النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ حرف الهمزة ٨٩٥ ـ ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابٍ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءٌ؛ وَفِي الأُخْرَى شِفَاءٌ)). (خ هـ) عن أبي هريرة. ٨٩٦ - ((إِذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ فَقُلْ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ ٨٩٥ - (إذا وقع) أي سقط (الذباب) بذال المعجمة، واحده ذبابة (في شراب أحدكم) ماء أو غيره من المائعات، وفي رواية ابن ماجه: إذا وقع في الطعام، وفي أخرى: وقع في إناء أحدكم؛ والإناء يكون فيه كل مأكول ومشروب (فليغمسه) وفي رواية فليمقله زاد الطبراني: كله وفيه دفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه. والأمر إرشادي لمقابلة الداء بالدواء (ثم لينزعه) وفي رواية البخاري: لينتزعه - بزيادة فوقية قبل الزاي - وفي الطبراني: ثم ليطرحه، وفي البزار برجال ثقات: أنه يغمس ثلاثاً مع قول بسم الله (فإن في إحدى) بكسر الهمزة وسكون الحاء (جناحيه) وهو الأيسر على ما قيل؛ وإنما قال إحدى: لأن الجناح يذكر ويؤنث لقولهم في جمعه أجنحة وأجنح، فأجنح جمع المذكر، وأجنحة جمع المؤنث (داء) أي قوة سمية يدل عليها الورم. والحكة العارضة عند لدغه وهي بمنزلة سلاحه فإذا سقط في شيء تلقاه بها. قال الزركشي: وداء منصوب اسم إن (وفي الأخرى) بضم الهمزة، قيل وهي اليمنى، وفي رواية: الآخر بالتذكير (شفاء) حقيقة فأمر الشارع بمقابلة السمية بما في جناحه الآخر من الشفاء. ولا بعد في حكمة الله أن يجعلهما في جزء الحيوان الواحد كالعقرب بابرتها السم ويداوي منه بجزء منها، فلا ضرورة للعدول عن الحقيقة هنا وجعله مجازاً، كما وقع للبعض حيث جعله من الطب الروحاني بمعنى إصلاح الأخلاق وتقويم الطباع بإخراج فاسدها وتبقية صالحها. قال التوربشتي: ووجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء والآخر دواء فيما أقامه الله لنا من عجائب خلقه وبدائع فطرته شواهد ونظائر، منها النحلة يخرج من بطنها شراب نافع وبث في إبرتها السم الناقع. والعقرب تهيج الداء بإبرتها ويتداوى من ذلك بجرمها. وأما اتقاؤه بالجناح الذي فيه هذا الداء على ما ورد في رواية فإنه تعالى ألهم الحيوان بطبعه ما هو أعجب منه. فلينظر المتعجب من ذلك إلى النملة كيف تسعى لجمع القوت وتصون الحب على المدى وتجفف الحب إذا أثر فيه الندى ثم تقطع الحب لئلا ينبت وتترك الكزبرة بحالها لكونها لا تنبت وهي صحيحة. فتبارك الله. وفيه أن الماء القليل والمائع لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه؛ إذ غمسه يفضي لموته. فلو نجسه لم يأمر به، لكن شرطه ألا يغير ولا يطرح، وبهذا أخذ الشافعي، ونوزع بأن المقل لا يوجب الموت، فهو للمنع عن العيافة، فإن سلم فإلحاق كل ما لا نفس له سائلة به باطل إذ قد لا يعم وجوده؛ وردّ الأول بأن المقل سبب للموت فلو نجس لم يأمر به؛ إذ مظنة النجاسة كالنجاسة، والثاني بأن سبب عفوه عدم الدم المتعفن فيطرد في كل ما اتصف به (خ • عن أبي هريرة). ٨٩٦ - (إذا وقعت في ورطة) أي بلية يعسر الخروج منها، وأصل الورطة: الهلاك، ثم استعمل في كل شدة وأمر شاق أي إذا وقعت في شدة وأردت الخلاص منها (فقل) عند ذلك ندباً (بسم الله الرحمن الرحيم) أستعين على التخلص من ذلك (ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال الأكمل : الحول الحركة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وقيل معناه لا حول في دفع الشر ولا استطاعة في جلب الخير ! ٥٨٢ حرف الهمزة إِلَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْرِفُ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ». ابن السني في عمل يوم وليلة عن علي (ض). ٨٩٧ - ((إِذَا وَقَعْتُمْ فِي الأَمْرِ الْعَظِيمِ فَقُولُوا: ((حَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)». ابن مردويه عن أبي هريرة (ض). ٨٩٨ - ((إِذَا وُقِعَ فِي الرَّجُلِ وَأَنْتَ فِي مَلٍَّ فَكُنْ لِلرَّجُلِ نَاصِراً، وَلِلْقَوْمِ زَاجِراً، وَقُمْ عَنْهُمْ)». ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أنس (ض). ٨٩٩ - ((إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ». (حم م دن) عن جابر (ت هـ) عن أبي قتادة (صح). إلا بالله. ويعبرَّ أهل اللغة عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة (العلي) الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته (العظيم) عظمة تتقاصر عنها الأفهام لما غلب عليها من الأوهام. قال الحراني ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنازل عن إدراك العقول (فإن الله تعالى بصرف ما شاء من أنواع البلاء) إن تلفظ بها بصدق وقوة إيقان بما أخبر به الشارع من المضار والمنافع (ابن السني في عمل يوم وليلة عن علي) قال: قال لي رسول الله ويليه: يا علي ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة قلتها؟ قلت بلى جعلني الله فداءك. فذكره. ٨٩٧ - (إذا وقعتم في الأمر العظيم) أي الصعب المهول (فقولوا) ندباً عند ذلك (حسبنا الله) أي كافينا (ونعم الوكيل) الموكل إليه، لأن فيه رفضاً للأسباب واستغناء بمسببها، ومن اكتفى به لم يخیبه، بل يكشف همه ويزيل غمه. ولو أن أحداً التجأ إلى ملك من ملوك الدنيا لها به طالبه وكف عنه إعظاماً للملتجيء إليه، فكيف بمن يحتسب برب العالمين ويكتفي به عن الخلق أجمعين؟ ولا تدافع بين هذا وما قبله، لأن المصطفى ﴿ كان يختلف جوابه باختلاف السائلين والمخاطبين، فيجيب كل واحد بما يناسبه (ابن مردويه) في تفسيره (عن أبي هريرة) بسند ضعيف. ٨٩٨ - (إذا وقع في الرجل) بالبناء للمفعول، والرجل غالبي: أي سب واغتيب (وأنت في ملا) أي جماعة فيهم من وقع فيه؛ وخص الوقوع في الملا لأهمية الرد لا لإخراج غيره؛ فلو كان مع واحد فكذلك (فكن للرجل ناصراً) أي مقوياً مؤيداً راداً عليهم ما قالوه (وللقوم زاجراً) أي مانعاً عن الوقيعة فيه (وقم عنهم) أي انصرف عن المحل الذي هم فيه إن لم ينتهوا عن ذلك المنكر، فإن المقر على الغيبة بمنزلة الفاعل، وقد ينزل عليهم سخط فيصيبك، قال الغزالي: جوارحك عندك أمانة، فاحذر أن تصغي بها إلى خوض في باطل أو ذكر مساوىء الناس، فإنما جعلت لك لتسمع بها كلام الله ورسوله وحكمه، فإذا أصغيت بها إلى المكاره صار ما كان لك عليك (ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أنس). ٨٩٩ - (إذا ولي) بفتح فكسر، وفي رواية إذا كفن (أحدكم أخاه) في الدين أي تولى أمره حرف الهمزة ٥٨٣ ٩٠٠ - ((إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ، وَيَتَزَاوَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ)). سموية (عق خط) عن الحارث عن جابر (ض). ٩٠١ ـ ((أَذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُوا لِلَّهِ، وَأَطْعِمُوا)). (دن هـ نبيشة (صح). وتجهيزه. وکل من تولى أمر واحد فھو ولیہ۔ کما في الصحاح (فليحسن كفنه) بالتشديد وضبطه الأكثر بفتح الفاء، وفي الديباج أنه الأشهر وحكى عياض سكونها: أي فعل التكفين منه إسباغ وعموم وتحسين وتعطير ونحوها، وليس المراد المغالاة في ثمنه فإنه مکروه (حم م دن عن جابر ته عن أبي قتادة). ٩٠٠ - (إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه) بأن يختار له من الثياب أنظفها وأسبغها. قال التوربشتي: وما يؤثره المبذرون من الثياب الرفيعة منهتي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال (فإنهم) أي الموتى، على حد ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] (يبعثون) من قبورهم (في أكفانهم) التي يكفنون عند موتهم فيها ولا يناقضه حشرهم عراة لأنهم يقومون من قبورهم بثيابهم ثم يجردون (ويتزاورون) في القبور (وفي أكفانهم) التي يكفنون عند موتهم فيها ولا ينافيه قول الصديق: ((الكفن إنما هو للصديد لأنه كذلك في رؤيتنا لا في نفس الأمر))، ولا خبر: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً) - لاختلاف أحوال الموتى، فمنهم من يعجل له الكسوة لعلو مقامه، ومنهم من لم يبلغ ذلك فيستمر في كفنه ويتزاور فيه في البرزخ. وفيه رد على ابن الحاج حيث قبح قول الناس: الموتى يتفاخرون في أكفانهم في القبور وحسنها وجعله من البدع الشنيعة (سموية) في فوائده (عق خط) في ترجمة سعيد العطار (عن أنس) ظاهر صنيعه أن الخطيب لم يخرجه إلا من حديث أنس، ولا كذلك، بل خرجه من حديثه ومن حديث جابر في موضع واحد، وحديث جابر قال في اللسان عن العقيلي إسناده صالح بخلاف حديث أنس، فاقتصر على المعلول وحذف المقبول (الحارث) بن أبي أسامة عن روح عن زکریا عن أبي الزبير (عن جابر) وروح، قال الذهبي وغيره متروك وأورده ابن الجوزي في الموضوع ونازعه المؤلف على عادته . ٩٠١ - (اذبحوا لله) أي اذبحوا الحيوان الذي يحل أكله إن شئتم واجعلوا الذبح لله (في أي شهر كان) رجباً أو غيره (وبروا) بفتح الموحدة وشِد الراء: أي تعبدوا الله وأطعموا) بهمزة قطع: أي الفقراء وغيرهم كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة نحر منها بكراً في رجب لصنمه، يسمونه الفرع، فنهى المصطفى 98 عن الذبح للصنم وأمر بالذبح لله، والصحيح عند الإمام الشافعي ندب الفرع والعتيرة وهي ما يذبح في رجب، وخبر: ((لا فرع ولا عتيرة)): المراد به الوجوب أو نفي ما يذبح للصنم، أما تفرقة اللحم للفقراء فبر وصدقة في أي وقت كان (دن ، ك عن نبيشة) بنون مضمومة وشين معجمة مصغر كما في التقريب، وكذلك ضبطه به المؤلف وهو ابن عبد الله الهذلي ويقال له الخير نبيشة سماه بذلك النبي *8* صحابي قليل الحديث، قال قيل يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ فذكره. قال الحاكم صحيح فقال الذهبي - مستدركاً علیه - بل له علته. ::.. ٥٨٤ حرف الهمزة ٩٠٢ - ((أُذْكُرُ اللَّهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى مَا تَطْلُبُ)). ابن عساكر عن عطاء بن أبي مسلم مرسلاً (ض). ٩٠٣ - ((أُذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ إِنَّكُمْ تُرَاؤُونَ)). (طب) عن ابن عباس (ض). ٩٠٢ - (اذكر الله) بالقلب فكراً وباللسان ذكراً بأن تقول لا إله إلا الله مع الإخلاص، والذكر ثلاث نفي وإثبات بغير نفي وإشارة بغير تعرض لنفي ولا إثبات. فالأول قول لا إله إلا الله، والذكر به قوام كل جسد وموافق لمزاج كل أحد، الثاني ذكر اسمه الشريف الجامع وهو الله اسم جلال محرق ليس كل أحد يطيق الذكر به، والثالث ذكر الإشارة وهو هو، فدوام ذكر لا إله إلا الله سبب لليقظة من الغفلة، وذكر اسم الله سبب للخروج عن اليقظة في الذكر إلى وجود الحضور مع المذكور وذکر هو هو، سبب للخروج عن سوى المذكور اهـ وقال الفخر الرازي قال الأكثرون الأولى أن يكون الذكر في الابتداء قول لا إله إلا الله وفي الانتهاء الاختصار وفضل بعضهم الأول مطلقاً، لأن عالم القلب مشحون بغير الله، فلا بد من كلمة النفي لنفي الأغيار، فإذا خلا موضع منبر التوحيد ليجلس عليه سلطان المعرفة وبعضهم الثاني مطلقاً لأنه حين ذكر النفي قد لا يجد مهلة توصله إلى الإثبات فيبقى في النفي غير منتقل إلى الإقرار (فإنه) أي الذكر أو الله (عون لك على ما تطلب) أي لأنه مساعد لك على تحصيل مطلوبك، لأنه الله سبحانه وتعالى يحب أن يذكر ولو من فاسق. فإذا ذكره ثم دعاه أعطاه ما تمناه، ولهذا قال بعض الصوفية: الإعراض عن الذكر يشوش الرزق ويضيق المعيشة، وأخرج ابن عساكر أن أبا مسلم الخولاني كان يكثر الذكر فرآه رجل فقال مجنون صاحبكم هذا، فسمعه، فقال ليس هذا بجنون يا ابن أخي، هذا دواء الجنون (ابن عساكر) في التاريخ (عن عطاء بن أبي مسلم مرسلاً) هو الخراساني مولى المهلب بن أبي صفرة أرسل عن مثل معاذ بن جبل. ٩٠٣ - (اذكروا الله ذكراً) كثيراً جداً (حتى يقول المنافقون إنكم تراؤون) بمثناة فوقية أي حتى يرميكم أهل النفاق بالرياء لما يرون من شدة محافظتكم عليه، وهذا حث شديد على لزوم الذكر سراً وجهراً ولا يرائي أحداً به، وأما ما قيل إن الشبلي قيل له متى تستريح قال إذا لم أر له ذاكراً. فعذره أنه لا يرى ذاكراً إلا والغفلة مستولية على قلبه. فيغار لله أن يذكر بهذا الذكر لغلبة المحبة على قلبه، ومع ذلك فهو من شطحاته التي تغفر له لصدق محبته، فلا يقتدي به فيها؛ إذ يلزمه أن راحته أن لا يرى لله مصلياً ولا تالياً ولا ناطقاً بالشهادتين ومعاذ الله أن يستريح لذلك قلب هذا العارف والله لا يضيع أجر ذكر اللسان المجرد بل يثيب الذاكر وإن غفل قلبه، لكن ثواب دون ثواب، وهذا وأشباهه إذا وقع من أولئك الأجلة الأكابر إنما يصدر عنهم في حال السكر فلا يؤاخذون به كما نقل عن أبي يزيد البسطامي من نحو سبحاني وما في الجبة إلا الله. أما النار لأستعدن لها غدا وأقول اجعلني لأهلها الفدا. أما الجنة لعبة صبيان، وقوله هب لي هؤلاء اليهود ما هؤلاء حتى تعذبهم - إلى غير ذلك من شطحاتهم المعروفة فنسلم لهم حالهم معتقدين لهم ونبرأ إلى الله من كل من تعمد مخالفة الكتاب والسنة (طب عن ابن عباس) وفيه كما قال الهيتمي وغيره الحسن بن أبي جعفر الجعفي ضعيف. ٥٨٥ حرف الهمزة ٩٠٤ - ((أُذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً خَامِلاً. قِيلَ: وَمَا الذِّكْرُ الْخَامِلُ؟ قَالَ: الذِّكْرُ الْخَفِيُّ)». ابن المبارك في الزهد عن ضمرة بن حبيب مرسلاً (ض). ٩٠٥ - ((أُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ)). (دت ك هق) عن ابن عمر (صح). ٩٠٤ - (اذكروا الله ذكراً خاملاً) بمعجمة أي منخفضاً بترقيق الجلالة (قيل) أي قال بعض الصحب (وما الذكر الخامل؟ قال الذكر الخفي) بمعجمة لسلامته من نحو رياء، وقد أمر الله عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم، وإن كان ذكرهم إياه مراتب بعضها أحب إليه من بعض قال الزمخشري: وأفضل الذكر ما كان بالليل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلوة بالرب (ابن المبارك في) كتاب (الزهد عن ضمرة بن حبيب مرسلاً) هو الزبيدي، بضم الزاي الحمصي وثقه ابن معين وله شواهد كثيرة سيجيء بعضها، وعورض هذا بما قبله ونحوه من الأخبار الدالة على ندب الجهر بالذكر صريحاً أو التزاماً لحديث الحاكم عن شداد بن أوس قال إنا لعند رسول الله وَلهو إذ قال ((ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله)) ففعلنا، فقال ((اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بهذا ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد))، ثم قال ((أبشروا فإن الله تعالى قد غفر لكم)). وخبر البيهقي عن ابن الأدرع قال: انطلقت مع النبي ◌ّ ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته بالذكر، قلت يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائیاً، قال «ولکنه أواه)) وخبر ابن ماجه عن جابر أن رجلاً کان یرفع صوته بالذکر فقال رجل لو أن هذا خفض من صوته؟ فقال رسول الله وَ له ((فإنه أواه)» - وأجيب بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصل أو نائم، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل به أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى السامع ولأنه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط. وأما قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الآية فأجيب عنه بأن الآية مكية نزلت حين كان النبي وَلا يجهر بالقرآن فيسمعه الكفار فيسبون القرآن ومن أنزله فأمر بالترك سداً للذريعة وقد زال ذلك، وبأن الآية محمولة على الذاكر حال القراءة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات وبأن الأمر في الآية خاص بالنبي الكامل المكمل والأرواح القدسية. وأما غيره ممن هو محل الوسواس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيراً في دفعها، وأما قوله تعالى: ﴿ادعو ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥] فذلك في الدعاء لا في لذكر، والدعاء الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إذ نادى ربه نداء خفياً﴾ [مريم: ٣] وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما أراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت. وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شفيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهي عن الذكر ما جالسته مجلساً قط إلا ذكر الله فيه، وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني: ((إن أهل الذكر ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال وإنهم ليقومون من ذكر الله ما عليهم منها شيء)) اهـ. ٩٠٥ - (أذكروا محاسن) كمنابر (موتاكم) أيها المؤمنون (وكفوا) اصرفوا ألسنتكم وادفعوا ٥٨٦ حرف الهمزة ٩٠٦ - ((أُذِنَ لِ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكِ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةٍ سَنَةٍ)). (د) والضياء عن جابر (صح). وجهتكم (عن مساويهم) فإن سب المسلم غير المعلن بفسقه حرام شديد التحريم والمساوي جمع مسوى بفتح الميم والواو، وكل منهم إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه الحسن والسوء فأطلق على المنعوت به مجازاً: يعني لا تذكروهم إلا بخير فذكر محاسنهم مندوب وذكر مساويهم حرام إلا لضرورة أو مصلحة كتحذير من بدعة أو ضلالة كما يشير إليه أخبار المصطفى والقر بأن الثملة التي غلها مدغم تلتهب عليه ناراً، فإنه بيان لحكم الله والتحذير من الغلول قال النووي: قال أصحابنا وإذا رأی غاسل الميت ما يعجبه من نحو استنارة وجه وطیب ريح سن له أن يحدث الناس به، وإن رأى ما يكره كسواد وجه ونتن ريح وتغير عضو حرم عليه أن يحدث به لهذا الحديث (تنبيه) قال الطيبي: المأمور والمنهي بهذا الأمر إن كان من الصالحين فكما أن ذكرهم محاسن الموتى يؤثر منهم فذكرهم مساويهم ذلك فإنهم شهداء الله في الأرض، فعليه أن لا يسعى في ضرر الغير وإن كان المأمور والمنهي غيرهم فأثر النفع والضرر راجع على الغاسل فعليه أن يجتنب عما يتضرر بذكره ويتحرى ما له نفع فيه (د ت ك هق) وكذا الطبراني كلهم (عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه عمران بن أنس المكي قال الترمذي عن البخاري منكر الحديث وقال العقيلي لا يتابع على حديثه وقال في المهذب: قال البخاري عمران منكر الحديث. ٩٠٦ - (أذن لي) بالبناء للمفعول والأذن له هو الله ولولا الإذن لم يجز له التحديث، فهو تنبيه على أن من أطلعه الله على شيء من الأسرار ثم أفشاه بغير إذن عذب بالنار، وهذا محتمل لأن يكون رآه وأن يكون أوحى إليه به (أن أحدث أصحابي) أو أمتي (عن ملك) بفتح اللام: أي عن شأنه أو عظم خلقه (من ملائكة الله تعالى) قيل هو إسرافيل، أضيف إليه لمزيد التفخيم والتعظيم (من حملة العرش) أي من الذين يحملون عرش الرحمن الذي هو أعظم المخلوقات المحيط بجميع العوامل. والعرش السرير (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة) وفي رواية سبعين عاماً. أي بالفرس الجواد كما في خبر آخر، فما ظنك بطوله وعظم جثته؟ قال الطيبي: والمراد بالسبعمائة عام هنا التكثير لا التحديد. لأنه أليق بالكلام وأدعى للمقام، وقال اذن لي: ليفيد أن علم الغيب مختص به تعالى لكنه يطلع منه من شاء على ما شاء. وليس على من أطلعه أن يحدث إلا بإذنه؛ وشحمة الأذن ما لأن من أسفلها، وهو معلق القرط؛ والعاتق ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، يذكر ويؤنث (فإن قلت) الملائكة أجسام نوارنية، والأنوار لا توصف بالأذن والعاتق (قلت) لا مانع من تشكل النور على هيئة الإنسان، وأن ضرب الأذن والعاتق مثلاً مقرباً للأفهام (تنبيه) قال الإمام الرازي: اتفق المسلمون على أن فوق السماء جسم عظيم هو العرش (د) في السنة (والضياء) المقدسي في المختارة (عن جابر) وسكت عليه أبو داود ورواه عنه الطبراني في الأوسط، وقال الهيتمي رجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني فيه أيضاً عن أنس بزيادة ولفظه: أذن لي أن أحدث عن ملك من حلة العرش رجلاه في الأرض السفلي وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة سنة، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت. وفيه ٥٨٧ حرف الهمزة ٩٠٧ - ((أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ، وَلاَ تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَفْسُوَ قُلُوبُكُمْ)). (طس عد) وابن السني وأبو نعيم في الطب (هب) عن عائشة (ض). عبد الله بن المنكدر ضعيف. ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة بلفظ: أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه من الأرض السابعة والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت وأين تكون. قال الهيتمي رجاله رجال الصحيح. ٩٠٧ - (أذيبوا) أي أسيلوا، وفي المصباح ذاب الشيء سال، والذائب خلاف الجامد (طعامكم) أي ما تناولتموه من عشائكم وغذائكم (بذكر الله) أي بملازمة الذكر عليه من نحو قراءة وتهليل وتكبير (والصلاة) الشرعية، يعني اذكروا الله وصلوا عقب الأكل (ولا تناموا) عليه: أي بعد الطعام قبل انهضامه عن أعالي المعدة (فتقسو) أي فإنكم إن نمتم عليه تقسو، وتقسو منصوب بفتحة على الواو لأنه جواب النهي، ومن جعلها ضمير الجمع فإنما يتخرج على لغة أكلوني البراغيث (قلوبكم) أي تغلظ وتشتد وتكتسب ظلمة وحجباً، فلا تنجع فيها بعد ذلك المواعظ ولا تنزجر بالزواجر بل تصير کالحجر الصلب، ومن ثم قیل فيه : والبُهْمُ يَزْجُرُهِا الرَّاعي فَتَنْزَجِرُ ولَيْسَ يَزْجُرُكُمْ ما تُوعَظُونَ بِهِ تَبْقَى فُرُوعُ الأَصْلِ حينَ يَنْعَقِرُ؟ أَبَعدَ آدَمَ تَرْجُونَ الخُلُودَ وهَلَ والحَبْلُ في الحَجَرِ القاسي له أَثَرُ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْباً قاسياً أَبَداً والطعام ظلمة، والذكر نور، فيزال بنور الذكر ظلمة الطعام. قال الغزالي: وفيه أنه يستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ويقسو قلبه، ولكن ليصل أو يجلس يذكر الله فإنه أقرب إلى الشكر، وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات أو يسبح ملئة تسبيحة عقب كل أكلة؛ وكان الثوري إذا شبع ليلة أحياها، وإذا شبع يوماً واصله بالذكر. قال الحراني: والقسوة اشتداد التصلب والتحجر (طس عد وابن السني) في اليوم والليلة (وأبو نعيم في) كتاب (الطب) النبوي (هب عن عائشة) ظاهر صنيع المصنف أن البيهقي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه بل تعقبه بقوله هذا منكر تفرد به بزيع وكان ضعيفاً. اهـ. وقال الهيتمي بعد عزوه للطبراني: فيه بزيع وهو متروك وقال ابن محمود شارح أبي داود بعد ما عزاه لابن السني فيه بزيع الخصاف متهم. وقال العراقي في الحديث سنده ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوع، وقال بزيع متروك، وهو تعسف، لما أن الترك لا يوجب الحكم بالوضع. واعلم أن للحديث طريقين: الأول عن عبد الرحمن بن المبارك عن بزيغ عن هشام عن عروة عن عائشة، والثاني عن أبي الأشعث عن اهرم بن حوشب عن عبد الله الشيباني عن هشام عن عروة عن عائشة، فأخرجه من الطريق الأول الطبراني والأوسط وابن السني وأبو نعيم والبيهقي. ومن الطريق الثاني ابن السني. فأما بزيع فمتروك، بل قال بعضهم متهم، وأما أصرم ففي الميزان عن ابن معين كذاب خبيث وعن ابن حبان كان يضع على الثقات، وقال ابن عدي هو معروف بیزیع، فلعل أصرم سرقه منه، ولهذا حكم الجوزي بأنه موضوع، فقال موضوع بزيع متروك وأصرم كذاب ٥٨٨ حرف الهمزة ٩٠٨ - ((أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أَبِيٌّ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَ وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً، وَأَمِينُ هُذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ». (ع) عن ابن عمر (ض). وتعقبه المؤلف بأن العراقي اختصر في تخريج الإحياء على تضعيفه، وأنت خبير بأن هذا التعقب أوهن من بيت العنكبوت، وبأن له عند الديلمي شاهداً من حديث أصرم هذا عن علي مرفوعاً: ((أكل العشاء والنوم عليه قسوة في القلب)». هذا حاصل تعقبه . ٩٠٨ - (أرأف) في رواية للطبراني وغيره: أرحم (أمتي بأمتي) أي أكثرهم رأفة: أي شدة رحمة (أبو بكر) لأن شأنه العطف والرحمة واللين والقيام برعاية تدبير الحق تعالى ومراقبة صنعه، فكان يدور مع الله في التدبير ويستعمل اللين مع الكبير والصغير. والرأفة أرق الرحمة. كذا ذكره أهل المعاني. وقال الحراني هي عطف العاطف على من يجد عنده منة وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم (وأشدهم) ذكره نظيراً للمعنى: أقواهم صرامة وأصلبهم شكيمة (في دين الله عمر) لغلبة سلطان الجلال على قلبه؛ فأبو بكر مع المبتدأ وهو الإيمان، وعمر مع ما يتلوه وهو الشريعة لأن حق الله على عباده أن يوحدوه، فإذا وحدوه فحقه أن يعبدوه بما أمر ونهى؛ ولذا قيل لأبي بكر: الصديق، لأنه صدّق بالإيمان بكمال الصدق؛ وعمر فاروق لأنه فرق بين الحق والباطل. وأسماؤهما تدل على مراتبهما بالقلوب وشأن درجتهما في الأخبار متواترة (وأصدقهم حياء) من الله ومن الخلق (عثمان) بن عفان، فكان يستحي حتى من حلائله وفي خلوته. ولشدة حيائه كانت تستحي منه ملائكة الرحمن، وسيجيء في خبر: إن الحياء من الإيمان فكأنه قال أصدق الناس إيماناً عثمان، وفي خبر: الحياء لا يأتي إلا بخير فكأنه قال عثمان لا يأتي منه إلا الخير أو لا يأتي إلا بالخير (وأقضاهم علي) أي أعرفهم بالقضاء بأحكام الشرع. قال السمهودي: ومعلوم أن العلم هو مادّة القضاء. قال الزمخشري: سافر رجل مع صحب له فلم يرجع حين رجعوا فاتهمهم أهله، فرفعوهم إلى شريح، فسألهم البينة على قتله فارتفعو إلى علي فأخبروه بقول شريح فقال: ما هَكَذَا يا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وسَعْدٌ مُشْتَمِلْ ثم قال إن أصل السقي التشريع، ثم فرق بينهم وسألهم. فاختلفوا ثم أقروا بقتله فقتلهم به : وأخباره في هذا الباب مع عمر وغيره لا تكاد تحصى. قالوا وكما أنه أقضى الصحب في العلم الظاهر فهو أفقههم بالعلم الباطن: قال الحكيم الترمذي في قول المصطفى وَلّ لعليّ: ((البس الحلة التي خبأتها لك)): هي عندنا حلة التوحيد، فإن الغالب على عليّ التقدم في علم التوحيد، وبه كان يبرز على عامة أصحاب رسول الله وَله. إلى هنا كلامه. (وأفرضهم) أي أكثرهم علماً بمسائل قسمة المواريث وهو علم الفرائض (زيد بن ثابت) أي أنه يصير كذلك، ومن ثم كان الحبر ابن عباس يتوسد عتبة بابه ليأخذ عنه (وأقرؤهم) أي أعلمهم بقراءة القرآن (أبي) بن كعب بالنسبة لجماعة مخصوصين أو وقت من ٥٨٩ حرف الهمزة ٩٠٩ - ((أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ بَعْدِي كَمَا شَرَّفَتِ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا، وَكَمَا شَرَّفَتِ النَّصَارَىُّ بِيَعَهَا)). (هـ) عن ابن عباس (ح). الأوقات، فإن غيره كان أقرأ منه أو أكثرهم قراءة، أو أنه أتقنهم للقرآن وأحفظهم له (وأعلمهم بالحلال والحرام) أي بمعرفة ما يحل ويحرم من الأحكام (معاذ بن جبل) الأنصاري: يعني أنه سيصير كذلك بعد انقراض عظماء الصحابة وأكابرهم، وإلا فأبو بكر وعمر وعلي أعلم منه بالحلال والحرام وأعلم من زيد بن ثابت في الفرائض. ذكره ابن عبد الهادي. قال ولم يكن زيد على عهد المصطفى ولات مشهوراً بالفرائض أكثر من غيره، ولا أعلم أنه تكلم فيها على عهده ولا عهد الصديق رضي الله عنهم. (ألا وإن لكل أمة أميناً) أي يأتمنونه ويثقون به ولا يخافون غائلته (وأمين هذه الأمة) المحمدية. (أبو عبيدة عامر بن الجراح) أي أشدهم محافظة على الأمانة وتباعداً عن مواقع الخيانة. والأمين المأمون، وهو مأمون الغائلة: أي ليس له غدر ولا مكر. وقال ابن حجر: الأمين الثقة الرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأن له مزية فيها، لكن خص النبي وَ لآه كل واحد من الكبار بفضيلة وصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره. اهـ. وإنما قطع هذا الأخير عما قبله وعنونه بحرف التنبيه: إشارة إلى أن أولئك لم يستأثروا بجميع المآثر الحميدة بل لمن عداهم مناقب أخر، فكأنه قال لا تظنوا تفرد أولئك بجموم المناقب، بل ثم من اختص بمزايا منها عظم الأمانة كأبي عبيدة (ع) من طريق ابن السلماني عن أبيه (عن ابن عمر) بن الخطاب، وابن السلماني حاله معروف، لكن في الباب أيضاً عن أنس وجابر وغيرهما عن الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم، لكن قالوا في روايتهم بدل أرأف: أرحم، وقال الترمذي حسن صحيح، والحاكم على شرطهما. وتعقبهم ابن عبد الهادي في تذكرته بأن في متنه نكارة وبأن شيخه ضعفه، بل رجح وضعه. اهـ. وقال ابن حجر في الفتح: هذا الحديث أورده الترمذي وابن حبان من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء مطولاً، وأوله أرحم، وإسناده صحيح؛ إلا أن الحفاظ قالوا إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري. اهـ. ٩٠٩ - (أراكم) بفتح الهمزة (ستشرفون مساجدكم) أي تتخذون لها فيما سيأتي شرافات (بعدي) أي بعد وفاتي (كما شرفت اليهود كنائسها) جمع كنيسة وهي متعبدهم وتطلق على متعبد النصارى أيضاً، وهي معربة (وكما شرفت النصارى بيعها) جمع بيعة بالكسر متعبدهم. أي فأنا أنهاكم عن اتباعهم، ولستم بسامعيه بل أنتم لا بد فاعلوه مع كونه مذموماً مكروها. وأخذ بذلك الشافعية فكرهوا نقش المسجد وتزويقه واتخاذ شرافات له. قال الحراني: قوي في هذه الأمة حال تينك الملتين لما آتاهم الله من الكتاب والعلم والحكمة فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإيثار عرض الدنيا وزينتها وحللوا لهم ما حرم الله توصلا به إلى أغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من أهل التقوى فاستقر حالهم على مثل حاله حتى في مساجدهم. اهـ. وذا من معجزاته وَّه فإنه إخبار عن غيب وقع (د عن ابن عباس) وفي الباب غيره أيضاً. ٥٩٠ حرف الهمزة ٩١٠ - ((أَزْبَى الرِّبَا شَتْمُ الأَعْرَضِ، وَأَشَدُّ الشَّتْمِ الْهِجَاءُ وَالرَّاوِيَةُ أَحَدُ الشَّاتِمَيْنِ)). (عب هب) عن عمرو بن عثمان مرسلاً. ٩١١ - (أَرْبَىْ الرِّبَا تَفْضِيلُ الْمَرْءِ عَلَى أَخِيهِ بِالشَّتْمِ)). ابن أبي الدنيا في الصمت عن أبي نجيح مرسلاً (ض). ٩١٠٠ - (أربا الربا) أي أزيده إثما (شتم الأعراض) بالفتح جمع عرض بالكسر؛ أي سبها. قال الحراني: والربا هو الفضل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه، والعرض محل المدح والذم من الإنسان (وأشد الشتم الهجاء) أي الوقيعة في أعراض الناس بالشعر والرجز (والراوية) أي الذي يروي الهجاء وينشده بزور ويصوره فهو (أحد الشاتمين) بفتح الميم بلفظ التثنية أو بكسرها بلفظ الجمع: أي حكمه حكمهم في الإثم والذم. وقد استفدنا من الخبر أن الهجو حرام: أي إذا كان المعصوم ولو ذمياً وأن صدق أو كان بتعريض كما صرح به الإمام الرافعي وترد به الشهادة، أما غير معصوم كحربي ومرتد فلا، وكذا مسلم متجاهل متهتك بمعصية فيجوز هجوه بما تجاهر به فقط بقصد زجره. قال في الحماسة: أَصُون عِرْضِي بمَالي لا أُدَنِّسُهُ لا بَارَك الله بَعْدَ العِرْضِ في المَالِ (عب هب عن عمرو بن عثمان مرسلاً) ظاهر صنيع المصنف أنه لا علة فيه غير الإرسال، والأمر بخلافه؛ فقد قال الذهبي في المهذب إنه منقطع أيضاً وعمرو هذا من التابعين، كبير الشأن. ٩١١ - (أربا الربا) أي أزيده إثماً وأقبحه جرماً (تفضيل المرء) أي زيادته (على أخيه) في الإسلام (بالشتم) أي السب والذم. قال الطيبي: أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة، وجعل الربا نوعين: متعارفاً وغير متعارف وهو - أي غير المتعارف - استطالة الرجل اللسان في عرض صاحبه بأكثر مما يستحقه، ثم فضل أحد النوعين على الآخر، ولما بين العرض والمال من المناسبة. وقال الغزالي: إن ذلك من الكبائر. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه جاء رجل يشكو جاره فقال: إنك ان سببت الناس سبوك، وإن نافرتهم نافروك، وإن تركتهم تركوك، وعن سليم بن زياد. مكتوب في التوراة، من لم يسالم الناس لم يسلم، ومن شتم الناس شتم، ومن طلب الفضل من غير أهله ندم. وقال كسرى لوزيره: ما الكرم؟ قال التغافل عن الزلل، قال فما اللوم؟ قال الاستقصاء على الضعيف والتجاوز عن الشديد، قال فما الحياء؟ قال الكف عن الخنا (ابن أبي الدنيا) واسمه يحيى (في) كتاب فضل (الصمت عن أبي نجيح مرسلاً) ورواه بمعناه مسند الطبراني عن يوسف بن عبد الله بن سلام يرقعه بلفظ: أربا الربا استطالة أحدكم في عرض أخيه المسلم. قال الهيتمي: وفيه محمد بن موسى الأملي عن عمر بن يحيى ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. ورواه أيضاً أبو يعلى عن عائشة مرفوعاً بلفظ: ((أربا الربا عتد الله استحلال عرض امرىء مسلم، )) ثم قرأ ﴿والذي يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثماً مبيناً﴾ قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. ٥٩١ حرف الهمزة ٩١٢ - ((أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلاَ عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَحِفْظُ الأَمَانَةِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَعِفَّةُ مَطْعَمٍ). (حم طب ك هب) عن ابن عمر (طب) عن ابن عمرو (عد) وابن عساكر عن ابن عباس (ح). ٩١٣ - (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ)). (م) عن أبي مالك الأشعري (ح). ٩١٢ - (أربع) من الخصال (إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا) أي لا بأس عليك وقت فوت الدنيا إن حصلت هذه الخصال (صدق الحديث) أي ضبط اللسان وعفته عن الكذب والبهتان (وحفظ الأمانة) بأن يحفظ جوارحه وما أؤتمن عليه، فإن الكذوب والخائن لا قدر لهما عند الله (وحسن الخلق) بالضم - بأن يكون حسن العشرة مع خلق الله (وعفة مطعم) بفتح الميم والعين: بأن لا يطعم حراماً ولا ما قويت الشبهة فيه ولا يزيد عن الكفاية حتى من الحلال ولا يكثر من الأكل. وأطلق الأمانة لتشيع في جنسها؛ فيراعي أمانة الله في التكاليف، وأمانة الخلق في الحفظ والأداء. ثم إن ما ذكر من أن سياق الحديث ذلك هو ما في رواية أحمد وغيره، لكن لفظ رواية البيهقي بدل وحسن الخ: وحسن خليقة وعفة طعمة (حم طب ك هب عن ابن عمر) بن الخطاب قال الهيتمي بعد ما عزاه لأحمد والطبراني فيه ابن لهيعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (طب عن ابن عمرو) بن العاص، قال العراقي: وفيه أيضاً ابن لهيعة اهـ وقضية إفراد المصنف للطبراني بحديث ابن عمرو: تفرده به عن الأولين جميعاً والأمر بخلافه. بل رواه البيهقي في الشعب عنه أيضاً عقب الأول ثم قال: هذا الإسناد أتم وأصح. اهـ. فاقتصار المصنف على عزو الأول إليه وحذفه من الثاني مع كونه قال إنه الأصح: من ضيق العطن (عد وابن عساكر) في تاريخه (عن ابن عباس) قال الهيتمي: إسناد أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني حسن. اهـ. وقال المنذري: رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي بأسانيد حسنة وفيه عند البيهقي شعيب بن يحيى. قال أبو حاتم ليس بمعروف. وقال الذهبي بل ثقة عن ابن لهيعة وفيه ضعف . ٩١٣ - (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) أي من أفعال أهلها: يعني أنها معاصي يأتونها مع اعتقاد حرمتها. والجاهلية: ما قبل البعثة. سموا به لفرط جهلهم (لا يتركونهن) أي لا تترك أمتي شيئاً من تلك الخصال الأربع. قال الطيبي: قوله في أمتي: خبر لأربع: أي خصال أربع كائنة في أمتي ومن أمر الجاهلية، ولا يتركونهن: حالان من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور. وهذا خرج مخرجٍ الذم والتعييب لها؛ فأولها (الفخر في الأحساب) أي الشرف بالآباء والتعاظم بعدّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم، وذلك جهل، فلا فخر إلا بالطاعة، ولا عز لأحد إلا بالله. والأحساب جمع حسب وهو ما يعده المرء من الخصال له أو لآبائه من نحو شجاعة، وفصاحة، والثاني (الطعن في الأنساب) أي الوقوع فيها بنحو ذم وعيب: بأن يقدح في نسب أحد من الناس، فيقول ليس هو من ذرية فلان، وذلك يحرم، لأنه هجوم على الغيب، ودخول فيما لا يعني، والأنساب لا تعرف إلا من أهلها. قال ٠٠٠ ٥٩٢ حرف الهمزة ٩١٤ - ((أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَىْ عَوْنُهُمْ: الْغَازِي، وَالْمُتَزَوِّجُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْحَاجُ)). (حم) عن أبي هريرة (ح). ٩١٥ - ((أَرْبَعُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى يَرْجِعَ، وَدَعْوَةُ الْغَازِي حَتَّى يُصْدِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَاً، وَدَعْوَهُ الَّخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَأَسْرَعُ هُذِهِ الدَّعَوَاتِ إِجَابَةً ابن عربي: وهذا أمر ينشأ من النفاسة في أنه لا يريد أن يرى أحداً كاملاً، وذلك لنقصانه في نفسه، ولا يزال الناس يتطاعنون في الأنساب ويتلاعنون في الأديان ويتباينون في الأخلاق قسمة العليم الخلاق، قال: ولا أعلم نسباً سلم من الطعن إلا نسب المصطفى وَفي، والثالث (الاستسقاء بالنجوم) أي اعتقاد أن نزول المطر بظهور كذا. وهو حرام، لأنه إشراك ظاهر؛ إذ لا فاعل إلا الله، بل متى اعتقد أن للنجم تأثيراً كفر، قال الحراني. فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق مجوس هذه الأمة (و) الرابع (النياحة) أي رفع الصوت بالندب على الميت، لأنها سخط لقضاء الله ومعارضة لأحكامه. قال ابن العربي: هذه من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الأنبياء فإنهم أخبر بما يكون قبل كونه، فظهر حقاً؛ فالأربع محرمات ومع حرمتها لا يتركونها هذه الأمة - أي أكثرهم - مع العلم بحرمتها (م) في الجنائز (عن أبي مالك الأشعري) واسمه الحارث، ولم يخرجه البخاري بلفظه. ٩١٤ - (أربع حق على الله) أي يستحقون عليه (عونهم) أي اعانتهم بالنصر والتأييد والنجاح والتسديد فضلاً منه لكرامتهم عليه (الغازي) من خرج بقصد قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا (والمتزوج) بقصد عفة فرجه وتكثير النسل ليباهي به المصطفى ويّله الأمم يوم القيامة أو نحو ذلك (والمكاتب) الساعي في أداء النجوم لسيده (والحاج) أي من خرج حاجاً حجاً مبروراً وقد نظمهم المصنف فقال: وَهْوَ لَهُمْ فِي غَدٍ يُجَازِي حَقٌّ على الله عَوْنُ جَمْعِ مُكَاتَبٍ ونَاكِح عفافاً ومَنْ أَتَى بَيْتَهُ وَغَازي وذيل عليه الفارضي من أحيا أرضاً ميتة فقال: وجاء من للموات أحيى فهو لها خامس يوازي (حم عن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه. ٩١٥ - (أربع دعوات لا ترد) بالبناء للمفعول أي لا يرد الله واحدة منها (دعوة الحاج) ما دام في النسك (حتى يرجع) يعني يفرغ من أعماله ويصدر إلى أهله (ودعوة الغازي) للكفار لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى (حتى يصدر) إلى أهله أي يرجع إليهم وغاير التعبير للتفنن وكراهة لتوالي الأمثال. وأصل الصدر الانصراف يقال صدر القوم وأصدرتهم إذا صرفتهم وصدرت عن المحل رجعت (ودعوة المريض) غير العاصي بمرضه (حتى يبرأ) من مرضه أي يسلم منه وبریء ٥٩٣ حرف الهمزة دَعْوَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)). (فر) عن ابن عباس (ض). ٩١٦ - ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). (حم ق ٣) عن ابن عمرو (صح). كسلم وزناً ومعنى وعند أهل الحجاز برأ من المرض من باب قطع وفي الأساس فلان بارىء من علته وتقول العرب حق على البارىء من اعتلاله أن يؤدي شكر البارىء في إبلاله (ودعوة الأخ لأخيه) في الإسلام وإن كان حاضراً فيما يظهر (بظهر الغيب) أي وهو لا يشعر به لأنها أبلغ في الإخلاص ولأنه سبحانه يعينه في دعائه كما ينطق به خبر ((إن الله في عون العبد)) (وأسرع هؤلاء الدعوات إجابة) أو قبولاً (دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب) والغيب ما غاب عنك وحتى في القرائن الأربع بمعنى إلى نحو سرت حتى تغيب الشمس وهذا وإن أوهم أن دعاء هؤلاء لا يستجاب بعد ذلك لكن الأسباب مختلفة فيكون سبب الإجابة حنيئذٍ أمر آخر غير المذكور ولفظ الظهر مقحم ومحله نصب على الحال من المضاف إليه لأن الدعوة مصدر أضيف إلى الفاعل ذكره الطيبي (فر عن ابن عباس) وفيه عبد الرحمن بن زيد الحواري قال الذهبي قال البخاري تركوه. ٩١٦ - (أربع) من الخصال قال الكرماني مبتدأ بتقدير أربع خصال وإلا فهو نكرة صرفة والشرطية خبره ويحتمل كون الشرطية صفة وإذا حدث الخ خبره وقال التفتازاني أربع مبتدأ والجملة بعده صفة له قال والأحسن أن يجعلٍ أربع خبراً مقدماً أو مبتدأ لخبر وخصاله من إذا مفسر أي في الوجود أربع (من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً) نفاق عمل لا نفاق إيمان (ومن كانت فيه خصلة) بفتح الخاء (منهنّ) أي من هؤلاء الأربع (كان فيه خصلة) بفتح الخاء أي خلة (من النفاق حتى يدعها) أي يتركها قال الحافظ ابن حجر النفاق لغة مخالفة الباطن للظاهر فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه وقوله خالصاً أي شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال لغلبتها عليه ومصيرها خلقاً وعادة وديدنا له (إذا حدّث) أي أخبر عن ماضي الأحوال (كذب) لتمهيد معذرته في التقصير (وإذا وعد) بإيفاء عهد الله (أخلف) أي لم يف (وإذا عاهد غدر) أي نقض العهد (وإذا خاصم فجر) مال في الخصومة عن الحق وقال الباطل قال البيضاوي يحتمل أن يكون هذا مختصاً بأبناء زمانه فإنه علم بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن به صدقاً ومن أذعن له نفاقاً وأراد تعريف أصحابه بحالهم ليحذروهم ولم يصرح بأسمائهم لعلمه بأن منهم من يتوب فلم يفضحهم ولأن عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة ويحتمل كونه عاماً لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذاناً بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح فإنه كفر موّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب فعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ويحتمل أن المراد بالمنافق العرفي وهو من يخالف سره عليه مطلقاً ويشهد له قوله من كان فيه خصلة منهم الخ لأن الخصائل التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على هذا فإن نقص منها فيض القدير ج١ م٣٨ ٥٩٤ حرف الهمزة ٩١٧ - (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ، وَعَصَمَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ: مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ حِينَ يَرْغَبُ وَحِينَ يَرْهَبُ، وَحِينَ يَشْتَهِي، وَحِينَ يَغْضَبُ، وَأَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ نَشَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ رَحْمَتَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ: مَنْ آوَى مِسْكِيناً، وَرَحِمَ الضَّعِيفَ، وَرَمِقَ بِالْمَمْلُوكِ، وَأَنْفَقَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ)). الحكيم عن أبي هريرة (صح). خصلة نقص الكمال إلى هنا كلامه. قال الطيبي والكذب أقبحها لتعليله تعالى عذابهم به في قوله ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠] ولم يقل بما كانوا يصنعون من النفاق إيذاناً بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه فينبغي للمؤمن المصدق اجتنابه لمنافاته لوصف الإيمان انتهى. ويليه الخلف في الوعد، قال الغزالي: والخلف في الوعد قبيح فإياك أن تعد بشيء إلا وتفي به بل ينبغي أن يكون إحسانك للناس فعلاً بلا قول فإن اضطررت إلى الوعد فاحذر أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق والفجور لغة الميل والشق فهو هنا إما ميل عن القصد المستقيم أو شق ستر الديانة، ولا تناقض بين قوله هنا أربع وآنفاً آية المنافق ثلاث إذ قد يكون لشيء واحد علامات كل منها يحصل بها صفته فتارة يذكر بعضها وأخرى أكثرها وطوراً كلها، قال النووي والقرطبي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال لأنهما تواردا على الكذب والخيانة وزاد الأول خلف الوعد والثاني الغدر والفجور في الخصومة (حم ق ٣ عن ابن عمرو) ابن العاص وظاهر صنيع المؤلف أنه لم يخرجه من الستة إلا هؤلاء والأمر بخلافه فقد رواه أبو داود والنسائي أيضاً. ٩١٧ - (أربع من كن فيه حرمه الله) في الآخرة (على النار) أي منعه من دخولها إذا فعل مع ذلك المأمورات وتجنب المنهيات (وعصمه) في الدنيا (من الشيطان) أي منعه منه ووقاه بلطفه من كيده والعصمة المنع يقال عصمه الطعام أي منعه والحفظ كما في الصحاح (من ملك نفسه حين يرغب وحين يرهب) أي حين يريد ويشتهي وحين يخاف ويكره لأن لكل رغبة ورهبة وشهوة حرارة تثور في النفس في الباطن كاضطرام النار حرصاً على أن تدرك مرادها فإذا أخمد تلك النار حرم الله عليه نار القيامة، قال المولى التفتازاني: والرغبة في الشيء الإرادة المقارنة للرضى من رغب في الشي بالكسر وارتغب فيه مثله لا من رغبت عن الشيء إذا لم ترده، وقال الراغب: الرهبة مخافة مع تحزن واضطراب (وحين يشتهي وحين يغضب) لأن الملك للقلب على النفس فمن كان قلبه مالكاً لنفسه في هذه الأحايين الأربع فقد حرم على النار واختساً شيطانه لأن الدنيا كلها في هذه الأربع فإذا ملك القلب النفس بقوة المعرفة والعلم بالله فقد دقت دنياه في عينه وتلاشت ومن ملك نفسه قلبه بقوى الهوى فكل شعبة من شعب دنياه في عينه كالجبال فعظم عنده شأنها وصارت الآخرة في قلبه كالحلم فإذا انتبه ندم فإذا كان القلب أميراً أعطى النفس من الشهوة قدر ما أحله الشارع ومنعها ما سواها لئلا يتطاير شررها وتشتعل نارها في العروق فتجاوز الحدود (وأربع من کنّ فیه نشر الله) تعالى (علیه رحمته) أي بثها عليه وأحيي قلبه بها في الدنیا (وأدخله جنته) في الأخری (من آوی مسكيناً) أي أمكنه عنده و کفاه المؤنة أو تسبب له في ذلك والمراد هنا ما يشمل الفقير لقول إمامنا الشافعي إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا (ورحم الضعيف) ٥٩٥ حرف الهمزة ٩١٨ - ((أَزْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَبَدَنٌّ عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرٌ وَزَوْجَةٌ لاَ تَبْغِيهِ خَوْناً فِي نَفْسِهَا وَلاَ مَالِهِ)). (طب هب) عن ابن عباس (ح). حساً ومعنى أي رق له وعطف عليه وأحسن إليه (ورفق بالمملوك) أي مملوكه بقرينة ما بعده بأن لم يحمله على الدوام ما لا يطيقه ويطعمه من طعامه ويلبسه من لباسه (وأنفق على الوالدين) أي أبويه وإن عليا لأنه لما غلب عليه سلطان الرحمة في الدنيا فرحم هؤلاء فجوزي بشمول الرحمة في الآخرة وسبوغها له والجزاء من جنس العمل (الحكيم) الترمذي في النوادر (عن أبي هريرة) وإسناده ضعيف. ٩١٨ - (أربع من أعطَيهن فقد أعطی خیر الدنيا والآخرة لسان ذاكر) لله تعالى لأن الذاکر جلیس الله تعالى والذكر منشور الولاية فمن أعطيه فقد أعطي المنشور وذلك أعظم الخيور (وقلب شاكر) له :تعالى لأن الشكر يرتبط به العتيد ويستجلب به المزيد بنص ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧] وهو الاعتراف بالنعمة والقيامة بحق الخدمة وأناط الأول باللسان إشارة إلى أنه آية الفلاح وإن لم یصحبه حضور وقد شکا رجل إلى بعض العارفين عدم حضور قلبه حال ذكره، فقال له: يا هذا يكفيك أنه استعمل جارحة من جوارحك في ذكره على أن دوام الذكر اللساني ينقلب قلبياً. قال في الحكم لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع غفلة إلى ذكر مع حضور يقظة ومن ذكر مع حضور يقظة إلى ذكر مع وجود حضور من ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز (وبدن على البلاء) بفتح الموحدة (صابر) فإن الله إذا أحب عبداً ابتلاه كما في حديث مرّ ومن أحبه الله فاز بخير الدارين وأناط الثاني بالقلب لأنه المتفكر في مصنوعات الله وآلائه الباعثة على الاقرار بالنعم والقيام بالخدمة ومن جمع بين الذكر والفكر فقد فاز بالسعادة. أوحى الله إلى داود عليه السلام ((تخلق بأخلاقي ومن أخلاقي أنني أنا الصبور)» (وزوجة لا تبغيه خوناً) أي لا تطلب خيانة وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو أن يأتمن الإنسان فلا ينصح وفي بعض النسخ حوباً بحاء مهملة مضمومة أي إثماً وهو تصحيف (في نفسها) بأن لا تمكن غيره من الزنا بها أو من مقدماته (ولا ماله) بأن لا تتصرف فيه بما لا يرضيه قال القاضي المرأة الصالحة أنفع من الذهب فإن الذهب لا ينفع إلا بعد الذهاب وهي ما دامت معك رفيقتك تنظر إليها تسرك وتقضى إليها عند الحاجة وطرك وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ سرك وتستمد منها في حوائجك فتطيع أمرك وإذا غبت تحامي مالك وترعى عيالك ولو لم يكن إلا أنها تحفظ بذرك وتربي زرعك لكفى به فضلاً (طب) وفي الأوسط أيضاً (هب) من حديث طلق بن حبيب (عن ابن عباس) قال الهيتمي بعد ما عزاه للطبراني في الكبير وفي الأوسط رجال الأوسط رجال الصحيح انتهى. وقال المنذري بعد عزوه الكبير والأوسط إسناد أحدهما جيد يعني الأوسط وبذلك يعرف أن إهمال المؤلف الطريق الصحيح وإيثاره الضعيف من سوء التصرف، هذا وقد رمز لحسنه. ٥٩٦ حرف الهمزة ٩١٩ - (أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنَّكَاحُ، وَالسِّوَاكُ)). (حم ت هب) عن أبي أيوب (ح). ٩٢٠ - ((أَرْبَعٌ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ صَالِحَةٌ، وَأَوْلاَدُهُ أَبْرَاراً، وَخُلَطَاؤُهُ ٩١٩ - (أربع من سنن المرسلين) من الحق إلى الخلق والمراد الرسل من بني آدم بقرينة ذكر النكاح (الحياء) بحاء مهملة فمثناة بخط المصنف وقيل بنون قال ابن العربي هو أشبه بما قارنه من التعطر والسواك وقال البيضاوي روى الحنا بالنون والحياء بمثناة والختان فالأول على تقدير مضاف كالاستعمال والخضاب فإن الحناء نفسه لا يكون سنة وطريقة وهو أوفق للتعطر والثاني يؤول بما يقتضيه الحياء ويوجبه كالستر وتجنب الفواحش والرذائل فإن الحياء نفسه أمر جبلي ليس بالكسب حتى يعد من السنن والثالث ظاهر الحياء بمهملة وتحتية والختان بمعجمة ففوقية مثناة والحناء بمهملة فنون مشدّدة ما يخضب به قال وهذه الرواية غير صحيحة ولعلها تصحيف لأنه يحرم على الرجل خضب يده ورجله وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا فلا يصح إسناده للمرسلين وقال ابن حجر الحياء قيل بتحتية مخففة وقد ثبت أن الحياء من الإيمان وقيل بنون، فعلى الأول وهي خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق وعلى الثاني حسية تتعلق بتحسين البدن، وقال شيخه الزين العراقي بعد حكايته: إنه بتحتية أو نون وكلاهما غلط والصواب الختان فوقعت النون في الهامش فذهبت فاختلف في لفظه وهو أولى منهما إذا الحياء خلق والحناء ليس من السنن ولا ذكره المصطفى في خصال الفطرة بخلاف الختان فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمر به واستمر بعده في الرسل وأتباعهم حتى المسيح عليه السلام فإنه اختتن انتهى. وتقدمه لنحوه ابن القيم فنقل في الهدى عن المزي أن صوابه الختان وسقطت النون قال وهكذا رواه المحاملي عن شيخه الترمذي (والتعطر) استعمال العطر وهو الطيب فإنه يزكي الفؤاد ويقوّي القلب والجوارح وهم محتاجون إلى ذلك لثقل الوحي ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥] (والنكاح) الوطء لأن النور يملأ قلوبهم فيفيض في العروق فيكون ريح الشهوة فيحدث ريح القوة وشاهد ذلك من الكتاب ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ [الرعد: ٣٨] (والسواك) لأن الفم طريق لكتاب الله المنزل عليهم ومحل لمناجاة الملك فيتأكد في حقهم أكثر (تنبيه) هذا الحديث ظاهره مشكل فإن نوحاً أول الرسل كما يأتي في خبر ولم يختتن إذ أول من اختتن إبراهيم كما مر في الخبر وعيسى لم يتزوج وكونه يتزوج بعد نزوله بفرض تسليم وروده غير دافع للشبهة فإنه إنما ينزل محمدياً عالماً بأحكام هذه الملة ولا مخلص من ذلك إلا بأن يقال المراد بالمرسلين أكثرهم (حم ت هب) كلهم من حديث مكحول عن ابن السماك (عن أبي أيوب) الأنصاري قال الترمذي حسن غريب انتهى. وتبعه المصنف فرمز لحسنه وقال المناوي وغيره فيه أبو الثمال مجهول الحال وقال ابن محمود شارح أبي داود في سنده ضعيف. مجهول وقال ابن العربي في شرح الترمذي فيه الحجاج ليس بحجة وعباد بن العوام. ٩٢٠ - (أربع من سعادة المرء) أي من بركته ويمنه وعزه (أن تكون زوجته صالحة) أي دينة جميلة إذ المراد الصلاح لما يراد منها ديناً ودنيا (وأولاده أبراراً) أي يبرونه ويتقون الله (وخلطاؤه) أي أصحابه ٥٩٧ حرف الهمزة صَالِحِينَ، وَأَنْ يَكُونَ رِزْقُهُ فِي بَلَدِهِ». ابن عساكر (فر) عن علي وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن عبد الله بن الحكم عن أبيه عن جده (ض). ٩٢١ - ((أَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَالْحِرْصُ، وَطُولُ الأَمَلِ)). (عد حل) عن أنس (ض). وأهل حرفته الذين لا بد له من مخالطتهم (صالحين) أي قائمين بحقوق الله وحقوق خلقه (وإن يكون رزقه) أي ما يرتزق منه من حرفة أو صناعة أو تجارة (في بلده) أي في محل إقامته بلداً كان أو غيره وخص البلد لأن الغالب الإقامة فيه والمراد أنه لا يحصل كد الأسفار الشاسعة واقتحام المفاوز النائية وهذه حالة فاضلة وأعلى منها أن يأتيه من حيث لا يحتسب كما مر في خبره ويقاس بالرجل المرأة فيقال أربع من سعادة المرأة أن يكون زوجها صالحاً وهكذا (ابن عساكر) في تاريخه (فرعن علي) أمير المؤمنين وفيه سهل بن عامر البجلي قال الذهبي في الضعفاء كذبه أبو حاتم (ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن عبد الله بن الحكم) بن أبي زياد العطواني صدوق مات بالكوفة (عن أبيه) الحکم (عن جده) أبي زياد الكوفي المذكور رمز المصنف لضعفه . ٩٢١ - (أربع) وفي رواية أربعة (من) أي من علامات (الشقاء) ضد السعادة (جمود العين) قلة دمعها كناية عن قسوة القلب، كذا قيل، وعليه فالعطف في قوله (وقسوة القلب) تفسيري والأوجه أن يقال إنه إشارة إلى أن قلة دمع العين إنما يكون من علامة الشقاء إذا كان ناشئاً عن قسوة القلب وأنه لا تلازم بينهما وقسوته غلظته وشدته وصلابته في غير الله (والحرص) أي الرغبة في الدنيا والانهماك في تحصيلها وطلب الازدياد منها والحرص يحتاجه الإنسان لكن بقدر معلوم فإذا تعدى الحد المحدود فقد أفسد دينه فكان بهذا الوجه من علامات الشقاء (وطول الأمل) بالتحريك رجاء الإكثار من الإقامة في الدنيا وزيادة الغنى. قال الثوري قصر الأمل الذي هو الزهد ليس مذموماً. وأناط الحكم بطوله ليخرج أصله فإنه لا بد منه في بقاء هذا العالم إذ لولاه لما أرضعت والدة ولداً ولا غرس غارس شجراً فهو رحمة من الله على عباده کما يأتي في حديث، قال الثوري: قصر الأمل الذي هو الزهد ليس بلبس العباءة ولا بأكل الخشن وقال الفضيل ما أطال رجل الأمل إلا أساء العمل وكتب ابن أدهم إلى سفيان من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ومن أطلق بصره طال أسفه ومن أطلق أمله ساء عمله ومن أطلق لسانه قتل نفسه وقال ابن الوردي ومن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله عظيم بطشه قليل فهمه عالم بدنیاه جاهل بآخر ته فویل له ویل له. (فائدة) شكى رجل إلى الحسن البصري قسوة قلبه فقال عليك بمجالسة الذكر والإحسان (عد حل عن أنس) من حديث الحسن بن علي عن أبي سعيد المازني عن الحجاج بن منهال عن صالح المري عن يزيد الرقاشي عن أنس ثم قال مخرجه أبو نعيم تفرد برفعه متصلاً عن صالح الحجاج انتهى. وقال الهيتمي صالح المري ضعيف وفي الميزان هذا حديث منكر انتهى. والحسن بن عثمان قال الذهبي في الضعفاء كذبه ابن عدي ويزيد الرقاشي متروك ورواه البزار من طريق فيها هانىء المتوكل فقال الهيتمي هو ضعيف جداً ولذا حكم ابن الجوزي بوضعه وأقره عليه المؤلف في مختصر الموضوعات. ٥٩٨ حرف الهمزة ٩٢٢ - ((أَرْبَعٌ لاَ يَشْبَعْنَ مِنْ أَرْبَعِ: عَيْنٌ مِنْ نَظَرٍ، وَأَرْضٌ مِنْ مَطَرٍ، وَأُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ، وَعَالِمٌ مِنْ عِلْمٍ)). (حل) عن أبي هريرة (عد خط) عن عائشة (ض). ٩٢٣ - ((أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ». (دت) في الشمائل، وابن خزيمة عن أبي أيوب (صح). ٩٢٢ - (أربع لا يشبعن من أربع: عين من نظر)، إلى ما يستحسن ويستلذ به الطبع (وأرض من مطر) فكل مطر وقع عليها شربته وطلبت غيره (وأنثى من ذكر) فإنها فضلت على الرجل في قوة شبقها بأضعاف لكن الله ألقى عليها الحياء ولم يقل امرأة من رجل إشارة إلى شمول الحيوانات وهذا حكم على النوع لا على كل فرد فرد فقد يختلف في بعضهن لكن نادر جداً (وعالم من علم) فإنه إذا ذاق أسراره وخاض بحاره وفهم معناه وفقه مغزاه صار عنده أعظم اللذات وأشرف الأمنيات فدأب ليله ونهاره يرعى وإن وقف ذهنه الأنجم السيارة. وعبر بعالم دون إنسان أو رجل لأن العلم صعب على المبتدىء فلا يلتذ به ولا يرغب في الزيادة منه (عد خط) كلاهما من طريق عباس بن الوليد الخلال عن عبد السلام بن عبد القدوس عن هشام عن أبيه (عن عائشة) وقال ابن عدي حديث منكر وعباس يروي العجائب وعبد السلام يروي الموضوعات وقال ابن طاهر رواه عن هشام بن حسين بن علوان وكان يضع الحديث ولعل عبد السلام سرقه منه انتهى. وقال في الميزان الحسين بن علوان قال يحيى كذاب والدراقطني متروك الحديث وابن حبان كان يضع الحديث على هشام وغيره وضعاً لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب ثم ساق له هذه الحديث وقال عقب قوله وعالم من علم قلت وكذاب من كذب ورواه من هذا الوجه الطبراني فتعقبه الهيتمي وقال عبد السلام لا يحتج به وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. ٩٢٣ - (أربع) من الركعات يصليهنّ الأنسان (قبل الظهر) أي قبل صلاته أو قبل دخول وقته ويؤيد الأول ما في رواية أخرى للترمذي بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وهو عند الزوال (ليس فيهن تسليم) أي ليس بعد كل ركعتين منها فصل بسلام فالمعنى فيه كما قال البغوي التشهد قال الطيبي سمي التشهد بالتسليم لاشتماله عليه (تفتح لهن أبواب السماء) كناية عن حسن القبول وسرعة الوصول. وقال بعضهم هذا الفتح نظير النزول الإلهي المنزه عن الحركة والانتقال بعد نصف الليل إذ كل منهما وقت قرب ورحمة وتسمى هذه سنة الزوال وهي غير سنة الظهر نص عليه في الإحياء، وقال بعضهم هذه الأربع ورد مستقل سببه انتصاف النهار وزوال الشمس (دت في) كتاب (الشمائل) النبوية (وابن خزيمة) في الصلاة من صحيحه (عن أبي أيوب) الأنصاري وفيه كما قال جمع عبيدة بن مغيث الضبي الكوفي ضعفه أبو داود وقال المنذري لا يحتج بحديثه وقال يحيى القطان وغيره الحديث ضعيف وقال المنذري في موضع آخر في إسناد أبي داود احتمال للتحسين والمؤلف رمز لصحته . ٥٩٩ حرف الهمزة ٩٢٤ - ((أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ كَعَدْلِهِنَّ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَعَدْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)). (طس) عن أنس (ض). ٩٢٥ - ((أَرْبَعٌ لاَ يُصَبْنَ إِلَّ بِعَجَبٍ: الصَّمْتُ، وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَاضُعُ، وَذِكْرُ اللَّهِ، وَقِلَّةُ الشَّيْءٍ)). (طب ك هب) عن أنس (ض). ٩٢٦ - ((أَرْبَعٌ لاَ يُقْبَلْنَ فِي أَرْبَعِ: نَفَقَةٌ مِنْ خِيَانَةٍ أَوْ سَرِقَةٌ أَوْ غُلُولٌ أَوْ مَالُ يَتِيمِ، فِي حَجِّ وَلاَ عُمْرَةٍ وَلاَ جِهَادٍ وَلاَ صَدَقَةٍ)). (ص) عن مكحول مرسلاً (عد) عن ابن عمر (ح). ٩٢٤ - (أربع قبل الظهر كعدلهن) أي كنظيرهن ووزانهن في الثواب (بعد العشاء) وأربع بعد العشاء (كعدلهن من ليلة القدر) فنتج أن أربعاً قبل الظهر يعدلن أربعاً في ليلة القدر من حيث مزيد الفضل أي في مطلقه ولا يلزم منه التساوي في القدر وهذه سنة الزوال كما تقرر؛ والقصد الحث على فعلها والترغيب في إدامتها (طس عن أنس) رمز المصنف لحسنه وليس ذا منه بحسن فقد أعله الهيتمي بأن فيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف جداً. ٩٢٥ - (أربع لا يصين) بالبناء للمفعول قال المؤلف ولا نافية (إلا بعجب) بعين مهملة محركاً أي لا توجد وتجتمع في إنسان في آن واحد إلا على وجه عجيب عظيم يتعجب منه لعظم موقعه لكونها قل أن تجتمع (الصمت) أي السكوت عما لا ينبغي أو ما لا يعني المتكلم (وهو أول العبادة) أي مبناها وأساسها لأن اللسان هو الذي يكب الناس على مناخرهم في النار (والتواضع) أي لين الجانب للخلق على اختلاف طبقاتهم وطبائعهم. ورؤية الإنسان نفسه حقيراً صغيراً (وذكر الله) أي لزومه والدوام عليه لأنه علامة حب الله (وقلة الشيء) الذي ينفق منه على نفسه وممونه فإن هذا لا يجامع السكون والوقار ولزوم الذكر بل الغالب على حال المقل الشكوى للناس وإظهار التضجر والتألم وشغل الفكر بالعيش الضنك يمنع صرف الهمة إلى الذكر، فاجتماعهما شيء عجيب لا يحصل إلا بتوفيق إلهي وامداد سماوي، (طب ك هب عن أنس) سكت المصنف عليه فأوهم أنه لا علة فيه، وهو اغترار بقول الحاكم صحيح وغفل عن تشنيع الذهبي في التلخيص والمنذري والحافظ العراقي عليه بأن فيه العوام بن جويرية. قال ابن حبان: وغيره يروي الموضوعات ثم ذكر له هذا الحديث. اهـ. وأورده في الميزان في ترجمة العوام وتعجب من إخراج الحاكم له. وقال ابن عدي: الأصل في هذا أنه موقوف على أنس وقد رفعه بعض الضعفاء عن أبي معاوية حميد بن الربيع وقد قال يحيى حميد كذاب. اهـ. ومن ثم أورد ابن الجوزي في الموضوع وقال العوام يروي الموضوعات عن الثقات. وتعقبه المنصف فلم يأت بطائل كعادته . ٩٢٦ - (أربع لا يقبلن) حال كونها (في أربع) يعني لا يثاب من أنفق منهن ولا يقبل عمله فيهن (نفقة من خيانة أو سرفة أو غلول) من غنيمة (أو مال يتيم) فلا يقبل الانفاق من هؤلاء الأربع (في حج) بأن حج بمال خانه أو سرقه أو غله أو غصبه من مال يتيم تحت حجره أو غيره (ولا في عمرة) هبهما حجة الإسلام وعمرته أم تطوعاً (ولا) في (جهاد) هبه فرض عين أو كفاية (ولا) في (صدقة) ٦٠٠ حرف الهمزة ٩٢٧ - ((أَرْبَعٌ أُنْزِلْنَ مِنْ كَنْزِ تَحْتَ الْعَرْشِ: أُمُ الْكِتَابِ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَخَوَاتِيمُ الْبَقَرَةِ، وَالْكَوْثَرُ)). (طب) وأبو الشيخ والضياء عن أبي أمامة (صح). ٩٢٨ - ((أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَىْ أَنْ لاَ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ، وَلاَ يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَآكِلُ الرِّبَا، وَآكِلُ مَالِ الْيَّتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْه)). (ك هب) عن أبي هريرة (ض). مفروضة أو مندوبة كوقف أو غيره. والفرق بين الخائن والسارق أن الخائن هو الذي خان فيما ائتمن عليه وجعل تحت يده، والسارق من أخذ خفية من موضع كان ممنوعاً من توصله. وكما لا تقبل لتلك الأربع في هذه الأربع لا تقبل في غيرها أيضاً. وإنما خصها اهتماماً بشأنها لكونها أمهات الفروض التي فيها الانفاق، وكررها لدفع توهم إرادة الجمع (ص عن مكحول مرسلاً عن ابن عمر) بن الخطاب، رمز المؤلف لحسنه، وفي المسند كوثر بن حكيم قال الذهبي تركوه وضعفوه. ٩٢٧ - (أربع) أي أربع جمل من القرآن (أنزلت) أي أنزلهن الله بواسطة أو بغيرها (من كنز تحت العرش) عرش الرحمن (أم الكتاب وآية الكرسي وخواتيم البقرة والكوثر) أي السورة التي فيها الكوثر، وهي ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] والكنز النفائس المدفونة المدخرة، فهو إشارة إلى ذكر أنها ادخرت لنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فلم تنزل على من قبله. قال الطيبي: هذا من إدخال الشيء في جنس وجعل أحد أنواعه على التغليب، فالكنز نوعان متعارف وهو المال الكثير يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، وغير متعارف وهو هذه الآيات الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهية (طب وأبو الشيخ) عبد الله بن جعفر (والضياء) المقدسي (عن أبي أمامة) الباهلي. قيل إن المصنف رمز لصحته وفيه عبد الرحمن بن الحسن أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو حاتم لا يحتج به والوليد بن جميل عن القاسم أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو حاتم روى عن القاسم أحاديث منكرة وقال في الكاشف لینه أبو زرعة. ٩٢٨ - (أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمر) أي مداوم على شربها (وآكل الربا) ويلحق به فيما يظهر: موكله، أخذاً من تسويته بينهما في اللعن في الحديث المار أول الكتاب بقوله: آكل الربا وموكله - إلى أن قال - ملعونون، ولم يقيده كما قيد ما بعده، لأن آكله لا يكون إلا بغير حق. والمراد بالأكل هنا التناول بأي وجه كان (وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه) أي لأصليه المسلمين وإن عليا، وكذا العاق لأحدهما: أي إذا استحل كل منهم ذلك، أو المراد مع السابقين الأولين أو حتى يطهرهم بالنار وعلى ما عدا الأول فهو وعيد فيه جائز لا مبرم، بخلاف الوعد. وخص الأربعة لا لإخراج غيرها. بل لغلبة وقوعها في الجاهلية (ك هب عب) من حديث إبراهيم بن خيثم بن عراك عن أبيه عن جده (عن أبي هريرة) قال الحاكم صحيح فتعقبه الذهبي بأن إبراهيم قال ابن أبي شيبة متروك والمنذري فقال صححه وفيه إبراهيم بن خيثم متروك.