل فتنة الشهوة ففتنة الشبهات إنما تدفع
بكمال البصيرة واليقين وفتنة الشهوات إنما تدفع بكمال العقل والصبر والدين فمن ثم كان العالم من
الناجين وما عداه من الهالكين (حل) من حديث عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن إبراهيم بن أدهم
عن أبي إسحاق الهمداني عن عمارة الأنصاري (عن أبي هريرة) ثم قال غريب من حديث أبي إسحاق لم
یکتبه إلا من حديث عطية .

٤٧٩
حرف الهمزة
٢٠٨٢ - ((إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَخُشَ لَيْسَا مِنَ الْإِسْلاَمِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلاَمَاً
أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً)). (حم ع طب) عن جابر بن سمرة (صح).
٢٠٨٣ - ((إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ)). (ك) عن جرهد (صح).
٢٠٨٤ - ((إِنَّ الْقَاضِيَ الْعَدْلَ لَيُجَاءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى
٢٠٨٢ - (إن الفحش والتفحش) أي تكلف إيجاد الفحش أي القبح شرعاً (ليسا من الإسلام في
شيء وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً) بالضم لأن حسن الخلق شعار الدين وحلية المؤمنين
فكلما ارتقى الإنسان في درجات حسن الخلق ارتقى في معارج الإيمان، ولهذا قال التاج ابن عطاء الله
رضي الله تعالى عنه ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى وَ له وأقرب
الخلق إلى الله تعالى السالكون آثاره بحسن الخلق (حم ع طب) وكذا ابن أبي الدنيا (عن جابر بن سمرة)
قال كنت في مجلس فيه النبي ◌َّله وسمرة وأبو أمامة فقال: إن الفحش الخ قال الحافظ العراقي إسناده
صحيح وقال الهيثمي رجاله ثقات وقال المنذري بعد عزوه لهم إسناد أحمد جيد.
٢٠٨٣ - (إن الفخذ عورة) أي من العورة سواء كان من ذكر أو أنثى حراً أو قناً فيجب ستر ما
بين السرة والركبة (١) ويحرم النظر إليه من ذكر أو أنثى إلا الحليل لكن يحل نظر العورة من صغير أو
صغيرة لا تشتهي إلا الفرج عند الشافعية (ك) في اللباس (عن جرهد) بضم الجيم وآخره مهملة
الأسلمي مدني له صحبة وكان من أهل الصفة وسببه أن النبي وير أبصره وقد انكشف فخذه في المسجد
وعليه برد فذكره، قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي وقضية تصرف المؤلف أنه لا يوجد مخرجاً لأحد
من الستة وإلا لما عدل عنه على القانون المعروف وهو عجيب فقد رواه أبو داود في الحمام عن جرهد
المذكور وكان من أصحاب الصفة قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندنا وفخذي
مكشوفة قال: أما علمت أن الفخذ عورة وخرجه البخاري في تاريخه الكبير والترمذي في الاستئذان
فإضراب المصنف عن ذا كله صفحاً واقتصاره على الحاكم وحده قصور وتقصير مستبين فلا تكن من
المتعصبين .
٢٠٨٤ - (إن القاضي العدل) أي الذي يحكم بالحق (ليجاء به يوم القيامة) إلى الموقف (فيلقى من
شدة الحساب ما) أي أمراً عظيماً (يتمنى أن لا يكون قضى) أي حكم (بين اثنين) أي خصمين حتى ولا
(في) شيء تافه جداً نحو (تمرة) أو حبة بر أو زبيب لما يرى من ذلك الهول، لكن ذلك لا يدل على
انحطاط درجة العادل فمنزلة الولاية منزلة شديدة المقاساة أولاً والسلامة والغنيمة آخراً للعادل ومنزلة
(١) أي فيجب ستر ما بين السرة والركبة في حق الذكر والأمة في الصلاة وأما الحرة فيجب ستر جميع بدنها ما
عدا الوجه والكفين في الصلاة ومطلقاً خارجاً وكذا الأمة والرجل أي عورة كل منهما جميع بدنه بالنسبة
للأجانب في حق الأنثى والأجنبيات في حق الذكر وأما في الحلوة فعورة الأنثى ولو أمة ما بين السرة
والركبة وعورة الذكر السوءتان.

٤٨٠
حرف الهمزة
أَنْ لاَ يَكُونَ قَضَىُ بَيْنَ أَثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ)). (قط) والشيرازي في الألقاب عن عائشة (ض).
٢٠٨٥ - ((إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ
مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ)). (ت هـ ك) عن عثمان بن عفان (ح).
٢٠٨٦ - ((إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا)). (حم تك) عن
أنس (صح).
العطب لغيره (قط)(١) (و) الشيرازي في) كتاب (الألقاب) والكنى (عن عائشة) قال ابن الجوزي
حدیث لا يصح فيه عمران بن حطان قال العقيلي لا يتابع على حديثه.
٢٠٨٥ - (إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا) الميت (منه) أي من القبر أي من عذابه ونكاله
(فما بعده) من أهوال المحشر والموقف والحساب والصراط والميزان وغيرها (أيسر) عليه (منه وإن لم
ينج منه) أي من عذابه (فما بعده) مما ذكر (أشد منه) عليه فما يراه الإنسان فيه عنوان ما سيصير إليه
ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وإنما توفون أجوركم﴾ [آل عمران: ١١٥] أي على طاعتكم ومعصيتكم يوم
القيامة لأن كلمة التوفية يزيل هذا الوهم إذ المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم وما
يكون قبل ذلك فبعض الأجور، ذكره في الكشاف (ت ٥ ك) في الجنائز عن عبد الله بن بجير عن هانیء
مولى عثمان (عن عثمان بن عفان) صححه الحاكم فاعترضه الذهبي بأن ابن بجير ليس بعمدة ومنهم
من يقويه وهانىء روى عن جمع لكن لا ذكر له في الكتب الستة.
٢٠٨٦ - (إن القلوب) أي قلوب بني آدم جمع قلب وليس المراد بها هنا اللحم الصنوبري الشكل
القار في الجانب الأيسر من الصدر فإنه موجود في البهائم بل لطيفة ربانية روحانية لها بذلك القلب
الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهي المدرك والمخاطب والمطالب والمعاقب ولهذه
اللطيفة علاقة بالقلب الجسداني وقد تحيرت عقول الأكثر في كيفية التعلق وأن تعلقها به يضاهي تعلق
الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان
وتحقيق التعلق متعلق بعلوم المكاشفة لا بالعلوم النظرية (بين أصبعين من أصابع الله يقلبها) حيث شاء
أي يصرفها إلى ما يريد بالعبد بحسب القدر الحاوي عليه المستند إلى العلم الأزلي بحسب خلق تلك
الدواعي والصوارف فتصرفه سبحانه وتعالى في خلقه إما ظاهر بخلق يخرق العادات كالمعجزة أو
بنصب الأدلة كالأحكام التكليفية وإما باطن بتقدير الأسباب نحو ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾
(١) قوله قط أي فيما مضى من عمره فهي ظرف لما مضى من الزمان وفيها لغات أشهرها فتح القاف وضم
الطاء المشددة؛ وإذا كان هذا في القاضي العدل وفي الشيء اليسير فما بالك بغير العدل والشيء الكثير،
وكون قط ظرفاً هو ما في كثير من النسخ، وظاهر ما في كلام المتن أنها رمز للدار قطني فإنه ذكر قط
والشيرازي - بواو العطف -.