النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٠٠
حرف الهمزة
١٢١٠ - ((أَغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ،
وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شَغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ)). (ك هب) عن ابن
عباس (حم) في الزهد (حل هب) عن عمرو بن ميمون مرسلاً (ح).
١٢١١ - ((أَغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ، فَإِنَّهَا رَحْمَةٌ)). (فر) عن أبي (ح).
وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر. إذ اجتنابها بمجرده، يكفر الصغائر كما نطق به
القرآن ولا يلزم منه أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر، ومن لا صغائر له يرجى أن يكفر عنه بقدر ذلك
من الكبائر وإلا أعطي من الثواب بقدره وهو جار في جميع نظائره (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي:
فيه سويد بن عبد العزيز ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما .
١٢١٠ - (اغتنم خمساً قبل خمس) أي افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء: (حياتك قبل
موتك) يعني اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك، فإن من مات انقطع عمله، وفاته أمله وحق ندمه وتوالى
همه فاقترض منك لك. (وصحتك قبل سقمك) أي اغتنم العمل، حال الصحة فقد يمنع مانع كمرض
فتقدم المعاد بغير زاد (وفراغك قبل شغلك)، أي اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة
التي أول منازلها القبر، فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان. (وشبابك قبل
هرمك)، أي اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك فتندم على ما فرطت في جنب
الله. (وغناك قبل فقرك) أي اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك فتصير فقيراً في
الدنيا والآخرة فهذه الخمسة لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها. ولهذا جاء في خبر سيجيء نعمتان مغبون
فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ. تنبيه: قال حجة الإسلام: الدنيا منزل من منازل السائرين إلى
الله تعالى، والبدن مركب ومن ذهل عن تدبير المنازل والمركب لم يتم سفره وما لم ينتظم أمر المعاش في
الدنيا، لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله الذي هو السلوك (ك) في الرقاق (هب عن ابن عباس) قال
الحاكم في مستدركه على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص واغتر به المصنف فرمز لصحته وهو
عجيب ففيه جعفر بن برقان أورده الذهبي نفسه في الضعفاء والمتروكين وقال: قال أحمد: يخطىء في
حديث الزهري وقال ابن خزيمة: لا يحتج به (حم في الزهد) قال الزين العراقي: بإسناد حسن (حل
هب، عن عمرو بن ميمون) ابن مهران الجوزي سبط سعيد بن جبير تابعي ثقة فاضل (مرسلاً) قال:
قال رسول الله وَلّ لرجل وهو يعظه اغتم إلى آخره وظاهر صنيع المصنف أنه لم يخرجه أحد من الستة
وإلا لما عدل عنه لقول مغلطاي وغيره لا يجوز لحديثي عزو حديث في أحدها لغيره إلا لزيادة فائدة فيه
أو بيان ما فيه، وليس كذلك فقد خرجه النسائي في المواعظ عن عمرو هذا باللفظ المزبور.
١٢١١ - (اغتنموا الدعاء) أي اجتهدوا في تحصيله وفوزوا به فإنه غنيمة (عند الرقة) بكسر الراء
وشدة القاف، أي عند لين القلب وخشوعه وقشعرير البدن بمشاهدة عظمة الله أو خوفاً من عذابه أو
حباً من كرمه أو غير ذلك مما يحدث الرقة وهو ضد القسوة التي هي علامة البعد عن الرب ﴿فويل
للقاسية قلوبهم﴾ [الزمر: ٢٢] (فإنها رحمة) أي فإن تلك الحالة ساعة رحمة فإذا دعي العبد فيها كان
٠٠٠

٢٢
حرف الهمزة
١٢١٢ - ((أَغْتَنِمُوا دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِ الْمُبْتَلَى)). أبو الشيخ عن أبي الدرداء (ض).
١٢١٣ - ((أَغْدُ عَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً، أَوْ مُسْتَمِعاً، أَوْ مُحِبًّا، وَلاَ تَكُنِ الْخَامِسَةَ
فَتَهْلِكَ)). البزار (طس) عن أبي بكرة (ح).
أرجى للإجابة والدعاء عند الرقة يصدر عن القلب حالة رغبة ورهبة فتسرع الإجابة قال تعالى:
﴿يدعوننا رغباً ورهباً﴾ [الأنبياء: ٩٠] أي عن قلب راغب راهب خاشع ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾
[الأنبياء: ٩٠] (فر) وكذا القضاعي (عن أبيّ) بن كعب وفيه عمر بن أحمد أبو حفص ابن شاهين قال
الذهبي قال الدار قطني: يخطىء وهو ثقة وشبابة بن سوار قال: في الكاشف مرجىء صدوق، وقال
أبو حاتم: لا يحتج به .
١٢١٢ - (اغتنموا دعوة المؤمن المبتلي) أي في نفسه أو أهله أو ماله، فإن دعاءه أقرب للقبول
وأرجى للإجابة لكسر قلبه وقربه من ربه لأنه تعالى إذا أحب عبداً ابتلاه، وفي ضمنه حث على التصدق
عليه والإحسان إليه فإنه سبب إلى دعائه والكلام في غير المبتلي العاصي ببلائه (أبو الشيخ) في كتاب
الثواب (عن أبي الدرداء) وفيه الحسين بن الفرج قال الذهبي قال ابن معين: كذاب، يسرق الحديث
وفرات بن سلیم ضعيف جداً.
١٢١٣ - (أغد) أي أذهب وتوجه والمراد كن (عالماً)، معلماً للعلم الشرعي، واحرص على نشر
العلم ونفع الناس به وبقولي: (كن) يعلم أنه ليس المراد حقيقة الذهاب كما وهم (أو متعلماً)، للعلم
الشرعي، ولو بأن ترحل لمن يعلمه وإن بعد محله وجوباً للواجب وندباً للمندوب، فقد رحل الكليم
عليه السلام للخضر لمزيد علم لا يجب لأنه كتب (له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل
شيء) (أو مستمعاً)، له (أو محباً) لواحد من هؤلاء (ولا تكن الخامسة فتهلك) قال عطاء: وقال لي
مسعر، زدتنا خامسة لم تكن عندنا والخامسة أن تبغض العلم وأهله فتكون من الهالكين، وقال ابن
عبد البر هي معاداة العلماء أو بغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب وفيه الهلاك. وقال
الماوردي: من اعتقد أن العلم شين، وأن تركه زين وأن للجهل إقبالاً مجدياً وللعلم إدباراً مكدياً كان
ضلاله مستحكماً ورشاده مستبعداً وكان هو الخامس الهالك. ومن هذا حاله فليس له في العدل نفع
ولا في الاستصلاح مطعم ومن ثم قيل لبزر جمهر ما لكم لا تعاتبون الجهال قال: إنا لا نكلف العمي
أن يبصروا، ولا الصم أن يسمعوا إلى هنا كلامه وقد وقع لنا هذا الحديث عالياً، أخبرنا الشيخ الوالد
تاج العارفين عن الشيخ الصالح معاذ عن قاضي القضاة شيخ الإسلام يحيى المناوي عن الحافظ الكبير
شيخ الإسلام وليّ الدين العراقي عن أبي الفرج عبد الرحمن أحمد القربي عن علي بن إسماعيل بن قريش
عن إسماعيل بن غزوان عن فاطمة بنت سعد الخير عن أبي القاسم الطبراني عن محمد بن الحسين
الأنماطي عن عبد الله بن جناد الحلبي عن عطاء بن مسلم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة عن أبيه يرفعه وفيه بيان شرف العلم وفضل أهله والحث على تعلمه وتعليمه (والبزار) في مسنده
(طس عن أبي بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف وبفتحها أيضاً نفيع بضم النون وفتح الفاء وظاهر
تخصيص الأوسط بالعزو أن الطبراني لم يخرجه، إلا فيه والأمر بخلافه بل خرجه في معاجيمه الثلاثة
"٦:

٢٢
حرف الهمزة
١٢١٤ - ((أَغْدُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا،
وَيَجْعَلَ ذُلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ)). (طس) عن عائشة (ض).
١٢١٥ - ((أَغْدُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْغُدُوَّ بَرَكَةٌ وَنَجَاحٌ)). (خط) عن عائشة (ض).
١٢١٦ - ((أَغْزُوا قَزْوِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَىْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ». ابن أبي حاتم والخليلي معاً في
فضائل قزوين عن بشر بن سلمان الكوفي عن رجل مرسلاً، (خط) في فضائل قزوين عن بشر بن
قال الهيثمي: ورجاله موثقون وتبعه السمهودي وهو غير مسلم فقد قال الحافظ أبو زرعة العراقي في
المجلس الثالث والأربعين بعد الخمسمائة من إملائه: هذا حديث فيه ضعف ولم يخرجه أحد من
أصحاب الكتب الستة، وعطاء بن مسلم وهو الخفاف مختلف فيه وقال أبو عبيد عن أبي داود إنه
ضعيف وقال غيره ليس بشيء.
١٢١٤ - (أغدوا) إذهبوا وقت الغداة، وهي أول النهار، فليس معنى الغدو هنا معناه فيما قبله
كما ظن (في طلب العلم) أي في طلب تحصيله بكرة النهار، أي أوله (فإني سألت ربي أن يبارك لأمّتي في
بكورها)، أي فيما تفعله في أول النهار أي سألته فأعطاني ذلك، وفي القاموس الغدوة بالضم البكرة أو
ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس (ويجعل) ربي (ذلك) أي حصول البركة (يوم الخميس) أي يجعل
مزيد البركة في البكور، في يوم الخميس فالبكور مبارك. وهو في يوم الخميس أكثر بركة، وفيه أنه
يندب أن يكون الجلوس لتعلم العلم أول النهار وأنه يندب الشروع في يوم تعلمه الخميس أو الاثنين
خلاف ما عليه العرف العام الآن بيوم الأحد لكونه أول الأسبوع أو الأربعاء لكونه يوم النور وكان
بعض من جمع بين العلم والولاية يوصي بالتأليف والقراءة يوم الإثنين والخميس؛ والبركة ثبوت الخير
الإلهي في الشيء ومعناه هنا حصول الفهم وسهولة التحصيل ومصير ما يتعلم في أول النهار سيما يوم
الخميس نافعاً (طس عن عائشة) قال الهيثمي: فيه أيوب بن سويد وهو يسرق الحديث.
١٢١٥ - (أغدوا في طلب العلم، فإن الغدو بركة ونجاح) قال حجة الإسلام: المراد بالعلم في
هذه الأخبار كلها العلم النافع المعروف للصانع، والدال على طريق الآخرة فهو الذي نفعه عظيم
وأجره عميم. أوحى الله إلى داود تعلم العلم النافع قال: ما العلم النافع؟ قال: أن تعرف جلالي
وعظمتي و کبریائي، وکمال قدرتي على كل شيء، فهذا الذي يقربك إلي. وقال علي كرم الله وجهه: ما
يسرني لو مت طفلاً، وأدخلت الجنة ولم أكبر فأعرف ربي، فإن أعلم الناس بالله اشدّهم خشية وأكثرهم
عبادة، وأحسنهم في الله نصيحة، فمن طلب العلم ليصرف به الوجوه إليه، ويجالس به الأمراء،
ويباهي النظراء ويتصيد الحطام، فتجارته بائرة وصفقته خاسرة. (خط عن عائشة) رمز المصنف لضعفه
وهو كما قال: نفيه ضعفاً.
١٢١٦ - (اغزوا) أمر من الغزو وهو الجهاد (قزوین)، بفتح القاف وسکون الزاي و کسر الواو،
وسكون التحتية مدينة عظيمة مشهورة خرج منها جماعة من العلماء، في كل فن، (فإنه) أي الغزو، أو
ذلك البعد المسمى بهذا الإسم (من أعلا أبواب الجنة) قال الرافعي: يجوز رد الكناية إلى الغزو ويجوز

٢٤
حرف الهمزة
سلمان عن أبي السرى عن رجل نسي أبو السرى اسمه، وأسند عن أبي زرعة قال: ليس في
قزوین حديث أصح من هذا (ض).
١٢١٧ - ((أَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ أَشْرَبُوا فِيهَا، فَلَيْسَ مِنْ إِنَاءٍ أَْيَبُ مِنَ الْيَدِ). (هـ هب)
عن ابن عمر (ض).
١٢١٨ - ((أَغْسِلُوا ثِيَابَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ شُعُورِكُمْ، وَأَسْتَكُوا، وَتَزَيَّنُوا، وَتَنَظّفُوا، فَإِنَّ
بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذُلِكَ فَزَنَتْ نِسَاؤُهُمْ)). ابن عساكر عن علي (ض).
ردها إلى قزوين والتذكير على تقدير الصرف إلى البلد والموضع بمعنى أن تلك البقعة مباركة مقدّسة،
وأنها تصير في الآخرة من أشرف بقاع الجنة فلا يليق أن يكون مسكناً للكفار، وأما على جعل الضمير
للغزو فالمراد أن غزو أهل ذلك البلد فاضل جداً يربو على فضل غزو غيرها من البلدان بحيث يوصل
إلى استحقاق الدخول من أعلا أبواب الجنة، وقد وقع غزوها وفتحت في زمن الصحابة وما ذكر من أنه
الرواية فإنه هو الثابت الموجود في خط المؤلف لما في نسخ من إبدالها بأنها أصل له (ابن أبي حاتم
والخليلي معاً في) كتاب (فضائل قزوين عن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن سليمان الكوفي
عن رجل) من التابعين (مرسلاً، خط في فضائل قزوين عن بشر بن سلمان، عن أبي السرى عن رجل
نسي أبو السرى اسمه، وأسند عن أبي زرعة) الرازي عبيد الله بن عبد الكريم الحافظ: (قال: ليس في
قزوين حديث أصح من هذا) أي ليس في الأخبار الواردة في فضل قزوين، خبر أصح منه ولا يلزم من
هذا كونه صحيحاً ولا حسناً.
١٢١٧ - (اغسلوا أيديكم) عند إرادة الشراب وإن كانت طاهرة (ثم اشربوا فيها) ندباً (فليس
من إناء أطيب من اليد)، وفي رواية بدله فإنها أنظف آنيتكم فيندب فعل ذلك ولو مع وجود الآنية ولا
نظر لاستكراه المترفين المتكبرين لذلك، وما استطابه الشارع فهو الطيب وهذا الفعل مأثور عن الأنبياء
في الزمن الأول، فقد روي أن عيسى عليه السلام كان له إناء يشرب فيه فرأى رجلاً يشرب بيديه فما
زال يشرب كذلك حتى رفع، (هب عن ابن عمر) بن الخطاب، قال: مررنا على بركة، فجعلنا نكرع
فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تكرعوا، أي لا تتناولوا الماء، بالفم كالبهائم
ولكن اغسلوا أيديكم. فذكره وقال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف ولا ينافي النهي عن الكرع، هنا
ما في البخاري أن المصطفى ﴿ دخل على أنصاري وهو يحوّل الماء في حائطه فقال النبي ◌َّ: إن كان
عندك ماء، بات الليلة في شنة، وإلا كرعنا الحديث لأن النهي عن الكرع للتنزيه والفعل لبيان الجواز،
أو قصة الأنصاري قبل النهي أو النهي في حال الضرورة والفعل فيها.
١٢١٨ - (اغسلوا ثيابكم) أي أزيلوا أوساخها (وخذوا من شعوركم) أي أزيلوا شعر الإبط
والعانة، وما طال من نحو شارب ولحية بقص أو غيره. (واستاكوا)، بما يزيل القلح، في كل حال إلا
بعد الزوال للصائم (وتزينوا) بالأدهان، وتحسين الهيئة ولبس ما لا خشونة فيه ولا يخل بالمروءة
(وتنظفوا) بإزالة الروائح الكريهة، واستعملوا الطيب، ووقت ذلك عند الحاجة وهو مرة في كل أسبوع

٢٥
حرف الهمزة
١٢١٩ - ((أَغْفِرْ، فَإِنْ عَاقَبْتَ فَعَاقِبْ بِقَدْرِ الذَّنْبِ، وَأَتَّقِ الْوَجْهَ)). (طب) وأبو نعيم في
المعرفة عن جزء (ض).
١٢٢٠ - ((أَغْنَى النَّاسِ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ». ابن عساكر عن أنس (ض).
غالباً، ويكره تأخيره عن أربعين يوماً ثم علل ذلك بقوله (فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك) بل
يهملون أنفسهم شعثاً غبراً دنسة ثيابهم وسخة أبدانهم، (فزنت نساؤهم) أي استقذرتهم فزهدت قربهم
ورغبوا في أناس على ضد ذلك، من الطهارة والنزاهة والتزين ومالت إليهم نفوسهن، وطمحت لهم.
شهواتهن فسارعوا إلى الخنا فكان الزنا. وعلم منه أنه يسن للرجل، أن ينظف ثوبه وبدنه ويدهن غباً
ويكتحل وتراً ويقلم أظفاره وينتف شعر إبطه إن أطاقه ويحلق عانته، وينتف شعر أنفه ويقص من
الشارب ما يبين به طرف الشفة بياناً ظاهراً، والمرأة كالرجل ويتأكد للمتزوجة وما اقتضاه ظاهر الخبر،
من أن الندب في الرجل خاص بالمتزوج غير مراد (ابن عساكر) في ترجمة عبد الرحيم التميمي (عن علي)
أمير المؤمنين قال المؤلف في الأصل وفيه عبد الله بن ميمون القداح ذاهب الحديث انتهى. وللأمر
بالتنظيف شواهد والمنكر قوله فإن إلى آخره.
١٢١٩ - (اغفر) أمر من الغفر، وهو ستر الذنب، أي أعف عمن لك عليه ولاية وقد صدر منه
شيء يوجب التأديب ولم يكن حداً (فإن عاقبت فعاقب بقدر الذنب) أي إن لم تعف وكنت معاقباً، فلا
تتجاوز قدر الجرم ولا تتعدى حدود الشرع ولا تضرب ضرباً مبرحاً، وإن لم يفد إلا هو (واتق الوجه)
فلا تجعله محلاً للمعاقبة بضرب ولا غيره لأنه تشويه له فيحرم ضرب الوجه من كل آدمي وحيوان
محترم، كما مر وصدّر بالعفو إشارة إلى الحث عليه وأن الحزم قهر النفس بقودها إليه، لما هو مركوز في
جبلة الإنسان من حب الانتقام والتكبر على جميع الأنام قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وهي
مضمرة ما ظهره فرعون من قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، لكن فرعون وجد مجالاً
فأظهر حین استخف قومه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع خدمه وأتباعه، ومن هو تحت قهره فإن
غيظه عند تقصيرهم في حقه لا يصدر إلا عن إظهار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء (طب وأبو
نعيم في المعرفة) أي كتابه معرفة الصحابة (عن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي وهمزة، وهو ابن
قيس بن حصن ابن أخي عيينة بن حصن أحد الوفد الذين قدموا على النبي ◌َّ ر مرجعه من تبوك وكان
من جلساء عمر قال: قلت: يا رسول الله، إن أهلي عصوني فيم أعاقبهم قال: تعفو ثلاثاً فإن عاقبت،
الخ كذا في رواية الطبراني، وسبب تحديث جزء به أن عمه عيينة دخل على عمر فقال ها ابن الخطاب
والله ما تعطينا الجذل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الجزء: يا أمير
المؤمنين، إن الله قال لنبيه ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] ثم ذكر
هذا الخبر .
١٢٢٠ - (أغنى الناس) أي أكثرهم غنى (حملة القرآن) أي حفظة القرآن عن ظهر قلب،
العاملون بما فيه، الواقفون عند حدوده ورسومه الامرون بما أمر به الناهون عما نهى عنه، ثم هذا
5

٢٦
حرف الهمزة
١٢٢١ - ((أَغْنَى النَّاسِ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوْفِهِ)». ابن عساكر عن
أبي ذر (ض).
١٢٢٢ - ((أَفْتُتِحَتِ الْقُرَى بِالسَّيْفِ، وَأَفْتُتِحَتِ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ». (هب) عن
عائشة (ض).
١٢٢٣ - (أَفْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَىُ عَلَى أَثْنَتَيْنِ
الغنى يحتمل غنى النفس، بمعنى أنهم يرون أن ما منحوه من تيسر حفظه هو الغنى الحقيقي وأن غنى
بالمال في جنب ذلك لا عبرة به لأنه غادٍ ورائح ويحتمل أن حفظه والعمل به يجلب الغنى بالمال (ابن
عساکر) في تاریخه (عن أنس).
١٢٢١ - (أغنى الناس حفظة القرآن)، والمراد بهم (من جعله الله تعالى في جوفه) أي سهل له
حفظه عن ظهر قلب مع العمل به كما تقرر، قال أبو إسحاق الدمشقي كنت أمشي بالبادية وحدي
فإذا أعييت رفعت صوتي بالقرآن فحمل عني ألم الجوع حتى قطعت مراحل كثيرة (ابن عساكر) تاريخه
أيضاً (عن أبي ذر) الغفاري.
١٢٢٢ - (افتتحت) وفي رواية لعلي فتحت بلا ألف (القرى بالسيف) أي بالقتال به (وافتتحت
المدينة) طيبة (بالقرآن) لأن الجهاد كما يكون تكلف الأسباب والعدد والآلات المتعبة الشاقة يكون
بتعلق القلوب بكلام علام الغيوب، فجمع الله لرسوله بين الأمرين وخصه بالجمع بين الجهادين
الظاهر والباطن دعاء الأنصار إلى الله ليلة العقبة وتلي عليهم القرآن تلاوة بجمع همة وتوجه تام
فانجذبت قلوبهم وانصدعت لهيبته. فدخلوا في الدين طوعاً بل قهراً فلما رجعوا إلى قومهم بالمدينة
سرى ذلك السر إليهم فآمنوا به قبل أن يعاينوه فأعظم بها من منقبة للأنصار (هب). من حديث
الحسن بن محمد بن زبالة عن مالك عن هشام عن أبيه (عن عائشة) رمز المصنف لحسنه وهو زلل، فقد
قال الذهبي، قال أحمد: هذا حديث منكر، إنما هذا من قول مالك، وقد رأيت هذا الشيخ يعني ابن
زبالة وكان كذاباً انتهى، وقال في الضعفاء قال ابن معين وأبو داود هو كذاب وفي الميزان هذا منكر
وقال ابن حجر في اللسان: إن هذا حديث معروف بمحمد بن الحسن بن زبالة وهو متروك متهم وفي
المطالب العالية تفرد برفعه محمد بن الحسن بن زبالة وكان ضعيفاً جداً وإنما هو قول مالك فجعله ابن
الحسن مرفوعاً وأبرز له إسناداً انتهى والحديث أورده ابن الجوزي من حديث أبي يعلى عن عائشة
وحكم بوضعه وتعقبه المؤلف بأن الخطيب رواه بسند هو أصلح طرقه فكان عليه أن يؤثره هنا .
١٢٢٣ - (افترقت) بكسر الهمزة من الافتراق ضد الاجتماع (اليهود علی إحدی) مؤنث واحد
(وسبعين فرقة)، بكسر الفاء وهي الطائفة من الناس (وتفرقت) هو بمعنى افترقت فمغايرة التعبير
للتفنن (النصارى على اثنتين وسبعين فرقة) معروفة عندهم (وتفرقت أمتي) في الأصول الدينية لا
الفروع الفقهية إذ الأولى هي المخصوصة بالذم وأراد بالأمة من تجمعهم دائرة الدعوة من أهل القبلة
(على ثلاث وسبعين فرقة) زاد في رواية كلها في النار إلا واحدة زاد في رواية لأحمد وغيره والجماعة، أي

٢٧
حرف الهمزة
وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي عَلَىْ ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً)). (٤) عن أبي هريرة (صح).
١٢٢٤ - ((أَفْرُشُوا لِي قَطِيفَتِي فِي لَحْدِي، فَإِنَّ الأَرْضَ لَمْ تُسَلَّطْ عَلَىْ أَجْسَادِ
الأَنْبِيَاءِ». ابن سعد عن الحسن مرسلاً.
أهل السنة والجماعة وفي رواية هي ما أنا عليه اليوم وأصحابي وأصول الفرق ستة حرورية وقدرية
وجهمية ومرجئة ورافضة وجبرية وانقسمت كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنين وسبعين وقيل
بل عشرون روافض وعشرون خوارج وعشرون قدرية وسبعة مرجئة وواحدة نجادية وواحدة فرارية
وواحدة جهمية وثلاث كرامية وقيل وقيل وقيل وقال المحقق الدواني: وما يتوهم من أنه إن حمل على
أصول المذاهب فهي أقل من هذه العدة أو علی ما یشمل الفروع فهي أکثر توهم لا مستند له جواز کون
الأصول التي بينها مخالفة مقيد بها هذا العدد أو يقال: لعلهم في وقت من الأوقات بلغوا هذا العدد
وإن زادوا أو نقصوا في أكثر الأوقات. واعلم أن جميع المذاهب التي فارقت الجماعة إذا اعتبرتها
وتأملتها لم تجد لها أصلاً فلذلك سموا فرقاً لأنهم فارقوا الإجماع وهذا من معجزاته لأنه إخبار عن غيب
وقع، وهذه الفرق وإن تباينت مذاهبهم متفقون على إثبات الصانع وأنه الكامل مطلقاً الغني عن كل
شيء ولا يستغني عنه شيء فإن قيل: ماوثوقك بأن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة مع أن
كل واحد من الفرق يزعم أنه هي دون غيره؟ قلنا ليس ذلك بالادعاء والتثبت باستعمال الوهم القاصر
والقول الزاعم بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة وأئمة أهل الحديث الذين جمعوا صحاح الأحاديث
في أمر المصطفى ﴿ وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحوال الصحب والتابعين كالشيخين
وغيرهما من الثقات المشاهير الذين اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم وتكفل باستنباط
معانيها وكشف مشكلاتها كالخطابي والبغوي والنووي جزاهم الله خيراً، ثم بعد النقل ينظر إلى من
تمسك بهديهم واقتفى أثرهم واهتدى بسيرتهم في الأصول والفروع فيحكم بأنهم هم وفيه كثرة أهل
الضلال وقلة أهل الكمال والحث على الاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم ما عليه الجماعة (٤) وكذا
الحاكم والبيهقي (عن أبي هريرة) قال الزين العراقي: في أسانيده جياد ورواه الحاكم من عدة طرق ثم
قال: هذه أسانيد تقوم بها الحجة وعده المؤلف من المتواتر.
١٢٢٤ - (أفرشوا) بضم فسكون فضم ويجوز كسر الهمزة والراء وهي بصيغة الأمر من الفراش
قال الحراني: وهو بساط يضطجع عليه للراحة (لي قطيفتي) بالقاف كساء له خمل وجمعه قطاف وقطف
كصحاف، وصحف وكانت قطيفته حمراء نجرانية يتغطى بها (في لحدي)، إذا دفنتموني قد فعل شقران
مولاه ذلك إشارة إلى أنه كما فارق الأمة في بعض أحكام حياته فارقهم في بعض أحكام مماته، التي
منها ما أشار إليه بقوله (فإن الأرض) أي بطنها (لم تسلط على) أكل (أجساد الأنبياء) وحق لجسد
عصمه الله عن البلى والتغير والاستحالة أن يفرش له في قبره لأن المعنى الذي يفرش للحي لأجله لم يزل
عنه بالموت وليس الأمر في غيره على هذا النمط؛ ومنه يعلم أن هذا لا يعارض مذهب الشافعي في
كراهة وضع فرش تحت الميت لأن كلامهم في غير الأنبياء ممن يتغير ويبلى وما في الاستيعاب من أنها
أخرجت قبل إهالة التراب لم يثبت وعد المصنف الفرش له فيه من الخصائص ومراده أنه من خصائصه
1

٢٨
حرف الهمزة.
١٢٢٥ - ((أَفْرَضُ أُمَِّي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ)). (ك) عن أنس (صح).
١٢٢٦ - ((أَفْشِ السَّلاَمَ، وَأَبْدُلِ الطَّعَامَ، وَأَسْتَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَسْتَحْيِ رَجُلاً
على أمته لا على الأنبياء بقرينة قوله فإن الأرض إلى آخره. تنبيه قال أبو الحسن المالكي في شرح
الترغيب حكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء ومن ألحق بهم أن التراب يمر على الجسد فيطهره
والأنبياء لا ذنب لهم فلم يحتج إلى تطهيرهم بالتراب (ابن سعد) محمد في الطبقات (عن الحسن)
البصري (مرسلاً) وإسناده حسن وله شواهد.
١٢٢٥ - (أفرض أمّتي) أي أعرفهم بعلم الفرائض (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاري
البخاري المدني أبو سعيد أو أبو خارجة روى عنه ابن عمر وأنس بن مالك وعروة وخلق وهو كاتب
الوحي؛ قدم المصطفى ◌َطير المدينة وعمره إحدى عشرة سنة وكان حفظ قبل الهجرة سبع عشرة سورة
فأعجب المصطفى ټژ ذلك فقال: يا زيد، تعلم لي کتاب اليهود؛ فما مضی نصف شهر حتى حذق به
وتعلم العبرانية والسريانية في سبع عشرة ليلة وكان من الراسخين في العلم، وندبه الصديق لجمع
الفرائض وكان عمر إذا حج استخلفه على المدينة وعده مسروق من الستة الذين هم أهل الفتوى من
الصحابة وقد أخذ الشافعي بقوله في الفرائض لهذا الحديث ووافق اجتهاده اجتهاده قال القفال: ما
تكلم أحد في الفرائض إلا ووجد له قول في بعض المسائل، هجره الناس إلا زيداً فإنه لم ينفرد بقول:
وما قال قولاً إلا تبعه عليه جمع من الصحابة وذلك يقتضي الترجيح قال الماوردي: وفي معنى الحديث
أقوال أحدها أنه قاله حثاً للصحب على منافسته والرغبة في تعليمه كرغبته لأنه كان منقطعاً إلى تعلم
الفرائض بخلافة غيره، الثاني قاله تشريفاً له وإن شاركه غيره فيه كما قال أقرأُكم أبيّ، الثالث خاطب
به جمعاً من الصحب كان زيد أفرضهم، الرابع أراد به أن زيداً كان أشدهم عناية وحرصاً عليه،
الخامس قاله لأنه كان أصحهم حساباً وأسرعهم جواباً وقد كان الصحب يعترفون له بالتقدم في ذلك؛
وناهيك بتلميذه ترجمان القرآن فإنه أخذ عنه وبلغ من تعظيمه له أن زيداً صلى على جنازة أمه فقربت له
بغلته ليركب فأخذ ابن عباس بركابه فقال زيد: خل عنها يا ابن عم رسول الله وَّر، فقال: هكذا
نفعل بعلمائنا فقبل زيد يده، وقال: هكذا نفعل بأهل بيت نبينا قال ابن الأثير كان زيد عثمانياً ولم
يشهد مع علي شيئاً. من حروبه وكان يعظمه جداً ويظهر فضله. مات سنة اثنين أو ثلاث أو ثمان
وأربعين أو إحدى أو خمس أو ست وخمسين ولما مات قال أبو هريرة: مات حبر الأمة (ك) في الفرائض
من حديث أبي قلابة (عن أنس) وصححه فاغتر به المصنف فرمز لصحته وفيه ما فيه فقد قال الحافظ
ابن حجر: قد أعل بالإرسال، قال وسماع أبي قلابة من أنس صحيح إلا أنه قيل لم يسمع منه هذا وقد
ذکر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في العلل ورجح هو وغيره إرساله انتھی. لكن ذكر ابن
الصلاح أن الترمذي والنسائي وابن ماجه رووه بإسناد جيد بلفظ أفرضكم زيد قال وهو حديث
حسن.
١٢٢٦ - (أفش) بهمزة قطع مفتوحة (السلام) ندباً أي أظهره برفع الصوت، أو بإشاعته بأن
تسلم على من تراه تعرفه، أم لا تعرفه فإنه أول أسباب التآلف ومفتاح استجلاب التودد مع ما فيه من

٢٩
حرف الهمزة
مِنَ رَهْطِكَ ذَا هَيْئَةٍ، وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ)). (طب) عن أبي أمامة (ض).
١٢٢٧ - ((أَفْشُوا السَّلاَمَ تَسْلَمُوا». (خدع حب ھب) عن البراء (صح).
رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين ورفع التقاطع والتهاجر، وهذا العموم
خصه الجمهور بغير أهل الكفر والفجور قال ابن حجر: وعكس أبو أمامة فأخرج عن الطبراني بسند
جيد أنه كان لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه فقيل له فقال: أمرني بإفشاء
السلام وكأنه لم يطلع على دليل الخصوص (وأبذل) بموحدة فمعجمة (الطعام)، أي أعطه وجد به
الخاص والعام من كل محرم (واستحي من الله كما تستحي رجلاً)، أي من رجل (من رهطك ذي
هيئة(١)، وليحسن) بلام الأمر فمثناة تحت مفتوحة فحاء ساكنة فسين مضمومة (خلقك) قرنه بلام
الأمر دون غيره مما ذكر معه إيماءاً إلى أنه أس ما ذكر قبله وبعده وعماد الكل (وإذا أسأت) إلى أحد
بقول أو فعل (فأحسن) إليه كذلك (فإن الحسنات يذهبن السيئات) أرشد إلى إيصال النفع بالقول
والفعل فالقول كإفشاء السلام، وفي معناه كل قوم كشفاعة وتعليم خير وهداية ضال وإنذار مشرف
ونحوها والفعل كالإطعام وفي معناه كل فعل ككسوة عارٍ وسقي ظمآن ونحوها وختم بالأمر
بالإحسان لما أنه اللفظ الجامع الكلي وفيه الحث على الجود والسخاء ومكارم الأخلاق وخفض الجناح
للمسلمين والتواضع والحث على تآلف قلوبهم، وإجتماع كلمتهم وتواددهم واستجلاب ما يحصل
ذلك والحديث يشتمل على نوعي المكارم لأنها إما مالية والإطعام إشارة إليها أو بدنية والسلام إشارة
إليها (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه لين وبقية رجاله ثقات.
١٢٢٧ - (أفشوا) بهمزة قطع مفتوحة (السلام) بينكم (تسلموا) من التنافر والتقاطع وتدوم لكم
المودة وتجمع القلوب وتزول الضغائن والحروب، فأخبر المصطفى بغير أن السلام يبعث على التحابب
وينفي التقاطع، قال الماوردي: وقد جاء في كتاب الله تعالى ما يفيده قال الله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي
أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤] فحكى عن مجاهد أن معناه ادفع
بالسلام إساءة المسيء قال بعضهم: وفشاء السلام ابتداء يستلزم إفشاؤه جواباً. وقال ابن دقيق العيد
استدل بالأمر بالإفشاء من قال بوجوب الابتداء بالسلام وفيه نظر إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين
على التعميم من الجانبين وهو أن يجب على كل أحد أن يسلم على كل من لقيه لما فيه من الحرج والمشقة،
فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين إذ لا قائل بأنه يجب على واحد دون
الباقين، وإذا سقط على هذه الصورة لم يسقط الاستحباب لأن العموم بالنسبة إلى كلا الفريقين ممكن
انتهى. قال ابن حجر: وهذا البحث ظاهر في حق من قال: إن ابتداء السلام، فرض عين لا كفاية إذا
قلنا إنه واجب على واحد لا بعينه (خدع هب حب) كلهم (عن البراء) بن عازب قال ابن حبان:
صحيح، وقال الهيثمي : رواه عنه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات.
(١) قوله ذي هيئة: كذا بخط المصنف، فلعل الرواية كذلك، فتأمل في إعرابه ولعله جر للمجاورة: اهـ.

٣٠
حرف الهمزة
١٢٢٨ - ((أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ تَحَابُوا)). (ك) عن أبي موسى (صح).
١٢٢٩ - ((أَفْشُوا السَّلَامَ فَإِنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى رِضاً)). (طس عد) عن ابن عمر (ض).
١٢٣٠ - ((أَفْشُوا السَّلَامَ كَيْ تَعْلُوا)». (طب) عن أبي الدرداء (ح).
١٢٣١ - ((أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَضْرِبُوا الْهَامَ، تُورَّتُوا الْجِنَانَ)). (ت)
عن أبي هريرة (صح).
١٢٢٨ - (أفشوا السلام بينكم تحابوا) بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي تأتلف قلوبكم وفيه
مصلحة عظيمة من اجتماع قلوب المسلمين وتناصرهم وتعاضدهم، ولهذا قال بعضهم: إنه أدفع
للضغينة بغير مؤنة وإكتساب أخوة بأهون عطية؛ وصدر هذا الحديث لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن
تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا إلى آخره وإفشاؤه نشره لكافة المسلمين
من عرف ومن لم يعرف، قال النووي: الإفشاء الإظهار والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته
وأقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسنة ويستحب أن يرفع صوته
بقدر ما يتحقق أنه سمعه (ك عن أبي موسى) قال الحاكم: صحيح وتبعه المصنف فرمز لصحته.
١٢٢٩ - (أفشوا السلام فإنه) أي إنشاؤه المفهوم من أفشوا (الله تعالى رضى) أي هو مما يرضي الله
به عن العبد بمعنى أنه يقبله ويثيبه عليه، قال القيصري: ومعنى سلام عليكم سلمت مني أن أضرك
أو آذيك بظاهري وباطني، والإنشاء الإظهار قال ابن العربي: من فوائد إفشاء السلام حصول الألفة
فتتألف الكلمة وتعم المصلحة وتقع المعاونة على إقامة شرائع الدين وإخزاء الكافرين وهي كلمة إذا
سمعت أخلصت القلب الواعي لها غير الحقود إلى الإقبال على قائلها (طس عد عن ابن عمر) بن
الخطاب قال الهيثمي: فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض متروك فرمز المصنف لحسنه غير مرضي.
١٢٣٠ - (أفشوا السلام) قال القاضي: إفشاء السلام رفع الصوت به وإشاعته قال: ويستثنى
من ندب رفع الصوت بالسلام ما لو دخل مكاناً فيه نيام، فالسنة ما ثبت في صحيح مسلم أن
المصطفى ◌َ ﴿ كان يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان (كي تعلوا) أي يرتفع
شأنكم، فإنكم إذا أفشيتموه تحابيتم فاجتمعت كلمتكم فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه؛ وأراد الرفعة
عند الله (طب عن أبي هريرة) رمز المصنف لضعفه وليس كما زعم فقد قال الحافظ: المنذري إسناده
جید، والهيثمي وغيره: إسناده حسن.
١٢٣١ - (أفشوا السلام) أظهروه. ودخل في عموم إنشائه من دخل مكاناً ليس فيه أحد لقوله
تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١] ذكره ابن حجر وفي الأدب بسند حسن
عن ابن عمر يستحب إذا لم يكن بالبيت أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (وأطعموا
الطعام) قال العراقي: المراد به هنا قدر زائد على الواجب في الزكاة سواء فيه الصدقة والهدية
والضيافة؛ والأمر للندب وقد يجب (واضربوا الهام)، أي رؤوس الكفار جمع هامة بالتخفيف الرأس،

٣١
حرف الهمزة
١٢٣٢ - ((أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَكُونُوا إِخْوَاناً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ)). (هـ)
عن ابن عمر .
١٢٣٣ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ)). (م) عن ابن
مسعود (صح).
قال الزين العراقي : اقتصر فيه على ضرب الهام لأن ضرب الرؤوس مفض للهلاك بخلاف بقية البدن
فإنه تقع فيه الجراح ويبرأ صاحبها فإذا فسد الدماغ هلك صاحبه (تورثوا الجنان) التي وعد بها المتقون
لأن أفعالهم هذه لما كانت تخلف عليهم الجنان فكأنهم ورثوها قال الطيبي: والحديث من باب التكميل
كقوله تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] إذ تخصيص الهام بالضرب يدل على
بطالتهم وشدة ضربتهم، وقال بعضهم جمع المصطفى وَّر بين هذه القرائن المتعددة إشارة إلى جواز
التسجيع لكن شرطه عدم التكلف والتصلف بدليل قوله في خبر آخر: أسجع كسجع الكهان. وذم
المتشرقين بإظهار فصاحتهم لصرف الوجوه إليهم وحاشى المصطفى ◌َّهر عن قصد ذلك بل إذا قصد
البيان لدين الله سمح طبعه الزكي وعنصره العربي بترادف قرائن لكمال فصاحته بغير تكلف في
استخراجها، وهذا الحديث رواه أيضاً العسكري عن عبد الله بن سلام بنحوه وزاد بيان السبب فقال:
لما قدم المصطفى * المدينة انجفل الناس قبله، فقيل: قدم رسول الله رَّة، فجئت في الناس لأنظر
فلما رأيته عرفت أنه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلام،
الخ. (ت عن أبي هريرة) وقال حسن غريب انتهى.
١٢٣٢ - (أفشوا السلام) قال بعضهم: والحكمة فيه أن ابتداء التلاقي، وما ألحق به من مواطن
مشروعية السلام ربما نشأ عنه خوف أو كبر من أحد الجانبين، فشرع نفيهما بالبداءة بتحية السلام
إزالة للخوف وتحلياً بالتواضع واستثنى بعضهم من طلب إفشاء السلام ما لو علم من إنسان أنه لا يردّ
عليه فلا يسلم عليه لئلا يوقعه في المعصية وتعقبه النووي بأن المأمورات الشرعية لا تترك لمثل ذلك ولو
نظرنا لذلك بطل إنكار كثير من المنكرات ورده ابن دقيق العيد بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية
أشد من ترك مصلحة السلام سيما وامتثال الإفشاء يحصل مع غيره (وأطعموا الطعام)، فإن فيه قوام
البدن، قال البيهقي: يحتمل إطعام المحاويج، ويحتمل الضيافة أو هما معاً، وللضيافة في التآلف
والتحابب أثر عظيم (وكونوا إخواناً، كما أمركم الله) بها من الإخاء في الله والحب فيه قال سبحانه
وتعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠] قال أبو الدرداء فيما أخرجه الحكيم الترمذي عنه ما
لكم عباد الله لا تحابون وأنتم إخوان على الدين، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم
على أمر تحاببتم ما هذا إلا من قلة الإيمان في صدوركم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها، كما
توقنون بأمر الدنيا لكنتم للآخرة أطلب فبئس القوم أنتم إلا قليلاً منكم ما حققتم إيمانكم بما يعرف به
الإيمان البالغ وما كفرتم فنبرأ منكم (ه عن ابن عمر) بن الخطاب وكذا رواه النسائي.
١٢٣٣ - (أفضل الأعمال) بعد الإيمان أي أكثرها ثواباً (الصلاة لوقتها) في رواية على وقتها

٣٢
حرف الهمزة
١٢٣٤ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا)). (دت ك) عن أم فروة (صح).
١٢٣٥ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
(خط) عن أنس (ض).
واللام بمعنى في أو للاستقبال نحو ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] وأما خبر أسفروا بالفجر
فمؤول كما مر (وبر الوالدين) في رواية ثم بدل الواو ووجهه ظاهر، والصلاة أول وقتها أي المحافظة
عليها المأمور به في آية ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمحافظة تكون بأدائها أول وقتها
خوف فوت فضيلها، وهذا حث على ندب المبادرة وخبر فصلى بي جبريل الظهر في اليوم الثاني حين
صار ظل كل شيء مثله بيان للجواز، واعلم أن الله تعالى قد عظم شأن الوالدين قرن حقهما بحقه
وشركه بواو العطف في قوله ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء: ٢٣]
لأن الله تعالى خلق الولد وصوره وأخرجه إلى الدنيا ضعيفاً لا حيلة له، ثم قيض له أبويه فتكفلا بتربيته
لأنه لا قوام له بنفسه فلم يزالا يربيانه حتى أوصلاه إلى حد يقوم بنفسه ولو تركاه ونفسه هلك فكانا
سبب تمام خلقته ونشأته فالله هو الخالق المصور حقيقة وهما المنشآن له مجازاً فلذلك لا يقدر أحد أن يقوم
بحق أبويه فإن من كان سبب نشأتك كيف تفي بحقه أو تفي بشكره ولذلك قرن تعالى عقوقهما
بالشرك به كما قرن طاعتهما بطاعته ولما كان الشرك لا يغفر عظم قدر العقوق لاقترانه به فمن برّ
والديه فقد بر ربه لأن في برهما بره للاشتراك المتقدم ومن عقهما فقد عقه (م عن ابن مسعود) قال:
سألت رسول الله ◌َّ أيّ العمل أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها قلت: ثم أي قال: بر الوالدين قلت ثم
أي؟ قال الجهاد في سبيل الله .
١٢٣٤ - (أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها) لأنها أعظم الوصل بين العبد وربه وهي عمان
الدين وعصام النبيين مشتملة على ما لم يشتمل عليه غيرها من الكمالات، ولهذا قال بعض أهل
الكمال: الصلاة طهرة للقلب، واستفتاح لأبواب الغيوب تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها
شوارق الأنوار ثم ما أحسن تركيبها وما أبدع ترتيبها، فكما أن الجنة قصورها لبنة من ذهب وأخرى
من فضة وملاطها المسك فالصلاة بناؤها لبنة من قراءة ولبنة من ركوع ولبنة من سجود وملاطها
التسبيح والتحميد (د ت ك عن أم فروة) الأنصارية صحابية لها حديث ويقال: هي بنت أبي قحافة
أخت أبي بكر الصديق رمز المصنف لصحته وكأنه ذهل عن قول الصدر المناوي وغيره، فيه عبد الله بن
عمر العمري غير قوي. وقد تكلم فيه يحيى من جهة حفظه وعن قول الحافظ ابن حجر رواه أبو داود
والترمذي وفي إسناده إضطراب.
١٢٣٥ - (أفضل الأعمال الصلاة لوقتها). تنبيه: قال ابن الزملكاني: أطلق جمع أن الفضل في
الأعمال الصالحة باعتبار كثرة الثواب وليس على إطلاقه بل إن كانت ذات هذا الوصف أو هذا العمل
أشرف وأعلا فهو أفضل وقد يخص الله بعض الأعمال من الوعد بما لا يخص به الآخر ترغيباً فيه إما
النفرة النفس عنه أو لمشقته غالباً، فرغب فيه بمزيد الثواب أو لأن غيره مما يكتفى فيه بداعي النفس
والثواب عليه فضل، فالإنصاف أن المفاضلة تارة تكون بكثرة الثواب وتارة بحسب الوصفين بالنظر

٣٣
حرف الهمزة
١٢٣٦ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً، أَوْ تَقْضِيَ عَنْهُ دَيْناً،
أَوْ تُطْعِمَهُ خُبْزاً)». ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (هب) عن أبي هريرة (عد) عن ابن
عمر (ض).
إليهما وتارة بحسب متعلقاتهما وتارة بحسب ثمراتهما وتارة بأمر عرضي لهما، ويجمع ذلك أنه قد
يكون لأمر ذاتي وقد يكون لأمر عرضي فإذا حاولنا الكلام في التفضيل فلا بدّ من استحضار هذه
المقدمة فتدبرها فلا بد من ملاحظها فيما مر وفيما يأتي انتهى. وتحصل المبادرة باشتغاله بأسبابها كطهارة
وغيرها أول الوقت ثم يصليها ولا تشترط السرعة خلاف العادة ولا يضر التأخير لقليل أكل، وكلامه
شامل للعشاء وهو الأصح عند جمهور الشافعية وذهب كثير منهم إلى ندب تأخيرها إلى ثلث الليل
لحديث آخر ومحل ندب التعجيل ما لم يعارضه معارض مما هو مقرر في الفروع (وبر الوالدين) أي
طاعتهما والإحسان إليهما فيما لا يخالف الشرع قال العراقي: أخبر أن أفضل حقوق الله الصلاة
لوقتها وأفضل حقوق العباد بعضهم على بعض بر الوالدين فهما أحق بالبر من جميع الأقارب (والجهاد
في سبيل الله) بالنفس والمال لإعلاء كلمة الله وإظهار شعائر دينه وقدم بر الوالدين لا لكونه أفضل من
الجهاد لأن الجهاد وسيلة لإعلاء أعلام الإيمان وفضيلة الوسيلة بحسب فضيلة المتوسل إليه بل لتوقف
حله على إذنهما وتوقفه عليه لا يوجب كونه فضل منه وكم له من نظير أما طاعتهما فيما يخالف الشرع
فليست من البر، بل من الإثم فيجب على الإنسان أن يقاطع في دينه من كان به براً وعليه مشفقاً. هذا
أبو عبيدة بن الجراح له المنزلة العالية في الفضل والأثر المشهور في الإسلام قتل أباه يوم بدر وأتى برأسه
إلى النبي وَّل طاعة لله ورسوله حين بقي على ضلاله، وإنهمك في طغيانه ولم يعطفه عليه رحم ولا كفه
عنه إشفاق وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لكونها عنواناً على ما سواها من الطاعات، فمن حافظ
عليها فهو لما سواها أحفظ ومن ضيعها كان لما سواها أضيع فمن أهمل الصلاة مع كونها عماد الدين
فهو لغيرها أهمل ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار
مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك (خط، عن أنس) رمز المصنف لضعفه.
١٢٣٦ - (أفضل الأعمال)، أي من أفضلها، أي بعد الفرائض كما ذكره في الحديث المار والمراد
الأعمال التي يفعلها المؤمن مع إخوانه (أن تدخل) أي إدخالك (على أخيك المؤمن) أي أخيك في
الإيمان وإن لم يكن من النسب (سروراً) أي سبباً لانشراح صدره من جهة الدين والدنيا (أو تقضي)
تؤدي (عنه ديناً) لزمه أداؤه لما فيه من تفريج الكرب وإزالة الذل (أو تطعمه) ولو (خبزاً) فما فوقه من
نحو اللحم أفضل، وإنما خص الخبز لعموم تيسر وجوده حتى لا يبقى للمرء عذر في ترك الإفضال
على الأخوان والأفضل إطعامه ما يشتهيه لقوله في الحديث الآتي: من أطعم أخاه المسلم شهوته والمراد
بالمؤمن المعصوم الذي يستحب إطعامه فإن كان مضطراً وجب إطعامه ولا يخفى أن قضاء الدين
وإطعام الجائع من جملة إدخال السرور على المديون والجائع فهو عطف خاص على عام للاهتمام. قيل
لابن المنكدر ما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان (ابن أبي الدنيا) أبو بكر واسمه يحيى (في)
كتاب (قضاء الحوائج) أي في الكتاب الذي ألفه في فضل قضاء حوائج الإخوان (هب عن أبي هريرة)
فيض القدير ج٢ م٣

٣٤
حرف الهمزة
١٢٣٧ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ الثَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ)). (طب) في مكارم
الأخلاق عن أبي هريرة (ح).
١٢٣٨ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْكَسْبُ مِنَ الْحَلَالِ)». ابن لال عن أبي سعيد (ض).
فقال: سئل رسول الله وَّلر أي الأعمال أفضل، فذكره وضعفه المنذري وذلك لأن فيه الوليد بن
شجاع قال أبو حاتم: لا يحتج به وعمار بن محمد مضعف (عد عن ابن عمر) ابن الخطاب وظاهر صنيع
المؤلف أن البيهقي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه بل قال عمار: فيه نظر وللحديث شاهد مرسل
ثم ذكره والحاصل أنه حسن لشواهده.
١٢٣٧ - (أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله التودد) أي التحبب (إلى الناس) حباً لله وفي الله كما
يشير إليه خبر أفضل الأعمال الحب في الله والبغض فيه، ولأنه بذلك تحصل الألفة الجامعة التي
تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها والألفة تجمع الشمل وتمنع الذل ومن أمثالهم من قل ذل
والجمع بينه وبين ما قبله من الأخبار أن المصطفى وم سير كان يجيب كل أحد بما يوافقه ويليق به أو
بحسب الحال أو الوقت أو السؤال وفيه إيماء إلى أن مخالطة الناس أفضل من العزلة، تنبيه : . قال ابن
حزم: الفضل قسمان، لا ثالث لهما فضل اختصاص من الله تعالى بلا عمل، وفضل مجازاة بعمل أما
فضل الاختصاص من دون العمل فيشترك فيه جميع الخلق من ناطق وغيره وجماد وعرض كفضل
الملائكة وفضل الأنبياء وفضل إبراهيم بن رسول الله وَ ◌ّر على الأطفال وناقة صالح وذبيح إبراهيم
وفضل مكة والمدينة والمساجد على البقاع والحجر الأسود على الحجارة، وشهر رمضان ويوم الجمعة
وليلة القدر، وأما فضل المجازاة فلا يكون إلا للحي الناطق وهم الملائكة والإنس والجن، والأقسام
المستحق بها التفضيل في هذا القسم سبعة ماهية العمل وكميته وهي الفرض منه وكيفيته والكم والزمان
والمكان والإضافة فالماهية أن يكون أحدهما في العمل يوفي فروضه والآخر لا يوفيها، والكمية أن
يخلص أحدهما في العمل ويشوبه الآخر ببعض المقاصد الدنيوية، والكيفية أن يوفي أحدهما بجميع
حقوق العمل أو رتبه والآخر يأتي به لكن ينقص من رتبته والكم أن يستويا في الفرض ويتفاوتا في النفل
والمكان كصدر الإسلام أو وقت الحاجة والمكان كالصلوات بالمسجد الحرام والمدينة والإضافة كعمل
من نبي ونتيجة الفضل بهذه الوجوه شيئان أحدهما تعظيم الفاضل على المفضول فهذا يشترك فيه ما كان
فضله بغير عمل وما كان يعمل، والثاني علو الدرجة في الجنة إذ لا يجوز الحكم للمفضول بعلو الدرجة
بها على الفاضل وإلا لبطل الفضل وهذا القسم يختص به الفاضل بفضل عمله. إلى هنا كلامه (الطبراني
في) كتاب (مكارم الأخلاق عن أبي هريرة).
١٢٣٨ - (أفضل الأعمال) أي من أفضلها والمراد أفضل الأعمال الكسبية المطلوبة شرعاً
(الكسب من الحلال) اللائق لأن طلب الحلال، فريضة بعد الفريضة كما سيجيء في خبر ويجيء في اخر
إن الله يحب أن يرى عبده تعباً في طلب إحلال قال حجة الإسلام إذا كان الرجل معيلاً محترفاً للقيام
بحق العيال فكسب الحلال أفضل من العبادة البدنية لكنه لا ينبغي أن يخلو وينفك عن ذكر الله تعالى

٣٥
حرف الهمزة
١٢٣٩ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ
الأَعْمَالِ، كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا)). (طب) عن ماعن (ح).
١٢٤٠ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ، إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَكَثِيرُهُ، وَإِنَّ
الْجَهْلَ لاَ يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَلَ كَثِيرُهُ)). الحكيم عن أنس (ض).
(ابن لال) أحمد بن علي وكذا الديلمي (عن أبي سعيد) الخدري وفيه إسماعيل بن عمر شيخ لا يعرف
وعطية العرفي أورده الذهبي في الضعفاء وقال: ضعفوه.
١٢٣٩ - (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده)، لأن به فضلت الأنبياء على غيرهم، وهم إنما
تفاضلوا فيما بينهم بالعلم به لا بغيره من الأعمال (ثم الجهاد، ثم حجة مبرورة) أي مقبولة أو لم
يخالطها إثم من الإحرام إلى التحلل الثاني أو لا رياء فيها، أقوال رجح النووي ثانيها والحجة المبرورة
(تفضل سائر الأعمال، كما بين مطلع الشمس إلى مغربها) عبارة عن المبالغة في سموها على جميع أعمال
البر قال النووي: وذكر هنا الحج بعد الإيمان وفي خبر آخر بدل الحج العتق وفي آخر بدأ بالصلاة فالبر
فالجهاد وفي آخر السلامة من نحو يد ولسان. وإختلاف الأجوبة باختلاف الأحوال والأشخاص كما
تقدم وقدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن لقصور نفع الحج غالباً وتعدي نفع الجهاد أو كان
حیث کان الجهاد فرض عین و کان أهم منه حالتئذٍ وهذا الحديث له تتمة عند أحمد من حديث عمرو بن
العاص: سياقه سأل رجل رسول الله وَر أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله وتصديق به وجهاد في
سبيله وحج مبرور قال: أكثرت يا رسول الله، قال: فلين الكلام وبذل الطعام وسماح وحسن خلق
قال الرجل: أريد كلمة واحدة قال رسول الله وَّر: إذهب لا تتهم الله على نفسك انتهى. (طب عن
ماعز) في الصحابة متعدد فكان اللائق تمييزه وقيل إن هذا غير منسوب وظاهر صنيع المصنف أنه لا
يوجد إلا عند الطبراني، وهو عجيب فقد خرجه أحمد في المسند قال الهيثمي بعد ما عزاه له وللطبراني
رجال أحمد رجال الصحيح فاقتضى أن رجال الطبراني ليسوا كذلك فكان ينبغي للمصنف عزوه إليه
لكن الحديث له شواهد ترقيه إلى الصحة، بل ادعى بعضهم تواتره فمنها ما رواه أحمد عن عبادة أن
رجلاً أتى المصطفى وسلم فقال يا نبي الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في
سبيله، قال: أريد أهون من ذلك قال: السماحة والصبر، قال: أريد أهون من ذلك، قال: لا تهتم
الله في شيء قضی لك به.
١٢٤٠ - (أفضل الأعمال العلم بالله) أي معرفة ما يجب له ويمتنع عليه من الصفات والسلوب
والإضافات، فالعلم بذلك أفضل الأعمال وأشرف العلوم وأهمها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم
قادر مكلف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصور علم فقه ولا حديث ولا تفسير فجمع العلوم متوقفة
على علم الأصول وتوقفها عليه ليس بطريق الخدمة بل الإضافة والرئاسة ومن ثم عد رئيس العلوم
كلها، فمعرفة الله تعالى والعلم به أول واجب مقصود لذاته على المكلف، لكن ليس المراد بالمعرفة
الحقيقية لأن حقيقته تعالى غير معلومة للبشر ولا العيانية لأنها مختصة بالآخرة عند مانعي الرؤية في
الدنيا مطلقاً أو لغير نبينا وهم الجلة الأكابر أو الأولي الرتب العلية وقليل ما هم ولا الكشفية فإنها منحة

,٣٦
حرف الهمزة
١٢٤١ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ)). (د) عن أبي ذر.
إلهية ولا نكلف بمثلها إجماعاً بل البرهانية وهي أن يعلم بالدليل القطعي وجوده تعالى وما يجب له
ويستحيل عليه كما تقرر. وسبب الحديث أن رجلاً جاء النبي وَ له وقال: أي الأعمال أفضل؟ قال:
العلم بالله، ثم أتاه فسأله فقال مثل ذلك، فقال: يا رسول الله، إنما أسألك عن العمل. فقال: (إن
العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره)، لأن العبادة المعول عليها، إنما هي ما كانت عن العلم به
فأجل المقاصد وأهم المطالب وأعظم المواهب العلم بالله فهو أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في
الآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها وإنما يشعر تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له
الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة، وأما في الدنيا فإن شعر فبعض شعور قال بعضهم: لا ينبغي
لعاقل أن يأخذ من العلوم إلا ما يصحبه إلى البرزخ لا ما يفارقه عند انتقاله إلى عالم الآخرة وليس
المنتقل معه إلا العلم بالله والعلم بمواطن الآخرة حتى لا ينكر التجليات الواقعة فيها ولا طريق لذلك
إلا بالخلوة، والرياضة، والمجاهدة، أو الجذب الإلهي. (وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا
كثيره). لأن العلم هو المصحح للعمل والناس بمعرفته يرشدون وبجهله يضلون فلا تصح إذاً عبادة
جهل فاعلها صفات أدائها ولم يعلم شروط إجزائها. وفي طيه حث على أنه ينبغي للعاقل أن ينفي عن
نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم وغفلة الإهمال بإسقاط المعاناة ويرغب في العلم رغبة متحقق
الفضائله واثق بمنافعه ولا يلهيه عن طلبه كثرة مال وجدة ولا نفوذ أمر وعلو قدر، فإن من نفذ أمره
فهو إلى العلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق انتهى. قال ابن حجر: وفيه أن العلم بالله
ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدراً من مجرد العبادة البدنية (الحكيم) الترمذي في النوادر (عن أنس)
قال الزين العراقي: وسنده ضعيف انتهى. فكان على المصنف استيعاب مخرجيه إيماءً إلى تقويته
فمنهم ابن عبد البر وغيره.
١٢٤١ - (أفضل الأعمال الحب في الله)، أي في ذات الله لا لشوب رياء ولا هوى (والبغض في
الله) قال الطيبي: في هنا بمعنى اللام في الحديث الآتي من أحب الله إشارة إلى الإخلاص لكن في هنا
أبلغ أي الحب في جهته ووجه كقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]
أي في حقنا ومن أجلنا، ولوجهنا خالصاً فمن أفضل الأعمال أن يحب الرجل الرجل للإيمان
والعرفان. لا لحظ نفساني كإحسان، وأن يكرهه للكفر والعصيان لا لإيذائه له والحاصل أن لا يكون
معاملته مع الخلق إلا الله ومن البغض في الله بغض النفس الأمارة بالسوء وأعداء الدين، وبغضهما
مخالفة أمرهما والمجاهدة مع النفس بحبسها في طاعة الله بما أمر ونهى ومع أعدائه تعالى بالمصابرة معهم
والمرابطة لأجلهم وهذا الحديث على وجازته من الجوامع ومن تدبره وقف على سلوك طريق الله وفناء
السالك في الله. ثم إن قيل كيف يكون الحب في الله والبغض فيه أفضل من نحو الصلاة والصوم
والجهاد؟ قلنا من أحب في الله يحب أنبياءه وأولياءه ومن شرط محبته إياهم أن يقفوا أثرهم ويطيع
أمرهم؛ قال القائل :
تَعْصي الإلهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبّهُ هَذَا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بَدِيعُ

٣٧
حرف الهمزة
١٢٤٢ - ((أَفْضَلُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ). (هب) عن أبي هريرة (ح).
١٢٤٣ - ((أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ)). (طب حل) عن عبادة بن
الصامت (ض).
لو كانَ حُك صَادِقاً لأطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لَمَنْ يحبُّ مُطِيعُ
وكذا من أبغض في الله أبغض أعداءه، وبذل جهده في مجاهدتهم بالبنان واللسان. قال ابن
رسلان: وفيه أنه يجب أن یکون للإنسان أعداء یبغضهم في الله کما له أصدقاء يحبهم في الله تعالی (د عن
أبي ذر) قال الصدر المناوي: وفيه رجل مجهول.
١٢٤٢ - (أفضل الأيام) أي أيام الأسبوع. قال أبو البقاء: أصل أيام أيوام اجتمعت الواو والياء
وسبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الأولى فيها (عند الله) العندية التشريف (يوم
الجمعة) لما له من الفضائل التي لم تجتمع لغيره فمنها أن فيه ساعة محققة الإجابة وموافقته يوم وقفة
المصطفى وَ* وإجتماع الخلائق فيه في الأقطار للخطبة والصلاة، ولأنه يوم عيد كما في الخبر لموافقته
يوم الجمع الأكبر والموقف الأعظم يوم القيامة، ومن ثم شرع الإجتماع فيه والخطبة ليذكروا المبدأ
والمعاد والجنة والنار ولهذا سن في فجره قراءة سورتي السجدة وهل أتى، لاشتمالهما على ما كان
ويكون في ذلك اليوم من خلق آدم والمبدإ والمعاد، ولأن الطاعة الواقعة فيه أفضل منها في سائر الأيام
حتى أن أهل الفجور يحترمون يومه وليلته ولموافقته يوم المزيد في الجنة وهو اليوم الذي يجتمع فيه أهلها
على كثبان المسك، فلهذه الوجوه فضلت وقفة الجمعة على غيره، لكن ما استفاض أنها تعدل اثنتين
وسبعين حجة باطل لا أصل له كما بينه بعض الحفاظ، ثم الكلام في أفضل أيام الأسبوع، أما أفضل
أيام العام فعرفة والنحر وأفضلهما عند الشافعي عرفة لأن صيامه يكفر سنتين وما من يوم يعتق الله فيه
الرقاب أكثر منه فيه، ولأن الحق سبحانه يباهي ملائكته بأهل الموقف، وقيل الأفضل يوم النحر ففيه
التضرع والتوبة وفي النحر الوفادة والزيارة (هب عن أبي هريرة) إسناده حسن.
١٢٤٣ - (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت) فإن من علم ذلك استوت سريرته
وعلانيته، فهابه في كل مكان واستحى منه في كل زمان والهيبة والحياء وثاقان لنفس العبد من كل ما
ذكره الله سراً وجهراً، وبطناً وظهراً، فالنفس في هذه الأحوال الأربع تخشع لهيبته، وتذل وتحمد
شهواتها وتقل حركاتها، فإذا كان من الله لعبده تأييد بهذين فقد استقام والمراد بذلك علم القلب، لا
علم اللسان. فقد علم الموحدون أن الله معهم بالنص القرآني: ﴿ما يبكون من نجوى ثلاثة إلا هو
رابعهم﴾ الآية [المجادلة: ٧] لأن الإيمان شهادة القلب لأنه سبحانه حيّ قائم موجود وإله واحد
معبود فهذا هو الإيمان العام الذي من سلبه غير مؤمن. ثم لشهود القلب مراتب ومن أفضلها شهوده
لله في کل مکان يكون فيه العبد على أي حال كان من خلاء وملاء، وسراء وضراء. ونعيم وبؤس،
وطاعة وعصيان، فيكون في حال الخلاء مستحياً وفي هذا الملاء متوكلاً، وفي السراء حامداً وفي الضراء
راضياً، وفي الغنى بالافضال، وفي الإقلال بالصبر، وفي الطاعة بالإخلاص، وفي المعصية بطلب
الخلاص (طب حل) من حديث نعيم بن حماد عن عثمان بن كثير عن محمد بن مهاجر عن عمرة عن

٣٨
حرف الهمزة
١٢٤٤ - ((أَفْضَلُ الإِيمَانِ: الصَّبْرُ، وَالسَّمَاحَةُ)). (فر) عن معقل بن يسار (تخ) عن
عمير الليثي (صح).
١٢٤٥ - ((أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ
ابن غنم (عن عبادة بن الصامت) ثم قال أبو نعيم: غريب من حديث عروة لم نكتبه إلا من حديث
محمد بن مهاجر اهـ ونعيم بن حماد أورده الذهبي في الضعفاء، وقال وثقه أحمد وجمع، وقال النسائي:
غير ثقة وقال الأزدي وابن عدي قالوا كان يضع، وقال أبو داود: عنده نحو عشرين حديثاً لا أصل
لها. اهـ ومحمد بن مهاجر فإن كان هو القرشي فقال البخاري: لا يتابع على حديثه، أو الراوي عن
وكيع فكذبه جزرة كما في الضعفاء للذهبي وبه يتجه رمز المؤلف لضعفه .
من ذكري .
١٢٤٤ - (أفضل الإيمان): أي من أفضل خصاله (الصبر) أي حبس النفس على کریه تتحمله أو
عن لذيذ تفارقه وهو ممدوح مطلوب (والمسامحة) يعني المساهلة، في رواية السماحة بدل المسامحة وذلك
لأن حبس النفس عن شهواتها وقطعها عن لذاتها ومألوفاتها تعذيب لها في رضا الله وذلك من أعلى
خصال الإيمان، وبذل المال وغيره من المقتنيات مشق صعب إلا على من وثق بما عند الله واعتقد أن ما
أنفقه هو الباقي، فالجود ثقة بالمعبود من أعظم خصال الإيمان، قال الزركشي: والسماحة تيسير الأمر
على المسامح. وروي نحو ذلك عن الحسن وأنه قيل له: ما الصبر والسماحة؟ فقال: الصبر عن محارم
الله والسماحة بفرائض الله، وفي الحديث وما قبله وما بعده أن من الإيمان فاضل ومفضول فيزيد
وينقص إذ الأفضل أزيد، وفي خبر: من سامح سومح له (فر عن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة
وبالقاف المكسورة (ابن يسار) ضد اليمين المزني بضم الميم وفتح الزاي، وفيه زيد العمي، قال الذهبي
في الضعفاء: ضعيف متماسك (تخ عن عمير) مصغر عمر، بن قتادة بن سعد (الليثي) صحابي من
مسلمة الفتح، وفي مسند أبي يعلى: أنه استشهد مع المصطفى وَّ قال: قال رجل يا رسول الله، ما
أفضل الإيمان؟ فذكره، وفيه شهر بن حوشب، ورواه البيهقي في الزهد بلفظ: أي الأعمال أفضل؟
قال: الصبر والسماحة، قال الحافظ العراقي: ورواه أبو يعلى وابن حبان في الضعفاء من حديث جابر
بلفظ: سئل عن الإيمان فذكره، وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفه الجمهور ورواه أحمد من
حديث عمرو بن عنبسة بلفظ: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة، وحسن الخلق. وإسناده
صحيح. إلى هنا كلام الحافظ، وبه يعرف أن إهمال المصنف لرواية البيهقي مع صحة سندها وزيادة
فائدتها غیر جيد.
١٢٤٥ - (أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله)، لا لغيره، فيحب أهل المعروف لأجله لا
لفعلهم المعروف معه ويكره أهل الفساد والشر لأجله لا لإيذائهم له (وتعمل لسانك في ذكر الله عز
وجل)، بأن لا تفتر عن النطق به، فإن الذكر مفتاح الغيب وجاذب الخير وأنيس المستوحش، ومنشور
الولاية، قال وهب: أوحى الله إلى داود: أسرع الناس مروراً على الصراط الذين يرضون بحكمي،
وألسنتهم رطبة من ذكري. والمراد أنه يعمل اللسان مع القلب، فإن الذكر مع الغفلة ليس له كبير

٣٩
حرف الهمزة
وَجَلَّ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَقُولَ خَيْراً أَوْ
تَصْمُتَ)). (طب) عن معاذ بن أنس (ض).
١٢٤٦ - ((أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)). (هـ) عن أبي
سعيد (حم هـ طب هب) عن أبي أمامة (حم ن هب) عن طارق بن شهاب (صح).
جدوى، لكن لما كان اللسان هو الترجمان اقتصر عليه مع إرادة ضميمة الذكر القلبي (وأن تحب للناس)
من الطاعات والمباحات الدنيوية والدينية (ما) أي مثل الذي (تحب لنفسك) من ذلك، وليس المراد أن
يحصل لهم ماله مع سلبه عنه ولا مع بقاء عينه له إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال (وتكره لهم
ما تكره لنفسك)، من المكاره الدنيوية والأخروية (وأن تقول خيراً) كلمة تجمع الطاعات والمباحات
وتخرج المنهيات (أو تصمت) أو تسكت، والمراد بها هنا مطلق المشاركة المستلزمة لكف الأذى والمكروه
عن الناس والتواضع لهم وإظهار عدم المزية عليهم، فلا ينافي كون الإنسان يحب بطبعه لنفسه كونه
أفضل الناس، على أن الأكمل بخلاف ذلك، فقد قال الفضيل لابن عيينة: إن وددت أن تكون الناس
مثلك فما أدّيت النصح فكيف لو وددت أنهم دونك، ومقصود الحديث وما في معناه إئتلاف القلوب
وانتظام الأحوال، وهذه هي قاعدة الإسلام التي أوصى الله بها بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً
ولا تفرقوا،﴾ .. الآية. [آل عمران: ١٠٣] وإيضاحه أن كلا منهم إذا أحب لجميعهم مثل ماله من الخير
أحسن إليهم وكف أذاه عنهم فيحبونه فتسري بذلك المحبة بينهم ويكثر الخير ويرتفع الشر وينتظم أمر
المعاش والمعاد وتصير أحوالهم على غاية السداد (طب عن معاذ بن أنس) قال: سألت النبي وَل عن
أفضل الإيمان فذكره، قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وهو ضعيف .
١٢٤٦ - (أفضل الجهاد) أي من أفضل أنواع الجهاد بالمعنى اللغوي العام (كلمة حق) بالإضافة
ويجوز تركها وتنويئها وفي رواية للترمذي: عدل: بدل حق، وأراد بالكلمة الكلام وما يقوم مقامه
كالخط (عند سلطان جائر) أي ظالم، لأن مجاهد العدو متردد بين رجاء وخوف، وصاحب السلطان إذا
أمره بمعروف تعرض للتلف فهو أفضل من جهة غلبة خوفه، ولأن ظلم السلطان يسري إلى جم غفير
فإذا كفه فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر، والمراد بالسلطان: من له سلاطة وقهر،
وقضيّة صنیع المؤلف أن هذا هو الحدیث بکماله، ولا کذلك بل تمامه عند مخرجه ابن ماجه کأبي داود:
أو أمیر جائر.
تتمة: أصل الجهاد بالكسر لغة المشقة، وشرعاً بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق على مجاهدة
النفس وعلى تعلم أمور الدين ثم العمل بها على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من
الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فباليد والمال، والقلب والقالب، وأما الفساق
فباليد ثم اللسان ثم القلب. فائدة: قال الدميري: دخل النور البكري على محمد بن قلاوون فقال: قال
رسول الله وعليه: أفضل الجهاد وذكر الحديث. ثم قال له: وأنت ظالم، فأمر بقطع لسانه فجزع
واستغاث فشفع به بعض الأمراء، فقال السلطان: ما أردت إلا امتحان إخلاصه ثم نفاه (ه عن أبي

٤٠
حرف الهمزة
١٢٤٧ - ((أَفْضَلُ الْجِهَادِ أَنْ يُجَاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ)). ابن النجار عن أبي
ذر (ض).
سعيد) الخدري، وكذا رواه أبو داود والترمذي باللفظ المذكور من الوجه المزبور، ولعل المصنف ذهل
عن ذلك، ثم إن فيه عند الكل عطية العوفي، قال في الكاشف: ضعفوه (حم طب هب عن أبي أمامة
الباهلي) قال: عرض لرسول الله وَل﴿ رجل عند الجمرة الأولى فقال: أي الجهاد أفضل؟ فسكت، فلما
رمی الثانية سأله فسكت ثم سأله عند العقبة فوضع رجله في الغرز: أي الرکاب، ثم ذکره، ثم قال:
أعني البيهقي: وإسناده لين، قال: وله شاهد مرسل بإسناد جيد، ثم ساقه عن الزهري بلفظ: أفضل
الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر (حم ن هب) والضياء أيضاً كلهم (عن طارق) بالمهملة والقاف (ابن
شهاب) ابن عبد شمس البجلي الأحمسي له رؤية ورواية، قال في الرياض: رواه النسائي بإسناد
صحیح، وکذا قال المنذري فالمتن صحيح.
١٢٤٧ - (أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل) ذكر الرجل وصف طردي (نفسه) في ذات الله (وهواه)
بأن يكفهما عن الشهوات ويمنعهما عن الاسترسال في اللذات ويلزمهما فعل الأوامر وتجنب المناهي،
فإنه الجهاد الأكبر والهوى أكبر أعدائك، وهو ونفسك أقرب الأعداء إليك لما أن ذلك بين جنبيك والله
يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة: ١٢٣] ولا أكفر عندك من
نفسك، فإنها في كل نفس تكفر نعمة الله عليها، وإذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك جهاد
الأعداء الذي إن قتلت فيه كنت شهيداً من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون، ولعمري إن جهاد النفس
لشديد بل لا شيء أشد منه، فإنها محبوبة وما تدعو إليه محبوب، فكيف إذا دعيت إلى محبوب فإذا عكس
الحال وخولف المحبوب اشتد الجهاد بخلاف جهاد أعداء الدين والدنيا، ولهذا قال الغزالي: وأشد
أنواع الجهاد الصبر على مفارقة ما هواه الإنسان وألفه، إذ العادة طبيعة خامسة، فإذا انضافت إلى
الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله ولا يقوى باعث الدين على قمعهما. فلذا كان
أفضل الجهاد، وقال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله، وهي تبكي حتى سقتها إليه وهي
تضحك. تنبيه: قال ابن عربي: العلل في طريق السالكين ليس لها محل إلا النفوس فقط لا حظ فيها
للعقول ولا للبدن فإن دواء علل العقول اتخاذ الميزان الطبيعي وإزالة الفكر ومداومة الذكر ليس إلا
وعلل البدن الأدوية الطبية، وأما أمراض النفس فثلاثة: مرض في الأقوال كإلتزام قول الحق فإن الغيبة
حق وقد نهي عنها، والنصيحة في الملأ حق وهي نصيحة مذمومة وكالمنّ والتحدث بما لا يعني ونحو
ذلك، ومرض في الأفعال كالرياء والعجب، ومرض في الأحوال كصحبة للأولياء ليشيع أنه منهم وهو
في نفسه مع شهوته، فمن عرف هذه العلل وأدواءها وخلص نفسه منها فقد نفعها، وذلك أفضل
الجهاد مطلقاً فإنه فرض عين مطلقاً (ابن النجار) في تاريخه (عن أبي ذر) ظاهر صنيع المصنف أنه لم يره
مخرجاً لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وهو ذهول عجيب، وقد خرجه الحافظ أبو نعيم
والديلي من حديث أبي ذر بلفظ: أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله .
١٢٤٨ - (أفضل الحج العج) بفتح العين المهملة (والثج) أي أفضل أعمال الحج رفع الصوت