النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ حرف الهمزة ٩٦ - ((أَنَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَىْ لاَ تَأْكُلْهَا الزَّكَاةُ». (طس) عن أنس (صح). ٩٧ - ((أَتَّحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ؟ أَرْحَمِ الْيَتِيمَ، وَأَمْسَحْ رَأْسَهُ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ)). (طب) عن أبي الدرداء. ٩٦ - (اتجروا) بكسر الهمزة والجيم أمر من التجارة وهي تقليب المال للربح. قال الزمخشري: التجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح (في أموال اليتامى). قال الطيبي: أصله اتجروا بها نحو كتبت بالقلم لأنه عدة للتجارة ومستقرها. كقوله تعالى: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ [الأحقاق: ١٥] أي أوقع لي الصلاح فيهم وفائدة جعل المال مقراً للتجارة أن لا ينفق من أصله بل يخرج الصدقة من الربح وإليه ينظر قوله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله - وارزقوهم فيها﴾ [النساء: ٥] (لا تأكلها) أي لئلا تأكلها (الزكاة) أي تفنيها لأن الأكل سبب للفناء أو استعارة حيث جعل الصدقة مشابهة للطاعم ونسب إليها ما هو من لوازم المشبه به وهو الأكل مبالغة في كمال الافناء. قال الزمخشري: من المجاز أكلت النار الحطب وائتکلت النار اشتد التھابها كأنما يأكل بعضها بعضاً. وأخذ بقضية هذا الحديث المؤكّد لعموم الأخبار الصحيحة الصريحة في إيجاب الزكاة مطلقاً بقول خمسة من الصحابة الشافعي كمالك وأحمد فأوجبوها في مالهم، وخالف أبو حنيفة، والقياس على فطرة بدنه الموافق عليها حجة عليه وأمّا فرق بعض أصحابه بأن الفطرة فيها معنى المؤنة ففيه تعسف وفيه أن على الولي استنماء المال المولى عليه قدر الزكاة والنفقة والمؤن إن أمكنه لا المبالغة فيه (طس عن أنس) بن مالك قال الهيتمي أخبرني شيخي يعني الزين العراقي أن سنده صحيح انتهى. وإليه أشار في الأصل بقوله وصحح وأما هنا فرمز لحسنه وهو فيه متابع للحافظ ابن حجر فإنه انتصر لمن اقتصر على تحسينه فقط، وقال إن الصحيح خبر البيهقي عن ابن المسيب عن عمر موقوفاً مثله وقال أعني البيهقي سنده صحيح. ٩٧ - (أتحب) استفهام فيه معنى الشرط أي إن أحببت أيها الرجل الذي شكى إلينا قسوة قلبه (أن يلين قلبك) يترطب ويتسهل. قال الزمخشري: من المجاز رجل لين الجانب ولأن لقومه وألان لهم جناحه ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهو لين الأعطاف وطيء الأكتاف (وتدرك حاجتك) أي تظفر بمطلوبك. فقال الرجل: بلى يا رسول الله قال (ارحم اليتيم) أي الذي مات أبوه فانفرد عنه واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة للمنفردة في صفائها والرملة اليتيمة ذكره في الكشاف، وذلك بأن تعطف عليه وتحنو حنوا يقتضى التفضل عليه والإحسان إليه كناية عن مزيد الشفقة والتلطف به وما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما كما تقول فلان طويل النجاد وتريد طول قامته مع طول علاقة سيفه قال: (وامسح رأسه) تلطفاً وإيناساً أي بالدهن إصلاحاً لشعره أو بالید لما جاء في حديث آخر یشعر بإرادة مسح رأسه مع ذلك باليد، وهو ما رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة مرفوعاً من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلّ الله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة وإسناده كما قال ابن حجر ضعيف. وإطلاق الأخبار شامل لأيتام الكفار ولم أر من خصها بالمسلم وفي حديث سيأتي عن الحبر أن اليتيم يمسح رأسه من أعلاه إلى مقدمه وغيره بعكسه؟ قال زين الحفاظ ١٤٢ حرف الهمزة ٩٨ - ((أَتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَمُوسَى نَجِيًّا، وَأَنَّخَذَنِي حَبِيباً ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لُوثِرَنَّ حَبِسِي عَلَى خَلِيلِي وَنَجِيِّيٍ)). (هب) عن أبي هريرة (ض). العراقي. وورد في حديث ابن أبي أوفى أنه يقال عند مسح رأسه جبر الله يتمك وجعلك خلفاً من أبيك (وأطعمه من طعامك) أي مما تملكه من الطعام أو لا تؤثر نفسك عليه بنفيس الطعام وتطعمه دونه بل أطعمه مما تأكل منه (يلين قلبك) بالرفع على الاستئناف وبالجزم جواباً للأمر (وتدرك حاجتك) أي فإنك إن أحسنت إليه وفعلت ما ذكر يحصل لك لين القلب وتظفر بالبغية وفيه حث على الاحسان إلى اليتيم ومعاملته بمزيد الرعاية والتعظيم وإكرامه لله تعالى خالصاً. قال الطيبي: وهو عام في كل يتيم سواء كان عنده أو لا فيكرمه وهو كافله، أما إذا كان عنده فيلزمه أن يربيه تربية أبيه ولا يقتصر على الشفقة عليه والتلطف به ويؤدبه أحسن تأديب ويعلمه أحسن تعليم ويراعي غبطته في ماله وتزويجه؛ وفيه أن مسح رأسه سبب مخلص من قسوة القلب المبعدة عن الرب فإن أبعد القلوب من الله القاسي كما ورد في عدة أخبار؛ قال الزين العراقي لكن قيده في حديث أبي أمامة المار بأن لا يمسحه إلّ لله. قال ولا شك في تقييد إطلاق المسح به لأنه قد يقع مسحه لريبة كأمرد جميل يريد مؤانسته بذلك لريبة كشهوة وإن لم يكن مسح الشعر مفضياً إلى الشهوة فربما دعى إلى ذلك انتهى. وفيه أن من ابتلي بداء من الأخلاق الذميمة يكون تداركه بما يضاده من الدواء فالتكبر يداوى بالتواضع والبخل بالسماحة وقسوة القلب بالتعطف والرقة، قال في الكشاف وحق هذا الأسم أعني اليتيم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلّ أنه غلب أن يسموه به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا عن كافل وقائم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم زال عنهم؛ وكانت قريش تقول لرسول الله اله يتيم آل أبي طالب على القياس أو حكاية حال كان عليها صغيراً توصيفاً له وأما خبر لا يتم بعد احتلام فما هو إلّ تعليم شريعة لا لغة، يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار انتهى (طب عن أبي الدرداء) قال: أتى النبي وهو رجل يشكو قسوة قلبه فذكره. قال المنذري: رواه الطبراني من رواية بقية وفيه راو لم يسم وبقية مدلس وروى أحمد بسند. قال الهيتمي: تبعاً لشيخه الزين العراقي صحيح أن رجلاً شكى إلى المصطفى قسوة قلبه فقال له امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين. ٩٨ - (اتخذ الله إبراهيم خليلاً) اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخلیل عند خليله من ترد يد الرسل بالرحمة بينه وبينه وإجابة الدعوة وإظهار الخوارق عليه وعلى آله والنصر على أعدائه وغير ذلك من المزايا والمواهب، والخليل المخالل وهو الذي يخاللك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك من الخل الطريق في الرمل أو يسد خللك كما تسد خلله أو يدخلك خلال منزله ذكره الزمخشري. وقال القاضي: سمي خليلاً من الخلة بالفتح الخصلة فإنه وافقه في خصاله أو من الخلة بالفتح أيضاً الحاجة لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه، أو من الخلة بالضم وهي التخلل، فإن الحب تخلل شغاف قلبه بحيث لم يدع به خلالاً إلّ ملأه لما خالله من أسرار الهيبة ومكنون الغيوب والمعرفة لاصطفائه عن أن يطرقه نظر لغيره. قال الراغب: الخلة تنسب إلى العبد لا إليه تعالى فيقال إبراهيم خليل الله ولا يقال الله خليله وهو إن كان من الأسماء المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر وارتفاعه ارتفاعه، لكن ليس المراد بقولهم إبراهيم خليل الله مجرد الصداقة بل الفقر إليه وخص إبراهيم وإن ١٤٣ حرف الهمزة ٩٩ - ((أَّخِذُوا السَّرَاوِيلاَتِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَسْتَرِ ثِيَابِكُمْ، وَحَصِّنُوا بِهَا نِسَاءَكُمْ إِذَا خَرَجْنَ)). (عق عد) والبيهقي في الأدب عن علي (ض). شاركه كل موجود في افتقاره إليه لأنه لما استغنى عن المقتنيات من أعراض الدنيا واعتمد على الله حقاً. وصار بحیث إنه لما قال له جبريل، ألك حاجة؟ قال: أما إلیك فلا فصبر على إلقائه في النار وعرض ابنه للذبح لاستغنائه عما سواه فخص بهذا الاسم (وموسى) بن عمران (نجيا) خصه بالنجوى أي الخطاب والنجي المناجي الواحد وهو الذي يخاطب الإنسان ويحدّثه سراً، وهو من قوله تعالى ﴿ونادیناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً﴾ [مريم: ٥٢] والتناجي التسارر (واتخذني حبيباً) فعيل بمعنى مفعول. وقضية السياق أنه أعلى درجة من الأوصاف المثبتة لغيره ممن ذكر من الانبياء (ثم قال وعزتي) قوتي وغلبتي (وجلالي) عظمتي والجلالة عظم القدر والجلال بغير هاء التناهي في ذلك وخص بالله فلا يطلق على غيره كما سيجيء. (لأوثرن) بلام القسم وضم الهمزة وشد النون لأفضلن (حبيبي على خليلي) إبراهيم (ونجي) أي مناجي موسى، نبه به على أنه أفضل الرسل وأكملهم وجامع لما تفرق فيهم، فالحبيب خليل ومكلم ومشرف وقيل من قاس الحبيب بالخليل فقد أبعد لأن الحبيب من جهة القلب، يقال حببته أي أصبت حبة قلبه كما يقال كبدته ورأسته وفأدته، أي أصبت كبده ورأسه وفؤاده والخليل من الخللة وهي الحاجة كما مر وقد آثره أيضاً بالنظر، روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بإسناد حسن جعل الله الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والنظر لمحمد ◌َطير، قال الراغب: يستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضيل والاستئثار التفرد بالشيء دون غيره والأكثر على أن درجة المحبة أرفع، وقيل عكسه لأن النبي ◌َّ نفى ثبوت الخلة لغير ربه وأثبت المحبة لفاطمة وابنيها وغيرهم وقيل هما سواء (هب) في كتاب البعث والحكيم والديلمي وابن عساكر (عن أبي هريرة) وضعفه مخرجه البيهقي وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال تفرد به مسلمة الخشني وهو متروك والحمل فيه عليه ونوزع بأن مجرد الضعف أو الترك لا يوجب الحكم بالوضع. ٩٩ - (اتخذوا) خذوا أخذ معتن بالشىء مجتهد فيه، والأمر للندب المؤكد (السراويلات) التي ليست بواسعة ولا طويلة جمع سراويل أعجمي عرب جاء يلفظ الجمع وهو مفرد يذكر ويؤنث والسراوين بنون والشراويل بشين معجمة لغة (فإنها من أستر ثيابكم) أي أكثرها ستراً ومن مزيدة لسترها للعورة التي يسيء صاحبها كشفها وفيه ندب لبس السروايل لكن إذا لم تكن واسعة ولا طويلة فإنها مكروهة کما جاء في خبر آخر. وفي تفسير ابن و کیع أن إبراهيم أوّل من تسرول، قال الداراني: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً أوحى إليه أن وار عورتك من الأرض فكان لا يتخذ من كل شيء إلّ واحداً سوى السراويل فيتخذ اثنين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتي عليه حال إلّ وعورته مستورة به. وروى أبو يعلى أن عثمان لما حوصر أعتق عشرين رقبة ثم دعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في الجاهلية ولا في الإسلام ثم قال: إني رأيت رسول الله وَ له البارحة في المنام وأبا بكر وعمر وقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة، ثم دعا بالمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه فدل هذا على أنه أبلغ ما تستر به العورة لأنه لم يلبسه إلّ عند تحققه أنه مقتول فاثره لأنه أبلغ في صون عورته عن أن يطلع عليها أحد عند قتله (وحصنوا) أستروا (بها نساءكم) أي صونوا بها عورات نسائكم يقال حصن ١٤٤ حرف الهمزة ١٠٠ - ((أَتَّخِذُوا السُّودَانِ؛ فَإِنَّ ثَلاَثَةً مِنْهُمْ مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لُقْمَانُ الْحَكِيمُ، وَالنَّجَاشِيُّ، وَبِلَاَلُ الْمُؤَذِّنُ)). (حب) في الضعفاء (طب) عن ابن عباس. نفسه وماله ومدينة حصينة وتحصن اتخذ الحصن مسكناً ثم يتجوز به في كل تحرز، ومنه درع حصين لكونه حصناً للبدن (إذا خرجن) من بيوتهنّ لما فيها من الأمن من انكشاف العورة بنحو سقوط أو ريح، فهو كحصن مانع وكالخروج وجود أجنبي مع المرأة بالبيت، ذكره جمع قالوا ولم يثبت أن نبياً لبسها لكن روى أحمد والأربعة أنه اشتراها وقول ابن القيم الظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وهم فقد يكون اشتراها لبعض نسائه وقول ابن حجر في شرائه لغيره بعد غير مرضي إذ لا استبعاد في شرائه لعياله، وما رواه أبو يعلى وغيره أنه أخبر عن نفسه بأنه لبسه فسيجيء أنه موضوع فلا يتجه القول بندب لبس السراويل حينئذ لأنه حكم شرعي لا يثبت إلا بحديث صحيح أو حسن ومن وهم أن في خبر لا يلبس المحرم السراويل دليل لسن لبسه للرجل فقد وهم إذ لا يلزم من نهي المحرم عن لبسه لكونه مخيطاً ندب لبسه لغيره. (عق عد والبيهقي في) كتاب (الأدب) كلهم (عن علي) أمير المؤمنين قال: كنت عند النبي ◌َّه بالبقيع في يوم دجن أي غيم ومطر فمرّت امرأة على حمار فسقطت فأعرض عنها فقالوا إنها متسرولة فذكره في حديث طويل ثم أعله مخرجاه العقيلي وابن عدي بمحمد بن زكريا العجلي فقال العقيلي: لا يعرف إلاّ به ولا يتابع إلّ عليه وقال أبو حاتم حديثه منكر، وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه لكن تعقبه ابن حجر بأن البزّار والمحاملي والدارقطني رووه من طريق آخر قال: فهو ضعيف لا موضوع وذكر نحوه المؤلف في مختصر الموضوعات. ١٠٠ - (اتخذوا) إرشاداً (السودان) جمع أسود وهو اسم جنس (فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة) أي من أشرافهم وكبرائهم ولا ينافي الأمر بمطلق الاتخاذ هنا خبر من اتخذ من الخدم غير ما ينكح ثم بغين كان عليه مثل أثامهنّ لأن ما هنا في الذكور وما في الخبر في الإناث اللاتي يطؤهنّ فقط أو أن هذا فيه معنى الشرط أي إن كنت متخذاً ولا بد فاتخذ السودان (لقمان) بن باعوراء (الحكيم) عبد حبشي لداود عليه السلام أو لرجل من بني إسرائيل أعطاه الله الحكمة لا النبوة عند الجمهور وكان نجاراً وقيل خياطاً وقيل ابن أخت أيوب النبي عليه الصلاة والسلام وقيل ابن خالته وقيل كان قاضياً وكان عظيم الشفتين مشقق القدمين. فقيل له ما أقبح وجهك، قال: تعيب النقش أو النقاش، روى ابن الجوزي عن إبراهيم بن أدهم أن قبر لقمان بين مسجد الرملة ومحل سوقها الآن وفيها قبور سبعين نبياً أخرجهم بنو إسرائيل فماتوا كلهم في يوم جوعاً (و) الثاني (النجاشي) بفتح النون وتكسر من النجش وهو الإنارة واسمه أصحمة كأربعة بمهملات وقيل بخاء معجمة حكاه الإسماعيلي وقيل مكحول قال في الكشاف ومعناه بالعربية عطية (و) الثالث (بلال) ككتاب الحبشي وما قيل من أنه ولقمان نوبيان لم يثبت (المؤذن) للنبي من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله تعالى. فإن قلت هذا يعارضه خبر إياكم والزنج وخبر اجتنبوا الزنج وخبر اجتنبوا هذا السواد فإنه خلق مشوه وخبر إنما الأسود لبطنه ولفرجه. قلت كلا لأن الأسود ينقسم إلى زنجي وحبشي فالمرهوب منه الزنجي ١٤٥ حرف الهمزة ١٠١ - ((أَتَّخِذُوا الدِّيكَ الأَبْيَضَ؛ فَإِنَّ دَاراً فِيهَا دِيكُ أَبْيَضُ لاَ يَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ، وَلاَ سَاحِرٌ؛ وَلاَ الذُّوَيْرَاتِ حَوْلَهَا)). (طس) عن أنس (ض). ١٠٢ - ((أَتَّخِذُوا هُذِهِ الْحَمَامَ الْمَقَاصِيصَ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّهَا تُلْهِي الْجِنَّ عَنْ والمرغوب فيه الحبشي وهؤلاء من الحبشان؛ ثم رأيت راوي الخبر وهو الطبراني قال: أراد الحبش هذا لفظه وروى الديلمي بسند ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً من أدخل بيته حبشياً أو حبشية أدخل الله بيته بركة وقد صنف المؤلف كتاباً في فضل الحبشان سماه رفع شأن الحبشان استوعب فيه الأحاديث الواردة في ذلك. قال: وروى البيهقي عن الشافعي ما نقص من أثمان السودان إلّ لضعف عقولهم ولولا ذلك لكان لوناً من الألوان ومن الناس من يفضله على غيره. قال ابن الجوزي: والسواد لون أصلي لكنا روينا أن بني نوح اقتسموا الأرض فنزل بنو سام سرة الأرض فكانت فيهم الأدمة والبياض، وبنو يافث الشمال والصبا فكانت فيهم الحمرة والشقرة، وبنو حام مجرى الجنوب والدبور فتغيرت ألوانهم، وما روي أن نوحاً انكشفت عورته فلم يغطها حام فدعا عليه فاسود لم يثبت (حب في) كتاب (الضعفاء) والمتروكين (طب عن ابن عباس) قال الهيتمي بعد عزوه الطبراني فيه أبين بن سفيان وهو ضعيف وقال غيره فيه أيضاً أحمد بن عبد الرحمن الحراني أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو عروبة: ليس بمؤتمن على دينه عن أبين بن سفيان المقدسي. قال في اللسان عن الدار قطني ضعيف له مناكير وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأقره عليه المؤلف في الكبير لكن نازعه في مختصر الموضوعات على عادته وبالجملة فإن سلم عدم وضعه فهو شديد الضعف جداً. ١٠١ - (اتخذوا) ندباً (الديك) بكسر الدال ذكر الدجاج وجمعه ديوك وديكة كعنب وعنبة وله أسماء وكنى كثيرة مستوفاة في حياة الحيوان (الأبيض) أي اقتنوه في بيوتكم فإن له خواص كثيرة ذكر منها ابن البيطار في مفرداته جملة ومن خواصه طرد الشيطان والسحر كما قال (فإن داراً فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان) فيعال من شطن بعد لبعده عن الحق أو فعلان من شاط بطل أو احترق غضباً (ولا ساحر) يسحر بمعنى أنه لا يؤثر في أهلها سحر ساحر (ولا الدورات) بالتصغير جمع دار (حولها) أي المحلات حول تلك الدار، والدار اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة ذكره القاضي. وقال الراغب: الدار المنزلة اعتباراً بدورانها الذي لها بالحائط قال التوربشتي الدار لغة العامر المسكون والعامر المنزول من الاستدارة لأنهم كانوا يخطون بطرف رمحهم قدر ما يريدون إحياءه مسكناً. وقال الحراني: أصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما حوته من أموالها (طس عن أنس) بن مالك قال الهيتمي فیه محمد بن محصن العكاشي کذاب انتھی. ١٠٢ - (اتخذوا) ندباً وإرشاداً (هذه الحمام) كسحاب ما عب وهدر أي شرب الماء بلا مص وصوت يقع على الذكر والأنثى ودخول الهاء لإفادة الوحدة لا للتأنيث. قال ابن العماد: ويقع على الذي يألف البيوت واليمام والقماري وساق حر والفاختة والقطا والورشان والعصفور والفتح والحجل والدراج (المقاصيص) جمع مقصوصة أي مقطوعة ريش الأجنحة لئلا تطير يقال قصصت . الشعر أي قطعته وقصصته بالتثقیل مبالغة (في بیوتکم) بضم الباء وتکسر أي أماکن سکنکم (فإنها فيض القدير ج١ م١٠ ١٤٦ حرف الهمزة صِبْيَانِكُمْ)). الشيرازي في الألقاب (خط فر) عن ابن عباس (عد) عن أنس (ض). ١٠٣ - ((أَتَّخِذُوا الْغَنَمَ فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ)). (طب خط) عن أم هانىء، ورواه (هـ) بلفظ (أَتَّخِذِي غَنَماً فَإِنَّهَا بَرَكٌ)) (ع). تلهي) من لها يلهو لعب (الجن عن) عبثهم بنحو (صبيانكم) أي أطفالكم وأذاهم قيل وللأحمر في ذلك مزيد خصوصية ولعل وجهه أن الجن تحب من الألوان الحمرة كما ورد في خبر فإذا كان الحمام باللون المحبوب لهم كانوا أكثر إقبالاً على اللهو به والاشتغال به عن العبث بالأطفال قال في القاموس ومجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والجمود والثبات ومن فوائد اتخاذ الحمام أنه يطرد الوحشة فقد أخرج الخطيب في التاريخ عن ابن عباس قال شكا رجل إلى النبي ◌َّار الوحشة. فقال: اتخذ زوج حمام يؤنسك في الليل لكن فيه محمد بن زياد كذاب وأخرج ابن السني عن معاذ أن علياً شكا إلى النبي ◌َّر الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام ويذكر الله تعالى عند هديره وأشار المصطفى بَّه بقوله المقاصيص إلى عدم اتخاذ غيرها فإنه يجر إلى اللعب به بالتطير أو المسابقة وذلك مكروه بل ترد الشهادة بإدامته وفيه جواز حبس الطير في القفص مع القيام بمؤنته. قال في شرح المقاصد: والجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية انتهى. والظاهر أن المراد هنا كل منهما كما يدل عليه السياق (الشيرازي) أبو بكر أحمد بن عبدان الملقب بالباز الأبيض منسوب إلى شيراز بكسر المعجمة فمثناة تحتية وآخره زاي: قصبة بلاد فارس ودار الملك خرج منها جماعة من أهل التصوف والفقه والحديث منهم هذا الحافظ (في) كتاب (الألقاب) أي ألقاب الرواة (خط) في ترجمة محمد بن زياد اليشكري (فر عن ابن عباس) قضيته أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتاً عليه والأمر بخلافه فإنه عقبه بنقله عن أحمد وابن معين وغيرهما أن محمد بن زیاد کان کذاباً یضع الحدیث انتهى. وقال ابن حجر فیه محمد بن زياد اليشكري كذبوه وفي الميزان كذاب وضاع ثم أورد له هذا الخبر (عد) من حديث عثمان بن مطر عن ثابت (عن أنس) بن مالك. قال في الميزان عن ابن حبان بعد ما ساق له هذا الخبر يروي الموضوعات عن الأثبات ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه وتبعه المؤلف في مختصر الموضوعات ساكتاً عليه وحكاه عنه في الكبير وأقره فكان ينبغي حذفه من هذا الكتاب وفاء بشرطه وممن جزم بوضعه ابن عراق والهندي وغيرهما وما في الأدب المفرد للبخاري عن الحسن سمعت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام فلا دلالة فيه على وضع هذا الحديث ولا عدمه كما وهم. ١٠٣ - (اتخذوا) ندباً أو إرشاداً (الغنم) محركة الشاء لا واحد لها من لفظها الواحدة شاة اسم مؤنث للجنس يقع على الذكر والأنثى (فإنها بركة) أي خير ونماء لسرعة نتاجها وكثرته لأنها تنتج في العام مرتين وتولد الواحد والاثنين ويؤكل منها ما شاء الله ويمتلىء منها وجه الأرض والسباع تلد ستاً وسبعاً ولا يرى منها إلا الواحد في الأطراف ومن ثم ورد ما من نبي إلا ورعى الغنم، زاد البخاري قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال وأنا رعيتها لأهل مكة على قراريط أي كل شاة بدينار وقيل موضع بقرب مكة وقد كان التفاخر بالغنم بين أهل اللسان معروفاً من قديم الزمان حسبما يشهد بذلك ١٤٧ حرف الهمزة ١٠٤ - ((أَنَّخِذُوا عِنْدَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِي؛ فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). (حل) عن الحسين بن علي (ض). قصائد فحول قدماء الشعراء كامرىء القيس (تنبيه) في فتاوى المؤلف عن مقتضى المذاهب الأربعة أن من عُير برعي الغنم فقال كان النبي ◌َّچ يرعاها قبل النبوة أنه يعزر (فائدة) حکی في الوحيد أنه ورد في بعض الآثار أن الخليل و كان له أربعة آلاف كلب في غنمه في عنق كل كلب طوق من الذهب الأحمر زنته ألف مثقال فقيل له في ذلك فقال: إنمّا فعلت ذلك لأن الدنيا جيفة وطلابها كلاب فدفعتها لطلابها (طب خط عن أم هانىء) بنون مكسورة وهمزة فاختة أو هند بنت أبي طالب أخت علي لها صحبة ورواية أسلمت يوم الفتح وهرب زوجها هبيرة بن عمرو المخزومي إلى نجران ورواه الإمام الرافعي عن عائشة باللفظ المزبور (ورواه ه) عنها أيضاً ووافقه ابن جرير والطبراني والبيهقي (بلفظ اتخذي) يا أم هانىء (غنماً فإن فيها بركة) رمز المصنف لحسنه وهو كما قال أو أعلى فإن رواة ابن ماجه ثقات ورواه أحمد قال الهيتمي، بعد ما عزاه لأحمد: وفيه موسى بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة لم أعرفه. ١٠٤ - (اتخذوا عند الفقراء) جمع فقير فعيل بمعنى فاعل يقال فقر يفقر إذا قل ماله وغلب استعماله في الصوفية وأهل السلوك (أيادي) أي اصنعوا معهم معروفاً واليد كما تطلق على الجارحة تطلق على النعمة والإحسان والقوة والسلطان قال الزمخشري: من المجاز لفلان عندي يد وأيديت عنده ويديت أنعمت (فإن لهم دولة) انقلاباً من الشدة إلى الرخاء ومن العسر إلى اليسر فلو عرف الغني ما للفقير عند الله لاتخذه صاحباً وترك الأغنياء جانباً، قال أبو عثمان المغربي: من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب، قال في الكشاف: والدولة بالفتح والضم ما يدول للإنسان أي يدور من الجد يقال دالت له الدولة وأديل لفلان وقيل الدولة بالضم ما يتداول وبالفتح بمعنى التداول وفي الأساس دالت به الدولة ودالت الأيام بكذا وأدال الله بني فلان من عدوهم جعل الكرة لهم عليهم (يوم القيامة) نصب على الظرفية وقد تأدب السلف في هذا بأدب المصطفى تأدباً حسناً حتى حكي عن سفيان الثوري أن الفقراء في مجلسه كانوا أمراء. قال اليافعي: وكان بعض الفقراء الواجدين يغنيّ ويبكي ويقول في غنائه: قال لنا حبيبنا اليوم لهم وغداً لنا. وظاهر صنيع المصنف أن هذا الحديث هو بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته عند مخرجه فإذا كان يوم القيامة نادى مناد سيروا إلى الفقراء فاعتذروا إليهم كما يعتذر أحدكم إلى أخيه في الدنيا انتهى بنصه. (فائدة) رأى بعض العارفين علياً كرم الله وجهه في النوم فقال له: ما أحسن الأعمال؟ قال عطف الأغنياء على الفقراء وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى (حل عن الحسين بن على) أمير المؤمنين قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف جداً انتهى. ورمز المصنف لضعفه لكن ظاهر كلام الحافظ ابن حجر أنهم موضوع فإنه قال: لا أصل له وتبعه تلميذه السخاوي فقال: بعد ما ساقه وساق أخباراً متعددة من هذا الباب: وكل هذا. بطال كما بينته في بعض الأجوبة وسيق إلى ذلك الذهبي وابن تيمية وغيرهما قالوا ومن المقطوع بوضعه حديث اتخذوا مع الفقراء أيادي قبل أن تجيء دولتهم ذكره المؤلف وغيره عنه. ١٤٨ حرف الهمزة ١٠٥ - ((أَنَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالاً، يعني الخاتم)). (٣) عن بريدة (ح). ١٠٦ - (أَتَدْرُونَ مَا الْعَضْهُ؟ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ لِيُفْسِدُوا بَيْنَهُمْ)). (خد هق) عن أنس. ١٠٥ - (اتخذه من ورق) بفتح الواو وتثليث الراء فضة قال في الكشاف: الورق فضة مضروبة أو غير مضروبة (ولا تتمه) بضم فكسر تكمله من أتم الشيء أكمله قال الراغب: وتمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه ويقال ذلك للمعدود والممسوح (مثقالاً) بكسر فسكون معروف وهو درهم وثلاثة أسباع درهم فإن بلغ مثقالاً كره كراهة تنزيه فإن زاد عليه ففي تحريمه وجهان والأصح أنه إن لم يعد إسرافاً عرفاً جاز وإلّ فلا. وفي رواية لأبي داود ولا تتمه مثقالاً ولا قيمة مثقال. قال الحافظ الزين العراقي: ومعنى هذه الزيادة أنه ربما وصل الخاتم بالنفاسة في صنعته إلى أن يكون قيمته مثقالاً فهو داخل في النهي أيضاً وقوله: (يعني الخاتم) تفسير من الراوي لما أشير إليه بضمير اتخذه ولبس الخاتم سنة، قال ابن العربي: الخاتم عادة في الأمم ماضية وسنة في الإسلام قائمة وفي المواهب القسطلانية وشرح الشمائل للهيتمي وغيرهما عن جدي الشرف المناوي رحمه الله تعالى تحصل السنة بلبسه مطلقاً ولو مستعاراً أو مستأجراً لكن الأفضل لبسه بالملك واستدامته انتهى. وكذا ابن حبان وصححه (عن بريدة) بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة ابن الحصيب بضم المهملة وفتح المهملة الثانية فتحتية فموحدة ابن عبد الله الأسلمي. قال: جاء رجل إلى رسول الله وَلؤ وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من صفر، فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟ فطرحه، ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟ قال: يا رسول الله فمن أي شيء أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق إلى آخره. قال الترمذي: حديث غريب. قال ابن حجر: وفيه عبد الرحمن بن مسلم أبو طيبة. قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن حبان: يخطىء ومع ذلك صححه فدل على قبوله له وأقل درجاته الحسن انتهى. ولذلك رمز المؤلف لحسنه لكن ضعفه النووي في المجموع وشرح مسلم وتبعه جمع من الفقهاء. ١٠٦ - (أتدرون) أتعلمون أو أتعرفون، قال الراغب: الدراية المعرفة المدركة بضرب من ضروب الحيل وهو تقديم المقدمة وإجالة الخاطر واستعمال الروية ولا يجوز أن يوصف بذلك البارىء لأن معنى الحيل لا يصح عليه ولم يرد به سمع فيتبع وقول الشاعر: لَهُمَّ لا أَدْري وأَنْتَ تَذْري من تعجرف أجلاف الأعراب (ما العضه) بفتح المهملة وسكون المعجمة وضم الهاء البهتان الذي يحير قال في الصحاح: العضه الرمي بالبهتان، وقال في القاموس: عضه كمنع كذب وجاء بالإفك والبهتان وفلاناً أبهته، وقال فيه ما لم يكن وسخر ونمّ انتهى. وعنون بالاستفهام تنبيهاً على فخامة ما يلقيه من الكلام وإشارة إلى أنه يتعين معرفته ويقبح الجهل به ولما قال ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال: (نقل الحديث) أي ما يتحدث به (من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم) أي لأجل أن ١٤٩ حرف الهمزة ١٠٧ - ((أَتْرِعُوا الطُّسُوسَ، وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ)). (هب خط فر) عن ابن عمر. يفسد الناقلون المفهومون من نقل بين المنقول إليهم والمنقول عنهم وعبر بالجمع إشارة لاعتياده واطراده بينهم والمراد التحذير من نقل كلام قوم لآخرين لإلقاء العداوة والبغضاء بينهم وهذا هو النميمة التي هي كما قال جمع نقل الحديث على وجه الافساد وهو من الكبائر، وقال الغزالي: جد النميمة كشف ما يكره كشفة سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث سواء كان بقول أو كتابة أو رمز أو إيحاء سواء كان عيباً أو نقصاً على المنقول عنه أو لا بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه (تتمة) تبع رجل حكيماً سبعمائة فرسخ لأجل سبع كلمات، قال: أخبرني عن السماء وما أثقل منها، وعن الأرض وما أوسع منها، وعن الحجر وما أقسى منه، وعن النار وما أحر منها، وعن الزمهرير وما أبرد منه، وعن البحر وما أغنى منه، وعن اليتيم وما أذل منه، فقال: البهتان على البريء أثقل من السماء والحق أوسع من الأرض والقلب القانع أغنى من البحر والحرص والحسد أحرّ من النار والحاجة إلى الغير إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر والنمّام إذا بان للناس أمره أذل من اليتيم. (خذ هق) كلاهما معاً من حديث سنان بن سعد (عن أنس) بن مالك رمز المؤلف لحسنه وليس كما قال فقد أعله الذهبي في المذهب متعقباً على البيهقي فقال فيه سنان بن سعد -وهو ضعيف. ١٠٧ - (أترعوا) بفتح الهمزة وسكون المثناة فوق وكسر الراء: املأوا إرشاداً قال الزمخشري وغيره: أترع الكأس ملأها وجفان مترعات وسد الترعة وهو منفتح الماء ومن المجاز فتح ترعة الدار بابها وحجبني التراع البواب يقولون جاءه القراع فرده التراع (الطسوس) بضم الطاء وسينين مهملتين جمع طس وهو لغة في الطست (وخالفوا المجوس) بفتح الميم فإنهم لا يفعلون ذلك وهم عبدة النار القائلون بأن العالم نور وظلمة. ومعنى الحديث اجمعوا الماء الذي تغسلون به أيديكم في إناء واحد حتى يمتلىء فإن ذلك مستحب ولا تريقوه قبل امتلائه كما تفعله المجوس وقد جرى على ندب ذلك الغزالي في مختصر الاحياء. فقال: يستحب أن يجمع ماء الكل في طست واحد ما أمكن لهذا الحديث وهذا بناء على أن المراد من الحديث غسل الأيدي من الطعام عقب الأكل وحمله بعضهم على الوضوء الشرعي، فقال: يسن جمع ماء الوضوء في طست حتى يمتلىء ويطف ولا يبادر بإهراقه قبل الامتلاء مخالفة للمجوس ولكل من الحملين وجه أما كون ذلك من سننى الأكل فلأن فيه صون الماء عن التزلق الذي قد يقع فيه بعض الحاضرين فيؤذيه وأما كونه من سنن الوضوء فلأن في التحرز عن الرشاش الذي قد يصيب ثوبه بعد إصابته الأرض فيؤدي إلى الوسواس المضر ويوافق ذلك أنه يسن عندنا للمتوضىء أن يتوقى الرشاش المؤدي إلى الوسواس وينضم إلى ذلك مخالفة المجوس. والحديث وإن كان ضعيفاً لكن يعمل به في الفضائل وهذا منها وفي الشعب أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بواسط بلغني أن الرجل يتوضأ في طست ثم يأمر بها فتهراق وهذا من زي العجم فتوضوؤا فيها فإذا امتلأت فأهريقوها (هب خط فرعن ابن عمر) بن الخطاب وضعفه البيهقي. وقال: في إسناده من يجهل، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح وأكثر رواته ضعفاء ومجاهيل لكنه ورد بمعناه في خبر جيد رواه القضاعي في ١٥٠ - حرف الهمزة ١٠٨ - ((أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ أَنْ تَذْكُرُوهُ؟ فَأَذْكُرُوهُ يَعْرِفْهُ النَّاسُ)). (خط) في رواة مالك عن أبي هريرة (ض). ١٠٩ - ((أَتْرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟ مَتَّى يَعْرِفُهُ النَّاسُ؟ أَذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ مسند الشهاب عن أبي هريرة بلفظ اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم، وقال الحافظ العراقي: إسناده لا بأس به وروى البيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً لا ترفعوا الطسوس حتى تطف اجمعوا وضوءكم جمع الله شملکم. ١٠٨ - (أترعون) بفتح همزة الاستفهام والمثناة فوق وكسر الراء أي أتتحرجون وتكفون وتتورعون (عن ذكر) بكسر فسكون (الفاجر) المتظاهر بنحو تخنث وزنا ولواط وشرب خمر وجور غير مبال بما ارتكبه من ذلك وتمتنعون (أن تذكروه) أي تجروا جرائمه على ألسنتكم بين الناس (فاذكروه) بما فيه ولهذا قال الحسن ثلاثة لا غيبة لهم صاحب هوى والفاسق المعلن والإمام الجائر، وقال الغزالي: وهؤلاء يجمعهم أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون وكيف يكرهونه وهم يقصدون إظهاره (يعرفه الناس) أي ليعرفوا حاله فيحذروه فليس ذكره حينئذٍ منهياً عنه بل مأموراً به للمصلحة، ومن ذلك قول الحسن في الحجاج أخرج الينا بناناً قصيرة قلما عرفت فيها الاعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول يا أبا سعيد يا أبا سعيد، وقال لما مات: اللهم أنت أمته فاقطع سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته لا يصعد المنبر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وصحبه مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة هيهات دون ذلك السيف. والغيبة تباح في نحو أربعين موضعاً ذكرها ابن العماد وغيره والكلام في غير نحو راو وشاهد وأمين صدقة وناظر وقف ويتيم أما هم فيجب جرحهم اجماعاً على من علم فيهم قادحاً وإن لم يتجاهروا بالفجور ولا أبرزوا الخيانة إلى حين الظهور. (تنبيه) هذا الحديث وما بعده شامل للفاجر الميت ولا ينافيه النهي عن سب الأموات في الخبر الآتي لأن السب غير الذكر بالشر وبفرض عدم المغايرة فالجائز سب الاشرار والمنهي سب الاخيار ذكره الكرماني وغيره (خط في) كتاب (رواة مالك) بن أنس (عن أبي هريرة) وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث الجارود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً ثم قال: هذا يعد من أفراد الجارود وليس بشيء وقضية تصرف المصنف أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتاً عليه والأمر بخلافه بل قال تفرد به الجارود وهو كما قال البخاري: منكر الحديث كان أبو أسامة يرميه بالكذب هذا كلام الخطيب فنسبته لمخرجه واقتطاعه من كلامه ما عقبه به من بيان حاله غير مرضي وقد قال في الميزان إنه موضوع ونقله عنه في الكبير وأقره عليه لكن نقل الزركشي عن الهروي في كتاب ذم الكلام أنه حسن باعتبار شواهده التي منها ما ذكره المؤلف بقوله. ١٠٩ - (أترعون عن ذكر الفاجر) أي الذي يفجر الحدود أي نخرقها ويتعداها معلناً غير مبال ولا مستتر فالإسلام كحظيرة حظرها الله على أهله فمن ثلم تلك الحظيرة بالخروج منها متخطياً ما وراءها فقد فجرها وذا يكون من المؤمن والكافر لكن الحديث إنما ورد في المؤمن فيكون يغره أولى بدليل ما ذكر في سبب الحديث أنه لما حث على ستر المسلم وتوعد على هتكه تورعوا عن ذكره لحرمة التوحيد فبين ١٥١ حرف الهمزة النَّاسُ)). ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، والحكيم في نوادر الأصول، والحاكم في الكنى، والشيرازي في الألقاب (عد طب هق خط) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. لهم أن الستر إنما هو لأهل الستر فمن لزمه هذا الاسم لغلبة الفجور عليه وقلة مبالاته فلا حرمة له فلا يكتم أمره بل قد يجب ذكره ويكون الكف عنه خيانة. ألا ترى إلى قوله: (متى) بفتح الميم مخففاً (يعرفه الناس) أي وقت يعرفه الناس إن لم تعرفوهم به (اذكروا الفاجر) الفاسق (بما فيه) من الفجور وهتك ستر الديانة فذكره بذلك من النصيحة الواجبة لئلا يغتر به مسلم فيقتدي به في فعلته أو يضله في بدعته أو يسترسل له فيؤذيه بخدعته وبين قوله بما فيه أنه لا يجوز ذكره بغير ما فيه ولا بما لا يعلن به. قال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فذكرت الحجاج أي بما لم يتظاهر به فقال: إن الله ينتقم للحجاج كما ينتقم منه وإنك إذا لقيت الله غداً كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج وأشار بقوله: (يحذره) أي لكي يحذره (الناس) إلى أن مشروعية ذكره بذلك مشروطة بقصد الاحتساب وإرادة النصيحة دفعاً للاغترار ونحوه مما ذكر فمن ذكر واحداً من هذا الصنف تشفياً لغيظه أو انتقاماً لنفسه أو احتقاراً أو ازدراء ونحو ذلك من الحظوظ النفسانية، فهو آثم كما ذكره الغزالي ثم السبكي فیما نقله عنه ولده قال: كنت جالساً بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت له اخسأ كلب بن كلب فزجرني والدي، فقلت له: أليس هو كلب ابن كلب؟ قال: شرط الجواز عدم قصد التحقير، فقلت: هذه فائدة وأخذ الغزالي من هذا الخبر وما قبله أن من استشير في خاطب فله أن يصرح بذكر مساويه إذا علم أن مجرد قوله لا يصلح لك لا يفيد. قال الراغب: والحذر احتراز عن مخيف (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذم الغيبة) أي ذكر الناس بما يكرهون (والحكيم) محمد بن علي الترمذي المؤذن الصوفي الشافعي صاحب التصانيف (في) كتابه (نوادر الأصول) سمع الكثير من الحديث بالعراق ونحوه، وحدّث عن قتيبة بن سعيد وغيره وهو من القرن الثالث من طبقة البخاري، قال السلمي: نفوه من ترمذ وشهدوا عليه بالكفر بسبب تفضيله الولاية على النبوة وإنمّا مراده ولاية النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال ابن عطاء الله: كان العارفان الشاذلي والمرسي يعظمانه جداً ولكلامه عندهما الحظوة التامة ويقولان هو أحد الأوتاد الأربعة، وقال ابن أبي جمرة في كتاب الختان وابن القيم في كتاب اللمحة في الرد على ابن طلحة: إنه لم يكن من أهل الحديث ورواته ولا علم له بطرقه وصناعته وإنمّا فيه الكلام على إشارات الصوفية حتى خرج عن قاعدة الفقهاء واستحق الطعن عليه وطعن عليه أئمّة الفقهاء والصوفية، وقالوا: أدخل في الشريعة ما فارق به الجماعة وملأ كتبه الفظيعة بالأحاديث الموضوعة وحشاها بأخبار لا مروية ولا مسموعة إلى آخر ما قال من الهذيان والبهتان كما لا يخفى على أهل هذا الشأن. كيف وقد قال الحافظ ابن النجار في تاريخه: كان إماماً من أئمة المسلمين له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الحديث، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم وفي شيوخه كثرة ثم أطال في بيانه، وقال السلمي في الطبقات: له اللسان العالي والكتب المشهورة، وقال القشيري في الرسالة: هو من كبار الشيوخ وأطال في الثناء عليه وقال الحافظ أبو نعيم في الحلية له التصانيف الكثيرة في الحديث وهو مستقيم الطريقة تابع للأثر يرد على المرجئة وغيرهم وله حكم علية الشأن منها قوله كفى بالمرء عيباً أن يسره ما يضره وقوله وقد سئل عن الخلق، فقال: ضعف ظاهر ودعوى عويضة، وقال الكلاباذي ١٥٢ حرف الهمزة ١١٠ - ((أَتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَسْلِبُ أُمَّتِي مِلْكَهُمْ وَمَا خَوَّلَهُمُ اللَّهُ بَنُوا قَنْطُورَاءَ)). (طب) عن ابن مسعود. في التعرف هو من أئمة الصوفية إلى غير ذلك من الكلام في شأن هذا الإمام وإنمّا أطلت فيه دفعاً لذلك الافتراء فلا تكن من أهل المراء (والحاكم) أبو عبد الله (في) كتاب (الكنى) والألقاب، وقال: هذا غير صحيح ولا معتمد (والشيرازي) أبو بكر (في) كتاب (الألقاب) وهو أجل كتاب ألف في هذا الباب قبل ظهور تأليف الحافظ ابن حجر (عد طب هق) وقال: أعني البيهقي ليس بشيء (خط) في ترجمة محمد بن القاسم المؤدب من حديث الجارود (عن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء ثم زاي معجمة (ابن حكيم عن أبيه عن جده) قال الجارود: لقيت بهز بن حكيم في الطواف فذكره لي فيه، قال الحكيم والخطيب: تفرد به الجارود عنه، وقال في المهذب كأصله الجارود واه وقد سرقه منه جمع ورووه عن بهز ولم يصح فيه شيء، وقال أحمد: حديثه منکر، وقال ابن عدي: لا أصل له، قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف، وقال الدارقطني في علله: هو من وضع الجارود ثم سرقه منه جمع وفي الميزان عن أسامة وأبي حاتم أن الجارود كذاب وأن أبا بكر بن الجارود كان إذا مر بقبر جده، قال: يا أبت لو لم تحدث بحديث بهز لزرتك وقد نقل المؤلف في الكبير عن الحكيم أن الجارود تفرد به وأن أبا حاتم وأبا أسامة كذباه وأقرّ ذلك. ١١٠ - (اتركوا) من الترك قال الراغب: وهو رفض الشيء قصداً واختياراً أو قهراً واضطراراً (الترك) بضم فسكون جيل من الناس والجمع أتراك الواحد تركي كرومي، وأروام قاله في القاموس والمصباح ولا يعارضه قول ابن الأثير الترك جمع تركي لأن الجمع قد يجمع وهو وإن كان مفرداً في الأصل اسم الأب فالأب مسماه جمع كثير، فالمصباح والقاموس نظرا إلى أنه اسم مفرد في الأصل، وابن الأثير نظر إلى مدلوله الآن، قال الزمخشري: تقول العرب تراك تراك صحبة الأتراك وفيه جناس الاشتقاق (ما تركوكم) أي لا تتعرضوا لهم مدة تركهم لكم وخصوا لشدة بأسهم وبرد بلادهم ففي غزوهم مشقة فإن لم يتركونا بأن دخلوا دارنا فقتالهم فرض عين، وفيه من أنواع البديع جناس الاشتقاق (فإن أول من يسلب أمتي) أي أمة النسب وهم العرب لا أمّة الدعوة (ملكهم) أي أوّل من ينتزع منهم بلادهم التي ملكوها (وما خولهم الله) فيه أي أعطاهم من النعم، والسلب بالسكون الأخذ والاستلاب الاختلاس. السلب بالتحريك المسلوب والتخول الإعطاء والتعهد وأراد بالأمة بعضها إذ المسلوب البعض كما تقرر فهو عام أريد به الخصوص (بنو قنطوراء) بفتح القاف وسكون النون بالمد على ما في المغرب الجواليقي لكن في البارع بالقصر جارية إبراهيم الخليل وقيل امرأته من الكنعانيين تزوجها بعدموت سارة وأم إسماعيل. ومن نسلها الترك والديلم والغز وقيل هم بنوعم يأجوج ومأجوج لما بنى السد كانوا غائبين فتركوا لم يدخلوا معهم فسموا الترك، قال القرطبي: ومع ذلك خرج من الترك أمم لا يحصيها إلا الله تعالى، وقال ابن دحية: خرج سنة سبع عشرة وستمائة جيش منهم وهم التتر عظم منهم الخطب والخطر وعم الضرر وقضي لهم من قتل الأنفس المؤمنة الوطر فقتلوا من وراء النهر ومادونه من جميع بلاد خراسان ومحوا آثار ملك بني ساسان وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن ويرى أن الخالق المصور هو النيران وملكهم يعرف بجنكزخان ومن أمثالهم اترك الترك إن ١٥٣ حرف الهمزة ١١١ - ((أَتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَخْرِجُ كَثْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ)). (دك) عن ابن عمر. أحبوك أكلوك وإن أبغضوك قتلوك، وقال ابن حجر: قد ظهر مصداق الخبر وروى أبو يعلى عن معاوية بن خديج قال: كنت عند معاوية فأتاه كتاب عامله أنه وقع بالترك فهزمهم فغضب ثم كتب إليه لا تقاتلهم حتى يأتيك أمري فإني سمعت رسول الله وَلي يقول: ((إن الترك تجلي العرب حتى تلحقها بمنابت الشيخ)) فأنا أكره قتالهم لذلك، وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدوداً إلى أن فتح شيئاً فشيئاً وكثر السبي منهم وتنافس فيهم الملوك لما فيهم من الشدة والبأس حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك فقتلوا ابنه المتوكل ثم أولاده واحداً بعد واحد إلى أن استولى على الملك الأتراك طائفة بعد طائفة إلا آل سلجوق فخرج عليهم في المائة الخامسة الغز فخربوا البلاد وقتلوا العباد، ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتار فكان خروج جنكزخان بعد الستمائة فاستعرت بهم الدنيا ناراً سيما المشرق حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد وقتل المعتصم آخر الخلفاء بأيديهم سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم التمرلنك فطرق الديار الشامية وخرب دمشق حتى صارت خاوية على عروشها ودخل الروم والهند وما بين ذلك وطالت مدته حتى أخذه الله وتفرق بنوه في البلاد وظهر بجميع ذلك مصداق الحديث (طب) وكذا في الأوسط والصغير (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (بن مسعود) قال الهيتمي: فيه مروان بن سالم متروك وذكره في موضع آخر، وقال فيه عثمان بن يحيى الفرقساي لم أعرفه وبقية رجاله الصحيح انتهى. وقال السمهودي: المقال إنمّا هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن ورجالهما موثقون انتهى. وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو للكبير غير جيد وكيفما كان لم يصب ابن الجوزي حيث حكم بوضعه وقد جمع الضياء فيه جزءاً. ١١١ - (اتركوا) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء (الحبشة) بالتحريك جيل من السودان معروف والواحد حبشي والحبش بضم فسكون اسم جنس ولهذا صغر على حبيش، قال ابن حجر: ويقال إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل (ما تركوكم) أي عدة دوام تركهم لكم لما يخاف من شرهم كما يشير إليه قوله: (فإنه لا يستخرج) أي لا يستنبط والاستخراج الاستنباط وهو ما أظهر بعد خفاء (كنز الكعبة) أي المال المدفون فيها حين يهدمها حجراً حجر أو يلقي حجارتها في البحر، كما جاء في خبر آخر والكعبة اسم للبيت الحرام سمي به لتكعبه وهو تربيعه وكل بناء مربع مرتفع كعبة، وقيل لاستدارتها وعلوها وقيل لكونها على صورة الكعب (إلا ذو السويقتين من الحبشة) تثنية سويقة مصغراً، قال الطيبي: وسر التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظمة يهتك حرمتها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة، ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك أو أنه وصف له أي رجل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جداً والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق لكن هذا يتميز بمزيد من ذلك ولا يعارضه قوله تعالى ﴿حرماً آمناً﴾ [القصص: ٥٧] لأن معناه آمناً إلى قرب يوم ١٥٤ حرف الهمزة ١١٢ - ((أَتْرُكُوا الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ أَخَذَ مِنْ حَتْفِهِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ)). (فر) عن أنس. القيامة، فإن هذا التخريب يكون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام على ما ذكره بعضهم فيأتي إليه الصريخ فيبعث إليه، وقال الحليمي: بل بعد موته وبعد رفع القرآن ورجحه بعض الأعيان وجمع بحمل الأوّل على أنه يهدم بعضه في زمن عيسى فيبعث إليه فيهرب، ثم بعد موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه إشارة إلى رفع معالم الدين من أصلها (دك) في الفتن وكذا البيهقي (عن ابن عمرو) بن العاص رمز المصنف لصحته اغتراراً بتصحيح الحاكم وهو وهم فقد أعله الحافظ عبد الحق بأن فيه زهير بن محمد شیخ أبي داود کان سییء الحفظ لا يحتج بحديثه . ١١٢ - (اتركوا الدنيا لأهلها) أي صيروها من قبيل المتروك المطروح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ولا تذهب النفس إليه لخسته، والمراد بالدنيا الدنانير والدراهم أو المطعم والمشرب والملبس ومتعلقات ذلك أي التوسع في ذلك والتهافت على أخذ ما فوق الكفاية، وأما تفسيره بحب الحياة فلا يلائم السوق كما لا يخفى على أهل الذوق، قال الفاكهي: ودنيا كل إنسان بحسب حاله فكلام الشيخ بين طلبته والأمير بين جنده دنيا بالنسبة لهم، إلّ أن يقصدوا به أمراً أخروياً وذا لا يكاد يكون إلا من موفق لاح له من علم الآخرة لائح فاشتاق لمولاه وغلب شيطانه وهواه وذكر الغزالي أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مر برجل نائم ملتف بعباءة، فقال: يا نائم قم فاذكر الله تعالى، قال: ما تريد مني وقد تركت الدنيا لأهلها، فقال: نم إذاً يا حبيبي نم (فإنه) أي الشأن (من أخذ منها) مقداراً (فوق ما) أي القدر الذي (يكفيه) أي زائداً على الذي يحتاجه لنفسه والمموّنة من نحو مأكل ومشرب وملبس ومسكن وخادم ومركب وآنية تليق به وبهم (أخذ من حتفه) أي أخذ في أسباب هلاكه والحتف الهلاك، قال الزمخشري: قالوا المرء يسعى ويطوف وعاقبته الحتوف قيل هو مصدر بمعنى الحتف وهو القضاء، وفي الصحاح الحتف المرت، يقال مات حتف أنفه إذا مات بغير قتل ولا ضرب وفي النهاية هو أن يموت على فراشه كأن سقط فمات والحتف الهلاك وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه (وهو لا يشعر) أي والحال أنه لا يدري ولا يحس بذلك ولا يتوقعه لتمادي غفلته. والشعور الاحساس ومشاعر الإنسان حواسه ومنه الشعار وما شعرت به ما فطنت له وما علمته وليت شعري ما كان منه وما يشعركم وما يدريكم ذكره الزمخشري، فهلاك هذا الدين وسلوك سبيل الناجين الزهد فيها والاعراض عنها والاقتصار على الكفاف، قال الغزالي: وإنمّا كانت الزيادة على قدر الكفاية مهلكة لأن ذلك يدعو إلى المعاصي فإنها تمكن منها ومن العصمة أن لا يقدر ولأنه يدعو إلى التنعم بالمباحات وهو أقل الدرجات فينبت على التنعم جسده ولا يمكنه للصبر عنه وذلك لا يمكن استدامته إلّ بالاستعانة بالخلق والالتجاء إلى الظلمة وهو يدعو إلى النفاق والكذب والرياء والعداوة والبغضاء ولأنه ينهي عن ذكر الله تعالى الذي هو أساس السعادة الأخروية انتهى. ولهذا كان محط نظر السلف الصالح التجرد المطلق عن علائقها، أما الأخذ منها بقدر الكفاية لمن ذكر فلا ضير فيه بل قد يجب بل له أخذ ما زاد على كفايته بقصد صرف الفاضل في وجوه البر إن وثق من نفسه بالوفاء بذلك حرف الهمزة ١٥٥ ١١٣ - ((أَتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَعْلَمُ)). (تخ ت) عن زيد بن سلمة الجعفي. ١١٤ - (أَتَّقِ اللَّهَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ)). أبو قرة الزبيدي في سننه عن طليب بن عرفة. القصد، فمثال المال كحية فيها ترياق نافع وسم ناقع فإن أصابها من يعرف وجه التحرز عن سمها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت عليه نعمة وإن أصابها من لم يعرف ذلك فهي عليه نقمة وهي كبحر تحته صنوف الجواهر فمن كان عارفاً بالسباحة وطرق الغوص والتحرز عن مهلكات البحر فقد ظفر بنعمه وإن غاصه جاهل بذلك تورط في المهالك؛ هذا غاية البيان وليس قرية وراء عمان (فر عن أنس) رمز المصنف لضعفه وذلك لأنه فيه من لا يعرف لكن فيه شواهد تصيره حسناً لغيره. ١١٣ - (اتق) بكسر الهمزة وشد المثناة فوق (الله) أمر من التقوى فعلى من الوقاية ما يتقى به مما يخاف فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه وهي هنا الحذر (فيما تعلم) أي احذره وخفه في العمل أو في ترك العمل بالذي تعلمه وحذف المفعول للتعميم وذلك بأن تتجنب المنهي وتفعل المأمور وخاطب العالم لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي لا من جانب الأمر ولا من جانب النهي، والمراد أصالة العلم العيني الذي لا رخصة للمكلف في تركه وما عداه من كمال التقوى، قال ابن القيم: والمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلاّ الله، فمنها حرمان العلم فإن العلم نور يقذف في القلب والمعصية تطفئه. وكتب رجل إلى أخيه إنك أوتيت علماً فلا تطفئن نوره بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم، أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام يا داود أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، وقال بشر التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل تنعم في الدنيا فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم (تخ ت) وكذا الطبراني من حديث أنس بن أشوع (عن زيد بن سلمة) بن يزيد بن مشجعة (الجعفي) بضم الجيم وسكون المهملة نسبة إلى جعفي بن سعد العشيرة قبيلة كبيرة، قال: قلت يا رسول الله سمعت منك حديثاً كثيراً فإني أخاف أن ينسيني آخره أوله فمرني بكلمة جامعة فذكره. قال الترمذي في العلل: سألت عنه محمداً يعني البخاري، فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من يزيد فهو عندي مرسل، وقال المؤلف في الكبير: منقطع. ١١٤ - (اتق الله) خفه واحذره (في عسرك) بضم فسكون وبضمتين وبالتحريك كما في القاموس الضيق والصعوبة والشدة (ويسرك) بالضم وبضمتين وبالفتح وبفتحتين الغنى والسهولة يعني إذا كنت في ضيق وشدة وفقر فخف الله أن تفعل ما نهى عنه أو تهمل ما أمر به، وإن كنت في سرور وغنى فاحذره أن تطغى وتقتحم ما لا يرضاه فإن نعمته إذا زالت عن إنسان قلما تعود إليه، وقدم العسر على اليسر لأن اليسر يعقبه كما دل عليه قوله تعالى ﴿إن مع العسر يسراً﴾ [الشرح: ٦] أو اهتماماً بشأن التقوى فيه. قال بعض العارفين من علامات التحقق بالتقوى أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يحتسب، وإذا أتاه من حيث يحتسب ما تحقق بالتقوى ولا اعتمد على الله فإن معنى التقوى أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها، والإنسان أبصر بنفسه وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق وبما تسكن إليه نفسه ولا تقل إن الله أمرني بالسعي على العيال وأوجب مؤنتهم فلا بد من الكد في السبب :١٥٦ ١ حرف الهمزة ١٢٥ - ((أَتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبع السَّيَّةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)). (حم ت ك هب) عن أبي ذر (حم ت هب) عن معاذ، ابن عساكر عن أنس. الذي جرت العادة أن يرزقه فيه، فإنا ما قلنا لك لا تعمل فيها بل نهيناك عن الاعتماد عليها والسكون عندها فإن وجدت القلب يسكن إليها فاتهم إيمانك، وإن وجدت قلبك ساكناً مع الله تعالى واستوى عندك وجود السبب المعين وفقده فأنت الذي لم تشرك بالله شيئاً فإن أتی رزقك من حيث لا تحتسب فذلك بشرى أنك من المتقين(١). (تنبيه) قال ابن عربي: طريق الوصول إلى علم القوم التقوى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم﴾ [الأعراف: ٩٦] أي طالعناهم على العلوم المتعلقة بالعلويات والسفليات وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت، وقال الله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢] والرزق روحاني وجسماني، وقال (اتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [القرة: ٢٨٢] أي يعلمكّم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية (أبو قرة) بضم القاف وشد الراء (الزبيدي في سننه) بفتح الزاء نسبة إلى زبيد البلد المعروف المشهور باليمن واسمه موسى بن طارق (عن طليب) بالتصغير (ابن عرفة) له وفادة ولم يرو عنه إلّ ابنه كليب وهما مجهولان ذكره الذهبي کابن الأثير وبه يعرف ما في رمز المؤلف لحسنه. ١١٥ - (اتق الله) بامتثال أمره وتجنب نهيه (حيثما كنت) أي وحدك أو في جمع فإن كانوا أهل بغي أو فجور فعليك بخويصة نفسك أو المراد في أي زمان ومكان كنت فيه رآك الناس أم لا فإن الله مطلع عليك واتقوا الله إن الله كان عليكم رقيباً والخطاب لكل من يتوجه إليه الأمر فيعم كل مأمور وأفراد الضمير باعتبار كل فرد وما زائدة بشهادة رواية حذفها وهذا من جوامع الكلم فإن التقوى وإن قل لفظها كلمة جامعة فحقه تقدس أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر بقدر الإمكان، ومن ثم شملت خير الدارين إذ هي تجنب كل منهي عنه وفعل كل مامور به فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين أثنى عليهم في كتابه المبين. ثم نبه على تدارك ما عساه يفرط من تقصيره في بعض الأوامر والتورط في بعض النواهي. فقال: (وأتبع) بفتح الهمزة وسكون المثناة فوق وكسر الموحدة ألحق (السيئة) الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة كما اقتضاه ظاهر الخبر والحسنة بالنسبة إليها التوبة منها فلا ملجىء لقصره على الصغيرة كما ظن وأياً ما كان فالحسنات تؤثر في السيئات بالتخفيف منها يعني ألحق (الحسنة) إياها صلاة أو صدقة أو استغفاراً أو تسبيحاً أو غيرها (تمحها) أي السيئة المثبتة في صحيفة الكاتبين، وذلك لأن المرض يعالج بضده كالبياض يزال بالسواد وعكسه ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ٤١١] يعني فلا يعجزك إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة كصلاة. قال ابن عربي: والحسنة تمحو السيئة سواء كانت قبلها أو بعدها وكونها بعدها أولى إذ الأفعال تصدر عن (١) قال العارفون يثبتونها ولا يشهدونها ويعطونها حقها ولا يعبدونها وما سوى العارفين بعاملونها بالعكس، يعبدونها ولا يعطونها حقها بل يعصونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها ويشهدونها ولا يثبتونها. قاله شيخنا المحیوي في فتوحاته اهـ. ١٥٧ حرف الهمزة ١١٦ - ((أَتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ القلوب وتتأثر بها فإذا فعل سيئة فقد تمكن في القلب اختيارها، فإذا أتبعها حسنة نشأت عن اختيار في القلب فتمحو ذلك وظاهر قوله تمحها أنها تزال حقيقة من الصحيفة، وقيل عبر به عن ترك المؤاخذة ثم إن ذا يخص من عمومه السيئة المتعلقة بآدمي فلا يمحها إلّ الاستحلال مع بيان جهة الظلامة إن أمكن ولم يترتب عليه مفسدة وإلّ فالمرجو كفاية الاستغفار والدعاء (وخالق الناس بخلق) بضمتين (حسن) بالتحريك، أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة من نحو طلاقة وجه وحلم وشفقة وخفض جانب وعدم ظن السوء بهم وتودد إلى كل كبير وصغير وتلطف في سياستهم مع تباين طباعهم، يقال: فلان يتخلق بغير خلقه، أي يتكلف وجمع هذا بعضهم في قوله وأن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك فتجتمع القلوب وتتفق الكلمة وتنتظم الأحوال وذلك جماع الخير وملاك الأمر، والخلق بالضم الطبع والسجية وعرفا ملكة نفسانية تحمل على فعل الجميل وتجنب القبيح كذا ذكره البعض هنا وليس بصواب فإنه تفسير لمطلق الخلق بالخلق الحسن وهو فاسد وقد تكفل حجة الإسلام بتعريفه على طرف التمام، فقال: الخلق هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً وحسن الخلق وإن كان جبلياً لكن في الحديث رمز إلى إمكان اكتسابه وإلّ لما صح الأمر به كما سيجيء إيضاحه والأمر به عام خص بمستحقه فخرج الكفرة والظلمة فأغلظ عليهم. ثم هذا الحديث من القواعد المهمة لإبانته لخير الدارين وتضمنه لما يلزم المكلف من رعاية حق الحق والخلق، وقال بعضهم: وهو جامع لجميع أحكام الشريعة إذ لا يخرج عنه شيء وقال آخر فصل فيه تفصيلاً بديعاً فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام كل منها جامع في بابه ومترتب على ما قبله (تنبيه) قال الراغب: الفرق بين الخلق والتخلق، أن التخلق معه استثقال واكتساب ويحتاج إلى بعث وتنشيط من خارج، والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج (حم ت) في الزهد (ك) في الإيمان وقال: على شرطهما وأيده وأقره الذهبي واعترض (هب) وكذا الضياء في المختارة والدارمي (عن أبي ذر) الغفاري، وقال الترمذي: حسن صحيح (حم ت) وحسنه (هب) وكذا الطبراني (عن معاذ) بن جبل، قال الذهبي: في المهذب إسناده حسن (ابن عساكر) في تاريخه (عن أنس) بن مالك بسند ضعيف ورواه عنه أيضاً الطبراني وغيره، فالإسناد الأول صحيح والثاني حسن والثالث ضعيف وأكثر المصنف من مخرجیه إشارة إلى رد الطعن فيه . ١ ١١٦ - (اتق الله) قال القيصري قد أكثر الناس القول في التقوى وحقيقتها تنزيه القلب عن الأدناس وطهارة البدن من الآثام، وإن شئت قلت الحذر من موافقة المخالفات. وقال الحراني: عبر هنا وفيما سبق بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور، (ولا تحقرن) بفتح المثناة فوق وكسر القاف وفتح الراء وشد النون أي لا تستصغرن يقال حقره واحتقره استصغره، قال الزمخشري: تقول أي العرب هو حقير فقير وهو حاقر ناقر، وفي المثل من حقر حرم وفلان خطير غير حقير (من المعروف) أي ما عرفه الشرع والعقل بالحسن (شيئاً) أي كثيراً كان أو حقيراً (ولو) قال الطيبي: هذا شرط يعقب به الكلام ١٥٨ حرف الهمزة الْمُسْتَسْقِي، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّ إِسْبَالَ الإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ وَلاَ يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَإِنِ آَمْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيََّكَ بِأَمْرٍ لَيْسَ هُوَ فِيكَ فَلاَ تُعَيِّرْهُ بِأَمْرٍ هُوَ تتميماً ومبالغة، وقال أبو حيان: هذه الواو لعطف حال على حال محذوفة بتضمنها السابق تقديره لا تحقرن من المعروف شيئاً على كل حال كائناً ما كان ولو (أن تفرغ) بضم الفوقية وكسر الراء تصب يقال أفرغت الشيء صببته إذا كان يسيل (من دلوك) إنائك الذي تستسقي به من البئر (في إناء) أي وعاء (المستسقي) طالب السقيا يعني ولو أن تعطي مريد الماء ما حزته أنت في إنائك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف وتقدم الأحوج فالأحوج والدلو معروف ويستعار للتوصل إلى الشيء بأي سبب کان قال: ولَكِنْ أَلْقِ دَلْوَكَ في الدِّلَاءِ ولَيْسَ الرِّزْقُ فِي طَلَبٍ حَنِیثٍ (وأن تلقى) أي ولو أن تلقى (أخاك) أي تراه وتجتمع به وفي رواية لأبي داود بدله وأن تكلم أخاك، قال الطيبي: مصدر وعامله محذوف تقديره كلم أخاك تكليماً فلمّا حذف الفعل أضيف المصدر إلى الفاعل، وأراد بالأخ المسلم وإن لم يكن ابن أحد أبويه وقيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أن دينه دينه كما تقول للرجل قل لصاحبك كذا لمن بينه وبينه أدنى ملابسة، وذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام ذكره الزمخشري وأصله للراغب حيث قال: هو المشارك لآخر في الولادة من الطرفين أو أحدهما أو الرضاع ويستعار في كل مشارك لغيره في قبيلة أو دين أو صنعة أو معاملة أو مودّة أو غيرها من المناسبات ﴿ولا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي لمشاركيهم في الكفر. وقوله ﴿يا أخت هارون﴾ [مريم: ٢٨] يعني في الصلاح لا النسبة وقولهم أخا تميم وقوله ﴿أخا عاد﴾ [الأحقاق: ٢١] وسماه أخاً تنبيهاً على إشفاقه عليهم شفقة الأخ على أخيه (ووجهك) أي والحال أن وجهك (إليه منبسط) أي منطلق بالسرور والانشراح. قال حبيب بن ثابت: من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو مقبل علیه بوجهه. ونظم هذا الحدیث کنظم الجمان وروض الجنان وفيه كما قال الغزالي رد على كل عالم أو عابد عبس وجهه وقطب جبينه كأنه مستقذر للناس أو غضبان عليهم أو منزه عنهم ولا يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب، ولا في الخد حتى يصغر، ولا في الظهر حتى ينحني، ولا في الرقبة حتى تطأطأ، ولا في الذيل حتى يضم، إنمّا الورع في القلب. أمّا الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمنّ عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله، ولو كان الله يرضى بذلك ما قال لنبيه وَله ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢٠٥] (وإياك(١) وإسبال) بالنصب (الإزار) أي إرخاءه إلى أسفل الكعبين(٢) أي احذر ذلك يقال أسبل الإزار أرسله ذكره الزمخشري (فإن إسبال الإزار من المخيلة) كعظيمة الكبر والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تتراءى للإنسان من نفسه ذكره (١) إياك فعل أمر بمعنى باعد نفسك ما يكره وباعد إسبال الإزار، فهو عطف على المحذوف من إياك: أي إياك ما يكره وإسبال الإزار. اهـ. (٢) الكعبان هما العظمان النائتان فوق القدم من جانبها بين مفصل الساق والقدم وذلك لإبعاد الإزار عن المستقذر ولمخالفة المتكبرين وللتشبه بالصالحين اهـ. ١٥٩ حرف الهمزة فِيهِ، وَدَعْهُ يَكُونُ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَكَ، وَلاَ تَسُبَّنَّ أَحَداً)). الطيالسي (حب) عن جابر بن سليم الهجيمي. الراغب. وقال الزمخشري؛ ض: تقول إياك والمخيلة وخايله فاخره وتخايلوا تفاخروا (ولا يحبها الله) أي لا يرضاها ويعذب عليها إن لم يعف، كالإزار سائر ما يلبس فيحرم على الرجل إنزال نحو إزاره عن الكعبين بقصد الخيلاء ويكره بدونه. أما المرأة فتسبله قدر ما يستر قدميها (وإن امرؤ) أي إنسان (شتمك) أي سبك (وعيرك) بالتشديد قال فيك ما يعيبك (بأمر) أي بشيء (ليس هو فيك) أي لست متصفاً به (فلا تعيره) أنت (بأمر هو فيه) لأن التنزه عن ذلك من مكارم الأخلاق. ومن ذمّ الناس ولو بحق ذموه ولو بباطل، ومن ثم قال بعضهم : وَمَنْ دَعَى النَّاسِ إِلى ذَمْهِ ذَقَّوُه بِالحَقِّ وِبِالْبَاطِلِ (ودعه) أي اتركه (يكون وباله) أي سوء عاقبته وشؤم وزره (عليه) قال الزمخشري: الوبال سوء العاقبة (وأجره) أي ثوابه (لك) قال الراغب: الأجر ما يعود من ثواب العمل دنيوناً كان أو أخروياً، والأجرة في الثواب الدنيوي، ولا يقال الأجر إلّ في النفع دون الضر، والجزاء يقال في النافع والضار انتهى. والإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة والمقاولة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة والحقيقة وأسلم للعرض والورع ذكره الكشاف، ولما كان التعبير يهيج الغضب ويحمل على المقابلة بالسب عقبه بقوله: (ولا تسبنّ) بفتح الفوقية وشد الموحدة ونون التوكيد أي لا تشتمنّ (أحداً) وإن كان مهيناً والشتم توصيف الشيء بما هو إزراء أو نقص فيه ذكره القاضي وفيه تحذير من الاحتقار لا سيما للمسلم المعصوم، لأن الله تعالى أحسن تقويم خلقه وخلق ما في السماء والأرض لأجله ومشاركة غيره له فيه، إنما هي بطريق التبع وفيه كراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم ومناقلتهم وأن السكوت عن السفيه من المطالب الشرعية. قال في الكشاف ومن أذل نفسه لم يجد مشافهاً وفيه تنبيه عظيم على كظم الغيظ والحلم على أهل الجهل والترفع عمن أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ولهذا قال البيهقي عن ذي النون: العز الذي لا ذل فيه سكوتك عن السفيه وفيه أنشد الأصمعي : إِذَا شَتَمَ الكَرِيمَ مِنَ الجَوَابِ وَمَا شَيءٌ أَحَبُّ إِلى لَئِمِ أَشَدُ عَلَ اللَّئِيمِ مِنَ السِّبَابِ مُتَارَكَةُ اللئيمِ بِلاَ جَوَابٍ ومن ثم قال الأعمش: جواب الأحمق السكوت والتغافل يطفىء شراً كثيراً ورضا المتجني غاية لا تدرك والاستعطاف عون للظفر ومن غضب على من لا يقدر طال حزنه. وقال حكيم: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من أحمق وبر من فاجر وشريف من دنيء. وفيه أنه لا ينبغي للعبد أن يحتقر شيئاً من المعروف في الإحسان إلى الناس بل إلى خلق الله ولا يحتقر ما يتصدق به وإن قلّ وندب لقاء الأخ المؤمن بالبشر وطلاقة الوجه وأنه يقوم مقام فعل المعروف إذا لم يمكنه فعل المعروف معه وغير ذلك (الطيالسي) وأبو داود (عن جابر بن سليم) ويقال سليم بن جابر. قال البخاري: والأوّل أصح (الهجيمي) من بني هجيم بن عمرو بن تميم سكن البصرة وروى عنه ابن سيرين وغيره قال: قلت: ١٦٠ حرف الهمزة ١١٧ - ((أَتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا الْوَلِيدَ، لاَ تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ لَهَا تُؤَاجٌ)). (طب) عن عبادة بن الصامت. يا رسول الله إنّا قوم من أهل البادية فعلمنّا شيئاً ينفعنا الله به فذكره. وقضية صنيع المؤلف تدل على أن الحديث لم يخرجه أحد أشهر من الطيالسي وأنه تفرد به والأمر بخلافه فقد خرجه بمخالفة في الترتيب عن جابر المذكور أئمة أجلاء مشاهير منهم: أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي والباوردي وابن حبان والطبراني وأبو نعيم والبيهقي والضياء في المختارة وغيرهم بلفظ اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولا تسبن أحداً وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة انتهىٍ. وفي بعض طرقه رأيت رجلاً والناس يصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله وَ﴿، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك، فقلت: السلام عليك، أنت رسول الله؟ قال: نعم، فقلت: يا رسول الله علمَّني تما علمّك الله فذكره. قال النووي: في رياضه: رواه أبو داود والترمذي بالإسناد الصحيح ورمز المصنف لصحته. ١١٧ - (اتق الله) أي احذره (يا أبا الوليد) كنية عبادة بن الصامت، قال ذلك له لما بعثه على الصدقة وفيه تكنية الصاحب والأمير ووعظه (لا تأتي) قال الزمخشري: لا مزيدة أو أصله لئلا تأتي فحذف اللام(١) (يوم القيامة) يوم الجزاء الأعظم (بيعير) معروف يقع على الذكر والأنثى كالإنسان في وقوعه عليهما وجمعه أبعرة وأباعر وبعران (تحمله) في رواية على رقبتك، قال الزمخشري: وهو ظرف وقع حالاً من الضمير في تأتي تقديره مستعلياً رقبتك بعيره، وقال الراغب: الحمل معنى واحد اعتبر في أشياء كثيرة فسوى بين لفظه في فعل وفرق بين كثير منها في مصادرها فقيل في الأثقال المحمولة في الظاهر على الشيء حمل وفي الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والثمرة في الشجر تشبيهاً بحمل المرأة، ويقال حملت الثقيل والرسالة والوزن حملاً (له رغاء) بضم الراء وبالمعجمة والمد أي تصويت، والرغاء صوت الابل تقول رغا البعير رغاء ورغوة واحدة فالغالب في الأصوات فعال کبکاء وقد يجيء على فعيل كصهيل وعلى فعللة كحمحمة (أو بقرة لها خوار) بخاء معجمة مضمومة وواو خفيفة أي تصويت والخوار صوت البقر. قال الراغب: مختصّ بالبقر وقد يستعار للبعير والبقر واحده بقرة ويقال في جمعه باقر كحامل وبقير كحكيم، ويقال للذكر ثور كجمل وناقة ورجل وامرأة انتهى (أو شاة لها ثواج) بمثلثة مضمومة وفتح الهمزة فألف فجم صياح الغنم فقال عبادة يا رسول الله إن ذلك كذلك فقال: أي والذي نفسي بيده إلّ من رحم الله قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين أبداً أي لا إلى الحكم على اثنين ولا أتأمر على أحد(٢) وهذا دليل على كراهة الإمارة في ذلك العصر الذي كان (١) وفيه حذف تقديره لا تأخذ ما تستحقه فتأتي. (٢) أو لا أكون عاملاً لحاكمين أو لا يكون فعلي مخالفاً لاعتقادي اهـ. -